يقف الشّرق الأوسط على حافّة تغيّر إستراتيجيّ جذريّ، تُعاد فيه صياغة التّحالفات وبناء محاور عداء جديدة غير مألوفة في السّابق.
لسنوات طويلة، رسمت المصالح الأمنيّة المشتركة ملامح العلاقات بين القوى الإقليميّة الكبرى، مُفرزة شراكات خفيّة ومعلنة استندت إلى مبدأ المنفعة المتبادلة والپراگماتيّة السّياسيّة البحتة. غير أنّ صعود الهويّات الأيديولوجيّة، وتغيّر موازين القوى الدّوليّة، وتفجّر الصّراعات الدّاخليّة المعقّدة طوال عقود مضت، أسقطت تلك النّماذج التّقليديّة، لتفتح الباب واسعاً أمّام تنافس شرس على زعامة المنطقة.
يمثّل الصّراع المتصاعد بين أنقرة وتلّ أبيب النّموذج الأوضح لهذا التّحوّل، منتقلاً من مساحات التّعاون التّكتيكيّ الهادئ إلى سوح المواجهة المفتوحة الّتي تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة لتطال خرائط الطّاقة، وسباق التّسلّح، وتوجيه مسارات الدّول المنهارة، وعلى رأسها السّاحة السّوريّة.
يضع هذا المقال بين يدي القارئ قراءة تحليليّة استقصائيّة معمّقة، تفكّك شيفرة هذا التّصادم وتستشرف مآلاته المرتقبة، راصدة التّحوّلات الدّقيقة الّتي طرأت على تفاعلات القوّتين الإقليميّتين لغاية يومنا هذا.

إشكاليّة التّحوّل الجيوسياسيّ
أحدث تصريح سياسيّ واحد عام 2024 (1446 هـ) زلزالاً إستراتيجيّاً عنيفاً رجّ أركان الشّرق الأوسط بِرُمَّته، إبّان التّصريح بوضوح قاطع وعلنيّ: {بمقدورنا دخول إسرائيل في أيّ وقت} Biz nasıl Karabağ’a girdiysek, nasıl Libya’ya girdiysek bunun benzerini aynen onlara da yaparız. Yapmamak için hiçbir sebep yok.
لم يصدر هذا التّهديد الصّريح والمباشر عن دولة تصنّفها الأدبيّات السّياسيّة ضمن قائمة الأعداء التّقليديّين للكيان الإسرائيليّ، بل جاءت هذه الكلمات المدوّية من تركيا، الدّولة الّتي شكّلت يوماً ما الحليف الإسلاميّ الأقرب والأوثق لتلّ أبيب.
يطرح هذا التّحوّل الجذريّ تساؤلاً جوهريّاً حول الأسباب العميقة الّتي أحدثت هذا الانقلاب، وما يترتّب عليه من تداعيات كبرى. ويفرض السّياق الرّاهن البحث عمّا إذا كان هذا التّصعيد يمثّل استعراضاً سياسيّاً، أم يشكّل شرارة البداية لصراع حقيقيّ قادم. فالمؤكّد هنا، أنّ تصادم تركيا وإسرائيل لن يبقى محصوراً ضمن النّطاق الإقليميّ الضّيق، بل يمتلك القدرة الكاملة على إعادة رسم خرائط النّفوذ والقوّة العالميّة من جديد.
مسار التّحوّل من الشّراكة إلى التّصادم
يسبر هذا التّحليل أغوار التّبدّلات الجيوسياسيّة العميقة بين أنقرة وتلّ أبيب، صعوداً من التّنسيق العسكريّ والاستخباراتيّ الوثيق في القرن العشرين، وصولاً إلى التّصادم المباشر في ساحات الطّاقة والجغرافيا السّياسيّة في وقتنا الحاضر. ويسلّط المقال الضّوء بتمعّن على التّعقيدات المتشابكة في حروب الوكالة، وعلى رأسها السّاحة السّوريّة المشتعلة، مبيّناً كيف تحوّلت شراكة الضّرورة الإستراتيجيّة إلى منافسة شرسة شديدة الْخَطَر على زعامة المنطقة وتأمين المصالح الحيويّة.

التّأسيس التّاريخيّ والمرحلة الذّهبيّة للشّراكة
الباب الأوّل: الاعتراف المبكّر وكسر العزلة
لا تنطلق جذور هذه القصّة من التّصادم والصّراع، بل تعود إلى حقبة طويلة من التّعاون الإستراتيجيّ الوثيق. ففي شهر آذار مارس من عام 1949 (ربيع الثّاني 1368 هـ)، بادرت تركيا لتكون أوّل دولة ذات أغلبيّة مسلمة تعترف بإسرائيل. مثّلت هذه الخطوة تحرّكاً جريئاً للغاية في ذلك الزّمن، لاستقبال الكيان النّاشئ برفض عربيّ شامل ومطلق. واستند هذا التّقارب إلى حاجة إسرائيل الملحّة إلى حليف إستراتيجيّ قويّ وسط بيئة إقليميّة شديدة العداء، ووفّرت تركيا هذا المطلب بامتياز.
