تشهد أوروپا اليوم صعوداً متزايداً لتيّارات اليمين المتطرّف، تلك التيّارات التي تستعيد من ذاكرة القارّة العجوز أحلك صفحاتها. وفي قلب هذا المشهد، تبرز ألمانيا بوصفها الساحة الأبرز لصراع بين ماضٍ لم يندمل جرحه وحاضر يعيد إنتاج مخاوفه القديمة. فالحزب اليميني المتطرّف “البديل من أجل ألمانيا” يكتسب شعبية متصاعدة، حاملاً معه خطاباً يُذكِّر بصفحات مظلمة من التاريخ الأوروپي، حين جُرِّدت جماعات بِرُمَّتها من هويّتها الوطنية لأسباب دينية و”عرقية”.
هذا المقال يستكشف الروابط العميقة بين ما يجري اليوم في ألمانيا وما جرى في إسپانيا القرون الوسطى، حين طُرد مئات الآلاف من الموريسكيّين – المسلمين الإيبيريّين – من أرضهم التي عاشوا فيها قروناً، لا لشيء إلا لأنّ أسلافهم اعتنقوا الإسلام ذات يوم. هذه قصّة تتكرّر ملامحها اليوم، وإن اختلفت الأسماء والأزمنة.

صعود اليمين المتطرّف: حين يُحاصَر المسلمون بحاجز النار
يتصاعد اليمين المتشدّد في أرجاء القارّة الأوروپية، غير أنّ ألمانيا تظلّ الدولة الكبرى الوحيدة التي نجح فيها الحاجز الديمقراطي – برغم كلّ ما يواجهه من ضغوط – في إبقاء هذا التيّار بعيداً عن السلطة. “حزب البديل من أجل ألمانيا” اسم يختصره الألمان إلى ثلاثة أحرف: AfD. يشنّ هذا الحزب اليميني المتشدّد حرباً ضارية على المهاجرين، محمِّلاً إياهم مسؤولية مشاكل الألمان الاقتصادية والاجتماعية. كما يعارض سياسات التصدّي للتغيّر المناخي، ويرفض دعم ألمانيا لأوكرانيا في حربها ضدّ روسيا. فهو حزب منحاز إلى روسيا.
لم يعد هذا الحزب ظاهرة هامشية. ففي الانتخابات العامة الأخيرة، صوّت له أكثر من واحد من كلّ خمسة ألمان، بما يوازي نحو 21٪ من الناخبين. لكنّ اللّافت أنّ خطاب هذا الحزب لا يستهدف جميع المهاجرين على السواء. فهو موجّه بالدرجة الأولى ضدّ المسلمين والأتراك، دون الإيطاليّين أو الإسپان أو الفرنسيّين أو البلجيكيّين المسيحيّين، بل دون الإسرائيليّين أيضاً. بل إنّ الجناح “البرجوازي” داخل الحزب يرى في إسرائيل خطّ الدفاع الأمامي في ما يسمّيه “الصراع الحضاري بين الغرب والإسلام”.
وأدهى من ذلك أنّ حزب البديل يصنّف جميع المسلمين في ألمانيا – بمن فيهم من وُلدوا ونشأوا على الأرض الألمانية – “مهاجرين” يجب أن يعودوا إلى “بلدانهم المسلمة”. محاولة لنزع الانتماء الوطني عن شريحة كاملة من المجتمع، تماماً كما فعلت إسپانيا القرون الوسطى حين صنّفت كلّ من كان في أسلافه مسلمون بـ”الموريسكيّين” أي “المغاربة الصغار”، ناسبةً إيّاهم إلى المغرب برغم أنّ أجدادهم عاشوا في شبه الجزيرة الإيبيرية ثماني قرون على الأقل.

الحاجز الناري: درع الديمقراطية الهشّ
في ألمانيا، نادراً ما يحصل حزب واحد على أغلبية مطلقة تخوّله تشكيل الحكومة منفرداً. لذا تُشكَّل الحكومات – سواء على المستوى الاتّحادي أو في الولايات – عبر ائتلافات بين عدّة أحزاب. غير أنّ حزب البديل يظلّ محروماً من هذه اللّعبة السياسية بفضل ما يسمّيه الألمان “براندماور” Brandmauer، أي الحاجز الناري. فجميع الأحزاب الرئيسة تأبى التحالف معه أو العمل إلى جانبه.
كانت حواجز نار مماثلة قائمة في بلدان أوروپية عديدة، لكنّها تداعت الواحد تلو الآخر مع تزايد شعبية اليمين المتطرّف. فرنسا وإيطاليا والنمسا وهولاندا، جميعها شهدت إمّا وصول اليمين إلى السلطة أو على الأقلّ تطبيع الخطاب اليميني المتطرّف في الحياة السياسية. لكنّ الحاجز الألماني لا يزال صامداً، ويرجع ذلك أساساً إلى ثقل الماضي النازي وما خلّفه من ندوب في الضمير الجمعي.
بعد هزيمة النازيّة في 1945، أضحى الحفاظ على الديمقراطية ركيزة أساسية في بناء هوية ألمانيا الغربية الجديدة. والدستور الذي وُضع في أعقاب الحرب منح الدولة حقّاً استثنائياً: حظر الأحزاب التي تُشكّل خطراً على النظام الديمقراطي أو تقييد نشاطاتها. اليوم، يطالب بعض النقّاد باستخدام هذا الحقّ ضدّ حزب البديل، لكنّ ذلك لم يُثنِ الناخبين عن مساندته. بل على العكس، فشعبية الحزب في تصاعد مستمرّ.
يوفّر مؤشّر الفرص الاقتصادية الألماني إطاراً قائماً على البيانات لقياس وتصور الفوارق الإقليمية، مع خرائط تظهر الناتج المحلّي الإجمالي للفرد، ومعدل البطالة، والدخل المتاح، والهجرة الصافية عبر المقاطعات الألمانية DGAP.



