جرّبت الكثير من طرائق تحضير قهوة البنّ العربي، ووجدت أنّ أفضلها وأكثرها عملية هي طريقة إبريق الموكا هذا. الأفضل من جهة الكلفة المنخفضة مقارنة بالنكهة.

اخترعه سنة ١٩٣٣ مهندس ميكانيك إيطالي جنوبيّ اسمه ألفونسو بياليتّي Alfonso Bialetti بعد خبرة ٢٤ سنة في الصناعات المعدنية. وأسماه موكا إكراماً لمدينة المخاء اليمنية وتكريماً لدورها في نشر مشروب القهوة في هذا العالم.
فهو إيطالي لم ينكر فضل العرب. لم يستعمل اسم بلدته ولا زوجته ولا اسم المدينة الصناعية Omegna التي أسّس فيها مصنعه شمال غرب إيطاليا.
وكان هدف بياليتّي من اختراعه هو توفير طريقة سهلة وسريعة لتحضير الإسپريسّو في المنزل، دون الحاجة لآلة الضغط المكلفة والضخمة آنذاك. ونجح نسبيّاً. ولمّا نشر اختراعه في الولايات المتحدة الأمريكية أسماه Moka Express أي موكا بسرعة، وهذا سبب انتشار تسمية إكسپريسو مقارنة بالإسپريسّو في هذا العالم.
وكان اختراع ألفونسو بياليتّي تطوير لفكرة جهاز السيفون Siphon لتحضير القهوة، وهو تطوير لجهاز لوف Loeff الألماني من سنة ١٨٣٠، الذي هو في الأساس تطبيق برليني لاختراع المهندس العربي إسماعيل الجزري، الذي اخترع جهاز “الآلة النبضية” في القرن الثاني عشر.

تحضير القهوة في إبريق الموكا سهل جدّاً، ونتيجته قهوة فوّاحة بطعم الشوكولا دون إضافتها، تشبه طعم القهوة المطبوخة بالرمل.
يُملأ كعب الإبريق بماء ساخن، وتُملأ السلّة بمسحوق البن خشن إلى ناعم. ثمّ يوضع على الموقد على حرارة خفيضة، أو في داخل الجمر المطفأ (بطريقة الجذوة)، أو في داخل الرمل الساخن، فتخرج القهوة لذيذة فوّاحة خلال مدّة أقصاها عشر دقائق.
- مع التحميصات الفاتحة نبدأ بماء حرارته حوالي ٤٠ درجة (الحرارة التي تتحمّلها اليد). للهرب من الاستخلاص الزائد للحموضة.
- مع التحميصات الأغمق نبدأ بماء حرارته حوالي ٦٠-٧٠ درجة (حرارة الجلّاية). للهرب من زيادة زمن الاستخلاص، ما قد يستخلص الزيت العفص.
- البداية بماء بارد تصنع قهوة فيها لذعة حموضة حذقة بسبب تعرّض مسحوق البن للرطوبة زمن طويل يسبق بداية الاستخلاص. والبداية بماء مُغلّى تصنع قهوة خفيفة.
ثمّ توضع على الموقد على أخفض حرارة:
- درجة ١ على موقد الغاز (النار).
- درجة ٢ على موقد الكهرباء، الصفيحة والوشيعة.
- درجة ٤٠٠ واط على موقد التحريض المغناطيسي.
رفع درجة الحرارة يرفع نكهة الحموضة في القهوة المستخلصة.
زيادة مدّة الاستخلاص عن عشر دقائق تعطي قهوة عالية العفوصة (تمجّها الأفواه).
تحضير القهوة في إبريق الموكا لا يشترط امتلاء سلّة مسحوق البن بالكامل، ولا يشترط امتلاء الكعب إلى أقصى حدّ الماء. هذه مسائل ذوق واختيارية.
من الأفضل استعمال مصفاة ورقية تحت المصفاة المعدنية في أسفل كأس الإبريق، لزيادة زمن الضغط، والحصول على قهوة أصفى.
إبريق الموكا في الأسواق أنواع عديدة، منه التصميم الأصلي خالص من الألمنيوم، وهذا يحتاج إلى صفيحة معدنية تحته على موقد التحريض المغناطيسي. ومنه تصاميم حديثة مصنوعة من الفولاذ في كعبها، والزجاج أو الألمنيوم أو الفولاذ في كأسها.
لديّ من هذا الإبريق عدّة مقاسات وأفضّل استعمال مقاس ٢٠٠ ملل لأخرج منه بحوالي ١٥٠ ملل من القهوة في الطبخة.
يُملأ كعب إبريق الموكا بالماء الساخن (~٦٠ درجة) ويغطس فيه فيلتر القهوة مع ١٥ إلى ٢٠ غرام من جريش بنّ القهوة المحمّص، ويُغلق الإبريق بإحكام، ثمّ يوضع على أخفض حرارة ممكنة من رأس الطبّاخ، وما هي إلا عشر دقائق لتخرج القهوة اللذيذة بضغط بخار الماء وتملأ الإبريق.

