هل تعلم أنّ اللّهجة التي تتحدّثها طفلاً تتحكّم في طريقة فهمك للأحداث الجارية في حياتك، مهما تغيّرت وتنوّعت لغاتك فيما بعد؟ حتّى بعد عقود من الطفول، تبقى لهجة الطفولة هي المتحكّم في الفهم الأوّلي لكلّ تفاعلات الحياة بحياتك. وتنوّع لهجات الطفولة يوسع ويزيد من قدراتك على تحسين الفهم الأوّلي لهذه الأحداث.
تنبض لغة المنزل بالحياة والعواطف منذ السنوات الأولى، فتصقل خبراتنا وتشكّل ذكرياتنا وتبني شخصيّتنا وسماتها التي تستمرّ ثابتة مع التقدّم بالعمر. ومن ناحية العلم، تعزّز البحوث العلميّة الدور العميق للّغة الأم في تطوّر مشاعرنا وأفكارنا، فتكشف أسرار ارتباطها بالذاكرة العاطفيّة التي تبرمج «ردّ الفعل العاطفي اللّاإرادي» الذي يسيطر على «الفهم الأوّلي» لأحداث الحياة.
يدهشني هذا الارتباط الوثيق بين لغتنا الأولى ومشاعرنا عندما نتذكّر (بلا وعي) تجاربنا الطفوليّة الأولى، ويزداد إدراكنا له مع نضجنا وتعلّمنا لغات أخرى، فتكسب اللّغة المتعلَّمة في المنزل قوّتها العاطفيّة مع الوقت، وتصبح دليلنا الأمين في التعبير عن مشاعرنا العميقة. تكشف الدراسات العلميّة تفضيل الأشخاص للغتهم الأولى في التعبير عن المشاعر والحديث الداخلي، ويظهر هذا التفضيل دائماً في المواقف الشخصيّة والعائليّة، وتستمرّ هذه العلاقة الخاصّة بلغة المنزل في مرحلة البلوغ، فنجدها تؤثّر على طريقة تفكيرنا ومعالجتنا للمعلومات العاطفيّة.
باختصار، تؤدّي اللّغة واللّهجة المستخدمة في البيئة المنزليّة دوراً محوريّاً في تشكيل الذكريات العاطفيّة، ممّا يمكن أن تكون له آثار مستمرّة في مرحلة الرشد.
تكشف البحوث العلميّة عمق تأثير لغة المنزل على تطوّر مشاعرنا وذكرياتنا، فتظهر كيف ترسم الكلمات الأولى ملامح شخصيّاتنا وتصوغ طريقة تعبيرنا عن العواطف، وتبيّن نظريّة «الفعل المفاهيمي» دور اللّغة الأساسي في تفسير الأحاسيس الجسديّة والمعلومات السياقيّة، ويؤكّد العلم أهميّة النقاش المفتوح عن المشاعر في المنزل لتطوير مهارات الأطفال العاطفيّة والاجتماعيّة، وتستمرّ قوّة لغة المنزل في مرحلة البلوغ، فيختار الناس لغتهم الأولى للتعبير عن مشاعرهم العميقة، ويمنح تعدّد اللّغات البشر قدرة فريدة على التعامل مع عواطفهم، فيستطيعون خلق مسافة عاطفيّة باستخدام لغة ثانية، أو التعبير عن مشاعر دقيقة باستخدام كلمات غير موجودة في لغات أخرى.
تدفعنا هذه المعرفة العلميّة إلى تقدير عمق تأثير لغة المنزل في حياتنا، وتشجّعنا على الاهتمام بالتواصل العاطفي في أسرنا، وتذكّرنا بأهميّة الحفاظ على التنوّع اللّغوي كثروة إنسانيّة تغني تجربتنا العاطفيّة وتوسّع آفاق تفكيرنا.