الجذور الاجتماعية للتطرّف: فقر الشرق وإرث الانقسام
نجح حزب البديل في بناء قاعدة صلبة من المؤيّدين بين الذين يكنّون عداءً للمهاجرين والاتّحاد الأوروپي، وبين من يرفضون ما يُطلق عليه “الوعي التقدّمي” أو الأجندة اللّيبرالية في القضايا الاجتماعية. لكنّ معقل الحزب الحقيقي يوجد في شرق ألمانيا، تلك المنطقة التي كانت تحت الحكم الشيوعي حتى الوحدة الألمانية عام 1990.
في الشرق، لا يزال متوسّط الدخل يبلغ نحو 80٪ فقط ممّا هو عليه في الغرب الأكثر رخاءً. كما أنّ الولاءات الحزبية التقليدية أضعف في هذه المنطقة، ممّا يجعل الناخبين أكثر انفتاحاً على البدائل الراديكالية. لكنّ ما يميّز حزب البديل الألماني عن نظرائه في فرنسا أو إيطاليا أنّه لا يعتدل كلّما اقترب من السلطة. بل العكس صحيح: الحزب يزداد تطرّفاً وتشدّداً، حتى إنّه استرعى انتباه أجهزة الاستخبارات الداخلية.
في أيّار (مايو) من العام الماضي 2024، أصدر جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني قراراً رسميّاً يصف حزب البديل بأنّه “يميني متطرّف”. الحزب يطعن في هذا القرار، لكن إذا ما أُكِّد نهائياً، فسيفتح الباب أمام مراقبة أوسع لنشاطاته، وسيعزّز الدعوات إلى حظره كلّيّاً – وهي خطوة ستكون مثيرة للجدل وربما مثيرة للانقسام أيضاً.
الحقّ أنّ شعبية الحزب لا تفتأ تنمو برغم كلّ هذا. اليوم، يساند واحد من كلّ أربعة ألمان هذا الحزب، أي نحو 25٪ من الناخبين. والأخطر من ذلك أنّ استطلاعات الرأي تشير إلى أنّ الحزب قد يحقّق أغلبية مطلقة في انتخابات ولاية زاكسونيا-أنهالت المقرّرة في أيلول (سبتمبر) 2026. هذا يعني أنّه سيتمكّن للمرّة الأولى منذ 1945 من تشكيل حكومة ولاية منفرداً، دون حاجة إلى ائتلاف، ممّا يجعل الحاجز الناري عديم الجدوى في تلك الولاية على الأقلّ.

“إعادة الهجرة”: التطهير العرقي بلغة الحداثة
لا يكتفي حزب البديل بمعارضة الهجرة الجديدة. فهو يروّج لمفهوم أنذر بكثير: “إعادة الهجرة” Remigration. هذا المصطلح، الذي روّج له النازي الجديد النمساوي {مارتن زيلنر}، يشير إلى الطرد القسري للمهاجرين وأحفادهم الذين يُعدّون “غير مندمجين” في المجتمع الألماني، بغضّ النظر عن امتلاكهم الجنسية الألمانية. بعبارة أخرى، ألماني من أصل تركي أو سوري، وُلد ونشأ وترعرع في ألمانيا، يمكن أن يُطرَد إلى “موطنه الأصلي” لأنّ أجداده جاؤوا من تركيا أو سوريا.
يدرك الخبراء الذين يراقبون التطرّف أنّ “إعادة الهجرة” ليست سوى اسم ملطّف للتطهير العرقي. فهي تستهدف خلق دول أوروپية متجانسة عرقيّاً وثقافيّاً ودينيّاً، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرية المؤامرة السامّة المعروفة بـ”الاستبدال الكبير”، التي تزعم أنّ النخب الأوروپية تسعى إلى “استبدال” السكّان البيض بمهاجرين من العالم الثالث.
ليس هذا الخطاب حكر على الهامش المتطرّف. ففي كانون الثاني (يناير) 2024، كشف تحقيق صحافي عن اجتماع سرّي جمع قيادات من حزب البديل مع نشطاء نازيّين جدد في فندق قرب پوتسدام، للتخطيط لما أسموه “الخطّة الرئيسة لإعادة الهجرة”، أي الترحيل القسري لملايين البشر. أثار هذا الكشف موجة صدمة في ألمانيا، إذ رأى كثيرون تشابهاً مخيفاً مع “مؤتمر ڤانزيه” عام 1942، الذي نسّق فيه النازيّون خطّتهم لترحيل وإبادة يهود أوروپا بِرُمَّتهم.

أصداء من إسپانيا: حين طُهِّرت الأندلس من أهلها
ليست هذه المرّة الأولى التي تشهد فيها أوروپا محاولات لتطهير أراضيها من مسلميها. ففي إسپانيا، بعد سقوط غرناطة عام 1492 وانتهاء آخر معاقل الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، بدأت السلطات المسيحية حملة ممنهجة لإجبار المسلمين على التحوّل إلى المسيحية أو مغادرة البلاد. الذين اختاروا البقاء – إمّا طوعاً أو قسراً – وتحوّلوا ظاهريّاً إلى المسيحية، أُطلق عليهم اسم “الموريسكيّين” Moriscos، أي “المغاربة الصغار”، في إشارة واضحة إلى أصولهم “الأجنبية” برغم أنّ أسلافهم عاشوا في إيبيريا قروناً طوالاً أو حتى آلافاً من السنين.
لم يُقبَل الموريسكيّون أعضاء كاملي العضوية في المجتمع المسيحي. فقد صُنِّفوا “مسيحيّين جدداً” Cristianos Nuevos، في مقابل “المسيحيّين القدامى” Cristianos Viejos. أنتج هذا التصنيف عواقب وخيمة: فالموريسكيّون ظلّوا موضع شكّ دائم في صدق إيمانهم المسيحي، كما عانوا من تمييز اجتماعي منعهم من الوصول إلى مناصب معيّنة أو ممارسة مهن محدّدة.
بل إنّ السلطات الإسپانية أنشأت نظاماً معقّداً لضمان “نقاء الدم” Limpieza de sangre. ففرضت قوانين “نقاء الدم” منذ القرن الخامس عشر على كلّ من يتقدّم لمنصب عام أو كنسي أن يُثبت أنّ آباءه وأجداده كانوا مسيحيّين قدامى، وأنّه لا يملك أيّ أسلاف يهود أو مسلمين. لاحقاً، امتدّت هذه القواعد إلى القضاء والجامعات والرتب العسكرية. كان الهدف واضحاً: خلق مجتمع متجانس دينيّاً وعرقيّاً، يُستبعَد منه كلّ من تلوّثت “نقاوته” بدم غير مسيحي.
لكنّ الأسوأ كان لا يزال في الانتظار. فمع مرور الوقت، تفاقم الشكّ في ولاء الموريسكيّين. صاروا يُنظَر إليهم”طابور خامس”، عملاء محتملين للدولة العثمانية أو لقراصنة شمال أفريقيا أو حتى للپروتستانت الفرنسيّين – أي لأعداء إسپانيا الكاثوليكية. بلغ هذا المناخ من الريبة ذروته عام 1609، حين أصدر الملك فيليپ الثالث مرسوماً بطرد جميع الموريسكيّين من إسپانيا (إلّا من كان عبداً مملوكاً).
بين عامي 1609 و1614، طُرد نحو 300 ألف موريسكي في عملية تُعدّ أكبر عملية ترحيل “عرقي” شهدتها أوروپا حتى ذلك الحين. سافر معظمهم إلى أفريقيا، خاصّة إلى المغرب والجزائر وتونس. كانت الرحلة قاسية، وذاق المبعَدون صنوف المعاناة. ويُقدّر أنّ عشرة آلاف منهم على الأقلّ لقوا حتفهم وهم يقاومون الطرد. أمّا إسپانيا نفسها فقد دفعت ثمناً باهظاً: فقدان مئات الآلاف من الحرفيّين والعمّال والفلّاحين أدّى إلى انهيار اقتصادي في بعض المناطق، خاصّة في مملكة ڤالنسيا الشرقية، التي كان الموريسكيّون يشكّلون غالبية فلّاحيها.