زيادة حرارة الطبّاخ تعني زيادة نكهة مرار القهوة الحادّة. واستعمال ماء بارد يرفع من نكهة الحموضة، واستعمال ماء بدرجة حرارة الغليان يصنع قهوة خفيفة.
أمّا وصفتي اليومية المعتادة كلّ مساء، فهي ١٥٠ ملل ماء + ٢٠ غ بنّ عربي + رشّة قرفة مطحونة.
وأنوّه إلى أنّني لست خبير قهوة، إنّما صاحب كَيفٍ أنقل عن الخبراء، وألتجئ إلى خبرة أهل القهوة اليمنيّين وخبرائها الألمان والإنگليز منهلًا لمعارفي. ويؤسفني أنّ البلاد العربية ليس فيها ولا حتّى أكاديميّة واحدة للقهوة، مع أنّ هذا المشروب عربيّ، والمفروض أن يكون أخبر خبرائه في هذا العالم عرب.
ومن المهمّ القول أن ليس في هذا العالم خبير قهوة محترف واحد يقول بوجود نكهة واحدة ممتازة لمشروب قهوة البن. إنّما قهوة البن نكهات، ترتبط بالمزاج والذكريات، والمفروض أن يجول كلّ إنسان في رحلة كاملة عبر نكهات القهوة جميعاً لكي يعثر بالنكهة التي يفضّلها ويحبّها مزاجه، فهي كالألوان تماماً، درجات وكثافات ودفئ وبرودة وحدّة ولُطف…
ومن أهمّ العوامل التي حذّر منها خبراء القهوة العرب قبل قرون من اليوم، هي نكهة النقوع العَفِص. والنكهة العفصة هي ذاتها التي تزعجنا بتناول فاكهة غير ناضجة، أو نبيذ أحمر مزّ، أو شاي مهمل أو مغلي لوقت طويل… قَالَ الفيروزآبادي نقلاً عن ابْنُ بَرِّيٍّ: طَعَامٌ عَفِصٌ: بَشِعٌ وَفِيهِ عُفُوصةٌ ومَرارَةٌ وتقبُّضٌ يعْسُر ابتلاعُه.
والعفص أساساً هو تانينات من أحماض فينولية وفلافودنيدات، تحتويها أجسام النباتات بصفة إحدى أنواع الدفاع عن النفس ضدّ الالتهام، ولا تؤذي الإنسان غير أنّها تتسبّب بحرقة ونكهة مزعجة تمجّها أغلب الناس وتغطّي على نكهة المشروب المرغوبة. وتحضير ألذّ فنجان قهوة يعتمد بشدّة على تفادي استخلاص عفص البنّ في الماء، ولهذا تقنيّات سهلة، تقتضي منّا الانتباه فقط.
تنظيف إبريق الموكا مهمّ جداً لشدّة تأثير النظافة على النكهة. ويمكن تنظيف كل الأجزاء بالصابون، ما عدا داخل الكعب. إذ أنّ داخل الكعب يتأثّر بتراكم كلس الماء على سطحة الداخلي، ثم يتفاعل هذا الكلس مع الصابون بطريقة تؤذي نكهة القهوة. لذا، ينظّف داخل الكعب بالماء فقط، لكن خارج الكعب والسلّة والمصفاة والكأس داخل وخارج، يمكن أن ينظّف بالصابون باليد.
يجب الامتناع عن تنظيف إبريق الموكا في الجلّاية، هذا له تأثير خطير جداً على الصحّة.
قهوة ماء الحمّص
من خبايا القهوة اللّذيذة أنّك يمكن أن تصنعها بماء سلق الحمّص فتخرج بطعم مذهل. البروتينات النباتية الموجودة في ماء الحمّص، والتي تشبه في تركيبها بروتينات الألبومين الموجودة في بياض البيض، تقوم بخدمة كبيرة لمحبّي القهوة القويّة. إذ أنّها تقوم بترسيب تانينات العفص فلا تصل إلى شفاهنا، وقد لا تخرج في الفنجان أبداً، ما يترك المجال متاحاً لحليماتنا الذوقية للاستفراد بنكهة زيت القهوة وحده. وهو نفس الدور الذي تقوم به بروتينات الكازين التي يضيفها الحليب، فتتفاعل مع التانينات وتقوم بترسيب العفص.