حكم هذا التّحالف منطق جيوسياسيّ كلاسيكيّ يرى في عدوّ العدوّ صديقاً؛ ففي تلك الحقبة، شهدت العلاقات التّركيّة بالدّول العربيّة المحيطة توتّرات متصاعدة، وعانت إسرائيل عزلة خانقة، فتلاقت المصالح بوضوح لكسر الأطواق المفروضة. وزاد انتماء تركيا إلى حلف شمال الأطلسيّ النّاتو NATO من ثقلها الإستراتيجيّ، مانحاً إيّاها دعماً غربيّاً مؤثّراً تجاوز حدود دورها المحلّيّ ليجعل منها لاعباً إقليميّاً قويّاً يحظى بمساندة المعسكر الغربيّ بِرُمَّته.
التّعاون العسكريّ والاستخباراتيّ
أعقبت مرحلة التّأسيس حقبة توصف بالذّهبيّة، فبحلول تسعينيّات القرن العشرين، نسجت تركيا وإسرائيل روابط عسكريّة متينة وفعّالة. ونشط تبادل المعلومات الاستخباراتيّة الحسّاسة بين الطّرفين بشكل مكثّف، ونُفّذت مناورات جوّيّة مشتركة بانتظام ملحوظ. علاوة على ذلك، تولّت إسرائيل مهمّة تحديث أسطول الطّائرات المقاتلة التّركيّة، وزوّدت أنقرة بأنظمة دفاعيّة وتكنولوجيّة متطوّرة وعالية الكفاءة، لترسّخ بذلك شراكة إستراتيجيّة عميقة يصعب تفكيكها في تلك الآونة.

التّحوّل الأيديولوجيّ ونقاط الكسر الإستراتيجيّة
شرارة داڤوس وبناء الصّورة الشّعبيّة
بدأت التّصدّعات تضرب جدار هذه الشّراكة تدريجيّاً مع تبدّل الدّيناميّات. ففي أواخر عام 2008 (ذي الحجّة 1429 هـ)، أطلقت إسرائيل عمليّة عسكريّة واسعة النّطاق في قطّاع غزّة، أسفرت عن مقتل آلاف الفلسطينيّين. وتصاعدت وتيرة الانتقادات عالميّاً، غير أنّ ردّ الفعل التّركيّ اتّخذ مساراً مختلفاً تماماً؛ لم يقتصر الأمر على الاحتجاج الدّيبلوماسيّ المعتاد، بل اتّسم بانفعال سياسيّ وعاطفيّ حادّ.
تجلّى ذلك بوضوح شديد في المنتدى الاقتصاديّ العالميّ World Economic Forum مطلع عام 2009 (محرّم 1430 هـ)، إبّان مواجهة رجب طيّب إردوگان القيادة الإسرائيليّة علناً على المنصّة، مصرّحاً بعبارته الشّهيرة: {أنتم تعرفون جيّداً كيف تقتلون}، قبل أن يغادر القاعة غاضباً. بدّل هذا الموقف الحازم صورة إردوگان جذريّاً وفي ليلة وضحاها، محوّلاً إيّاه من زعيم إقليميّ براگماتيّ إلى بطل شعبيّ يحظى بإعجاب واسع في الشّارع الإسلاميّ قاطبة. وشكّل هذا الحدث المهمّ نقطة انطلاق لتحوّل الهويّة التّركيّة من دولة علمانيّة غربيّة التّوجّه، إلى قوّة صاعدة تطمح لتزعّم العالم الإسلاميّ.
أزمة أسطول الحرّيّة والقطيعة الدّيبلوماسيّة
تفاقمت الأزمة لتصل إلى نقطة الكسر الفعليّة والعميقة في شهر أيّار مايو عام 2010 (جمادى الآخرة 1431 هـ)، إبّان توجّه أسطول الحرّيّة ماڤي مرمرة Mavi Marmara، وهو قافلة بحريّة مدعومة تركيّاً، نحو غزّة محمّلاً بالطّعام والأدوية والمساعدات الإنسانيّة لكسر الحصار البحريّ المفروض. اعترضت القوّات الإسرائيليّة السّفن في المياه الدّوليّة، وأسفر الهجوم الّذي نفّذته القوّات المهاجمة عن مقتل تسعة مواطنين أتراك.