الموازاة المخيفة: من “نقاء الدم” إلى “الهوية الألمانية”
حين ننظر إلى ما يجري اليوم في ألمانيا، تطالعنا أوجه شبه مقلقة مع ما جرى في إسپانيا القرون الوسطى. ففي كلتا الحالتين، ثمّة محاولة ممنهجة لنزع الانتماء الوطني عن جماعة بِرُمَّتها بناءً على الدين و”العرق”. وُصم الموريسكيّون الإسپان بأنّهم “مغاربة” برغم أنّ أسلافهم عاشوا في إيبيريا ثماني قرون على الأقل. واليوم، يُصنَّف المسلمون الألمان “مهاجرين” أو “أتراك” أو “عرب”، حتى لو وُلدوا ونشأوا على الأرض الألمانية.
في إسپانيا، كان هناك نظام “نقاء الدم” الذي يضمن استبعاد كلّ من له أسلاف غير مسيحيّين (ربط المعتَقَد بالدم). اليوم في ألمانيا، يروّج حزب البديل لفكرة “الهوية الألمانية النقية” التي تقوم على “العرق” والدين، لا على المواطنة القانونية. في إسپانيا، نُظر إلى الموريسكيّين”طابور خامس” يتآمر مع الأعداء الخارجيّين. واليوم، يُتّهم المسلمون الألمان بأنّهم خطر أمني، وبأنّهم جزء من “التهديد الإسلامي” أو “الأسلمة”.
بل إنّ مفهوم “إعادة الهجرة” نفسه يستحضر ذكريات الطرد الجماعي للموريسكيّين. ففي كلتا الحالتين، الهدف واحد: تطهير البلاد من عنصر يُعدّ “غريباً” أو “ملوِّثاً” للنقاء العرقي أو الديني، حتى لو كان هذا العنصر جزءاً لا يتجزّأ من نسيج المجتمع لأجيال. الفارق الأساسي أنّ إسپانيا القرن السابع عشر برّرت فعلتها بلغة دينية صريحة، في حين يستخدم اليمين الأوروپي اليوم خطاباً يتحدّث عن “الأمن” و”الاندماج” و”القيم الغربية”، لكنّ الجوهر واحد: التمييز العرقي والديني.

مخاوف مسلمي ألمانيا: العيش تحت ظلّ التهديد
تتصاعد المخاوف بين الجاليات المسلمة والتركية في ألمانيا مع تنامي شعبية حزب البديل. فهذا الحزب حصل على نحو 21٪ من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، ممّا يعني أنّ واحداً من كلّ خمسة ناخبين ألمان يؤيّد برنامجه المعادي للمسلمين. يحذّر قادة الجالية التركية من أنّ هذا الصعود سيؤجّج كراهية الأجانب ويزيد من المخاطر التي يواجهها المسلمون والأتراك في حياتهم اليومية.
لا يميّز الخطاب العدائي لحزب البديل بين “المهاجرين الجدد” والمواطنين الألمان من أصول مهاجرة أو حتّى ألمان متحوّلين إلى الإسلام. فجميعهم – في نظر الحزب – “مسلمون” أولاً، وبذلك فهم “غرباء” يجب أن “يعودوا إلى بلدانهم”. يخشى أفراد الجالية التركية من أنّ الحزب، إذا ما وصل إلى السلطة أو اكتسب نفوذاً أكبر، سيستبعدهم من سوق العمل ويعطي الأولوية للمهاجرين من البلدان الأوروپية المسيحية. بل إنّ بعضهم يخشى من أن يؤدّي صعود الحزب إلى زيادة الاعتداءات الجسدية على المسلمين واللّاجئين.
ليست هذه المخاوف مجرّد توجّسات نفسية. ففي المناطق الريفية خاصّة، ازداد في الأشهر الأخيرة التحرّش اللّفظي والجسدي بالمسلمين على يد مؤيّدي اليمين المتطرّف. نساء محجّبات يتعرّضن للإهانة في الشوارع. أطفال من أصول مهاجرة يواجهون التنمّر في المدارس. طبيب سوري فرّ من دمشق قبل تسع سنوات، حين وصل إلى ألمانيا شعر بالارتياح والأمان، لكنّه اليوم يفكّر في مغادرة الولاية التي يعيش فيها – تورينگيا – بعد أن فاز حزب البديل بنحو 33٪ من أصوات الولاية، وبعد أن صارت زوجته المحجّبة تواجه العنصرية يومياً. يقول هذا الطبيب إنّه يتوخّى الحذر الشديد في الشوارع، وإذا تحدّث بالعربية مع زوجته، يخفض صوته أو يتحوّل إلى الألمانية إذا كان أحد قريباً منهما.
ليست هذه المخاوف مجرّد توجسات نظرية أو احتمالات مستقبلية بعيدة. بل هي واقع يومي يعيشه المسلمون وغيرهم في ألمانيا اليوم. وقبل ثلاث أيام فقط من كتابة هذه السطور، عشت تجربة تكشف عمق هذا الواقع المرير. دخلت واحدة من المتاجر الكبيرة أتسوّق، وكنت على الهاتف مع زوجتي … على السمّاعات الصغيرة حول أذنيّ. نتحادث ماذا أشتري وماهي الطلبات وما هو المتاح.
دامت هذه الحال حوالي نصف ساعة، وأنا أتحدّث بصوت خفيض، احتراماً للمكان. ومع ذلك انتبهت لامرأة في ستّينيّاتها ترمقني بنظرات ريبة وتشزر إلي … ومعها امرأة من جيلي وطفل صغير. ظننت أنّ الحدج لأنّني على الهاتف أو أنّني شبّهت لها، وما اكترثت … فهي مواقف متكرّرة في ألمانيا وأنا ألتزم النظام والآداب وصوتي خفيض.
ثمّ انتبهت أنّ موظّفاً من عمّال المتجر يعمل قريباً منّي، وظنّنت أنّها مصادفة أنّه يتحرّك دوماً حيث أتّجه؛ فلربّما صادفت أرفف عمله من حولي، دون نيّة مقصودة. المتجر كبير واسع ملآن بالعمّال والزبائن. أنهيت المكالمة وتوجّهت إلى الحساب، فاقترب منّي ذلك العامل نفسه، وقال لي بعربية سورية “في مرا افتكرتك إرهابي يا زلمة!”. فوجئت ونظرت فيه، وهو يبتسم ابتسامة الساخر وأردف “ما تخاف وما تشغل بالك، ما قصدي شي، بس في مرا إجت لعندي قالتلي في مسلم عم يصلّي، وتابعتك واتسمّعت على حديثك (ما تآخذني) وقلتلا روحي”.
اتّضح أن تلك المرأة المحملقة سمعتني أتحدّث العربية بصوت خفيض، فظنّت أنّني أتمتم شيئاً إسلاميّاً يقوله الإرهابيّون قبل ارتكاب عمل ما. واتّجهت إلى العامل وطلبت منه الاتّصال بالشرطة! لم تفهم حتّى أنّني أتحدّث على الهاتف. تخيّل لو أنّ هذه المرأة اتّصلت مباشرة بالشرطة بدل طلب مساعدة العامل! تخيّل لو ما كان العامل بالمصادفة عربيّاً سوريّاً مثلي، يفهم لغتي ومعي في نفس القصعة! تخيّل لو كان هذا العامل ألمانيّاً أو روسيّاً من نفس عقلية هذه العنصرية الخائفة. لكان يومي انتهى بطريقة كارثية، ولربما وجدت نفسي في مركز للشرطة يُحقّق معي ساعات، أو ربما أسوأ من ذلك.
الأمر المثير للسخرية – أو للمأساة – أنّ هيئتي ليس فيها شيء “يوحي”. ملامحي آسيوية، ملابسي ككلّ الناس، هيئتي أوروپية لدرجة أنّ البعض يحادثني في القطار بالإسپانية أو الپرتغالية ظانّين أنني من تلك النواحي. لكن تبقى اللّغة العربية وحدها كافية لإثارة الرعب والشكوك. صوت خفيض بلغة “الآخر” يكفي لتحويلك إلى مشتبه به، إلى خطر محتمل، إلى “إرهابي” في نظر من استوطن الخوف قلبه.

