تمهيد
كان لابن سينا الفضل في إحياء وتنشيط زراعة الحمّص في الكثير من بلدان وسط آسيا والشرق الأوسط، وبسبب كلماته كذلك صار الحمّص مكوّناً ظاهراً في الكثير من مأكولات المسلمين في منطقة واسعة في هذا العالم.
في موسوعته الطبية الشهيرة “القانون في الطب”, تناول ابن سينا مختلف أنواع الطعام وخصائصها الطبية. وذكر الحمّص Cicer arietinum بالخصوص في كتابه هذا، ولا سيّما الجزء المتعلّق بقيمته الغذائية وفوائده الصحّية. إذ، اعترف ابن سينا بأهميّة الحمّص الغذائية وصنّفه ضمن الأطعمة المفيدة بسبب احتوائه الغني على البروتينات والألياف والڤيتامينات والمعادن.
لاحظ ابن سينا أن الحمص سهل الهضم وأوصى باستهلاكه لتحسين الصحة والرفاهية العامة. بالإضافة إلى ذلك، اقترح ابن سينا استخدام الحمّص علاج لبعض الأمراض نظرًا لخصائصه المغذية.
تحرير التراث

وفي تلك الفترة، في القرنين 10-11، كان الحمّص مهملاً ومنسيّاً في منطقة الشرق الأوسط. إذ، وبرغم أنّه كان قديماً من أهمّ محاصيل المنطقة، غير أنّ الفترة الهلنستية كرّهت الناس بالحمّص وحرّمت بعض دولها زرعة الحمّص، كالمملكة السلوقية مثلاً، التي روّجت أنّ الحمّص من الأغذية الشرّيرة لأنّها تسبب الغازات برائحة سيّئة، وعدّتها من ثمار الشيطان، فتركها الناس.
لكن، بسبب كتاب ابن سينا، عادت زراعة الحمّص للانتشار في الشرق الأوسط وكلّ الأماكن التي كان فيها موروث هيلنستي، وعادت هذه الحبوب إلى موائد العرب والترك وغيرهم.
وهذا لا ينفي أنّ بعض عرب المنطقة ما بين الفرات والمتوسّط حافظوا على زراعة الحمّص قبل الإسلام. إذ كان الطبق الذي قدّمه اللاجئون العرب المسيحيّين في جنوب إيطاليا هو “شيشَري إتريه” Ciceri E Tria حمّص وإطريه. وكانوا نزحوا إلى باري هرباً من الاحتلال الساساني لبلادهم، والحرب الأهلية البهرائية-الغسّانية مطلع القرن السابع.

فوائد الحمّص
أثبتت الدراسات المعاصرة أنّ للحمّص عددًا من الفوائد الصحية، بما في ذلك:
- تحسين الهضم: فالحمّص مصدر جيّد للألياف، التي يمكن أن تساعد في الحفاظ على صحة الجهاز الهضمي. وتساعد الألياف في زيادة خروج البراز وتسهيل مروره. كما يمكنها تنظيم حركات الأمعاء ومنع الإمساك. بعكس البطاطا تماماً.
- خفض نسبة الكولسترول: يحتوي الحمّص على ألياف قابلة للذوبان، وقد أظهرت الدراسات أنّها تساعد في خفض مستويات الكولسترول. إذ تتفاعل الألياف القابلة للذوبان مع الكولسترول في الجهاز الهضمي وتساعد على إزالته من الجسم.
- زيادة الطاقة: الحمّص مصدر جيد للبروتين والكربوهيدرات، التي يمكن أن توفّر طاقة مستدامة. البروتين مهم أيضًا لبناء وإصلاح أنسجة العضلات.
- حماية القلب: يحتوي الحمّص على مركّبات يمكن أن تساعد في حماية القلب. تشمل هذه المركّبات الفولات والمگنيسيوم والبوتاسيوم. يساعد الفولات في خفض مستويات الهوموسيستين، وهي عامل خطر لأمراض القلب. يساعد المگنيسيوم في تنظيم ضغط الدم، ويساعد البوتاسيوم في الحفاظ على إيقاع قلب صحي.
حليب الحمّص