لغة المنزل وتشكيل الهوية العاطفية
نظرية الفعل المفاهيمي
تشير البحوث العلميّة أنّ اللّغة واللّهجة المستخدمة في المنزل تؤثّر بشكل كبير على الذاكرة العاطفيّة وآثارها في مرحلة البلوغ. تطرح نظريّة «الفعل المفاهيمي» أنّ اللّغة تؤدّي دوراً أساسيّاً في العواطف عبر دعم «المعرفة المفاهيميّة» المستخدمة لتفسير أحاسيس الجسد ومعلومات السياق، فاللّغة المحكيّة في المنزل تساعد الأفراد على اكتساب مفاهيم المشاعر واستخدامها، ممّا يشكّل التجارب العاطفيّة طوال الحياة.
ومن هذه البحوث بحث نُشر سنة ٢٠١٥ في مجلّة مكتبة الطبّ الوطنية الأمريكية National Center for Biotechnology Information بعنوان {دور اللّغة في العاطفة: توقّعات من البنائية النفسية} The role of language in emotion: predictions from psychological constructionism تحدّث عن العلاقة الأساسيّة بين اللّغة والمشاعر الإنسانية. أنجز البحث والدراسة مجموعة من الباحثين برئاسة {كريستن ليندكويست} Kristen A Lindquist وزملائها. واستعرض نظرية البناء النفسي للعواطف التي تصف كيفية تشكّل المشاعر وإدراكها من طريق التفاعل المعقّد بين الإشارات الجسدية والمعرفة المفاهيمية واللّغة.
تشرح هذه الدراسة نظرية «الفعل المفاهيمي» CAT التي توضح الدور المحوري للّغة في تشكيل العواطف. وتنطلق النظرية من فرضية أساسية مفادها أنّ العواطف ليست مجرّد استجابات فطرية بسيطة، بل تتشكّل عبر عملية معقّدة تجمع بين الإحساسات الجسدية والمعرفة المفاهيمية المكتسبة عبر اللّغة.
شرح المفردات
مصطلح «المعرفة المفاهيمية» يشير إلى مخزون غني من النماذج التي تشكّل ما «يعرفه» الشخص عن الفئات العاطفية المختلفة.
على سبيل المثال، يعرف الناس أن فئة الخوف تتضّمن:
- علامات جسدية: نبضات قلب متسارعة، تعرّق اليدين، عقدة في المعدة.
- سلوكيّات: رغبة في الهروب.
- سياقات تهديد حياة مرتبطة بأشياء مختلفة مثل: الثعابين، الدببة، المنحدرات، المتسلّلين.
ويضيف المقال أن الناس يعرفون معلومات أخرى عن الخوف، حتى لو لم تكن نمطية، وهذه المعلومات قد تختلف من شخص لآخر. فمثلاً:
- شخص قد يعرف أن الخوف يمكن أن يتضمن مهاجمة شخص آخر
- شخص آخر قد يعرف أن الخوف يمكن أن يتضمن الابتسام
- آخرون قد يعرفون أن الخوف يمكن أن يرتبط بالمهرجين، الاحتباس الحراري، الإذلال العام، والمخاوف الوجودية
بدلاً من أن تتكوّن من نماذج أولية معيّنة لبعض المشاعر، ترى نظرية الفعل المفاهيمي أنّ المعرفة المفاهيمية عن المشاعر تتكوّن من مجموعات من النماذج المكتسبة عبر التعلم من الآخرين والخبرة الشخصية.

دور الأسرة في تطور المفاهيم العاطفية
تُشكّل اللّغة أداة مهمّة في اكتساب المفاهيم العاطفية منذ الطفولة المبكّرة. إذ يتعلّم الأطفال ربط الكلمات بالتعبيرات الوجهية والمشاعر الجسدية والمواقف المختلفة. على سبيل المثال، يستطيع الأطفال في عمر السنتين تمييز المشاعر الإيجابية والسلبية فقط، لكنهم يبدؤون في فهم العواطف الأكثر تعقيداً مثل الغضب والخوف والحزن عندما يتعلّمون الكلمات المناسبة لوصفها.
يؤثّر الوالدان بشكل كبير على تطوّر المفاهيم العاطفية لدى أطفالهم. ويساعد النقاش المفتوح عن المشاعر والعواطف الأطفال على تطوير مهارات عاطفية واجتماعية أفضل. بالمقابل، الآباء الذين يعانون من صعوبة في التعبير عن مشاعرهم قد يؤثّرون سلباً على نمو أطفالهم العاطفي. وتستمر اللّغة في لعب دور مهم في العواطف عند الراشدين. فتساعد الكلمات الراشدين على تعلّم فئات عاطفية جديدة وتحديث معرفتهم العاطفية الموجودة. تؤثّر اللّغة أيضاً على كيفيّة إدراك وفهم العواطف في اللّحظة الراهنة.
تتضمّن التطبيقات العملية لهذا البحث تطوير تدخّلات علاجية للأطفال المصابين باضطرابات نمائية أو عاطفية. كما يمكن استخدام هذه المعرفة لتحسين التواصل العاطفي في الفصول الدراسية والعلاج النفسي. يقترح البحث أيضاً أنّ تعدّد اللّغات قد يساعد في تنظيم العواطف بشكل أفضل. الكلمات تواصل دورها المهمّ في مساعدة الراشدين على اكتساب معرفة جديدة عن فئات المشاعر طوال حياتهم. فالكلمات تساهم في تحديث معرفتهم الحالية عن المشاعر بشكل مستمر.

