تمهيد: عندما يقودك الحبّ إلى لغة القلب
قبل أن نغوص في تعقيدات الحبّ متعدّد اللّغات والتحدّيات التي تواجه الأزواج من خلفيات تراثية مختلفة، دعني أشاركك قصّة شخصية تلخّص جوهر ما ستقرأه في السطور التالية.
رجل في السابعة والأربعين من عمره، نشأ في بيت مختلط بين أب أوزبكستاني وأم سورية، وعائلة كبيرة متعدّدة الجنسيّات. جرّب الحبّ بأربع لغات مختلفة عبر سنوات حياته. أحبّ بالإنگليزية والألمانية والفرنسية والعربية، لكنّه في النهاية اختار العودة إلى المكان الذي بدأ منه – إلى لغة أمّه، إلى العربية السورية الدمشقية تحديداً.
لماذا هذا الاختيار؟ وما الذي يجعل الحب في لغة واحدة مختلفاً عنه في أخرى؟ هذا بالضبط ما كشفته الدراسات الحديثة في علم اللّغويات النفسية، وما ستتعرّف إليه في رحلتنا اليوم مع عالمة اللّغويات ماگدالينا هولر.
فالحبّ، كما سنرى، ليس مجرّد شعور عالميّ واحد، بل تجرِبة معقّدة تتشكّل بعمق بواسطة اللّغة التي نعبّر بها عنه. وأحياناً، بعد رحلة طويلة عبر لغات العالم، نكتشف أنّ أجمل الكلمات هي تلك التي تعلّمناها أوّلاً.

تخيّل أن تقول “أحبّك” لشريك\ـة حياتك، لكنّ الكلمات تخرج خالية من أيّ عمق عاطفي؛ ذلك الذي تحمله في لغتك الأم. هذا ما تواجهه ماگدالينا هولر، عالمة اللّغويات النمساوية متعدّدة اللّغات، في علاقتها بزوجها الأسترالي. فهي تتحدّث الألمانية النمساوية لغة أولى، وهو يتحدّث الإنگليزية الأسترالية، وهذا الاختلاف اللّغوي يخلق تحدّيات يومية مخفية في علاقتهما.
سوء الفهم الطريف والتحدّي الحقيقي
في يوم خريفي بارد لكن مشمس، كانت ماگدالينا تركب خلف زوجها على دراجته النارية. عند إشارة المرور، رفع زوجها خوذته وقال لها: “تعالي المسي مقابضي” handles. فمدّت يدها لتلمس وركيه بمرح وقالت: “هذه المقابض مثالية يا حبيبي”. لكنّه كان يقصد مقابض الدراجة النارية المُدفأة، وليس “مقابض الحبّ” على جسده!
هذا مثال بسيط على سوء الفهم اليومي الذي يحدث في العلاقات متعدّدة التُرُث. وهذه العلاقات ليست نادرة – فثلث الزيجات في أستراليَا اليوم متعدّدة التراث وفقاً لمكتب الإحصاء الأسترالي، ممّا يعني أنّنا لم نكن يوماً أكثر ترابطاً عبر القارّات ممّا نحن عليه الآن.
ثلاث تحدّيات خفية
تكشف الدراسات التي أجرتها ماگدالينا مع الأزواج متعدّدي التراث عن ثلاثة تحديات أساسية تواجههم يومياً، وأحياناً دون علمهم بوجودها.
التحدّي الأول: الوزن العاطفي المختلف للّغات

اللّغات المختلفة تحمل أوزاناً عاطفية مختلفة للأشخاص. عندما تقول ماگدالينا “أحبّك” بالإنگليزية، فهذا لا يُحدث نفس الأثر العاطفي لقولها ich liebe dich بالألمانية. السبب أنّ اللّغة ليست مجرّد أداة للتواصل، بل تشكّل تجربتنا العاطفية، واللّغة الأم عادة تثير أقوى المشاعر.
نشأت ماگدالينا وهي تسمع عبارة ich liebe dich من والديها، فاكتسبت هذه الكلمات عبر السنين وزناً عاطفياً لا تستطيع أي لغة أخرى تعلّمتها لاحقاً أن تحقّقه.
هذا ينطبق أيضاً على المشاعر الأخرى كالغضب والإحباط. في إحدى المرات، خلال جدال مبكّر في علاقتها، استخدمت ماگدالينا كلمة بذيئة شديدة القسوة في الإنگليزية دون أن تدرك مدى قوّة تأثيرها. بالنسبة لها، كانت مجرّد أربع أحرف سمعتها في الشارع، لكن زوجها صُدم تماماً. منذ ذلك الحين لم تستخدمها مرّة أخرى في أيّ سياق.
التحدّي الثاني: الفكاهة التي لا تُترجم