وحين أقول ماء سلق الحمّص فأنا لا أقصد ماء غلي الحمّص. سلق الحمّص الجاف يبدأ بعد نقعه لمدّة 8-12 ساعة، ثمّ يرمى ماء النقع ويُغسل الحمّص. ويضاف ماء بارد جديد إلى طنجرة نضع فيها الحمّص المنقوع إلى أن يغمر الحمّص بعمق 5 سم. يترك الماء ليغلي على حرارة وسط عالية مع الاستمرار بإزالة الرغوة الناتجة ورميها. ومتى انتهت الرغوة تخفّض الحرارة إلى وسط منخفضة ونغطّي الطنجرة ونترك الحمّص يُسلق على حرارة هادئة ساعة. هذا الماء الناتح من هذه العملية هو ماء سلق الحمّص.
حين نصنع قهوة بن عربيّ في إبريق الموكا علينا الانتباه إلى أربع عوامل رئيسة، هي الحرارة والزمن ودرجة التحميص ومقاس الجرش\الطحن.
الحرارة: درجة حرارة الماء مهمّة للغاية. إذا كانت أقل من 93 درجة مئوية، فلن يكتمل استخلاص القهوة بشكل جيد ولن يكون طعمها مُرضياً للأغلبيّة. ولكن إذا كانت درجة حرارة الماء أكبر من 96 درجة مئوية، فقد تخرج القهوة عفصة تمجّها أغلب الناس. نطاق درجة الحرارة المثلى لقهوة الموكا العربية arabica هو بين 93 إلى 96 درجة مئوية. ولتحقيق هذه الحرارة داخل غرفة بخار إبريق الموكا، نبدأ بماء ساخن بحرارة بين 40-60 درجة، ويطهى الإبريق على أخفض حرارة ممكنة، هكذا لن تقفز حرارة الماء بسرعة متجاوزة 96 فلا نسحب العفص. ولن تفور القهوة إلى الإبريق قبل وصول الحرارة إلى 93، وهو ما يحدث عند البَدْء بماء بارد.
الوقت: مدّة الطبخ تؤثّر على نكهة القهوة. إذا كان زمن الطبخ قصيراً جداً، فلن يكفي الوقت لاستخلاص زيت القهوة بشكل كامل وستكون نكهتها ضعيفة. وفي ذات الوقت مدّة الطبخ الطويلة قد تؤدّي إلى استخراج زائد وعفص. تتراوح أوقات طبخ القهوة الموكا العربية عادة بين 5 إلى 10 دقائق حسب مقاس الإبريق. الصبر يكافئنا بنكهة أفضل وأغنى.
مستوى التحميص: تتميّز حبوب البن العربي المحمّصة داكنة بنكهة أقوى وأكثر كثافة، في حين تتميّز التحاميص الخفيفة بنكهات أكثر حدّة وغنى. كما أنّ التحاميص الداكنة تحتوي على حموضة أقل وعفص أقل. لذا فإنّ مستوى التحميص الذي تختاره سيؤثر مباشرة على النكهة التي تحصل عليها من القهوة.
مقاس الطحن: يضمن الجرش الناعم استخلاص أكثر لزيت البن، ممّا يساهم في إظهار المزيد من النكهة. ولكن إذا كان الطحن ناعماً جدّاً، فقد يسبّب ذلك انسداد قنوت الإبريق أو استخلاص زائد، ممّا يؤدّي إلى نكهة عفصة. لذا فإن الطحن المثلى للبن العربي لإبريق الموكا هو في جرش وسط، لا مسحوق ناعم ولا جريش خشن.
التحميص وسمات القهوة
وقد يبدو المخطّط أدناه معقّداً بعض الشيء، لكنّه في الواقع بسيط جدّاً، مثلاً:
يزداد ثراء نكهة القهوة مع التحميص الوسط، لكنّ كثافة النكهة ترتفع إلى أقصاها مع التحميص المدخّن (وسط غامق) والتحميص الداكن (الغامق).
ترتفع حلاوة القهوة مع التحميص الأشقر والأخضر (الخفيف) بشرط أن تكون القهوة خفيفة، في حين تزداد مرارة القهوة اللذيذة كلّما اتّجهنا صوب التحميص الداكن والقهوة القويّة… في التخمير البارد مثلاً.