تجاوز هذا التّطوّر شديد الْخَطَر حدود الحادث العابر ليشكّل نقطة انهيار تامّ؛ إذ طردت أنقرة السّفير الإسرائيليّ، وانهارت الرّوابط العسكريّة فوراً، وتبدّدت الثّقة كليّاً لتصل إلى مستويات يصعب ترميمها. وبرغم الضّغوط الكبيرة الّتي مارستها الولايات المتّحدة الأمريكيّة لاحقاً في صيف عام 2016 (شوّال 1437 هـ) لترميم الصّدع، والّتي أسفرت عن دفع إسرائيل تعويضات ماليّة واستئناف العلاقات الدّيبلوماسيّة، لم يتعدّ هذا التّقارب كونه تعديلاً إستراتيجيّاً بارداً، أخفى تحته تنافساً مستعراً وعداءً ينمو بصمت.

ميادين التّنافس المتعدّدة وسباق التّسلّح الصّامت
حرب الطّاقة في حوض المتوسّط
يتجاوز هذا الصّراع الخلافات السّياسيّة المباشرة ليلامس طبقات متعدّدة ومعقّدة من النّفوذ والقوّة. حيث تسعى تركيا بحزم لفرض نفوذها قوّة إقليميّة وازنة، مستغلّة حذر المملكة العربيّة السّعوديّة وانشغال إيران بصراعاتها المختلفة، لتتقدّم وتتصدّر المشهد صوت أوّل مُدافع عن فلسطين.
يمنحها موقعها الدّاخليّ في حلف النّاتو ورقة ضغط حاسمة وقويّة، لصعوبة عزل تركيا بسهولة نظراً لأهمّيّتها الجيوسياسيّة الفائقة من قبل المعسكر الغربيّ. ويتجلّى التّنافس الاقتصاديّ العميق في قطاع الطّاقة، وتحديداً بعد اكتشاف إسرائيل احتياطيّات غازيّة هائلة وضخمة في حوض البحر الأبيض المتوسّط، أبرزها حقل لڤياثان Leviathan وحقل تامار Tamar. في المقابل، تتبنّى تركيا خطّة مضادّة ومختلفة تطمح من ورائها لتكريس نفسها جسراً حصريّاً ورئيسيّاً للطّاقة نحو أوروپا مستخدمة شبكة أنابيب واسعة النّطاق.
يضع هذا الطّموح المتضارب البلدين في مواجهة مباشرة وحادّة؛ فبين مساعي إسرائيل الدّؤوبة لتصدير الغاز، وطموح تركيا الرّاسخ للتّحكّم في خطوط الإمداد، تتصادم المصالح بقوّة في السّوق ذاتها لتحقيق الهدف الإستراتيجيّ ذاته.
التّفوّق التّكنولوجيّ والتّسلّح المستقلّ
يتزامن هذا الصّراع الاقتصاديّ المحتدم مع سباق تسلّح صامت يخفى عن أنظار الكثيرين. إذ وسّعت تركيا خلال العقد الماضي صناعاتها الدّفاعيّة بشكل جذريّ وهائل، بدءاً من إنتاج الطّائرات المسيّرة وصولاً إلى تعزيز ترسانتها البحريّة بقوّة، لتتحرّر تماماً من ارتهانها التّاريخيّ للسّلاح الغربيّ. ومن جهتها، تحافظ إسرائيل على تفوّقها بامتلاكها أحد أكثر الجيوش تقدّماً وتطوّراً في العالم، مسلّحة بمنظومات دفاعيّة فائقة التّعقيد مثل القبّة الحديديّة Iron Dome وشبكات استخباراتيّة شديدة الدّقّة.
يضع هذا المشهد المعقّد قوّتين متقدّمتين تكنولوجيّاً، واثقتين من قدراتهما العسكريّة، وتمتلكان نزعة هجوميّة ترفض التّراجع، في بيئة إقليميّة مضطربة تفتقر إلى حدود فاصلة وواضحة. حيث تتداخل مناطق عمليّات الطّرفين في ساحات شديدة الْخَطَر مثل سوريا وشرق المتوسّط، ممّا يجعل أيّ سوء تقدير بسيط، أو ضربة منفردة، أو إشارة خاطئة، كفيلاً بإشعال شرارة صراع أوسع وأخطر؛ ليس حرباً شاملة وفوريّة بالضّرورة، بل سلسلة ردود أفعال متتالية تسحب الحلفاء، وتصعّد التّوتّرات، وتدفع المنطقة بأسرها نحو حافّة الانفجار.

حرب غزّة وتصاعد المواجهة الإستراتيجيّة
ملء الفراغ الجيوسياسيّ
يخلق تراجع النّفوذ الإيرانيّ وضعفها المتوقّع فراغاً ملحوظاً في المنطقة، ولرفض الجغرافيا السّياسيّة للفراغ بطبيعتها، تسعى تركيا جاهدة لملئه والاعتلاء على قمّة الهرم الإقليميّ. ثمّ إنّ تركيا تختلف اليوم جذريّاً عن تركيا التّسعينيّات؛ ففي ظلّ قيادة إردوگان، نشأت هويّة دينيّة قويّة ترافقها سياسة خارجيّة شديدة الهجوميّة، ممّا يتصادم مباشرة وبقوّة مع الإستراتيجيّة الأمنيّة الإسرائيليّة.