إضحاك الشريك جزء مهم من العلاقات، لكن الفكاهة غالباً لا تُترجم جيّداً. أحياناً تكون النكتة مضحكة في لغة واحدة لكنّها تسقط مسطّحة في أخرى، أو قد تكون مسيئة.
من الناحية اللّغوية، يمكن تقسيم هذا إلى جانبين: تلقّي الفكاهة وإنتاجها. من ناحية التلقّي، قد يشعر الشريك بعدم اليقين حول فهمه للمعنى الحقيقي للنكتة أم مجرّد الطبقة السطحية منها. قد تكون هذه مسألة لغوية بحتة، كعدم التقاط السخرية أو عدم التعرّف على التورية لأنّ المهارات اللّغوية لم تصل لذلك المستوى بعد.
هناك أيضاً الجانب التراثي. الشركاء من خلفيّات لغوية مختلفة نشأوا طبيعياً في مجموعات مختلفة من الفهم وعدم الفهم للنكات. ماگدالينا لم تفهم أبداً لماذا العبارة الأسترالية “روبيان على الشواية” ليست مضحكة فعلاً للأستراليّين، بل تضايقهم. وزوجها لا يفهم لماذا البرنامَج التلفزيوني النمساوي المحرج والحنيني من التسعينيّات مضحك جدّاً لها.
مجموعات فهم مختلفة تعني أنّ الشركاء متعدّدي التراث لديهم أرضية مشتركة محدودة للعمل عليها. وعندما لا يفهم أحد الشريكين النكتة، يعلّق الآخر في محاولة شرحها له. وهذا الحديث لا يكون مضحكاً أبداً.
من ناحية إنتاج الفكاهة، نعلم جميعاً أنّ إنتاج الفكاهة في لغة ثانية مهارة صعبة للغاية للإتقان. هناك عناصر كثيرة يجب إتقانها: النص الضمني للنكتة، والخاتمة المضحكة، والسياق، والإلقاء، كل ذلك مع التأكّد من أنّها مناسبة ومضحكة.
في بحث ماگدالينا مع الأزواج متعدّدي التراث، أكّدوا جميعاً شعورهم بأنّهم أقلّ مرحاً عند المزاح بلغة ثانية مع شركائهم. تخيّل ما يفعله هذا بتقديرك لذاتك وبديناميكية علاقتك الزوجية؟
في إحدى المقابلات، قال أحد المشاركين الذكور عن زوجته: “لا أعتقد أنّها أضحكتني يوماً بالإنگليزية. هي ناطقة بالألمانية”.
حتى ماگدالينا نفسها تشهد على هذا. كانت تشعر دائماً أنّها عبقرية كوميدية بلا مجهود بالألمانية النمساوية، لكنّها لم تستطع جلب نفس الطاقة للإنگليزية، وكانت محبطة لأنّ زوجها لن يعرف أبداً العبقرية الكوميدية الحقيقية لزوجته.
الفكاهة، أو نقصها، يمكن أن تخلق مسافة بين الشركاء وتمنعهم من معرفة بعضهم البعض حقاً.
التحدّي الثالث: ديناميكيات القوّة المخفية

