تواجه الهوية العربية في الغرب تحدّياً معقّداً يتجاوز مجرّد سوء الفهم العابر ليصل إلى منظومة متجذّرة من الصور النمطية والتحيّزات الثقافية. تتجلّى هذه المشكلة في مواقف يومية بسيطة – مثل سؤال خبيث عن معرفة آلة موسيقية – لكنّها تكشف عن فرضيّات ضمنية عميقة تختزل حضارة عريقة ومتنوّعة في مشاهد كاريكاتورية من الصحراء والخيام والجمال.
لا يقتصر الأمر على الجهل البسيط بالثقافة العربية، بل يمتدّ إلى إقصاء مؤسّسي مُقنّع يطال حتى المواطنين العرب المولودين والمتعلّمين في بلدان غربية. يتغذّى هذا التحيّز من مصادر متعدّدة: المناهج التعليمية التي تهمّش تاريخ المنطقة العربية، والإعلام الذي يكرّر الصور المشوّهة، والميراث الاستشراقي الذي حوّل الشرق إلى مسرح للخيال الأوروپي أكثر منه مكاناً حقيقيّاً يسكنه بشر حقيقيون.
المفارقة المؤلمة أنّ هؤلاء أنفسهم يقدّسون “المورگنلاند” في أدبيّاتهم ويحجّون لزيارة الأراضي المقدّسة، حين يحتقرون سكّانها المعاصرين. كما أنّ المشكلة لا تقتصر على نظرة الآخرين للعرب، بل تشمل أيضاً الصور النمطية التي نحملها نحن عن بعضنا البعض وعن الغربيّين أنفسهم.
تحتاج هذه الدائرة المفرغة من التنميط المتبادل إلى فهم عميق ومعالجة شاملة، تبدأ بالوعي بجذور المشكلة وتمتدّ إلى بناء استراتيجيّات ذكية للتعامل معها، وصولاً إلى رؤية أكثر إنصافاً وإنسانية بين الشعوب.

الصور النمطية والتحيّز الثقافي
عام 2021، سألني جاري الألماني (الذي جاورني سنوات وتشاركنا عشرات العشواءات) إن كنت أعرف «آلة موسيقية خشبية اسمها تشيلو» … يبدو أنّ سوريا ستبقى في عيون الألمان صحراء ورمال وخيمة مربوط بجانبها جمل.
حاولت مراراً إقناع معارفي من الألمان أنّني دمشقي لم ألتق جملاً في حياتي، ولم أنم ليلة في خيمة إلّا في رحلات الهايكينگ، فليس في زحمة دمشق الخانقة مجال لنعيم البادية … لا مجال أبداً لبراءة عذرية سماء البوادي خلف سحابة مصانع دمشق.
يبدو أنّ قدري السوري أن أبقى في عيون الأوروپيّين دوماً أدنى، كيف لا؟ ومنهاجهم التعليمي يتحدّث عن تطوّر الإنسان من قرد إلى أفريقي إلى عربي إلى فارسي إلى إغريقي حتّى تجلّى تطوّر الإنسان الأسمى في الرجل الأوروپي الأبيض. ثم إذا صار في حديث الإعلام “سوريا” وضعوا صور المسلّحين الملثّمين والنازحين في العراء وخيمة وجمل.
قبل ثماني سنوات، إذا التقيت بروسيّ في برلين (وما أكثرهم) رآني بصفة سوري إرهابيّاً تناضل حكومة رئيسه لإبادتنا وقمع شرّنا نحن الإسلاميّون القادمون من الصحراء، واليوم وقد سقط الأسد صرنا في عيونهم إرهابيّين مسلمين نبيد الأقلّيّات المظلومة … هذه الأقلّيّات القومية والطائفية الانفصالية التي رفعت راية إسرائيل وصارت تساعد الجيش الإسرائيلي علانية على احتلال أرض سوريا. وإذا ذكرت أنّني أوزبكي تغيّرت صورتي فوراً إلى سائق تكسي، محتال صعلوك ووضيع، فأغلب تكاسي موسكو يقودها الأوزبك، حتّى استبدل الروس عبارة “سائق سيارة أجرة” بكلمة أوزبكسكي!
فما هي صورة مزاج أوزبكيّ بسوريّ في مخيلة الروسي؟
لا يصدّق الألماني أنّني أعرف الآلات الموسيقية الألمانية. عشر سنوات من طفولتي في دراسة تاريخ الموسيقى وعزفها ليست كافية لكي يصدّق الألماني بديهيّاً أنّني أعرف التشيلو، ولا أعتقد بوجود سوري في هذا العالم كله، في حواضره وبواديه؛ لا يعرف التشيلو.
بكل حال، إذا تحدّثت عن بيتي الذي كان في دمشق أمام الألمان فكذا تكون الصورة في مخيّلتهم. ويجهل الألمان أنّ العربيّ من أقدم أهل الحواضر في العالم، حتى وصف الناس تخطيط المدن قديماً بكلمة إعراب، والبناء فيها بكلمة تعريب.