طوفان الأقصى وانكشاف التّصادم الرّاديكاليّ
تسارعت الأحداث دراماتيكيّاً في شهر تشرين الأوّل أكتوبر من عام 2023 (ربيع الأوّل 1445 هـ)، إثر هجوم حركة حماس الّذي أسفر عن مقتل ما يزيد عن 1000 إسرائيليّ. ردّت إسرائيل بقوّة مفرطة وتدمير شامل في غزّة، فقوبل ذلك بردّ فعل تركيّ صارم وحازم وصف العمليّات العسكريّة بالإبادة الجماعيّة.
أصرّت إسرائيل على هدفها المعلن المتمثّل بالقضاء التّامّ والمطلق على حركة حماس. وبلغ التّصعيد ذروته شديدة الْخَطَر حين صرّحت تركيا علناً وبشكل غير مسبوق بقدرتها على دخول إسرائيل، تزامناً مع استضافتها روابط سياسيّة نشطة تابعة لحماس، وهو ما تنظر إليه إسرائيل بوصفه تهديداً أمنيّاً مباشراً وصارخاً.
تحوّل التّوتّر السّياسيّ إلى مواجهة إستراتيجيّة صريحة لا تقتصر على الطّرفين فحسب، بل تشمل السّيطرة على موارد الطّاقة، وتزعّم العالم الإسلاميّ، والتّحكّم بالجغرافيا الإستراتيجيّة والتّحالفات الدّوليّة الكبرى. إذ تتحكّم تركيا بأحد أهمّ المضائق الحيويّة على وجه الأرض، الرّابط بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط؛ وأيّ تغيّر في موقفها الإستراتيجيّ سيؤدّي حتماً إلى تبدّل موازين القوى العالميّة.
يؤكّد هذا المشهد مبدأ الجغرافيا السّياسيّة الثّابت والقديم: لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة.

السّاحة السّوريّة والمواجهة بالوكالة
انهيار النّظام السّوريّ وانقلاب موازين القوى
تبلغ الخطورة أقصى درجاتها في السّاحة السّوريّة، ميدان المعركة الفعليّ والأكثر تعقيداً بين أنقرة وتلّ أبيب. فبعد صراع دامٍ استمرّ لأكثر من 13 عاماً وخلّف ما يفوق 650 ألف قتيل (مليونين في تقديرات سوريّة)، دخلت سوريا مرحلة تاريخيّة وغير مسبوقة في شهر كانون الأوّل ديسمبر عام 2024 (جمادى الآخرة 1446 هـ). انهار نظام بشّار الأسد بالكامل، ليتّسع المجال فجأة أمام القوّات المحلّيّة المدعومة من تركيا لبسط نفوذها الواسع داخل الأراضي السّوريّة.
شكّل هذا التّحوّل الدّراماتيكيّ انتصاراً جيوسياسيّاً ضخماً انتظرته تركيا طويلاً، بعد أن مثّلت الحرب السّوريّة عبئاً ثقيلاً جدّاً على مدى عقد كامل، تجسّد في تدفّق ملايين اللّاجئين إلى أراضيها، وتنامي قوّة الجماعات الكرديّة قرب حدودها الجنوبيّة، وتوسّع نفوذ خصومها الإقليميّين والدّوليّين كإيران وروسيا. انقلبت المعادلة تماماً اليوم، وانتقلت تركيا من موقع متلقّي الصّدمات ومُتّخذ ردود الأفعال، إلى الفاعل الرئيس والموجّه الأوّل الّذي يصوغ مستقبل سوريا ويرسم سياساتها.
صراع الإرادات بين الرّؤية التّركيّة والمخاوف الإسرائيليّة
لم تستقبل إسرائيل هذه الأخبار بارتياح أو طمأنينة؛ ففي السّابق، وبرغم تحالف نظام الأسد الوثيق مع إيران، العدوّ الأكبر لإسرائيل، اتّسم ذلك النّظام بإمكانيّة توقّع تصرّفاته وضبط إيقاعه. أمّا اليوم، فظهرت حكومة جديدة مدعومة تركيّاً ومقرّبة من الفصائل الإسلاميّة على مقربة من الحدود الإسرائيليّة المباشرة، لتفرض حالة شديدة من انعدام اليقين الّذي يمثّل الخطر الأكبر والأسوأ في عالم الجغرافيا السّياسيّة.