صراع الهويّة اللّغوية وآثاره النفسية
في طفولتي نشأت مع الكتب. لم أجد أشخاصاً أحادثهم لتنشئتي، إذ كان كلّ «الراشدين» منشغلين عنّي في تفاصيل حياتهم اليومية، وليس حصّة من وقت أحد. وطالما أنّ الكتب من حولي كانت آنذاك بالعربية الفصحى فاعتدتها، وعوّدتني عليها أكثر برامج الأطفال التي كانت لا تبثّ على التلفاز السوري إلّا بالفصحى. هكذا، تعرّفت إلى الكثير من العواطف والأفكار للمرّة الأولى بالفصحى. ولم أعرف كيفيّة التعبير عنها بالمحكيّات الشاميّة.
ثمّ كبرت. وبدأت طريقي في الدراسة العلمية وتوسيع معارفي الأكاديمية. وهنا تعلّمت المزيد من الأفكار والعواطف (التي تحرّمها بيئة المطبوعات العربية) لكن، هذه المرّة باللّغة الإنگليزية، لغة الروضة، ولغة دراساتي المتقدّمة لاحقاً ولغة عملي ومهنتي بعدها. ودخلت مرحلة جديد من معاناة قولبة عقلي على بناء هذه الأفكار الجديد بلغة بعيدة عن لغة الطفولة … وفي الحالتين، بعيدة جدّاً عن المحكيّات الشامية. ودخلت هكذا اضطراب الهويّة اللّغوية.

اضطراب الهويّة اللّغوية
يظهر «اضطراب الهويّة اللّغوية» بين الأفراد الذين نشأوا في بيئة تختلف لغتها عن البيئة التي يعيشون فيها فعلاً. فيعاني الشخص صراعاً داخليّاً بين لغته الأم التي تربّى عليها، واللّغة العامّة التي يضّطر للتواصل بها في مجتمعه. ويتفاقم هذا الصراع مع تراكم المواقف اليومية التي تبرز فيها هذه الفجوة اللّغوية، فيشعر الشخص بالاغتراب عن ذاته وعن مجتمعه في آنٍ واحد.
يؤثّر هذا الاضطراب على التعبير العاطفي للشخص، فيجد صعوبة في نقل مشاعره وأفكاره العميقة باللّغة «الثانية» و «الثالثة». وتظهر هذه المشكلة بوضوح في العلاقات الشخصية والمهنية، فيواجه صعوبة في تكوين صداقات عميقة أو التعبير عن آرائه بدقّة في بيئة العمل، ويشعر دائماً بوجود حاجز خفي يفصله عن الآخرين.
تبرز المشكلة بشكل خاص في المواقف العفوية والتلقائية، فيجد الشخص نفسه عاجزاً عن المشاركة في النكات والتعليقات السريعة. ويزداد شعوره بالعزلة خلال المناسبات الاجتماعية، فيميل إلى الانسحاب أو الصمت، ممّا يعمّق إحساسه بالانفصال عن المجتمع المحيط به. ويعاني الشخص أيضاً من تشتّت في هويّته اللّغوية، فيفقد القدرة على التعبير بطلاقة في أيّ من اللّغتين. وتتضّح هذه المشكلة في لحظات التوتّر والضغط، فيخلط بين اللّغتين أو يتوقّف عن الكلام تماماً، ممّا يزيد من شعوره بالإحباط والتشتّت النفسي.

تحدّيات استخدام الفصحى في الحياة اليومية
يواجه المتحدّث بالفصحى في طفولته صعوبةً في التواصل العفوي مع أقرانه عندما يكبر. ويظهر هذا التباين في المواقف التلقائية السريعة، فتخرج كلماته رسمية وبعيدة عن لغة الشارع، ممّا يسبّب له شعوراً بالغربة والانفصال عن محيطه. وتمتدّ آثار هذا الاختلاف اللّغوي إلى علاقاته العاطفية والاجتماعية، فيصعب عليه التعبير عن مشاعره بتلقائية. وتضعف قدرته على استخدام التعابير الدارجة والمصطلحات اليومية، فتبدو تعبيراته غريبة على مسامع الآخرين، وقد تثير سخريتهم أحياناً.
يتأثّر أداؤه المهني بهذا الاختلاف، فيجد نفسه غريباً في بيئة العمل. حين تخرج عباراته منمّقة ورسمية في المواقف التي تتطلّب بساطة ومرونة في الحديث، وتزداد هذه الفجوة في اجتماعات العمل غير الرسمية واللّقاءات الاجتماعية مع زملائه. ويعاني المتحدّث أيضاً اضطراباً في شعوره بالانتماء، فيشعر بانفصال بين عالمه الداخلي المبني على الفصحى وعالمه الخارجي. ويزداد هذا الشعور عمقاً في المناسبات الاجتماعية، فيميل إلى الصمت والانسحاب، أو يضّطر للتكلّف في محاولته مجاراة لغة المجتمع.
تأثير السياق العائلي والاجتماعي
وهذا يشير إلى أنّ «المعرفة المفاهيمية» للمشاعر تتأثّر بالسياق العائلي والاجتماعي. فاستخدام لغة مختلفة في المنزل عن المجتمع قد يؤدي إلى صعوبة في ربط المشاعر بالتعبيرات اللّغوية المناسبة اجتماعياً، مع تحدّيات في التواصل العاطفي مع الأقران، واحتمال تطوّر هوية لغوية مزدوجة تؤثّر على التعبير العاطفي.