أصوات من الظلّ: شهادات أخرى من الشارع الأوروپي
هذه الحادثة – برغم أنّها انتهت بسلام بفضل صدفة جيّدة – تكشف الواقع المرير الذي يعيشه كثير من العرب والمسلمين في أوروپا اليوم. أن تُتهم بالإرهاب لأنك تتحدث لغتك الأم بصوت خفيض في متجر عام، هذا ليس موقفاً مزعجاً عابراً، بل هو مؤشّر على مناخ من الريبة والعداء المتصاعد. لكن الأمر الأكثر إيلاماً أنّ قصتي ليست فريدة ولا استثنائية. فحين نشرت على فيٓسبوك ما حدث معي، تدفّقت العشرات من الشهادات المشابهة، كلّ واحدة منها تحكي فصلاً من فصول المعاناة اليومية التي يعيشها المسلمون في القارّة الأوروپية.
زياد، مقيم في ألمانيا، كان ينتظر الباص في موقف هادئ، وبجانبه امرأة ألمانية. كان يحمل حمّاصة هوائية Air Fryer اشتراها لتوّه، فجرّب مفتاح المؤقت للتأكد من أنّه يعمل. أصدر المفتاح صوت تكة خفيفة – ذلك الصوت الميكانيكي البسيط الذي نسمعه من أي ساعة أو جهاز مطبخ. سمعت المرأة الصوت ولم تعرف مصدره، فالجهاز كان داخل حقيبة نايلون. بعد لحظات، استجمعت شجاعتها وسألته بصوت مرتعش: “هذه ليست قنبلة… صحيح؟”. تخيّل الموقف: رجل ينتظر باصاً في صباح هادئ، يحمل آلة لطهي الطعام، لكنّه في نظر تلك المرأة مفجّر محتمل، لأنّ ملامحه “غريبة” وصوت جهازه “مريب”.
نوفل، الذي يعيش في النرويج، يروي حادثة وقعت له منذ أكثر من عشرين عاماً في ألمانيا الشرقية، قرب مدينة دريسدن. دخل محلّاً تجاريّاً مع صديق له ليشتريا بعض الأغراض، فمباشرة همست إحدى العاملات لزميلتها، ثم صارت تلازمهما مثل الظلّ، تتابع كل حركة يقومان بها، تراقب كل رفّ يقتربان منه. كان واضحاً أنّها تظنهما لصّين بسبب ملامحهما العربية فحسب. لم يكن في سلوكهما ما يثير الشبهة، ولم يقوما بشيء غير طبيعي، لكنّ العنصرية لا تحتاج إلى دليل أو برهان. فغضبا وتركا المحل دون أن يشتريا شيئاً.
إبراهيم، الذي زار أثينا عام 2007، يروي موقفاً أكثر سخرية ومرارة. كان راكباً في باص عمومي، وبجانبه في المقعد المزدوج فتاة يونانية. فتح هاتفه النقال – من نوع نوكيا العادي – ليقرأ رسالة نصية بالعربية. رأت الفتاة الأحرف العربية على الشاشة، فـ”قلبت خلقتها” وتحوّلت فوراً إلى مقعد آخر، كأنّها رأت عفريتاً أو وحشاً كاسراً. لم يكلّمها، لم يقترب منها، لم يفعل شيئاً سوى أنه قرأ نصّاً بلغة لا تفهمها. لكنّ الأحرف العربية وحدها كانت كافية لإثارة الرعب في قلبها.
هذه الشهادات الثلاث – المتفرّقة زمنيّاً ومكانيّاً – تكشف عن نمط ثابت ومتواصل. ليست المسألة حوادث عرضية معزولة يمكن تفسيرها بسوء فهم فردي أو موقف شخصي عابر. بل هي تعبير عن حالة جماعية من الخوف المرضي والتحيّز المتجذّر ضدّ كل ما هو عربي أو مسلم. سواء كنت في هايديلبيرگ أو دريسدن أو أثينا، سواء كان ذلك منذ عشرين عاماً أو قبل ثلاث أيام، تبقى النظرة واحدة: أنت مشتبه به حتى تثبت العكس. لغتك تهمة، ملامحك دليل إدانة، وجودك مصدر قلق.

