في الحديث عن الأخلاق، يخلط الكثير من الناس ما بين الآداب والأخلاق. وقد يفاجئك أنّ من بين من يقع في هذا الخلط صحفيّون ومؤلّفون ورجال دين. فهل هذا الخلط خطأ حميد؟
الآداب هي القواعد التي يوفّرها لنا النظام الاجتماعي.
والأخلاق هي المبادئ التي نحكم بها أنفسنا.
قد يبدو الخلط ما بين التعريفين وقيم المصطلحين بسيطاً وغير ذي ضرر. لكنّه في الواقع شديد الضرر على المجتمع.
في المجاري الدينية مثلاً، تقدّم لك المرجعية الدينية القيم والمبادئ التي تعينك على تصوّر الأخلاق المناسبة لحياتك. وقد تجري المسالك الدينية في استعمال هذه القيم والمبادئ لتقييم حياتك، ونتائج أعمالك، على المستوى الديني.
فالمفروض أنّ هذه القيم قد استُخلصت من التشريع الديني، المقرّر من طرف جهة سامية عليا، كالخالق ورسله وأنبيائه مثلاً. وهذه تشريعات، لا يسمح أتباع الأديان لأنفسهم بتغييرها والتعديل فيها.
وعلى العكس منها، الآداب مستخلصة من التشريع العقلي، كالأعراف الإجتماعية مثلاً، التي يقرّرها مجتمع بناء على ظروفه الزمانية والمكانية. فهي ظروف متغيّرة، غير ثابتة، ولا تصلح لكلّ مجتمع في كلّ مكان وكلّ زمان.
الآن، الخلط ما بين الآداب والأخلاق يضع الآداب في منزلة الثوابت والعقائد. وقد لا تلائم بعض الآداب الظروف الاجتماعية في مجتمع ما؛ فتصبح من عوائق سير هذا المجتمع وعقبات الحياة.
الخلط ما بين الآداب والأخلاق هو خطأ متكرّر عبر التاريخ، وقع فيه أتباع الأديان الإبراهيمية والسماوية جميعاً. ولطالما ساهم هذا الخلط في توليد المذاهب وتشقيق المدارس الدينية.
لكنّ مجتمعنا العربي اليوم في أزمة حقيقية، لا دور للدين فيها. إنما ولّدها تسمية الآداب بالأخلاق، والخلط ما بين التصنيفين. مذ حُذفت مادّة الآداب من مناهج التعليم العربية نهاية عقد الخمسينيات، وصار المجتمع أكثر وأكثر إلى التخبّط في توصيف الأخلاق.
هذا التخبّط دمج الوضعيّ بالدينيّ، وصارت أعراف الناس شرائع إلهية لا تناقش. وهذه، على أبسط تقدير، جريمة في حقّ أيّ دين. فإن كنت تعبد إله خالقاً، من أنت لتتحدّث باسمه فتتقوّل على أحكامه؟ إيمانك بأنّ الإله إله هو أن لا تضع كلامك على كلامه.
ينبغي أن نعود إلى تسمية الآداب باسمها، والأخلاق باسمها، وأن نبذل الجهد أن لا نخلط ما بين تفاصيلها.





اترك رد