الذاكرة العاطفية عند متعدّدي اللّغات
تكشف الدراسات على الأشخاص ثنائيّي اللّغة أنّ الكلمات العاطفيّة غالباً ما تُتذكّر بشكل أفضل عندما تُقدّم باللّغة الأم للشخص، ممّا يبرز الارتباط العميق بين التعرّض المبكّر للّغة والذاكرة العاطفيّة، هذه الظاهرة تؤكّد التأثير الدائم للّغة المنزليّة على كيفيّة معالجة العواطف وتذكّرها في مرحلة البلوغ.
عام ١٩٩٤ درست {پاولا هيرتل} Paula T. Hertel و{لندا أنوشيان} Anooshian في جامعة ترينيتي Trinity كيفيّة تذكّر الكلمات العاطفية والمحايدة عند ثنائيّي اللّغة الإسپانية-الإنگليزية. وأجريت الدراسة على من تعلّموا لغتهم الثانية بعد سن الثامنة. ونُشرت الدراسة في مجلة “الإدراك والعاطفة” Cognition and Emotion بعنوان {الجانب العاطفي في التذكّر الحرّ: دور اللّغة المحدّدة في ذاكرة ثنائيّي اللّغة} Emotionality in Free Recall: Language Specificity in Bilingual Memory وأظهرت أنّ المشاركين تذكّروا الكلمات العاطفية بشكل أفضل من المحايدة فقط عندما عُرضت بلغتهم الأم.
شرح المفردات
عنوان المقال هو: Emotionality in Free Recall: Language Specificity in Bilingual Memory ويمكن أيضاً ترجمته بشكل آخر: {الجانب العاطفي في التذكر الحر: دور اللغة المحددة في ذاكرة ثنائيي اللغة}.
المصطلحات الأساسية في العنوان:
- مصطلح Emotionality: ترجمناه العاطفية/الجانب العاطفي.
- مصطلح Free Recall: ترجمناه الاستدعاء الحرّ/التذكر الحرّ.
- مصطلح Language Specificity: ترجمناه خصوصية اللّغة/دور اللغة المحدّدة.
- مصطلح Bilingual Memory: ترجمناه الذاكرة ثنائية اللّغة/ذاكرة ثنائيي اللّغة
فسّر الباحثون هذه النتائج بأنّ اكتساب اللّغة الثانية في وقت متأخّر يؤدّي إلى نظام تمثيل منفصل عن نظام اللّغة الأم. وارتبط تعلّم اللّغة الأم في الطفولة المبكّرة بالتجارب العاطفية، ممّا جعل الكلمات العاطفية باللّغة الأم أسهل للتذكر. واختلف تأثير نوع التقييم على استدعاء الكلمات باللّغة الأم عن اللّغة الثانية. أدّى تقييم النطق إلى استدعاء أقلّ من تقييم النشاط والعاطفة في اللّغة الأم فقط. لم يظهر هذا التأثير في اللّغة الثانية.
شرح مفردات
فسّرت مقالة البحث «التمثيل المنفصل» على أنّه طريقة تنظيم الدماغ للغتين مختلفتين عند تعلّم اللّغة الثانية في عمر متأخر (بعد ٨ سنوات). يختلف هذا عن تعلّم اللّغتين في وقت مبكر.
أمّا «استدعاء الكلمات» فيعني القدرة على تذكّر الكلمات واسترجاعها في اختبار الذاكرة غير المتوقّع. أظهرت النتائج أنّ استدعاء الكلمات العاطفية كان أفضل في اللّغة الأم مقارنة باللغة الثانية.
طرحت المقالة تفسيرين لهذه الظاهرة:
- الكلمات العاطفية في اللّغة الأم ترتبط بتجارب وذكريات أوسع وأكثر تنوعاً.
- الكلمات العاطفية في اللّغة الأم تمتلك روابط أقوى مع كلمات عاطفية أخرى، ممّا يسهّل عمليّة استدعائها.
مثال من المقالة: كلمة madre (أم) و iglesia (كنيسة) بالإسپانية تمتلكان رابطاً عاطفيّاً أقوى عند متحدّث الإسپانية كلغة أم مقارنة بكلمتي mother و church بالإنگليزية.