الأمر الأشد إيلاماً أنّ بعض المسلمين أنفسهم صاروا يستوعبون هذا الخطاب العنصري ويبرّرونه. أحدهم علّق على قصتي قائلاً: “يجب أن تتوقّعوا مثل هذه الأمور وأن تحاولوا أن تتلمّسوا العذر لتلك السيدة، وأن تتجنّبوا الشبهات بالحديث باللّغة العربية في الأماكن العامة، فما فعله بعض المحسوبين علينا يعطيهم الحقّ في أن يشكّوا في كل عربي!”. هذا المنطق المنكسر يطالبنا بأن نخفي هويّتنا، وأن ننزل عن لغتنا، وأن نعتذر عن وجودنا، بل وأن نلتمس العذر لمن يتّهمنا زوراً ويعاملنا مجرمين محتملين. كأنّ الحل للعنصرية هو أن يختفي ضحاياها.
على النقيض من ذلك، علّق آخرون بنبرة أكثر كرامة وإباء. كتب أحدهم: “أرفع رأسك عالياً في المرّة القادمة، وتحدّث بالعربية، ولكن ليس بصوت منخفض ولا مرتفع، وتذكّر: أنت سوريّ حر”. هذا الموقف، برغم نبله، يصطدم بواقع قاسٍ. فردّ عليه آخر محذراً: “لا، بالعكس، لازم يدير باله ويتجنب التحدّث بألمانيا بالعربية، ففي جرائم عنصرية كثيرة”. بين الكرامة والحذر، بين الإصرار على الهوية والخوف من العنف، يعيش المسلمون في أوروپا حيرة يومية: هل يتصرّفون بطبيعية فيخاطرون بحياتهم، أم يخفون هويّتهم فيفقدون كرامتهم؟
مايا، التي تعيش في غرب لندن، تصف هذه المعضلة بصراحة: “أنا بحاول خارج البيت ألّا أتحدّث على الهاتف، وإذا تحدّثت وحولي كلّهم محلّيّون، أتحدّث بالإنگليزية لا بالعربية. لو حولي خليط من عرب وهنود وأجانب، آخذ راحتي وأتحدّث عربية. غير ذلك أنتبه كثيراً. للأسف الناس تخاف من لغتنا”. هذا الحذر المحسوب، هذه الرقابة الذاتية التي يفرضها العرب على أنفسهم، ليست دليل جبن أو ضعف شخصية. بل هي استجابة عقلانية لواقع خطر، واقع صار فيه الحديث بالعربية فعلاً محفوفاً بالمخاطر.
لكن أين نشأ هذا الخوف المرضي من العربية والعرب؟ يشير كثيرون إلى دور الإعلام والسينما في صناعة هذه الصورة النمطية. علّقت إحداهن: “النظرة والأحكام المسبقة سببها العداء المبطّن، بالإضافة للضخّ الإعلامي. شاهدت قبل أيام حلقة من برنامج ‘من سيربح المليون’ الألماني، ولاحظت كيف كانت ردّة فعل مقدّم البرنامج حين رأى أن المتسابقة التي ستجيب عن السؤال محجّبة. هذا كلّه يخلق ردّات فعل غير حسنة في الشارع عموماً”. وكتب آخر ببساطة مختصرة: “الأفلام والمسلسلات صنعت صورة نمطية”. فعلاً، منذ عقود طويلة، يُصوَّر العربي في السينما الغربية إمّا إرهابيّاً متوحّشاً أو شيخاً منحطّاً أو لصّاً ماكراً. ونادراً ما يظهر إنسان عادي له مشاعر وأحلام وهموم طبيعية.
لكنّ المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده. فالخطاب السياسي الرسمي يغذّي هذا المناخ ويشرعنه. علّقت بيلسان: “ما حدث معك ليس موقفاً عابراً، بل هو انعكاس مباشر لخطاب سياسي يُنذِرُ بالخطر يغذي الخوف والكراهية. حين يصرّح ‘مستشار دولة’ بأنّ وجود المهاجرين ‘مشكلة في المشهد الحضري’، فهو يعطي الضوء الأخضر لكلّ متعصّب وعنصري ليحوّل حياة الناس العاديّين إلى جحيم يومي”. هذه هي الحلقة المفرغة: السياسيّون يستثمرون في الخوف لكسب الأصوات، والإعلام ينشر هذا الخوف لزيادة المشاهدات، والناس العاديّون – المشبعون خوفاً – يصوّتون لمزيد من السياسيّين المتطرّفين. وفي وسط هذه الدوامة، يُسحق المسلمون والعرب، يُتّهمون ويُراقبون ويُعاملون أعداء في بلدان جاؤوها لاجئين أو عمّالاً أو طلّاباً.
بعضهم يحذّر من أنّ هذا المسار خطر ومألوف تاريخياً. كتب أحدهم: “أوروپا تتّجه نحو حرب عالمية. صعود رهيب جدّاً للنازيّين. أستغرب كيف لا يتّخذون تدابير عاجلة. ما يحدث شبيه بثلاثينّيات القرن الماضي”. وردّ آخر: “الحرب العالمية الثالثة على الأبواب، مسألة وقت، حرب مدمّرة بين ألمانيا وروسيا وأمريكا”. قد تبدو هذه التحذيرات المفزعة مبالغاً فيها، لكنّها تعبّر عن قلق حقيقي ومشروع. فالتاريخ علّمنا أنّ الكراهية لا تبقى مجرّد كلمات ونظرات. الكراهية تتصاعد، تتراكم، ثم تنفجر. وحين تنفجر، لا ينجو منها أحد، لا الضحايا ولا الجلّادون أنفسهم.
هذه الأصوات المتعدّدة – من هايديلبيرگ ودريسدن وأثينا ولندن وأوسلو – تروي قصّة واحدة بلهجات مختلفة. قصّة مسلمين ومسلمات يحاولون العيش بكرامة في مجتمعات باتت تنظر إليهم بعين الريبة والخوف. قصّة لغة صارت تهمة، وهوية أضحت عبئاً، ووجود بات يحتاج إلى تبرير يومي. هذا هو الثمن الذي يدفعه المسلمون اليوم في أوروپا، ثمن لم يختاروه ولا يستحقّونه، لكنّهم مجبرون على دفعه كل يوم، في كل متجر وباص وشارع.

