نعلم جميعاً أن فكرة المدارس النظامية قد تأسّست في بغداد في القرن 11. لكن، ترى ما هو النظام التعليمي الذي سبق المدارس النظامية وساهم بتعليم أبناء المسلمين طوال أربع قرون قبل القرن 11، وساهم بتعليم العرب طوال عشرات القرون قبل المدارس النظامية.
بمراجعة نقوش البوادي التي تركها البدو والرعاة في ربوع جزيرة العرب طوال الـ1700 سنة التي سبقت الإسلام، من الملفت للنظر تمكّن جميع هؤلاء الرحّل والرعاة من القراءة والكتابة، ما يدلّ على وجود نظام تعليمي قوي، صاحبهم في ترحالهم واستقرارهم، مكّنهم من تحقيق مستوى واحد من إجادة القراءة والكتابة. ولطالما أثار فضولي هذا النظام وأحببت معرفة تفاصيل حيثيّاته.
هذا النظام القديم حمل اسم نظام الحضرات أو المحاضر أو الحظرات أو المحاظر والواحدة محظرة. وبسبب اسم هذا النظام التعليمي الرائع خرجت تسمية فنّ الحضر، فنّ الخط العربي المهندَس، الذي يملأ المساحة. واستعمله العرب وغيرهم من المسلمين إلى جانب فنّ التوريق لتزيين الجدران والأواني.

تأسّست المحاضر أو المحاظر في اليمن حوالي القرن 13 ق.م وبدأت بتدريس الكتابة والقراءة والآداب والحساب والعلوم الدينية والعقلية. وكانت تباهي بقدرتها على الترحال حيث كان الطلّاب ولمّهم. واختلف نظام المحاضر عن النظام التعليمي اليمني التقليدي الذي عرفه معبد أوام مثلاً، في أنّ الطالب ما كان مضطرّاً لدخول سلك المؤسّسة الدينية ليتمكّن من الإقامة في أديرة المعبد والدراسة في مكتباتها. إنّما، كانت المحاضر أكثر مرونة، تركّز على التعليم بعمليّة وسرعة، وتهدف أوّلاً إلى تمكين الطالب من إجادة القراءة والكتابة والخطابة والفصاحة وقراءة النجوم والاستدلال على الاتّجاهات.
في العصور الوسطى المبكّرة (القرون الإسلامية الأولى) تحوّلت المحاضر غالباً إلى الاستقرار في داخل الحواضر الإسلامية، وصارت مراكز تعليميّة رائدة تقدّم دراسات في العلوم الدينية والعلوم العقلية والفنون والأدب، إلى جانب فنون الخطّ العربي، وهي المادّة الأولى في هذه المدارس على عهدها الأوّل. وغالباً ما كانت تؤسّس هذه المحاضر نفقات يخرجها الأمراء العرب والمسلمين، وتستقطب الطلّاب من جميع أنحاء العالم الإسلامية، دون أن تنفق الحكومة عليها.
تميّزت مدارس المحاضر أو المحاظر الإسلامية بتقديم دروس في العلوم الشرعية مثل القرآن الكريم والتفسير والحديث الشريف والفقه وأصول الفقه، بالإضافة إلى دروس في العلوم العقلية مثل الفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية والرياضيات. وكانت تشجّع البحث العلمي والنقاش الفكري وكانت تعتبر مراكز لتنمية العلوم والفنون والأدب. وغالباً ما احتضنت هذه المؤسّسات التعليمية مناظرات أئمّة الفقه والعقيدة، ومجادلات القضاة التي حضرها العامّة من الطلّاب والعوام.

استعملت الدولة الأموية تسمية المحضر و المحضرة تسمية للمؤسسات التعليمية التي تشبه الكتاتيب. كانت المحضر و المحضرة هي مؤسسات تعليمية كانت تُعنى بتدريس الأطفال القراءة والكتابة والحساب، وكانت تُشرف عليها الدولة أو المؤسّسات الدينية. كانت المحضر و المحضرة موجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكانت تختلف عن الكتاتيب في أن المحضر و المحضرة كانت تُعنى بتدريس الأطفال القراءة والكتابة والحساب فقط، بينما كانت الكتاتيب تُعنى بتدريس الأطفال القرآن الكريم والكتابة والحساب والعلوم الإسلامية. وكانت تسمية المحضر و المحضرة أقل شيوعًا من تسمية الكتاتيب، لكنها كانت شائعة في بعض المناطق، حتى البعيدة منها مثل الأندلس.
ثمّ جاء القرن 11 حين أسّس السلاجقة الأتراك دولتهم مطلع القرن 11. ورأى هؤلاء أنّ الدولة البويهيّة في العراق قد أضعفت حال اللّغة العربية وعلومها، فقرّروا دمج نظام مدرسة النحو العربي بنظام المحاضر الإسلامية، ما خلق فكرة المدرسة النظامية التي أنشأها في بغداد نظام الملك وزير السلطان ألب أرسلان، وجعل تمويلها من أموال الضرائب مباشرة دون تدخّل الأمراء والأثرياء. فكانت أوّل جامعة مفتوحة غير خاصّة بنيت في بغداد سنة 1064 وكانت متخصّصة بتدريس المدرّسين.

مع تناميها وتكاثرها، طغى دور المدارس النظاميّة على نظام المحاضر التي صارت تسمّى بمشايخ الكتّاب؛ لتركيز تخصّصها في تعليم الكتابة وفنون الخط. ومع مرور الوقت، افتقرت هذه المحاضر إلى التطوّر والابتكار في مناهجها وأساليب التدريس، ما أدّى إلى تراجع تأثيرها وأهمّيّتها في العالم الإسلامي. ومع ذلك، لا تزال بعض هذه المدارس قائمة حتى اليوم باسم المحظرة أو الحظرة وتُعدّ أماكن تعليميّة وثقافيّة هامّة في بعض الدول الإسلامية، خصوصاً تلك المجتمعات التي لم تزل تعتمد على المدارس المتنقّلة.
يمكن القراءة عن أنظمة المحظرة المعاصرة من هنا
مراجع ومصادر
- تاريخ التعليم الإسلامي، تأليف: د. محمد عبد الله عنان.
- التربية الإسلامية في العصر الأموي، تأليف: د. عبد الرحمن عبد الخالق.
- التربية الإسلامية في الأندلس، تأليف: د. عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري.
- المرجع في تاريخ الحضارة الإسلامية، تأليف: د. محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري.
- الموسوعة العربية العالمية، المجلد 13، صفحة 255-260.





اترك رد