هذا هو التحدّي الأكثر أهمّيّة والأكثر خفاءً. إنّها ديناميكيّات القوّة المخفية بين الشركاء متعدّدي التراث. الأزواج يتعاملون معها وهي خفية جدّاً لدرجة أنّهم غالباً لا يلاحظونها.
من منظور لُغَوي بحت، هناك دائماً شريك متفوّق لغويّاً وآخر أدنى منه. قد تعتقد أنّه الشخص الذي يتحدّث اللّغة بشكل أفضل، وهذا جانب واحد، لكن الأمر ليس بتلك البساطة. هناك طبقات وجوانب أكثر.
جانب واحد هو الكفاءة اللغوية. برغم أنّ مهارات ماگدالينا في الإنگليزية جيّدة وعالية، زوجها ناطق أصلي. سيكون دائماً أكثر كفاءة منها في الإنگليزية، وهذا يضعه في موضع أفضل في حالات كثيرة. هو من يدير جميع عقودهم، وهو من يشرح لها المفردات في أثناء الأفلام عندما لا تفهم. كل هذا ليس أمراً كبيراً بالطبع، لكنّه بطرق معينة يتدفّق إلى ديناميكية علاقتهم لأنّها تعتمد عليه لغوياً، وهذا شيء لا يلاحظانه يومياً.
لكنّه واضح للغاية عندما يتجادلان. يخوضان كلّ هذه النقاشات الحامية بالإنگليزية، لغتها الثانية ولغته الأولى. بعد يوم من معالجة الحياة والعمل والمشاعر والمحادثات بالإنگليزية، تحتاج ضعف الطاقة لإيجاد الكلمات المناسبة في هذه اللّحظات الحامية. ردوده فورية، لكنّها غالباً تودّ أن تقول: “شكراً لردّك. سأعود إليك خلال ٣ إلى ٥ أيام عمل”.
الشريك ذو الكفاءة اللّغوية الأعلى لديه اليد العليا هنا.
لكن هناك عوامل أخرى أيضاً. هناك أيضاً المكانة العالمية للّغة المستخدمة بين الشركاء. اللّغات ذات النفوذ العالمي كالإنگليزية والإسپانية والماندرين تُنظر إليها بصفة متفوّقة مقارنة باللّغات الأقل انتشاراً. لذا الأزواج ينجذبون إليها طبيعيّاً. مرّة أخرى، الإنگليزية مقابل الألمانية النمساوية؟ ماگدالينا لا تربح حتى الآن. المكانة العالمية المهيمنة للإنگليزية ستأخذ الأفضلية دائماً، وهذا يتدفّق إلى ديناميكية علاقتهم لأنّهم لا يتحدّثون بلغتها بقدر ما تحب.
لكن عاملاً لا يمكن نسيانه هو البيئة اللّغوية التي يختار الزوجان العيش فيها أو البلد. في أستراليَا، ناطق أصلي مثل زوج ماگدالينا في منطقة راحته اللّغوية. لكن لو أزلت هذه البيئة الآمنة، ديناميكيّات القوّة يمكن أن تتغيّر كثيراً. بمجرّد سفرهم للنمسا، فجأة تصبح هي من تطلب الطعام في المطاعم وتترجم في الأحداث العائلية. الأدوار تنعكس. ديناميكيّات القوّة لا تُحدّد فقط بالزوجين نفسيهما بل أيضاً بمحيطهما.
الحلول والتوصيات
التعامل مع لغتين مختلفتين أمر صعب، وقد تسأل عن الحل. الأخبار السيئة أن هذه الأشياء لا تختفي حقاً، مهما طالت علاقتك. ماگدالينا وزوجها معاً منذ ٩ سنوات، وما زالا يكافحان مع معظم هذه الأشياء.
الأخبار الجيّدة أنّ هناك توصيّتين بسيطتين. الأولى هي الوعي. كن واعياً أنّ مشاعرك يمكن أن توجهها لغتك، الحبّ والغضب وكلّ شيء بينهما. كن واعياً أنّ فكاهتك متجذّرة في خلفيّتك التراثية، وأحياناً لا تُترجم في لغة أخرى. وكن واعياً أنّ مهاراتك اللّغوية ومحيطك يمكن أن يرفع أو يخفض قوّتك اللّغوية على شريكك. لأنّك لو كنت واعياً أنّ هذه الأشياء تحدث لك خلف الكواليس، ستدرك أنّ هذه الأشياء تحدث أيضاً لشريكك.
وحينها فقط يمكنكما العمل على التوصية الثانية معاً: بناء تراثكما المصغّر بنشاط. تراثكما المصغّر هو مزيجكما المثالي من تراثيكما وعاداتكما وتقاليدكما ولغاتكما. ابنيا لغة حبّكما. اختلقا كلمات جديدة غير موجودة. انتقلا بين لغاتكما بقدر الإمكان. حدّدا فكاهتكما الخاصّة. احصلا على نكاتكما الداخلية الخاصّة. حدّدا لغتكما الهزلية الخاصّة. هذه هي الفكاهة التي تهمّ. واعملا نحو ديناميكية قوّة متساوية. امنحا بعضكما فرصاً للنمو في لغات وبلدان بعضكما البعض.