تفضيل اللّغة الأم في التعبير العاطفي
يفضّل ثنائيّو اللّغة استخدام لغتهم الأم للتعبير عن الغضب والحبّ والمشاعر الدينية. أبرزت نتائج الدراسة استخدام المرضى النفسيّين للغتهم الأمّ في التعبير عن مشاعرهم العميقة، ولغتهم الثانية للحديث عن المواضيع المحايدة أو المحرجة. وتفسّر الدراسة هذه الظاهرة بالارتباط المبكّر بين التجارب العاطفية واللّغة الأم في مرحلة الطفولة. ويبقى هذا الارتباط فعّالاً في مرحلة البلوغ برغم إتقان اللّغة الثانية.
دعمت نتائج الدراسة فكرة نظام الذاكرة المشترك بين اللّغتين، لكنّها أظهرت أيضاً خصوصيّة اللّغة الأم في معالجة وتخزين المعلومات العاطفية. علاوة على ذلك، يشير البحث في «أوّليّة اللّغة الأم» أنّ الأشخاص يفضّلون عادةً لغتهم الأولى للأنشطة العاطفيّة والذهنيّة، هذا التفضيل يدلّ على أنّ اللّغة المتعلّمة والمستخدمة خلال الطفولة داخل المنزل تواصل تأثيرها على المعالجة العاطفيّة في المراحل اللّاحقة من الحياة.

دور اللّغة في إدراك المشاعر
أظهرت دراسة أجراها {لوپيان} وآخرون في عام ٢٠٠٧ أنّ المشاركين الراشدين الذين شاهدوا كلمات غير مألوفة في أثناء تعلّم تصنيف مثيرات جديدة، أصبحوا أفضل في التمييز بين أعضاء الفئات المختلفة مقارنةً بالمشاركين الذين لم يشاهدوا كلمات. كما أجرى {فوگيت} وزملاؤه عام ٢٠١٠ دراسة على دور اللّغة في إدراك المشاعر. طُلب من المشاركين ربط تعبيرات وجه الشمبانزي غير المألوفة مع كلمات غير مألوفة. أظهرت النتائج أنّ المشاركين الذين تعلّموا ربط الوجوه مع الكلمات استطاعوا لاحقاً إدراك الفروق بين التعبيرات المختلفة بشكل أفضل.
أما في سياق العلاج، يشير البحث إلى أنّ الراشدين المصابين بالألكسيثيميا (صعوبة تحديد المشاعر وفهمها والتعبير عنها) يستطيعون الاستفادة من مطابقة الكلمات مع المشاعر. فبرغم صعوبتهم في مطابقة الوجوه العاطفية مع بعضها، هم قادرون على مطابقة الوجوه مع الكلمات بنفس سرعة وحساسية الأشخاص غير المصابين بالألكسيثيميا.

تأثير «المعرفة المفاهيمية» على التفسيرات العاطفية
هذه «المعرفة المفاهيمية» عن المشاعر ستعكس الانتظام الموجود في البيئة المحلّية للشخص (مثل السياق العائلي والاجتماعي). فمثلاً، إذا كانت «المعرفة المفاهيمية» تتحدّث دائماً، فإنّ معرفة الشخص عن الغضب قد تتأثّر بآخر مرّة اختبر فيها حالة غضب (مثلاً تجاه زوج/زوجة). هذه «المعرفة المفاهيمية» قد تؤثّر على تفسيراته المستقبلية للحالات الجسدية عند وجوده مع الزوج/الزوجة، ممّا يجعله يفسّر مشاعره على أنّها غضب بدلاً من القلق أو حتى الجوع.
الفكرة الأساسيّة هي أنّ فهمنا وتفسيرنا للمشاعر يتأثّر بتجاربنا السابقة وبيئتنا المحيطة. دعني أوضح هذا بمثال: تخيّل شخصاً يدعى أحمد، حدث له موقف مؤخّراً حيث تشاجر مع زوجته بسبب تأخّره في العمل، وشعر وقتها بالغضب الشديد. في هذا الموقف، لاحظ أحمد أعراضاً جسدية معينة مثل: تسارع دقّات القلب وتصبّب العرق وتوتّر في المعدة.
الآن، في المرّة التالية عندما يكون أحمد مع زوجته ويشعر بهذه الأعراض الجسدية نفسها، قد يفسّرها تلقائياً (في لاوعيه) على أنّها غضب (بسبب تجربته السابقة)، في حين أنّ السبب الحقيقي قد يكون أنّه قلق من مشروع جديد في العمل، أو ربّما هو جائع ويحتاج للطعام، أو متوتّر من موضوع آخر تماماً. لكنّ بدنه وهرموناته تتعامل مع هذه الأعراض على أنّها غضب، بسبب التفسير اللّاواعي المبرمج مسبقاً. هذا الربط يحدث دون تفكير واعٍ أو تحليل متعمّد للموقف. وهو قابل لإعادة البرمجة.
المصابين بالألكسيثيميا مرتبطون بمجموعة من الأمراض النفسيّة، وخاصة اضطرابات الجسدنة. كما ترتبط الألكسيثيميا مع الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والفصام واضطرابات الشخصية. لذلك، فإنّ التدخّلات العلاجية القائمة على اللّغة للراشدين قد تكون مفيدة لعلاج أشكال متعدّدة من الأمراض النفسية.
شرح المفردات
اضطراب الجسدنة Somatization Disorder: هو اضطراب نفسي يتميّز بظهور أعراض جسدية متعدّدة ومتكرّرة لا يمكن تفسيرها طبّيّاً بشكل كامل. يشعر المصاب بأعراض جسدية حقيقية (مثل الألم، التعب، مشاكل في الهضم) برغم عدم وجود سبب عضوي واضح لها. هذه الأعراض غالباً ما تكون نتيجة ضغوط نفسية وانفعالية يعبّر عنها الجسم بطريقة جسدية.