عام 2018، عائد من السوق إلى البيت في برلين، مررت بجانب مجموعة موسيقيّين في الشارع يعزفون لموتسارت أمام مقهى. جذبتني الألحان فتوجّهت إلى المقهى وسحبت كرسيّاً وجلست وطلبت قهوة لأستمتع بالموسيقى مع كوب القهوة.
وصلتني مكالمة هاتفية من صديق سوري بالصدفة، تحدّثت معه كلمتين وأخبرته أنّني سأتّصل به لاحقاً وأغلقت الهاتف، وبقيت صامتاً أستمتع بقهوتي. على الطاولة المجاورة لي زوجان ألمانيّان مسنّان، فقال الرجل لامرأته: “أترين هؤلاء اللّاجئين؟ صاروا مثلنا، ينتبهون للموسيقى المحترمة ويجلسون يستمعون”، فأجابته الزوجة: “وغداً ستراهم يفتحون كتاباً في الأوبان (قطار تحت الأرض)”. واستمرّت هذه المرأة تسترق النظر إليّ من حين لآخر.
بصراحة، انزعجت. انتظرت حتى انتهت الموسيقى والشباب يجمعون النقود، فذهبت إلى هذين الزوجين وقلت لهما: “جميلة الموسيقى، أليس كذلك؟ في دمشق، من المكان الذي جئت منه، كنت أيضاً أنتبه للموسيقيّين في شوارع المدينة القديمة وأجلس على حافة الرصيف أستمع حتى ينتهوا، وأدعوهم للقهوة بعدها، احتراماً للموسيقى”. ولم أنتظر جواباً، فالتفت أحاسب الصبيّة.
لا أعرف متى سيتوقّف هؤلاء الألمان عن رؤيتنا “بقراً وحشيّاً” قادم من تحت نصف خيمة؟ لا أعرف على من اللّوم! هل العيب في إعلامهم؟ أم فينا؟ أم في مناهجهم الدراسية؟ أم في العرب الذين سبقونا؟ والله لا أعرف. إذا كانوا هم يقرؤون في الأوبان، فأنا كنت أفتح كتاباً في سرڤيس دمشق (السرڤيس حافلات ڤان صغيرة غير لائقة للنقل العام).
في الأيام التي لم تكن فيها للمرأة الحقّ حتّى في قبض راتبها في ألمانيا (حتى ما بعد الحرب العالمي الثانية)، كانت المرأة في سوريا تشارك في الانتخابات ولديها جمعيّات ونالت حقوقها القانونية (منذ تحرّرت من قيود الفرنسيّين عام ١٩٤٦). وفي الأيام التي كان فيها التعليم محصوراً بالنخبة في ألمانيا، كان التعليم إلزاميّاً ومجانيّاً في سوريا. وإذا مرّت علينا السنوات الخمسون الأخيرة بظلامها، فقد سبقتها مئات السنين كان الألماني يتمنّى فيها أن يأتي ليعمل في سوريا، لأنّ الدخل الشهري كان ثلاث أضعاف ما هو عليه عندهم.