كل هذه التحدّيات صعبة، لكنها أيضاً فرصة للتطوّر، سواء مع صديق متعدّد التراث أو في العمل أو في عَلاقة رومانسية. الحبّ صعب في لغة ثانية، لكنّه يستحقّ بالتأكيد. وكما تقول ماگدالينا بتورية على كلمة “مقابض”: الجميع سيتعامل مع الأمر أيضاً.
العلاقات متعدّدة التراث تتطلّب صبراً ووعياً وعملاً مستمرّاً، لكنّها تمنح الشركاء فرصة فريدة لبناء عالم صغير خاص بهم يجمع أجمل ما في عالمين مختلفين.
العودة إلى لغة الأم: رحلة البحث عن الحبّ الحقيقي
في عمر الـ٤٧، وبعد رحلة طويلة عبر قارّات المشاعر ولغاتها المتنوّعة، اكتشفت أخيراً سرّ السعادة العاطفية الذي كان مختبئاً في أعماق ذاكرتي الأولى. عدت إلى حيث بدأت – إلى لغة أمّي، إلى العربية السورية الدمشقية، إلى المكان الذي تسكن فيه مشاعري الأصيلة.
تجارِب متنوّعة، بحث واحد
خلال سنوات عمري، جرّبت الحبّ بأربع لغات مختلفة. أحببت بالإنگليزية، تلك اللّغة العالمية التي تفتح أبواب العالم، وبالألمانية، لغة الدقّة والعمق الفلسفي، وبالفرنسية، لغة الرومانسية والشاعرية، وبالعربية أيضاً. كلّ تجرِبة حملت نكهتها الخاصّة، وكلّ عَلاقة علّمتني شيئاً جديداً عن نفسي وعن طبيعة المشاعر الإنسانية.
لكن شيئاً كان ناقصاً دائماً. كان هناك حاجز خفي، طبقة رقيقة لكنّها حاضرة، تفصل بين ما أشعر به حقّاً وما أستطيع التعبير عنه. كنت أترجم مشاعري باستمرار، أبحث عن الكلمات المناسبة في قواميس لغات تعلّمتها لاحقاً، أحاول أن أنقل العمق الذي أشعر به بكلمات لم تنمُ معي منذ الطفولة.
هذا إلى جانب أنّني أحبّ الحبّ بالعربية، أرقّ وأوضح وأصدق من غيرها من اللّغات التي جرّبتها. أحبّ التعبير عن مشاعري بدقّة وبعمق وبفصاحة لا تقدّمها لي الإنگليزية، ولو أنّني فصيح بها.
الوزن العاطفي للكلمات

كما تشرح ماگدالينا هولر في بحثها، اللّغات تحمل أوزاناً عاطفية مختلفة. عندما كنت أقول I love you بالإنگليزية أو Je t’aime بالفرنسية أو Ich liebe dich بالألمانية، كانت هذه الكلمات تخرج من عقلي، وليس من قلبي. كانت ترجمات لمشاعر حقيقية، لكنّها لم تكن المشاعر نفسها.
أمّا عندما أقول “بحبّك” بالعربية السورية الدمشقية، فهذه الكلمة تخرج من مكان أعمق، من ذلك المكان الذي تكوّنت فيه أول ذكرياتي العاطفية. هذه هي الكلمات التي سمعتها من أهلي وأصدقاء طفولتي، التي تربّيت عليها، التي تحمل في طياتها دفء البيت الأول وأمان الحِضن الأول.
قوّة الفهم المتبادل
الفكاهة والمرح جزء لا يتجزّأ من أيّ عَلاقة صحّية. في علاقاتي السابقة بلغات أجنبية، كنت أشعر أحياناً أنّني أقلّ ذكاءً أو مرحاً ممّا أنا عليه حقّاً. النكات التي تضحكني حتّى البكاء بالعربية كانت تسقط باهتة عند ترجمتها، والمفارقات الساخرة التي أتقنها في لهجتي الأم كانت تفقد بريقها في اللغات الأخرى.
مع شريكة حياتي الحالية، التي تتحدّث نفس لهجتي الدمشقية، اكتشفت مجدّداً الجانب المرح من شخصيّتي. نضحك على نفس الأشياء، نفهم السخرية الخفيفة في كلام بعضنا البعض، نتشارك الذكريات الجماعية للتراث الشامي، ونبني نكاتاً داخلية تستند إلى فهم عميق مشترك لا يحتاج إلى تَرْجَمَة أو شرح.
توازن القوى العاطفية
في علاقاتي السابقة متعدّدة اللّغات، كان هناك دائماً خلل في توازن القُوَى اللّغوية. أحياناً كنت المتفوّق لغويّاً، وأحياناً كنت الأضعف. هذا الخلل كان يؤثّر على ديناميكية العَلاقة بطرق خفية. في اللّحظات الحاسمة، خلال الجدالات أو النقاشات العميقة، كان أحدنا يحتاج وقتاً أطول للتعبير عن نفسه، أو يفقد جزءاً من قوّة حجّته بسبب حاجز اللّغة.
مع شريكتي الحالية، نحن على قدم المساواة اللّغوية. كلانا يتحدّث بنفس اللّهجة، بنفس السرعة، بنفس العمق. لا أحد منّا يحتاج إلى “٣ إلى ٥ أيام عمل” للردّ على الآخر خلال نقاش حاد. نحن نتفاهم بلا حواجز، ونتجادل بلا عوائق لغوية.
الهُوِيَّة المختلطة والعودة للجذور