أثر السياسة على الدول العربية وتركيا
لا يقتصر تأثير صعود اليمين المتطرّف في ألمانيا على الجاليات المسلمة داخل البلاد. فالسياسة الخارجية الألمانية تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تتأثّر كذلك. فحزب البديل يروّج لمواقف إشكالية تجاه المنطقة: فهو من جهة يُظهر دعماً مطلقاً لإسرائيل، معتبراً إيّاها “خطّ الدفاع الأول عن الغرب في صراعه مع الإسلام”، ومن جهة أخرى يطالب بوقف استقبال اللّاجئين من البلدان العربية والإسلامية وإعادتهم قسراً إلى بلدانهم.
دعا الحزب أيضاً – إلى جانب الاتّحاد الديمقراطي المسيحي CDU – إلى خطّة فورية لتنظيم عودة اللّاجئين السوريّين إلى بلدهم بعد سقوط نظام بشّار الأسد، برغم أنّ الوضع الأمني في سوريا لا يزال غير مستقرّ والبلد مقسّم. كما يقترح الحزب إنهاء برنامج القبول الفيدرالي للأفغان المعرّضين للخطر، وزيادة عدد “البلدان الآمنة” التي يمكن لألمانيا أن تعيد إليها طالبي اللّجوء قسراً.
أمّا تركيا، فقد أضحت في وضع دقيق. فمن جهة، يكنّ حزب البديل عداءً صريحاً للجالية التركية في ألمانيا، ويعدّها جزءاً من “المشكلة الإسلامية”. لكن من جهة أخرى، ألمانيا والاتّحاد الأوروپي باتا أكثر حذراً في انتقاد تركيا لأسباب جيوپوليتيكية: إذ تؤدّي تركيا دوراً وسيطاً بين روسيا وأوكرانيا، وتملك ثاني أكبر جيش تقليدي في حلف الناتو، وتحتلّ موقعاً جغرافيّاً حاسماً على طرق الهجرة الأوروپية. لذا، برغم الخطاب العدائي للمسلمين الأتراك داخل ألمانيا، فإنّ العلاقات الرسمية بتركيا قد تبقى پراگماتية ومحكومة بالمصالح الاستراتيجية.
أمّا سمعة ألمانيا في العالم العربي، فقد تضرّرت بالفعل في السنوات الأخيرة. استطلاع أُجري في كانون الثاني (يناير) من العام الماضي 2024 شمل ستّة عشر بلداً عربياً، أظهر أنّ 75٪ من المستطلَعين لديهم رأي سلبي عن موقف ألمانيا من الحرب على غزّة. هذا التحوّل في الرأي العام العربي يمثّل انقلاباً بمئة وثمانين درجة، إذ كانت ألمانيا تحظى تاريخيّاً بصورة إيجابية في المنطقة بسبب رفضها المشاركة في حرب العراق عام 2003، واستقبالها أكثر من مليون لاجئ سوري بين عامي 2015 و 2016.
إذا ما اكتسب حزب البديل نفوذاً أكبر – فضلاً عن وصوله إلى السلطة – فإنّ السياسة الخارجية الألمانية قد تشهد تحوّلاً جذريّاً. دور ألمانيا التقليدي وسيط في الشرق الأوسط سيتعرّض للضغط، والتماسك الغربي في التعامل مع قضايا المنطقة قد يتصدّع. فحزب يرى في الإسلام عدوّاً حضاريّاً، ويدعو إلى تطهير ألمانيا من مسلميها، لن يكون شريكاً موثوقاً للدول العربية والإسلامية، مهما كانت المصالح الاقتصادية المشتركة.

الذاكرة التاريخية: لماذا ألمانيا مختلفة؟
ثمّة سؤال يفرض نفسه: لماذا صمد حاجز النار في ألمانيا في حين انهار في بلدان أوروپية أخرى؟ الإجابة تكمن في ثقل الذاكرة التاريخية الألمانية. فألمانيا لا تزال تحمل وزر النازية، ولا تزال صورة المحرقة وما فعله النظام النازي باليهود والغجر وغيرهم من “الأعراق الدنيا” ماثلة في الوعي الجمعي. لذا، فإنّ أيّ خطاب يُذكّر بالنازية أو يستحضر أشباحها يواجه حساسية شديدة ورفضاً واسعاً – على الأقلّ لدى جزء كبير من المجتمع والطبقة السياسية.
لكنّ هذا الحاجز النفسي والأخلاقي يتآكل تدريجيّاً. فحزب البديل نجح في تطبيع خطابه المتطرّف عبر استخدام لغة أكثر “حداثة” و”اعتدالاً” ظاهريّاً. فبدلاً من الحديث عن “التطهير العرقي”، يتحدّث عن “إعادة الهجرة”. وبدلاً من الحديث عن “العرق الآري النقي”، يتحدّث عن “الهوية الألمانية” و”القيم الغربية”. لكنّ المضمون واحد: استبعاد من لا يُعدّون “ألماناً حقيقيّين” بسبب دينهم أو أصولهم “العرقية”.
الصورة التاريخية صعبة التجاهل: قوى اليمين المتطرّف تصعد، في حين تنتشر هستيريا عنصرية تستهدف مجموعة “عرقية” ودينية بعينها في الدولة والمجتمع الألمانيّين. التاريخ قد لا يكرّر نفسه حرفياً، لكنّه يُعيد إنتاج أنماطه. فقد تُستبدَل الإبادة الجماعية التي شهدها القرن العشرون بالطرد الجماعي والتهجير القسري في القرن الحادي والعشرين. مفهوم “إعادة الهجرة” يكتسب أرضية متزايدة، وقد انتقل من هامش اليمين المتطرّف إلى خطاب سياسي أكثر رسمية وقبولاً.