بداية الحكاية:
سؤال بسيط… تحيّز عميق
“هل تعرف آلة موسيقية خشبية تُسمّى تشيلو؟” سؤال ببراءة ظاهرية، لكنّه يحمل في أعماقه عقوداً من التصوّرات المغلوطة حول العرب وأهل الشرق الأوسط. تختبئ خلف هذا الاستفهام البسيط فرضية ضمنية موجعة: السوري القادم من عالم الصحراء والخيام لا يستطيع أن يألَف الثقافة الموسيقية الغربية الراقية أو يفهمها.
ليس هذا الموقف حادثة منعزلة، بل نافذة تكشف عن ظاهرة أوسع وأعمق تتجلّى في نظرة كثير من الغربيّين إلينا. نظرة تختزل حضارة عريقة وثقافة متنوّعة في مشاهد كاريكاتورية تجمع بين الخيام والجمال والرجال الجهلة الملتحين، وتتجاهل تماماً التاريخ الحضاري المجيد والإنجازات الثقافية والعلمية التي قدمّتها منطقتنا العربية للإنسانية جمعاء.
جذور المشكلة في الإعلام والتعليم
يؤدّي الإعلام الغربي دوراً محوريّاً في ترسيخ هذه الصور المشوّهة وإدامتها. فعندما تُذكر سوريا في نشرات الأخبار، تُصاحب التقارير صور للمسلّحين الملثّمين والنازحين في العراء، مع خيمة وجمل في الخلفية كما لو كانت هذه هي الصورة الوحيدة الممكنة لبلادنا. يرسم هذا التكرار المستمرّ للمشاهد ذاتها في ذهن المتلقّي الغربي صورة محدّدة ومحدودة عن المنطقة بِرُمَّتها.
تُديم الأفلام الهوليوودية والبرامج التلفزيونية هذه النظرة الاستشراقية القديمة التي تصوّر العربي إمّا أمير بدوي ثري وإمّا متطرّف متعصّب، دون أن تُظهر أبداً الطبيب أو المهندس أو الأستاذ الجامعي الذي يعيش حياة طبيعية مثل أي إنسان آخر، ودون أن تُظهر حتّى الطبقة المتوسّطة من العرب. يساهم هذا التجاهل المتعمّد للواقع المعاصر في تجميد الصورة النمطية وجعلها تبدو وكأنّها حقيقة ثابتة لا تتغير.
تساهم المناهج التعليمية الأوروپية في ترسيخ هذه المفاهيم المغلوطة أيضاً. يدرس الطالب الألماني تاريخ أوروپا بتفصيل مُمل، لكنّه يبقى جاهلاً بتاريخ المنطقة التي حكمها أسياد أوروپا العثمانيّون أربعة قرون كاملة. يؤدّي هذا الجهل المُقنّن إلى مواقف محرجة، كما حدث مع المعلم التركي الذي درّس الجغرافيا ولم يستطع أن يفهم كيف يشبه السوري التركي في الملامح برغم أنّ المسافة بينهما لا تتجاوز خمسين كيلومتراً.

التناقض العجيب:
الشرق المقدّس والشرق المُحتقر
يعيش الألمان المسيحيّون تناقضاً صارخاً في نظرتهم للشرق يثير الدهشة والاستغراب. فهم من جهة يُقدّسون “المورگنلاند” (أرض الشروق) في أدبيّاتهم الرومانسية، ويحجّون لزيارة الأراضي المقدّسة التي وُلد فيها المسيح ونشأت المسيحية. ومن جهة أخرى، يختزلون سكّان هذه المنطقة نفسها في صور كاريكاتورية مبتذلة لا تمتّ للواقع بصلة.
تكشف هذه الازدواجية عن انفصال تام بين جغرافيا الإيمان وجغرافيا السياسة في العقل الغربي. فيزورون القدس وبيت لحم والناصرة وحتّى دمشق وأور وبابل (الحلّة) حجّاج متديّنين، ثم يعودون لبلادهم وكأنّهم زاروا متاحف مهجورة ليست مدناً حيّة تنبض بالحياة والحركة والإبداع.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون العودة إلى الميراث الاستشراقي الذي ترك بصماته العميقة على النظرة الغربية للشرق. رسم المستشرقون صوراً رومانسية مشوّهة للشرق العربي، حوّلنه فيها إلى مسرح للخيال الأوروپي أكثر منه مكاناً حقيقيّاً يسكنه بشر حقيقيّون لهم حياتهم وهمومهم وإبداعاتهم.
لوحاتهم ورواياتهم صوّرت الشرق عالماً من الحريم والخيام والجواري والسلاطين الطغاة، وأهملت الحياة الحقيقية للناس العاديّين في بيوتهم ومدارسهم وأسواقهم ومقاهيهم. وتجمّدت هذه الصور في المخيّلة الأوروپية وأصبحت مرجعاً يقيسون عليه كلّ ما يرونه من الشرق الأدنى المعاصر.