كوني ابن زواج مختلط – أب أوزبكستاني وأم سورية – جعلني أعيش دائماً في مفترق طرق الهويّات. نشأت وأنا أحاول التوفيق بين تراثين مختلفين، وتعلّمت مبكّراً كيف أتنقل بين عوالم مختلفة. لكنّ لغة أمي كانت دائماً هي الثابت، هي المرفأ الآمن الذي أعود إليه عندما أريد أن أكون نفسي دون قناع أو تَرْجَمَة.
عندما التقيت بشريكة حياتي، التي تتحدّث نفس لهجة جدّتي الدمشقية، شعرت وكأنّني عدت إلى البيت بعد رحلة طويلة. لم أعد أحتاج إلى أن أكون نسخة مترجمة من نفسي، بل استطعت أن أكون أنا، بكلّ تعقيداتي وبساطتي، بكلّ مشاعري ونكاتي، بكل ذكرياتي وأحلامي.
التراث المشترك أساس للحبّ
ما اكتشفته في هذه العَلاقة أنّنا لا نحتاج إلى بناء “تراث مصغّر” كما تنصح ماگدالينا هولر الأزواج متعدّدي التراث. نحن نملك تراثاً مشتركاً جاهزاً، مليئاً بالذكريات الجماعية والمراجع المشتركة والفهم العميق للسياق الاجتماعي والعاطفي.
نحن نتشارك فهماً عميقاً لمعنى كلمات مثل “يا روحي” أو “عيون قلبي” أو “عمري”. هذه ليست مجرّد تعابير رومانسية، بل كلمات محمّلة بتاريخ عاطفي طويل، مشبعة بذكريات الطفولة والشباب، محفورة في أعماق الذاكرة العاطفية.
الخلاصة: الحبّ في لغته الأم
بعد رحلة طويلة عبر لغات وحضارات مختلفة، اكتشفت أنّ الحبّ، مثل الشعر، يفقد شيئاً من جوهره عند التَّرْجَمَةً. ليس هذا انتقاصاً من قيمة الحبّ متعدّد اللّغات، فقد علمتني تجاربي السابقة الكثير عن نفسي وعن العالم. لكن هناك عمق خاص، وراحة خاصّة، وأصالة خاصّة في الحبّ الذي يتحدّث بلغة أمّك.
في عمر الـ٤٧، تعلّمت أنّ أهمّ قرار في الحبّ ليس فقط اختيار الشخص المناسب، بل أيضاً اختيار اللّغة المناسبة للتعبير عن هذا الحبّ. وأحياناً، أجمل الكلمات هي تلك التي تعلّمناها أوّلاً، التي تحمل في طيّاتها دفء البداية وأمان العودة إلى الجذور.

فكرة التدوينة مقتبسة عن محاضرة ألقتها اللّغوية والأكاديمية ماگدالينا هولر Magdalena Hoeller وهي عالمة لغويات شغوفة تبحث في كيفية نجاح التواصل أو فشله عبر الحضارات والخلفيات اللّغوية المختلفة. تكرّس جهودها لتعزيز الروابط المعنوية من طريق التنوّع في البيئات الأكاديمية والاجتماعية والشخصية.
تتحدّث هولر ست لغات وتعمل في المجال الأكاديمي بإحدى الجامعات في أستراليَا، حيث تدعم الطلّاب الدوليّين. ويتركّز عملها على سدّ الفجوات اللّغوية وتعزيز التواصل والانتماء، وتمكين الطلاب ليصبحوا متواصلين واثقين في بلد أجنبي.
حصل عمل فريقها على ترشيح مرشّح نهائي لجائزة مقدّم التعليم NSW لعام ٢٠٢٤ في ولاية نيو ساوث ويلز، وتتحدّث بانتظام في المؤتمرات التعليمية في جميع أنحاء أستراليَا.





اترك رد