تحرّكت إسرائيل سريعاً وبشراسة لافتة فور سقوط الأسد، وشنّت غارات جوّيّة مكثّفة استهدفت البنى التّحتيّة العسكريّة في عمق سوريا، وشرعت في إنشاء منطقة عازلة قرب مرتفعات الجولان، ليس بهدف الغزو المباشر، بل للسّيطرة على المستقبل الأمنيّ قبل أن تتشكّل ملامحه النّهائيّة ويصبح واقعاً مفروضاً. كما مدّت إسرائيل يد التحالف المعلن مع جماعات الدروز في محافظة السويداء جنوب سوريا، ومنعت الحكومة السوريّة عن استعادة هذه المحافظة.
يكمن جوهر الصّراع الحقيقيّ هنا في الرّؤى المتناقضة والمتصادمة؛ تسعى تركيا لبناء جبهة سوريّة موحّدة، متماسكة وقويّة تقطع الطّريق أمام أيّ طموح كرديّ بالحكم الذّاتيّ، تجنّباً لانتقال عدوى الانفصال المدمّرة إلى الدّاخل التّركيّ. في المقابل، تفضّل إسرائيل سوريا مقسّمة، ضعيفة ومجزّأة إلى دويلات وفصائل متناحرة، ممّا يضمن لها غياب أيّ عدوّ نظاميّ قويّ على حدودها، ويتيح لها مساحة أوسع للتّدخّل وفرض النّفوذ الإستراتيجيّ براحة تامّة.
تتصادم الأهداف بشكل لا مفرّ منه ولا يقبل المساومة، لتبقى سوريا عالقة في المنتصف، متحوّلة من ساحة حرب أهليّة محلّيّة إلى ميدان صراع عنيف بالوكالة تصيغ بواسطته القوى الإقليميّة ملامح الشّرق الأوسط الجديد ومستقبله بهدوء تامّ ولكن بتأثير مدمّر.

المواجهة المفتوحة وهندسة التّحالفات الجديدة
تمدّد الصّراع إلى القرن الإفريقيّ والمتوسّط
تحوّل الخلاف بين أنقرة وتلّ أبيب مع مطلع عام 2026 (رجب 1447 هـ) من قطيعة ديبلوماسيّة إلى عداء إستراتيجيّ صريح ومتعدّد الجبهات. فاتّخذت إسرائيل خطوة تصعيديّة في أواخر شهر كانون الأوّل ديسمبر من عام 2025 (جمادى الآخرة 1447 هـ) بالاعتراف رسميّاً باستقلال صوماليلاند Somaliland، لتكون أوّل دولة في الأمم المتّحدة تتّخذ هذا الموقف. واستهدفت هذه الخطوة محاصرة النّفوذ التّركيّ الرّاسخ في الصّومال، إذ تملك تركيا أكبر قاعدة عسكريّة خارجيّة لها في العاصمة مقديشو.
ردّ الرّئيس التّركيّ رجب طيّب إردوگان بوصف الاعتراف انتهاكاً غير شرعيّ للسّيادة الصّوماليّة. وصعّدت أنقرة الموقف بإعلان خطط لبدء تنقيب بحريّ عن الطّاقة في المياه الصّوماليّة خلال عام 2026، لتتحوّل منطقة البحر الأحمر وخليج عدن إلى ساحة مواجهة جديدة؛ إذ تسعى إسرائيل لمراقبة نشاط الحوثيّين، وتدافع تركيا عن هيمنتها البحريّة والتّجاريّة.
بالتّوازي مع ذلك، زوّدت إسرائيل قبرص اليونانية بمنظومة الدّفاع الجوّيّ Barak MX، ممّا أثار حفيظة أنقرة وذكّرها بأزمة صواريخ S-300 في أواخر التّسعينات، وعزّز القناعة التّركيّة بمساعي إسرائيل لاصطفاف عسكريّ مع اليونان وقبرص لتطويقها.
في الشّأن الفلسطينيّ، أعلن إردوگان صراحة دعمه لحركة حماس بوصفها حركة تحرّر وطنيّ، وروّجت تركيا لصيغة حكم في غزّة تشارك فيها الحركة، وهو ما ترفضه إسرائيل رفضاً قاطعاً. بالتّزامن، افتتحت وكالة أونروا UNRWA مكتب اتّصال في أنقرة في شهر كانون الثّاني يناير عام 2026، في تحدّ صريح للمساعي الإسرائيليّة الرّامية لتصفية الوكالة وتجريدها من حصانتها.