خصوصيّة اللّغة في التعبير العاطفي
اللّغة تساعد متعدّدي اللّغات في تنظيم مشاعرهم بطريقتين:
الأولى متعلّقة بالتمييز بين المشاعر:
بعض اللّغات تميز بين فئات عاطفية لا تميّز بينها لغات أخرى. مثال على ذلك: متحدّثو الڤييتنامية يميّزون بين العار والكرب كمشاعر منفصلة، في حين لا يميّز متحدّثو الإنگليزية بينهما. وتميّز اللّغة الڤييتنامية مشاعر الخجل عن الألم النفسي في كلمتين منفصلتين، على خلاف اللّغة الإنگليزية. هذا التمييز اللّغوي يمكن أن يعزّز القدرة على تمييز المشاعر وعلى هذا تنظيمها بشكل أفضل عندما يفكّر الشخص بتلك اللّغة. وتقل الاستجابات العاطفية عند استعمال اللّغة الثانية، سواء في ردود الفعل الجلدية أو التقييمات الذاتية. تزداد الاستجابات العاطفية عند استخدام اللّغة المفضّلة في الحياة اليومية، سواء أكانت أولى أم ثانية.
الثانية متعلّقة بالمسافة العاطفية:
تشير مجموعة من الدراسات إلى أن متعدّدي اللّغات يختبرون تفاعلاً عاطفياً أقل (يقاس من طريق استجابة التوصيل الجلدي والتقييم الذاتي) عند عرض كلمات أو عبارات عليهم أو عند طلب تذكّر أحداث باللّغة غير الأم. وبذلك، قد تساعد اللّغة الثانية تلقائياً على خلق «مسافة» بين الشخص والقيمة العاطفية للأحداث الماضية أو الحالية.
لكنّ تأثير اللّغة الأولى أو الثانية يعتمد على اللّغة المهيمنة والأكثر استخداماً. ففي الحالات التي يذكر فيها الأفراد أنّ لغتهم الثانية هي لغتهم المهيمنة والمفضّلة، يميلون إلى إظهار تفاعل عاطفي أكبر مع الكلمات العاطفية في لغتهم الثانية مقارنة بلغتهم الأولى.
شرح مفردات
استجابة التوصيل الجلدي skin conductance responses هي قياس فيزيولوجي يقيس التغيرات الكهربائية في الجلد التي تحدث استجابة للإثارة العاطفية.
التقييم الذاتي self-ratings هو تقييم الشخص نفسه لمستوى مشاعره وانفعالاته.
هاتان الطريقتان استخدمتا لقياس مدى التفاعل العاطفي عند متعدّدي اللّغات عندما يتعرّضون لكلمات أو عبارات أو يُطلب منهم تذكر أحداث.
وأظهرت النتائج أنّ استخدام اللّغة غير الأم يؤدّي إلى تفاعل عاطفي أقل في كلا المقياسين.

دراسات تفضيل اللّغة الأولى
في بحث علمي نُشر في حزيران يونيو ٢٠٢٤ درس الباحثون أفضلية اللّغة الأولى في التعبير عن المشاعر عند متعدّدي اللّغات في جنوب أفريقيا، باستخدام استبانة اللّغة الثنائية والمشاعر BEQ وتحليل المراسلات المتعدّدة. مقالة البحث {أفضلية اللّغة الأولى في تعدّد اللّغات وبحوث المشاعر: نظرة من أفريقيا} First language primacy in multilingualism and emotion research: a view from Africa نشرتها Taylor & Francis Online.
أجرت الدراسات السابقة في أوروپا وأمريكا الشمالية بحوثاً على تفضيل الأشخاص للغتهم الأولى في التعبير عن المشاعر والحديث الداخلي. دفع هذا الباحثين لفحص مدى انطباق هذه النتائج على السياق الأفريقي، خاصة في جنوب أفريقيا متعدّدة اللّغات. وخلصت الدراسة إلى اختلاف أنماط استخدام اللّغة في جنوب أفريقيا عن الأنماط الأوروپية. استخدم المشاركون لغتهم الأولى في المواقف الشخصية والعائلية، مثل التحدّث مع العائلة والتعبير عن المشاعر في الخلوة واسترجاع الذكريات. وفضّل المشاركون استخدام الإنگليزية في المجالات العامّة والرسمية، كالمراسلات المكتوبة والتواصل مع الغرباء والتعبير عن الغضب في الأماكن العامة.

