استمتع معي بالنظر إلى هذه التحفة العربية من القرن 13 والتي في صنعتها بذرة تقنيّة تخدم اليوم روّاد الفضاء، ولا تخلو مركبة طائرة منها.

هذه مبخرة نحاسية صُنعت في دمشق في آواخر القرن 13، والعجيب ليس في تصميمها الخارجي الكروي فحسب، بل كذلك في الإبداع في صنعة آلتها الداخلية. التي تمنع سقوط البخور مهما تأرجحت المبخرة، وحتّى لو سقطت وتدحرجت. فهي جهاز ميكانيكي سمّاه العرب قديماً الجُنْبُل والمِجْوَل، ويستخدم للحفاظ على استقرار وتوازن للأجسام عن طريق منع تأثير حركة المنصّة المحيطة بها. وقيل أحياناً للجسم المركزي (الكأس) مِجْوَل ثمّ يحمله الجُنْبُل من حوله.
تحتوي المبخرة في داخلها على كأس الجمر محمولة على ثلاث جُنْبُلات حلقيّة، رُتّبت محاورها بحيث تبقى الكأس ثابتة ومتوازنة بفتحتها إلى أعلى، مستوية تماماً، مهما تغيّرت أوضاع الكرة المبخرة… وهذا تماماً ما يحدث في مركبات الفضاء الحديثة والصواريخ والطائرات. وفي عالم التصوير كذلك، تُحمل الكميرات الحديثة، على جُنْبُلات مماثلة، فتبقى مستقرّة ومتوازنة مهما ثقل وزنها ومهما تحرّك المصوّر.

يُظهر هذا الجهاز أنّ العلماء العرب اعتمدوا ومن القرون الوسطى تقنيّة مشابهة لتقنية الجُنْبُل الحديثة للحفاظ على استقرار الفحم المشتعل أو البخور داخل المبخرة المعلّقة. ومع ذلك، لا يزال غير واضح (لي على الأقل) من هو العالم العربي الذي طوّر هذه التقنية أو قام بتسجيلها لأوّل مرّة في الكتابات العلمية. لكن يمكننا التأكيد على أنّ هذا الجهاز يُظهر قدرة العلماء العرب على تطوير تقنيات مبتكرة في مجال الهندسة الميكانيكية وتطبيقاتها العملية.
ويعود أقدم ذكر لتقنية الجُنْبُل العربية في مخطوط عربي من القرن التاسع (1) وبسبب فقدان اسم مؤلّف المخطوط وكاتبه، فقد اعتُقد خطأ أنّ المخطوط هو ترجمة عربية لمخطوط الميكانيكي فيلو البيزنطي Φίλων ὁ Βυζάντιος من القرن الثالث قبل الميلاد. لكن، بعد مراجعة جميع أعمال فيلو البيزنطي وتبيان خلوّها من وصف هذا الجهاز، تأكّد عالم الصينيّات البريطاني جوزيف نيدام Joseph Needham أنّ المخطوط عن أصل عربي وليس ترجمة، وبرهن سنة 1965 أنّ اختراع الجُنْبُل عربي يعود إلى القرن التاسع (2).