التّحالف التّركيّ السّوريّ وتطويق النّفوذ الكرديّ
أثمر سقوط نظام الأسد في سوريا عن صعود حكومة انتقاليّة جديدة مدعومة تركيّاً. كما شنّت القوّات السّوريّة في 13 كانون الثّاني يناير 2026 هجوماً عسكريّاً واسعاً ضدّ قوّات سوريا الدّيمقراطيّة (تنظيم قسد) المدعومة أمريكيّاً. وشمل الهجوم مناطق واسعة في محافظات حلب، والرّقّة، ودير الزّور، والحسكة. سعت الحكومة السّوريّة الجديدة بدعم تركيّ مباشر للقضاء على تجربة الإدارة الذّاتيّة الكرديّة وتفكيكها بالكامل، وأسفرت العمليّات عن توقيع اتّفاق لوقف إطلاق النّار أواخر الشّهر ذاته.
تعزّز التّعاون العسكريّ بين دمشق وأنقرة بشكل لافت لمّا شاركت سوريا لأوّل مرّة في التّدريبات العسكريّة التّركيّة Efes 2026 المقامة في إزمير بين شهري نيسان أبريل وأيّار مايو. وضمّ الوفد السّوريّ 20 عنصراً شاركوا في عمليّات هبوط جوّيّ واستعمال أسلحة على متن مروحيّات تركيّة. إلى جانب ذلك، أثمر التّقارب السّوريّ التّركيّ عن افتتاح طريق تجاريّ برّيّ جديد يربط تركيا بالعراق عبر الأراضي السّوريّة في 18 أيّار مايو 2026، لتهميش إقليم كردستان العراق ومعبر إبراهيم الخليل الحدوديّ، ممّا وجّه ضربة اقتصاديّة وجيوسياسيّة قويّة للمساعي الكرديّة في المنطقة.
المفاوضات السّريّة وتداعيات حرب إيران الثّانية
ترافقت التّحرّكات العسكريّة مع حراك ديبلوماسيّ سرّيّ بالغ الخطورة. ففي يومي 5 و6 كانون الثّاني يناير 2026، عُقدت لقاءات سرّيّة في العاصمة الفرنسيّة پاريس جمعت وزير الخارجيّة السّوريّ الشّيباني ومدير المخابرات العامّة السّوريّة حسين السّلامة مع ممثّلين إسرائيليّين، أبرزهم يحيئيل لايتر יחיאל לייטר، بوساطة المبعوث الأمريكيّ الخاصّ توم باراك Tom Barrack. استهدفت هذه المفاوضات بناء اتّفاقيّة أمنيّة واقتصاديّة شبيهة بمعاهدة السّلام الأردنيّة الإسرائيليّة لعام 1994، مع وعود مستقبليّة بإعادة مرتفعات الجولان إلى سوريا.
عرض الجانب السّوريّ خطّته لاستعادة الأراضي من القوّات الكرديّة، ولم تمانع إسرائيل ذلك، لتتطوّر الأحداث نحو هندسة أمنيّة جديدة في الشّرق الأوسط. وفي ظلّ اندلاع حرب إيران الثّانية وتصاعد التّوتّرات، أدلى الرّئيس التّركيّ إردوگان بتصريحات حاسمة في 16 أيّار مايو 2026 في أثناء عودته من قازاقستان، مؤكّداً وجوب إيقاف استفزازات إسرائيل المستمرّة لبناء سلام حقيقيّ. وأشار إردوگان بوضوح إلى الهجمات الأمريكيّة الإسرائيليّة ضدّ إيران، محذّراً من مساعي تلّ أبيب لتوسيع نطاق الحرب في المنطقة لخدمة مطامعها الخاصّة، ومؤكّداً التزام تركيا بحماية استقرار الشّرق الأوسط ورفض الحسابات قصيرة الأمد للقوى الخارجيّة.

مآلات الصّراع وإعادة رسم خارطة الشّرق الأوسط
تؤكّد القراءة التّحليليّة المعمّقة لمسار العلاقات التّركيّة الإسرائيليّة، تجاوز التّصادم الرّاهن للخلافات العابرة أو التّباينات السّياسيّة المؤقّتة، ليشكّل صراعاً بنيويّاً عميقاً على النّفوذ، والهيمنة، وقيادة الشّرق الأوسط وامتداداته الإفريقيّة والبحريّة. فلم تعد أنقرة تلك الدّولة الباحثة عن حماية أجنبيّة، بل أضحت قوّة إقليميّة طامحة لفرض رؤيتها الجيوسياسيّة الخاصّة عبر شبكة واسعة من التّحالفات العابرة للحدود، يقابلها كيان إسرائيليّ مسلّح بأحدث التّقنيّات العسكريّة ويسعى لتأمين بقائه بتفتيت محيطه الجغرافيّ واستقطاب حلفاء جدد لتطويق خصومه.