الحقيقة المُغيّبة:
العربي ابن المدينة والحضارة
تقدّم لنا اللّغة العربية نفسها شرحاً واضحاً لمعنى “العروبة” يتناقض تماماً مع الصور النمطية السائدة. ففي معجم “لسان العرب” لابن منظور، نجد تعريفاً دقيقاً يُظهر أنّ العربي تاريخيّاً هو ابن المدينة وليس ابن البادية كما يتصوّر كثيرون.
يقول ابن منظور في معجمه الشهير أنّ “من نزل بلاد الريف واستوطن مدن وقرى العرب فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء”. أمّا سكّان البادية فيُطلق عليهم اسم “أعراب” وليس “عرب”. هذا التمييز اللّغوي الدقيق يكشف أنّ العروبة التاريخية ارتبطت بالحضر والتمدّن وليس بالظعن والترحال كما يُشاع. إلى درجة وصف ساكن الحضر بالعربي حتّى لو لم يكن عربي. أي، رُبطت صفة العرب بالحضارة.
كان أهل اليمن الأوائل من أهل المدن، وربّما كانوا من اخترع مبدأ التمدّن أساساً قبل البشرية كما اخترعوا النقد ومبادئ التجارة والنقد الدولي. هكذا خرج منهم “العرب” أي سكّان المدن والنازعون إلى الاستقرار عن الترحال والتنقّل المستمر.
إعراب الأرض يعني تخطيطها وفتحها، وتعريب الأرض يعني بناءها وتعميرها، والاستعراب هو الإقامة في المدن، والعرب هم المتمدّنون. يُظهر هذا المفهوم التاريخي الأصيل أنّ العربية كانت لغة أهل المدن تمييزاً لهم عن الظعن الرُحّل ساكني البادية.

عالمية الظاهرة:
التنميط داخل البيت الواحد
لا تقتصر مشكلة الصور النمطية على نظرة الأجانب لنا، بل تمتدّ لتشمل نظرتنا لبعضنا البعض داخل الوطن الواحد. الدمشقيّ يردّد نكاتاً جاهزة عن الحلبي، والحلبي يردّد قصصاً عن الحمصي، وهكذا نسجن أنفسنا في قوالب ضيّقة من صنع أيدينا دون أن نشعر.
يجعل هذا التنابز بالألقاب والتبادل للصور النمطية فيما بيننا مهمّة تصحيح نظرة الآخرين لنا أصعب وأعقد. فكيف نطالب الآخرين بفهمنا ونحن لا نفهم بعضنا البعض؟ كيف نشكو من تنميطهم لنا ونحن ننمّط أنفسنا بأيدينا؟
التنميط ظاهرة إنسانية عامّة لا تقتصر على طرف دون آخر، فنحن أيضاً نحمل صوراً مسبقة عن الغربيّين. من بلداننا العربية، نتخيّل الألماني جافّاً وآليّاً والفرنسي متكبّراً والأمريكي جاهلاً برغم ثرائه. تنشأ هذه الصور النمطية من مصادر متشابهة في كلا الطرفين: الأفلام والإعلام والحكايات المتناقلة تصنع انطباعات مبسّطة عن الآخرين.