صاحب هذا التزوير، الذي نسب اختراعاً عربياً لميكانيكي بيزنطي، هو الفنّان الفرنسي {ڤيار دو أونكور} Villard de Honnecourt الذي عاش في القرن 13 خادماً لأحد فروع كاتدرائية كامبراي. وفي عصرنا الحديث تبيّن أنّ مخطوط ڤيار احتوى على الكثير من الأكاذيب. ولا تقتصر على تزوير نسب اختراع عربي وحسب، بل كذب كذلك وادّعى أنّه معماري ناجح، تبيّن أنّه لم يشارك بتصميم أو تنفيذ أيّ من الأعمال التي ذكرها. بل إنّه لم يشتغل في أيّ مهنة، ولم يكن رحّالة كما ادّعى كذلك، بل إنّه نسخ وجمّع من مخطوطات عثر عليها في مكتبات الكنيسة. وكتابه بالكامل عبارة عن مجموعة أوراق غير متسلسلة وجُمّعت بعشوائية كيفما اتّفق. لهذا، تسمّيها مكتبة فرنسا الوطنية BnF بـ{مسودّة دو أونيكور} لأنّها لا ترقى إلى مستوى كتاب.
وكان قدامى البحّارة العرب، ومن القرن التاسع، قد استعملوا تقنية الجُنْبُل لتركيب بوصلة بحرية خاصّة تبقى مستوى حتى مع ميلان السفينة، فتسمح بقياس الميلان كما تسمح بقراءة صحيحة للاتّجاهات مهما أمالت الأمواج السفينة. وعن كلمة تسمية الجُنْبُل بقيت التسمية في الإنگليزية gimbal لنفس الآلية، وهو الاسم المتداول اليوم على المستوى الأكاديمي. وانتقلت هذه التقنية إلى الأوروپيين في القرن 16 وأطلقوا عليها تسمية البوصلة الجافّة. ولم تعرف البحرية الأوروپية هذه التقنية قبل القرن 16، فلو كانت من اختراع بيزنطي فعلاً لكانت توفّرت للبحّارة الأوروپيين قبل العرب، وما كانت انتظرت ستّ قرون كاملة لتظهر في سفنهم، بعد العرب.
ونعود إلى مبخرتنا الساحرة… صُنعت هذه الكرة في دمشق القرن 13 لمصلحة {الملك المظفر سيف الدين قُطُز محمود بن ممدود بن خوارزمشاه السمرقندي} وهو بطل معركة عين جالوت. وهو من حرّر الشام من الاحتلال المغولي-الفرنسي-النورماني المشترك. ولا يسعني الافتراض إلّا أنّ الغرض من صناعتها أن تعلّق من سلسلة معدنية في خيمة الملك قُطُز الحربية، وهذا سبب صناعتها آلة جُنْبُل تمنع انسكاب الجمر فيها مهما هزّت الرياح نُصب الخيمة.
وكان من عادة العرب إشعال المبخرة لإشاعة البركة والروائح الطيّبة، تطهيراً للنفس من شرورها. ومن الموادّ التي يحرقها العرب في المبخرة: اللبان، والمر، والعود، والسندس، والجاوي، والكمبودي، والمغربي… وهذا الأخير كان الشائع في مباخر الفنيقيين واليهود شرق المتوسّط كذلك، قبل طغيان العود الهندي.
ويتكرّر على محيط المبخرة نقوش عربيّة بفنّ الحضر تقول: عز لمولانا الملک المالک العالم العادل المؤید/المظفر المنصور المجاهد المرابط المثاغر الغازي در/رکنز الاسلام و المسلمین الملوک و السلاطین قاتل الکفرة والزنادقة.
المبخرة محفوظة اليوم في مستودع متحف المتروپوليتان في نيويورك تحت الرقم 17.190.2095a, b وغير معروضة، وكان المتحف قد تلقّاها سنة 1917 هدية من ثري أميركي بالوراثة اسمه جون پيرپونت مورگان John Pierpont Morgan Jr. واشتغل مصرفياً، ومديراً لشركة أبيه J.P. Morgan & Co. التي لم تزل تعمل إلى اليوم.
لم تقتصر تقنية “الجنبل” أو “الجمبال” على مجال الملاحة فحسب، بل وجدت مكانًا بارزًا في علم الفلك. استخدمها علماء الفلك العرب، مثل البتّاني والبيروني، في تصميم الأدوات الفلكية للحفاظ على استقرارها وتقديم قراءات دقيقة، بغض النظر عن حركة المحيط بها.
رغم أصولها القديمة، ما زالت تقنية “الجنبل” قيّمة ولا غنى عنها في العصر الحديث. وجدت طريقها إلى مجموعة متنوعة من المجالات، بما في ذلك التصوير الفوتوغرافي، حيث تساعد أجهزة تحكم الجمبال في التقاط لقطات سلسة وثابتة، بغض النظر عن حركة المصور. في صناعة الطيران، تعد الجمبالات أساسية في الحفاظ على توازن وتوجيه الأدوات الملاحية، مما يضمن الحصول على قراءات دقيقة في جميع الأوقات.
في مجال استكشاف الفضاء، تأخذ التقنية أهمية أكبر بكثير. تستخدم المركبات الفضائية والأقمار الصناعية الجمبالات لضبط توجيهها في الفضاء دون التأثير على مسارها، وهي وظيفة حيوية للعمليات الناجحة للبعثات الفضائية.
هذه القصّة عن مبخرة دمشقية من القرن الثالث عشر شهادة على براعة العلماء العرب وقدرتهم على تطوير التقنيات التي صمدت أمام اختبار الزمن. وقد ساهمت اختراعاتهم، مثل “الجنبل” أو “الجمبال”، ليس فقط في تقدّم الحضارة في العصور الوسطى، ولكنّها ما زالت تلعب دورًا هامًا في التطبيقات التكنولوجية الحديثة. والقصة أيضًا تذكير بأهمّية النسبة التاريخية الدقيقة والحاجة إلى إلقاء الضوء على مساهمات العلماء العرب في مجال الهندسة الميكانيكية وما وراءها.
وباعتقادي، يجب أن تخرج هذه التحفة إلى العلن، لأنّها أحد الأدلّة العلمية على سبق العرب في اختراع الجُنْبُل وفضلهم على هذه التقنية العظيمة.
المراجع
1- Sarton, George (1959). A History of Science: Hellenistic Science and Culture in the Last Three centuries B.C. Cambridge: Harvard University Press. pp. 349–350.
2- Needham, Joseph. (1986). Science and Civilization in China: Volume 4, Physics and Physical Technology; Part 2, Mechanical Engineering. Taipei: Caves Books Ltd. p.236.





اترك رد