دروس من التاريخ: عبثية التطهير
يُقدّم التاريخ لنا دروساً واضحة، لو أردنا أن نتعلّم. لم تكسب إسپانيا شيئاً البتّة من طرد اليهود عام 1492 ثمّ الموريسكيّين عام 1609. بل على العكس، خسرت مئات الآلاف من الحرفيّين والتجّار والفلّاحين، ممّا أدّى إلى انهيار اقتصادي في مناطق واسعة وإلى تراجع مكانة إسپانيا قوّة أوروپية كبرى. وألمانيا النازية كذلك لم تخرج منتصرة من محاولتها “تنقية العرق”. بل إنّ إبادتها لملايين اليهود والغجر وغيرهم أدّت إلى هزيمتها الساحقة، واحتلال أراضيها، وتقسيمها لعقود.
لم تنبثق “أعراق مجيدة” أو “أمم عظيمة” من مثل هذه القسوة والهمجية. بل على العكس: دول مذلولة وأمم قلقة، تحمل ندوب ماضيها وتدفع ثمن جرائمها أجيالاً طويلة. لكنّ الدرس الأهمّ هو أنّ محاولات خلق مجتمعات “نقية” عرقيّاً أو دينيّاً هي محاولات عبثية وكارثية. فالمجتمعات الإنسانية – عبر التاريخ – كانت دائماً متنوّعة ومختلطة. والتنوّع ليس نقيصة، بل مصدر قوّة وإبداع وازدهار.
ألمانيا اليوم – بصناعتها المتقدّمة واقتصادها القوي وديمقراطيتها الراسخة – بُنيت على أكتاف مهاجرين من شتّى أنحاء العالم. العمّال الأتراك الذين جاؤوا في الستّينيات ساهموا في المعجزة الاقتصادية الألمانية. اللّاجئون السوريّون اليوم يملأون فراغات في سوق العمل ويساهمون في الضرائب ويُثرون المجتمع بتنوّعه. محاولة “تنقية” ألمانيا من هؤلاء لن تؤدّي إلا إلى إضعافها، تماماً كما أضعفت إسپانيا نفسها حين طردت الموريسكيّين واليهود.

ما العمل؟ مسؤولية المسلمين والمجتمع الألماني
في وجه هذا الصعود المخيف لليمين المتطرّف، ماذا يمكن للمسلمين والجاليات المستهدَفة أن يفعلوا؟ أوّلاً، يجب أن يدركوا أنّهم ليسوا وحدهم. فثمّة شرائح واسعة في المجتمع الألماني – من اليسار إلى الوسط – ترفض خطاب الكراهية وتدافع عن قيم التعدّدية والديمقراطية. المظاهرات الحاشدة التي خرجت في عشرات المدن الألمانية ردّاً على كشف اجتماع پوتسدام السرّي، شارك فيها مئات الآلاف من الألمان الذين يرفضون عودة شبح النازية.
ثانياً، المشاركة السياسية ضرورية. فالجاليات المسلمة والتركية في ألمانيا تُقدَّر بنحو مليون ناخب، وهذا رقم ليس بالهيّن. لو تمّ تعبئة هؤلاء الناخبين وتوعيتهم بأهمّية المشاركة الانتخابية، لأمكن أن يشكّلوا ثقلاً حقيقيّاً يُحسب له حساب. لكنّ المشكلة أنّ الجالية التركية – التي كانت تاريخياً موالية للحزب الاشتراكي الديمقراطي – باتت أكثر تشرذماً وعزوفاً عن التصويت. بل إنّ استطلاعات حديثة أظهرت أنّ نحو 20٪ من الناخبين من أصول تركية وعربية يفكّرون في التصويت لحزب البديل نفسه، إمّا بدافع الإحباط من الأحزاب التقليدية، أو بسبب تأثّرهم بخطاب الحزب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصّة تيك توك.
لكن قبل أن نتحدث عن مواجهة الخطاب المتطرّف خارجيّاً، علينا أن نعترف بانقسام داخلي يُضعف صفوف المسلمين أنفسهم. فالجاليات المسلمة في أوروپا منقسمة اليوم بين ثلاث مواقف متباينة في التعامل مع هذا الواقع المرير.