المرأة العربية:
صورة أخرى مُشوّهة
تمتدّ الصور النمطية لتشمل المرأة العربية أيضاً، حيث يتخيّلها كثير من الأجانب محجوبة في البيت محرومة من التعليم والعمل. يصدمهم اكتشاف أنّ النساء السوريّات دخلن الجامعات منذ عشرينيّات القرن الماضي، وأنّ كلّية الطبّ في جامعة دمشق خرّجت طبيبات منذ الأربعينيات.
كانت ماري قطّينة أوّل امرأة سورية تنال شهادة القبالة والتمريض من المعهد الطبي العربي في الجامعة السورية، وكانت لوريس ماهر أول طبيبة تتخرج من جامعة دمشق عام 1930. سبقتهنّ سهير القلماوي في مصر عام 1929، حيث التحقت بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقاً) بكلّية الآداب قسم اللّغة العربية، وكانت الطالبة الوحيدة بين 14 طالباً.
وبالمناسبة، كانت الطبيبات السوريّات يدرسن الطبّ في الولايات المتّحدة الأميركية قبل السماح لهنّ بالدراسة في سوريا بعقود طويل. مثلاً تخرّجت الدمشقية ثبات إسلامبولي من جامعة پنسلڤانيا عام 1885 وحصلت على الدكتوراه في الأمراض النسائية عام 1890 وتعدّ أوّل طبيبة عربية في العصر الحديث. كما تخرّجت ظريفة إلياس بشّور من جامعة إلينوي عام 1911، ثمّ تخرّجت توحيدة بن الشيخ أوّل طبيبة تونسية ومغاربية من جامعة الطبّ في باريس عام 1936.
يكشف هذا الجهل بتاريخ المرأة العربية المتعلّمة والعاملة عن محدودية المصادر التي يعتمدون عليها في تكوين معارفهم عن منطقتنا. فصورة المرأة العربية في أذهانهم مازالت عالقة في قرون الفوضى والحروب أيّام حكم المغول، متجاهلة التطوّر الهائل الذي شهدته أوضاع المرأة في بلادنا.

استراتيجيات المواجهة الذكية
إحدى الأساليب الفعّالة في مواجهة هذه الصور النمطية هو “قلب الطاولة” عليهم، بأن نسألهم أسئلة مماثلة عن تاريخهم. يمكن أن نسأل الألماني عن علاقته بهتلر، أو نذكر له تاريخ القبائل الجرمانية وممارساتها في النظافة والتحضّر مقارنة بالحضارات المعاصرة لها في بلاد الشام.
يُظهر هذا الأسلوب لهم سخافة منطقهم، فلو طبّقنا عليهم معاييرهم نفسها لسألناهم عن كل ديكتاتور وإجرامي خرج من بلادهم عبر التاريخ. لماذا يُحاسب العربي على أخطاء لم يرتكبها وأفعال لم يفعلها، في حين لا يُحاسب الألماني على هتلر أو الإيطالي على موسّوليني؟ ولا يحاسب الإسپاني على فيليب الثالث وسلفه المجرم فرديناند الثاني؟
يمكن مواجهة الجهل بالمعرفة أيضاً، وذلك بتذكيرهم بأنّ أجدادنا كانوا يؤسّسون الجامعات في قرطبة وإشبيلية حين كانت پاريس ولندن تغرقان في أوحال الشوارع غير المعبّدة. كانت الحمّامات العامّة والمستشفيات والصيدليّات جزءاً من حياة أجدادنا اليومية حين كانت نساؤهم يرتدين الكعب العالي للمشي فوق قذارة الشوارع الأوروپية.
من المهم ألّا ننجرّ باستمرار لموقف الدفاع عن هويّتنا وحضارتنا. تجعلنا الثقة بالنفس والمعرفة الحقيقية بتاريخنا وإنجازاتنا أقل تأثّراً بهذه النظرات المتعالية. وتحرّرنا المعرفة الحقيقية من الحاجة المستمرّة لإقناع الآخرين بقيمتنا، فقيمتنا ثابتة لا تحتاج لإثبات من أحد.