تأثير التعليم والسياق الاجتماعي
برز دور التعليم في تشكيل تفضيلات استخدام اللّغة. طغت الإنگليزية على العمليات الحسابية الذهنية، خاصة عند متحدّثي لغة إكسوزا الأولى، نظراً لاستخدامها في تدريس الرياضيات. ضعف استخدام اللّغات الأفريقية في الكتابة لمحدودية تدريسها في المدارس، ممّا أدّى إلى تفضيل الإنگليزية في المراسلات المكتوبة.
عكست تقييمات المشاركين للغاتهم مكانة كل لغة في المجتمع. وصف متحدّثو الإنگليزية والأفريكانز لغتهم الأولى بصفات إيجابية كـ«الغنى» و «الشاعرية». وصنّف متحدّثو لغة إكسوزا لغتهم الأولى بدرجات منخفضة في الخصائص الإيجابية، ممّا يعكس وضعها المهمّش في النظام التعليمي والمؤسسات الرسمية.
أظهرت النتائج أنّ تعدّد اللّغات في جنوب أفريقيا يختلف عن أوروپا وأمريكا الشمالية. إذ يتعلّم الأفريقيّون لغات إضافية للضرورة وليس للاختيار، ويستخدمون اللّغات الاستعمارية السابقة مع لغاتهم الوطنية في حياتهم اليومية. وتؤثّر هذه العوامل على أنماط استخدام اللّغة وتفضيلاتها في التعبير عن المشاعر والأنشطة الذهنية.

تطبيقات في السياق العربي
تستند هذه المقارنة النظرية على دراسة جنوب أفريقيا، لتطبيق نتائجها افتراضياً على السياق العربي. لا سيّما أنّ العديد من الدول العربية تفرض تدريس الموادّ العلمية باللغة الإنگليزية أو الفرنسية. ويمكن استبدال اللّغات الأفريقية المحلّية بالعربية الفصحى. وتفترض هذه المقارنة النظرية استخدام العرب للهجاتهم العربية بشكل أساسي في المواقف العاطفية والشخصية. يشمل ذلك التعبير عن المشاعر مع أفراد العائلة، والحديث الداخلي مع النفس، واسترجاع الذكريات. تبرز الإنگليزية أو الفرنسية في السياقات الرسمية والتعليمية مثل المراسلات المكتوبة والتواصل في الأماكن العامة، إلى جانب العربية الفصحى.
يؤثّر النظام التعليمي افتراضياً على تفضيلات استخدام اللّغة عند العرب. وتسيطر الإنگليزية على العمليّات الحسابية الذهنية لارتباطها بتعليم الرياضيات في المدارس. ويؤدّي غياب تدريس الكتابة بالعربية إلى تفضيل الإنگليزية أو الفرنسية في المراسلات المكتوبة. وتظهر هذه المقارنة الافتراضية علاقة وثيقة بين تقييم اللّغة ومكانتها في المجتمع. إذ يرتبط استخدام الإنگليزية أو الفرنسية بالخصائص الإيجابية مثل الغنى والشاعرية والفصاحة العلمية، في حين تنخفض تقييمات اللغة العربية في هذه الجوانب.