مثّلت السّاحة السّوريّة نقطة الانطلاق لهذا التّصادم المباشر، لتتّسع رقعة الشّطرنج السّياسيّة اليوم وتشمل القرن الإفريقيّ، ومياه المتوسّط، وتبلغ ذروة تعقيدها مع اندلاع حرب إيران الثّانية وانكشاف مسارات الدّيبلوماسيّة السّريّة الموازية للعمليّات العسكريّة. هنا، يفرض هذا التّشابك المعقّد واقعاً ميدانيّاً متوتّراً يحمل في طيّاته بذور مواجهات مستقبليّة أشدّ قسوة واتّساعاً.
صعود «تحالف حيتان السنّة» والهاجس الإسرائيليّ
أسفر تراجع النّفوذ الإيرانيّ وسقوط نظام الأسد عن فراغ جيوسياسيّ سارعت قوى إقليميّة وازنة لملئه، ممّا أفضى إلى تبلور تقارب إستراتيجيّ عميق تصفه القراءات التّحليليّة الحديثة مجازاً بمصطلح «تحالف حيتان السّنّة». ويمثّل هذا المحور النّاشئ، الّذي ترعاه تركيا ويسعى لضمّ قوى ديموغرافيّة وعسكريّة ضخمة كالمملكة العربيّة السّعوديّة وپاكستان ومصر وسوريا بحلّتها الجديدة، كابوساً إستراتيجيّاً حقيقيّاً لإسرائيل.
تتّفق التّحليلات الإستراتيجيّة على رصد مساعٍ حثيثة لتشكيل جبهة موحّدة تهدف إلى سدّ الفراغ الجيوسياسيّ الرّاهن، ومواجهة التّمدّد الإيرانيّ، وتحجيم النّفوذ الإسرائيليّ المتصاعد. وتجلّت ملامح هذا التّقارب في توقيع اتّفاقيّات دفاع مشترك وتكثيف التّعاون العسكريّ بين أنقرة والرّياض وإسلام آباد خلال السّنوات القليلة الماضية، ممّا يجسّد المعنى الفعليّ لفكرة “حيتان السنّة” قوى إقليميّة ضخمة ومؤثّرة، حتّى وإن غاب هذا المسمّى المحدّد عن التّداول الرّسميّ.
وتستعمل الأدبيّات السّياسيّة مصطلحات بديلة لوصف التّقارب بين هذه الدول المسلمة، مثل «النّاتو الإسلاميّ» Islamic NATO أو «التّحالف السّنّيّ» أو «التّحالف الرّباعيّ» Quadrilateral Alliance. وتخشى تلّ أبيب تحوّل هذا التّقارب من مساحات التّنسيق الأمنيّ المحدود إلى جبهة عسكريّة واقتصاديّة متراصّة وموحّدة تمتدّ من الأناضول إلى البحر الأحمر وبحر العرب.
يدفع هذا الخطر المحدق الكيان الإسرائيليّ لتسريع وتيرة هندسة تحالفاته المضادّة، ودعم الحركات الانفصاليّة، ونسج اتّفاقيّات سرّيّة لضرب أيّ استقرار يمنح هذا التّكتّل فرصة التّمدّد، إدراكاً لكون ولادة جبهة سُنّيّة متماسكة على الحدود الشّماليّة سيلغي التّفوّق الإستراتيجيّ التّقليديّ الإسرائيليّ، ليطوّق إسرائيل بكتلة ديموغرافيّة وعسكريّة عصيّة على الاختراق.

كلمة ختاميّة
تقف المنطقة بأسرها على أعتاب حقبة تاريخيّة محفوفة بالمخاطر، ولن يقتصر أثر هذا التّدافع الإستراتيجيّ على دولتي المواجهة المباشرة، بل سيمتدّ حتماً ليعيد تشكيل التّحالفات الدّوليّة الكبرى، وخطوط إمداد الطّاقة العالميّة، وممرّات التّجارة البحريّة الإستراتيجيّة. البقاء في هذا المشهد المعقّد لن يكون للأقوى عسكريّاً فحسب، بل للأقدر على استثمار الفراغ السّياسيّ، وإدارة حروب الوكالة ببراعة فائقة، وصياغة تحالفات مرنة تلبّي متطلّبات المرحلة القادمة.
النّتيجة الحتميّة لهذا المسار تؤشّر بوضوح تامّ إلى ولادة محاور نفوذ جديدة، ترسم ملامحها الصّراعات الصّامتة في أروقة الاستخبارات والأسواق، والمفاوضات السّريّة خلف الأبواب المغلقة، قبل أن تترجمها الحروب المعلنة على الأرض.