ومن تطبيقات الحمّص الرائعة في أوزبكستان حليب الحمّص المنبّت، وهو حليب نباتي مصنوع من الحمّص الذي تمّ إنباته (وليس النابت). وهو بديل رائع للحليب الحيواني، وهو بتكوينه البروتيني الأقرب لتكوين الحليب الحيواني من باقي أصناف الحليب النباتي. وكشراب منزلي، يوفّر مجموعة فريدة من الفوائد الغذائية.
يمكن أن يرفع إنبات الحمّص بيولوجياً من توافر بعض العناصر الغذائية، ممّا يعني أن أجسامنا ستقدر على امتصاص واستخدام هذه العناصر الغذائية بشكل أسهل. ويميل الحمّص المنبّت إلى أن يحتوي على نسبة بروتين أعلى، والمزيد من الڤيتامينات والمعادن، ومستويات أقلّ من مضادّات المغذّيات، التي يمكن أن تتداخل مع امتصاص العناصر الغذائية في الجسم.
طعم حليب الحمّص المنبّت فريد وقد لا يعجب الجميع. وغالباً ما يوصف بأنّه طعم أرضي أو كالفول. لذا يُفضّل بعض الناس خلطه مع مكوّنات أخرى، مثل دبس التمر للتحلية أو القرفة للنكهة، لجعله مقبول أكثر. بالإضافة إلى توافق نكهة حليب الحمّص المنبّت بشكل رائع مع القهوة، ما يجعله بديل ممتاز للحليب الحيواني في فناجين وأكواب قهوتها، الساخنة والباردة.
وكما هو الحال مع أنواع الحليب النباتي الأخرى، يمكن استخدام حليب الحمّص المنبّت بتطبيقات متعدّدة، بما في ذلك الكوكتيلات، والصلصات، وتحالي الحبوب وغيرها من الحلويات، إلى جانب القهوة، أو يمكن شربه وَحْدَهُ. وهو أيضا خيار رائع للأشخاص الذين يعانون من عدم تحمّل اللاكتوز أو الحساسيّة من حليب البقر.
تحضير حليب الحمّص
يمكن دائماً تحضير حليب الحمّص المنبّت في البيت، سنحتاج إلى:
- كوب واحد من الحمص المجفف
- أربع أكواب من الماء
- اختياري: مُحلّي مثل دبس التمر أو دبس العنب, ڤانيليا, أو قرفة للنكهة.
وللتحضير نتبع الخطوات التالية

إنبات الحمص
- ننقع حبّات الحمّص في وعاء من الماء مدة 8-12 ساعة بحرارة المطبخ أو 24 ساعة في البرّاد (الثلّاجة) حسب حرارة الطقس. الحرارة العالية تسرّع من فساد الحمّص.
- بعد النقع، نصفّي الماء ونغسل الحمّص.
- ننقل الحمّص إلى جرّة للإنبات، أو ببساطة ننشرها في وعاء نظيف أو حافظة طعام، أو على طبقة من القطن الطبيعي، نغطّيها بقماش شاش أو قطني يسمح بالتنفّس ونثبّته كي لا يطير بهواء.
- نترك الحمّص للإنبات في مكان بارد، جيّد التهوية بعيداً عن أشعّة الشمس المباشرة. هذا يستغرق عادة 2-3 أيام.
- نغسل الحمّص 2-3 مرات في اليوم خلال عملية الإنبات للحفاظ على رطوبته ونظافته.
- بمجرّد أن تنبذ للحمّص أجنّة صغيرة صارت جاهزة للاستعمال.

صنع الحليب
- نغسل الحمّص المنبّت مرّة أخرى ثم نضربها بالخلّاط أو بالمحضّرة أو في جرن مناسب، مع أربع أكواب ماء، إلى أن نحصل على خليط ناعم وكريمي. وصار الحليب جاهز.
- يمكن تحلية هذا الحليب بدبس التمر أو دبس العنب، ومن الناس من تحبّ إضافة نكهة القرفة أو الڤانيليا.
- ومن الناس من تحبّ تصفية الخليط عبر مصفاة ناعمة، أو قماش اللّبن، وتحتفظ بالتفل الباقي لاستخدامات أخرى.
- ننقل الحليب إلى مطربان زجاجي ويُخزّن في البرّاد (الثلّاجة). ويدوم حوالي 3-5 أيام. يخضّ جيّداّ قبل كل استخدام لأنّه سيرسو ويمصل.
ومن الأفضل الحذر في أثناء التهام الحمّص المنبّت خام في أثناء عملية التنبيت، إذ قد يحتوي سطح الحبّة على بكتيريا ضارّة، تذهب عنها بالغسل جيّداً بالماء.
مراجع ومصادر
- Goodman, L. E. (1992). “Avicenna”. Routledge. هذا الكتاب يقدم نظرة عامة على حياة وأعمال ابن سينا.
- ابن سينا (1025). “القانون في الطب”. مصدر أصلي لكتاب القانون في الطب، الذي يتضمن معلومات عن الغذاء والطب.
- Pittaway, J. K., et al. (2007). “Dietary Supplementation with Chickpeas for at Least 5 Weeks Results in Small but Significant Reductions in Serum Total and Low-Density Lipoprotein Cholesterols in Adult Women and Men”. Annals of Nutrition & Metabolism.
- Murty, C. M., et al. (2010). “Dietary fiber content of commonly fresh and cooked vegetables consumed in India”. Plant Foods for Human Nutrition.
- Mudryj, A. N., et al. (2014). “Nutritional and health benefits of pulses”. Applied Physiology, Nutrition, and Metabolism.
- Zafar, T. A., et al. (2011). “Dietary chickpeas reverse visceral adiposity, dyslipidaemia and insulin resistance in rats induced by a chronic high-fat diet”. British Journal of Nutrition.
- مقال “فوائد الحمص الصحية” على موقع WebMD
- مقال “الحمص: فوائد صحية عديدة” على موقع Healthline
- مقال “الحمص: فوائده الصحية وطرق التحضير” على موقع Verywell Health
- مقال “الحمص: فوائده الغذائية وكيفية طهيه” على موقع Cooking Light
- مقال”إمارة صقلية العربيّة وصناعة صناعة المعكرونة” على مدوّنة البخاري.





اترك رد