تطبيق النظرية على المغتربين العرب
تنطلق هذه المقارنة النظرية من دراسة جنوب أفريقيا لتطبيقها افتراضياً على العرب في بلاد الاغتراب. وتستبدل المقارنة لغة البلد المضيف بالإنگليزية في الدراسة الأصلية، واللّهجة العربية الأصلية باللّغات الأفريقية الوطنية، لفهم أنماط استخدام اللّغة عند المغتربين العرب في مواقف مختلفة.
يستخدم المغتربون العرب -في هذا الافتراض النظري- لهجتهم العربية الأصلية للتعبير عن مشاعرهم في المواقف الشخصية والعائلية. تمتدّ هذه المواقف لتشمل الأحاديث العائلية الحميمة، والحوارات الداخلية مع النفس، ولحظات استرجاع الذكريات. وتطغى لغة البلد المضيف على المواقف الرسمية والعامّة، خاصّة في المراسلات المكتوبة والتواصل في الفضاءات العامة.
يشكّل النظام التعليمي في بلد الاغتراب عاملاً محوريّاً في تشكيل تفضيلات استخدام اللّغة. إذ تهيمن لغة البلد المضيف على العمليّات الحسابيّة الذهنية لارتباطها بتدريس الرياضيات في المدارس المحلّية. ويدفع الانغماس في النظام التعليمي المحلّي المغتربين العرب لاستخدام لغة البلد المضيف في كتاباتهم وتواصلهم الرسمي.
تكشف هذه المقارنة الافتراضية عن علاقة عميقة بين اللّغة والانتماء. حين يحافظ المغتربون على رابط عاطفي قوي مع لهجتهم العربية الأصلية، برغم إتقانهم للغة البلد المضيف. وتبقى اللّهجة الأم جسراً عاطفياً يربطهم بأهلهم وأوطانهم وتراثهم.

لغة الطفولة – بصمة دائمة في التعبير العاطفي
تكشف البحوث والدراسات المقدّمة في هذا المقال عن حقيقة جوهرية: أنّ اللّغة أو اللّهجة التي نكتسبها في طفولتنا تترك بصمة دائمة على قدرتنا في التعبير عن عواطفنا ومشاعرنا مدى الحياة. وتتجلّى هذه الحقيقة في عدة مستويات:
أوّلاً، تؤكّد نظرية «الفعل المفاهيمي» أنّ لغة الطفولة لا تقتصر على كونها أداة للتواصل فحسب، بل هي إطار يشكّل طريقة فهمنا وتفسيرنا للمشاعر والأحاسيس. فالكلمات التي نتعلّمها في طفولتنا تصبح قوالب تصبّ فيها تجاربنا العاطفية اللّاحقة.
ثانياً، يظهر تأثير لغة الطفولة جليّاً في حالات متعدّدي اللّغات، حيث يميلون للعودة إلى لغتهم الأولى في لحظات التعبير العاطفي العميق، حتّى مع إتقانهم التام للغات أخرى. وهذا يؤكّد أنّ الارتباط العاطفي باللّغة الأولى يتجاوز مجرّد الكفاءة اللّغوية.
ثالثاً، تبرز أهمّية هذه النتائج في فهم تحدّيات المغتربين والأقلّيات اللّغوية، وتفسّر الصراع النفسي الذي قد يواجهونه في التعبير عن مشاعرهم في بيئات لغوية مختلفة عن بيئتهم الأصلية.
وعليه، فإنّ فهم هذه العلاقة العميقة بين لغة الطفولة والتعبير العاطفي يفتح آفاقاً مهمّة في مجالات متعدّدة: من تطوير أساليب التعليم المبكّر، إلى تحسين الممارسات العلاجية النفسية، وصولاً إلى فهم أعمق لديناميكيّات التواصل العاطفي في المجتمعات متعدّدة اللّغات.
وختاماً، تدعونا هذه النتائج إلى إعادة النظر في أهميّة الحفاظ على التنوّع اللّغوي واللّهجات الوطنية، ليس فقط كتراث ثقافي، بل كضرورة نفسيّة وعاطفية تؤثّر في قدرة الأفراد على التعبير عن مشاعرهم وفهم عواطفهم بشكل أصيل وعميق.

المراجع
- Anooshian, L. J., & Hertel, P. T. (1994). Emotionality in free recall: Language specificity in bilingual memory. Cognition & Emotion, 8(6), 503-514.
- Harris, C. L. (2004). Bilingual speakers in the lab: Psychophysiological measures of emotional reactivity. Journal of Multilingual and Multicultural Development, 25(2-3), 223-247.
- Lindquist, K. A., MacCormack, J. K., & Shablack, H. (2015). The role of language in emotion: Predictions from psychological constructionism. Frontiers in Psychology, 6, 444.
- Lupyan, G., & Dale, R. (2007). Language structure is partly determined by social structure. PloS one, 2(8), e829.
- Pavlenko, A. (2008). Emotion and emotion-laden words in the bilingual lexicon. Bilingualism: Language and cognition, 11(2), 147-164.
- Schrauf, R. W., & Rubin, D. C. (2000). Internal languages of retrieval: The bilingual encoding of memories for the personal past. Memory & Cognition, 28(4), 616-623.
- Vogt, K. S., De Houwer, J., & Crombez, G. (2010). Multiple goal management starts with attention: Goal prioritizing affects the allocation of spatial attention to goal-relevant events. Experimental Psychology, 57(1), 55-61.
- Wu, Y. J., & Thierry, G. (2012). How reading in a second language protects your heart. Journal of Neuroscience, 32(19), 6485-6489.





اترك رد