ما وراء الجهل:
الإقصاء المؤسّسي
لا تقتصر المشكلة على الجهل البسيط أو الصور النمطية السطحية، بل تمتدّ إلى ما هو أعمق وأخطر: الإقصاء المؤسّسي المُقنّع.
عازف الترومپيت الفرنسي إبراهيم معلوف، برغم نشأته في پاريس وتخرّجه من الكونسرڤاتوار من بين الأوائل، لا يُقبل في الأوركسترات الغربية بدعوى أنّه “شرقي”. ليس هذا جهل بل رهبنة فكرية تُقصي الآخر حتى لو تفوّق عليهم في مجالهم.
حتّى من وُلدوا في أوروپا ونشأوا فيها لا يُنظر إليهم مواطنين كاملي الحقوق. السورية الشقراء المولودة في ألمانيا، التي لا يكشف عروبتها سوى اسمها، تواجه تعليقات “إعجاب” من الألمان لأنّها تتحدّث الألمانية بطلاقة! – وكأنّ هذا إنجاز استثنائي وليس حقّاً طبيعيّاً لمن وُلد ونشأ في البلد.
تكشف هذه المواقف عن عقليّة الضيف الدائم التي يُعامل بها العرب حتى لو كانوا مواطنين أو مقيمين منذ عقود. فهم دائماً “الآخر” الذي يجب أن يُثبت انتماءه وكفاءته مراراً وتكراراً، دون أن يحصل على الاعتراف الكامل أبداً.
حتى الكاتب الألماني فغيدغيچ عاني Fredrich Ani، ابن العم العربي، يواجه سؤالاً سخيفاً: “هل يكتب للألمان؟!” وكأنّ الكتابة بالألمانية في ألمانيا تحتاج لتبرير إضافي إذا كان الكاتب من أصل عربي. يكشف هذا السؤال عن عمق التحيّز الذي يتجاوز مجرّد الصور النمطية ليصل إلى التشكيك في حقّ الانتماء الثقافي.
دور المثقّف في تصحيح المسار
يقع على عاتق المثقّفين والمغتربين العرب دور مهمّ في تصحيح هذه الصور المشوّهة، ليس بالدفاع المستمرّ الذي قد يبدو مملّاً أو متكرّراً، ولكن عبر تقديم نماذج إيجابية تُظهر أفضل ما في ثقافتنا وحضارتنا. يحتاج الأمر إلى جهود منظّمة لإنتاج أعمال فنية وثقافية تروي قصصنا الحقيقية بأقلامنا وأصواتنا.
لكنّ هذه الجهود تصطدم أحياناً بجدران مؤسّسية لا تكتفي برفض “الآخر” بل تُقصيه حتى لو تفوّق في مجاله. هنا تصبح المعركة أعقد من مجرّد تصحيح صور نمطية، بل صراع ضدّ منظومة إقصاء متجذّرة تحتاج لنفس طويل وصبر كبير.
نحن لسنا مسؤولين عن تصحيح كل صورة نمطية، فهذا عبء ثقيل يَجِبُ ألّا نحمله على أكتافنا دائماً. لكنّنا مسؤولون عن عدم تأكيد هذه الصور بسلوكيّاتنا. يعني هذا أن نكون واعين لتصرّفاتنا وكلماتنا، وأن نتجنّب السلوكيّات التي قد تعزّز النظرة السلبية عنّا.

نحو فهم أعمق وأجمل للذات والآخر
ليس سؤال الألماني عن التشيلو مجرّد موقف عابر يمكن أن ننساه، بل نافذة تطلّ على إشكالية أعمق تتعلّق بكيفية رؤية الشعوب لبعضها البعض في عالم أصبح أصغر وأكثر ترابطاً. تتطلّب هذه الإشكالية جهداً مشتركاً من كلّ الأطراف لتجاوز الصور النمطية والوصول إلى فهم أعمق وأكثر إنصافاً وجمالاً.
من جهتنا، نحتاج إلى ثقة أكبر بأنفسنا ومعرفة أعمق بتاريخنا وحضارتنا، حتى لا تهزّنا مثل هذه المواقف أو تدفعنا للشعور بالنقص أو الدونية. كما نحتاج إلى التخلّص من صورنا النمطية الخاصة بالآخرين، والتعامل معهم أفراد وليس ممثلين لصور جاهزة نحملها في أذهاننا.
يبدأ الحوار الحقيقي بين الثقافات حين يكفّ كلّ طرف عن رؤية الآخر بواسطة نظّارات ملوّنة بتوقّعاته المسبقة، ويبدأ في اكتشاف الإنسان الحقيقي خلف الصورة النمطية. هذا تحدٍّ جميل يواجهنا جميعاً في بناء عالم أكثر تفهّماً وتسامحاً وإنسانية.
العالم أجمل حين نتعرّف على بعضنا البعض بصدق وانفتاح، دون أحكام مسبقة أو صور جاهزة. وربّما يكون في كل سؤال “بريء” عن التشيلو فرصة ذهبية لنبنّي جسراً جديداً من التفاهم والمحبّة بين الشعوب.





اترك رد