إذا أردت قهوة كثيفة ثريّة الطعم، حلاوة وسط خالية من الحموضة ومناسبة للحليب، تصنع فنجان قهوة قويّة من بنّ تحميص داكن (إسپريسّو) مخلوطة بثلث الكميّة من بن تحميص مدخّن (وسط داكن).
وإذا أردت قهوة حلوة كثيفة بطيئة الشرب (للمزاز) بنكهات متعدّدة، تصنع فنجان قهوة قوّة وسط إلى خفيفة من بنّ تحميص خفيف (ذهبية). ونحتاجها بقوّة خفيفة للهرب من ارتفاع نسبة حموضة التحميص الخفيف.

مع زيادة وقت التّحميص وارتفاع درجة الحرارة تتغيّر خصائص القهوة:
- عند البداية تكون القهوة ذات لون فاتح وحلاوة عالية، ونكهة حمضيّة وعطر ندي.
- مع التحميص المتوسّط تصبح القهوة أكثر قوّة ونكهة، وتقلّ حلاوتها وحموضتها.
- التحميص الداكن يزيد من نكهة التحميص ويعطي للقهوة طابعاً مركّزاً وقويّاً، حين تختفي الحلاوة والحموضة تدريجياً.
- في أثناء عمليّة التحميص تتحوّل مكوّنات القهوة ممّا يؤثّر على نكهتها وعبقها وسماتها الأخرى.

تحميص بنّ القهوة في البيت عمليّة سهلة وتستغرق دقائق قليلة فقط، والكثير من نساء جزيرة العرب تقمن بها صباحاً مرّة في الأسبوع… لتعطير المطبخ برائحة البنّ الفوّاحة، وبدئ الجمعة بشيء منعش يملأ أوداج النفس. ومن المهم القول بأنّ حبوب القهوة تحتاج عادة إلى راحة أربع أيام بعد التحميص، قبل طحنها لتحضير القهوة. في حين أنّ طحن القهوة يكون في موعد طبخها تماماً للحصول على أكبر كمّ من زيت القهوة طازجاً.
يمكن تحميص القهوة في مقلاة بسطح لا يلتصق، أو في آلة البوشار، أو في Air fryer.
وفي آلة البوشار الموضوع سهل نشغّلها ونضيف حبوب البن الخضراء ونراقبها لإيقاف التشغيل مع الحصول على اللّون المرغوب، عادة خلال سبع إلى عشر دقائق.
في المقلاة، سخن المقلاة فارغة على حرارة أعلى من الوسط، ثمّ ضع فيها حبوب البنّ الخضراء مع التحريك المستمر، وخفّض حرارة الموقد إلى أقل من الوسط (الثلث).
في الـAir Fryer ننثر حبوب البن الخضراء في وعاء بايركس أو حديدي، ونضعها على حرارة 180 درجة لمدّة عشر دقائق، ونتفقّدها مع التحريك في نصف المدّة… زمن التحميض يتغيّر حسب المِزَاج الشخصي.
في أثناء عملية التحميص، ستسمع حبوب البن تنفجر مثل البوشار. هذا يعرف بالانفجار الأول والثاني. عند صوت الانفجار الأول، تكون حبوب البن قد وصلت إلى مرحلة التحميص المتوسطة. عند الانفجار الثاني، تكون حبوب البن قد وصلت إلى مرحلة التحميص العميقة.
عند الوصول إلى اللّون المرغوب، انقل حبّات البن إلى مصفاة معدنية وهزها جيّداً للخلاص من القشور الزائدة، واترك حبّات البن مهوّاة في المصفاة لتبرد على راحتها، ثمّ انقلها إلى إناء عاتم محكم الإغلاق لتخزينها.
وأرجو أن يكون لك في هذه المعارف كلّ الفائدة والمتعة.





اترك رد