مراجع ومصادر
- The Role of Syria in Israeli-Turkish Relations — https://www.jstor.org/stable/43134418
- Turkish-Israeli Relations: Partnership, Problems and Potential — https://journals.rudn.ru/international-relations/article/view/37257
- Turkey, Israel and the Tumultuous 2011-2021 Decade in the Middle East — https://www.gif.org.tr/files/Turkey_Israel_Arab_World_Remi.pdf
- Reuters — Turkey, Israel have begun talks to avoid clashes in Syria — https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-israel-have-begun-talks-avoid-clashes-syria-turkish-sources-say-2025-04-10/
- Reuters — Turkey talks with Israel about deconfliction in Syria when needed — https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-talks-with-israel-about-deconfliction-syria-when-needed-foreign-minister-2025-0/
- Reuters — Turkey backing Syria’s military and has no immediate withdrawal plans — https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-backing-syrias-military-has-no-immediate-withdrawal-plans-defence-2025-06-04/
- Reuters — Turkey to help Syria with weapon systems, equipment under new accord — https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-help-syria-with-weapon-systems-equipment-under-new-accord-source-says-2025-08-14/
- The Stimson Center — Turkey-Israel Rivalry in the New Syria — https://www.stimson.org/2026/turkey-israel-rivalry-in-the-new-syria/
- The New Arab — Libya and Syria join Turkey’s EFES 2026 military drills — https://www.newarab.com/news/libya-and-syria-join-turkeys-efes-2026-military-drills
- Reuters — Syrians to use Turkish military barracks, attend military academies — https://www.reuters.com/world/middle-east/syrians-use-turkish-military-barracks-attend-military-academies-turkish-ministry-2025-/
- Reuters — Turkey wants no confrontation with Israel in Syria, foreign minister says — https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-wants-no-confrontation-with-israel-in-syria-foreign-minister-says-2025-04-03/
- Reuters — Syria, Israel resume U.S.-mediated security talks — https://www.reuters.com/world/middle-east/syria-israel-resume-us-mediated-security-talks-2026-01-05/
- Reuters — Turkey, Israel have begun talks to avoid clashes in Syria — https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-israel-have-begun-talks-avoid-clashes-syria-turkish-sources-say-2025-04-10/
- The Case of the Mavi Marmara Flotilla — https://academic.oup.com/fpa/article/18/3/orac007/6574843
- Some Concerns with the Pre-Trial Chamber’s Second Decision in Relation to the Mavi Marmara Incident — https://ejiltalk.org/some-concerns-with-the-pre-trial-chambers-second-decision-in-relation-to-the-mavi-marmara-incident/
- Times of Israel — Erdogan blasts Gaza flotilla that sparked crisis with Israel — https://www.timesofisrael.com/erdogan-blasts-gaza-flotilla-that-sparked-crisis-with-israel/
- Telegraph — Israel sea blockade of Gaza legal, but attack on Mavi Marmara was ‘excessive’ — https://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/middleeast/israel/8623491/Israel-sea-blockade-of-Gaza-legal-but-attack-on-Mavi-Marmar.html
- Reuters — Chevron resumes natural gas supply from Israel’s Tamar field — https://www.reuters.com/business/energy/chevron-says-resumes-supplying-customers-tamar-natgas-gas-field-2023-11-13/
- Reuters — Israel’s gas fields resume operations after shutdown during conflict — https://www.reuters.com/business/energy/israels-leviathan-natural-gas-field-resume-operations-few-hours-2025-06-25/
- Anadolu Agency — Turkey, Israel to try to finalize gas deal by year end — https://m.aa.com.tr/en/corporate-news/turkey-israel-to-try-to-finalize-gas-deal-by-year-end/859826
- Jerusalem Post — Report: Turkey forbids completion of gas deal with Israel until peace with Gaza achieved — https://www.jpost.com/enviro-tech/report-turkey-forbids-completion-of-gas-deal-with-israel-until-peace-with-gaza-achieved-370192
- Jerusalem Post — Detailed Leviathan natural gas plan submitted with 2019 goal — https://www.jpost.com/business-and-innovation/detailed-leviathan-natural-gas-plan-submitted-with-2019-goal-446059
- Irish Times — Turkey seeks to repair diplomatic ties with Israel — https://www.irishtimes.com/news/turkey-seeks-to-repair-diplomatic-ties-with-israel-1.689392
- Jerusalem Post — Report: Turkey may cut economic ties over ‘Marmara’ apology — https://www.jpost.com/breaking-news/report-turkey-may-cut-economic-ties-over-marmara-apology/article-234884
- Reuters — Turkey, Israel have begun talks to avoid clashes in Syria — https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-israel-have-begun-talks-avoid-clashes-syria-turkish-sources-say-2025-04-10/
- Stimson Center — Turkey-Israel Rivalry in the New Syria — https://www.stimson.org/2026/turkey-israel-rivalry-in-the-new-syria/
- Turkish-Israeli Relations: Partnership, Problems and Potential — https://journals.rudn.ru/international-relations/article/view/37257
- The Role of Syria in Israeli-Turkish Relations — https://www.jstor.org/stable/43134418





اترك رد