الموقف الأوّل يدعو إلى الرضوخ والتكيّف الكامل، بل وإخفاء الهوية تجنّباً للمشاكل. أصحاب هذا الموقف يقولون: “تجنّبوا الشبهات، لا تتحدّثوا العربية في الأماكن العامة، البسوا كما يلبسون، تصرّفوا بأقصى درجات الحذر، فما فعله بعض المحسوبين علينا يعطيهم الحقّ في الشكّ بنا”. هذا المنطق، برغم أنّه ينطلق من رغبة مفهومة في تجنب المتاعب، يحمل في طيّاته خطراً كبيراً. فهو يطالب المسلم بأن يعتذر عن وجوده، وأن ينزل عن هويّته، وأن يقبل بمنطق الجلّاد الذي يحمّله مسؤولية جرائم لم يرتكبها. لا يحلّ هذا الموقف المشكلة، بل يعمّقها. فحين تختبئ وتتنكّر لهويّتك، تعطي العنصريّين رسالة مفادها أنّ خوفهم منك مبرّر، وأنّ وجودك فعلاً “مشكلة” يجب إخفاؤها. كما أنّ هذا الموقف يربّي جيلاً من الأبناء المنكسرين، الخجلين من أصولهم، الخائفين من إظهار انتمائهم، وهذا انتحار هويّاتي بطيء.
الموقف الثاني، على النقيض، يدعو إلى المقاومة والإصرار على إظهار الهوية مهما كان الثمن. أصحاب هذا الموقف يقولون: “ارفع رأسك عالياً، تحدث بالعربية بصوت واضح، أنت حرّ في وطنك الجديد، لا تقبل الإهانة”. هذا الموقف نبيل وشجاع، ويحمل قدراً كبيراً من الكرامة والإباء. لكنّه أيضاً يحتاج إلى شيء من الحكمة والحذر. فالواقع الأوروپي اليوم صار خطراً حقيقيّاً على المسلمين. الاعتداءات العنصرية تتزايد، وجرائم الكراهية ترتفع أرقامها سنة بعد سنة، وحزب البديل وأمثاله يكتسبون نفوذاً متصاعداً. وفي هذا السياق، قد تكلف المكابرة الطائشة الإنسان حياته أو حرّية أبنائه. كم من مسلم تعرّض للضرب أو الاعتقال أو الإهانة لأنّه تصرف بطريقة “مريبة” في نظر الآخرين؟ الشجاعة فضيلة، لكن الحكمة أيضاً فضيلة.
الموقف الثالث – وهو الأنضج في نظري – يجمع بين الكرامة والحكمة، بين الإصرار على الهوية والتعامل الذكي مع الواقع. هذا الموقف يقول: نعم، نحن مسلمون ولن نخفي هويّتنا، لكننا أيضاً لسنا مطالبين بالتهوّر والمجازفة غير المحسوبة. الكرامة لا تعني الاستفزاز، والحكمة لا تعني الذلّ. يمكنك أن تتحدّث العربية دون أن تصرخ بها، يمكنك أن تظهر هويّتك دون أن تتحدّى الجميع بلا داعٍ، يمكنك أن تحافظ على انتمائك دون أن تضع نفسك وعائلتك في خطر حقيقي. الوسطية هنا ليست جبناً ولا انهزامية، بل هي فهم عميق لطبيعة المعركة الحقيقية. فالمعركة ليست في أن تثبت أنّك لست خائفاً، بل في أن تبقى حيّاً حرّاً كريماً، قادراً على تربية أبنائك على قيمك، وعلى المساهمة في بناء مجتمع أفضل.
يُضعف هذا الانقسام بين المسلمين أنفسهم مجتمعهم ويجعلها أكثر هشاشة أمام الهجوم الخارجي. فبدلاً من أن نوحّد جهودنا لمواجهة العنصرية، نضيع طاقتنا في جدالات داخلية حول الموقف “الصحيح”. الحقيقة أنّ الموقف الصحيح يختلف باختلاف الظروف والأشخاص والسياقات. ما يصلح في برلين قد لا يصلح في قرية نائية في زاكسونيا. ما يستطيع فعله شاب قوي البنية قد لا تستطيعه امرأة محجّبة مع أطفالها. تقتضي الحكمة أن نحترم اختيارات بعضنا البعض، وأن نتفهّم أنّ كل واحد منّا يتعامل مع واقعه بالطريقة التي يراها مناسبة. المهم ألّا نسقط في فخّ لوم الضحايا، وألّا نحمّل المسلمين مسؤولية العنصرية التي يواجهونها. فالمسؤولية الحقيقية تقع على من يمارس العنصرية، لا على من يعاني منها.
ثالثاً، لا بدّ من مواجهة الخطاب المتطرّف بخطاب مضادّ واضح وقوي. فحزب البديل نجح في السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصّة تيك توك وإكس (تويتر سابقاً)، ونشر رسائله بكفاءة عالية بين الشباب. يجب على الجاليات المسلمة والأحزاب الديمقراطية أن تطوّر استراتيجيات مماثلة، وأن تُنتج محتوى يخاطب هموم الناس الحقيقية – البطالة وارتفاع الأسعار والخدمات الصحّية – دون أن تجعل المهاجرين كبش فداء لهذه المشاكل.
رابعاً، يجب العمل على تعزيز التواصل الإنساني المباشر وكسر حواجز العزلة التي قد تُغذّي الصور النمطية. فكلما كان التفاعل اليومي أقوى بين الناس – بغضّ النظر عن أديانهم أو أصولهم – ضعف تأثير الخطاب التحريضي. لكن لنكن واضحين: المسألة ليست عن “اندماج الأجانب”، كما يحلو للخطاب السياسي أن يصوّرها. فملايين المسلمين في ألمانيا ليسوا أجانب أصلاً. هم ألمان، وُلدوا هنا، تعلموا هنا، يدفعون الضرائب، يساهمون في بناء البلد، يتكلّمون الألمانية أفضل من أي لغة أخرى. المشكلة الحقيقية أنّ جزءاً من المجتمع لا يزال يرفض قبولهم ألمان “حقيقيّين” بسبب دينهم أو أسماء عائلاتهم أو لون بشرتهم. لذا، فالحاجة ليست إلى “اندماج” المسلمين أكثر، بل إلى توسيع مفهوم الهوية الألمانية ليشمل التنوّع الذي يعيشه المجتمع فعلياً. الجار الذي يدرك أن جاره المسلم ألماني مثله تماماً – وإن اختلف دينهما – سيكون أصعب إقناعاً بخطاب التطهير العرقي.

خاتمة: العبرة من الأندلس
حين نعود إلى قصّة الموريسكيّين في إسپانيا، ندرك أنّنا أمام عبرة تاريخية ينبغي ألا تُنسى. فالموريسكيّون لم يكونوا غزاة أو دخلاء. كانوا أحفاد من عاشوا في الأندلس قروناً، ساهموا في بنائها وازدهارها، وخلّفوا حضارة لا تزال آثارها شاهدة في قصر الحمراء ومساجد قرطبة وإشبيلية. لكن حين تغيّرت موازين القوى، وحين سيطر خطاب “النقاء” و”الهوية المسيحية الواحدة”، صار هؤلاء “غرباء” في وطنهم، و”مغاربة” لا حقّ لهم في الأرض التي ولدوا عليها.
اليوم، يواجه مسلمو ألمانيا – وأوروپا عموماً – خطر تكرار هذا المشهد. فهم ليسوا “أتراكاً” أو “عرباً” فحسب، بل هم ألمان أيضاً. أطفالهم يتحدّثون الألمانية أكثر من لغة أجدادهم. يدفعون الضرائب، ويشاركون في بناء المجتمع، ويُثرونه بتنوّعهم. لكنّ خطاب اليمين المتطرّف يسعى إلى نزع هذا الانتماء عنهم، ووصمهم بأنّهم “أجانب” يجب أن “يعودوا” إلى “بلدانهم الأصلية”.
الدرس الذي تعلّمته أوروپا – بثمن باهظ من الدماء والدموع – بعد الحرب العالمية الثانية، هو أنّ خطاب الكراهية والتمييز “العرقي” لا يؤدّي إلّا إلى الكارثة. حاجز النار الذي يحمي الديمقراطية الألمانية من حزب البديل هو صمّام أمان ضروري، لكنّه ليس كافياً. فالمطلوب ليس فقط منع الحزب من الوصول إلى السلطة، بل مواجهة الأفكار التي يروّج لها، وتفنيد الأكاذيب التي يبثّها، وبناء مجتمع أكثر عدلاً وإنصافاً يحتضن جميع أبنائه، بغضّ النظر عن دينهم أو أصولهم.
لكن قبل أن نختم، لا بد من أن نتوقّف عند حقيقة فلسفية عميقة، ربما تساعدنا على فهم جذور هذا الصراع المستمر بين البشر. فنحن – جميعاً – لسنا شعوباً مختارة، ولا أمماً مفضّلة، ولا كيانات مقدّسة. كل هذه الأسماء، كل هذه الأعلام، كل هذه الشعائر والهويّات، ليست في جوهرها سوى أقنعة نغطّي بها خوفاً واحداً بدائيّاً: الخوف من الفناء.
اليهودي الذي يحرس توراته ويعيد شعائره جيلاً بعد جيل، لا يختلف في جوهره عن المسلم الذي يحرص على تربية أبنائه على دينه ولغته، ولا عن الهندوسي الذي يلوذ بتعدّد آلهته، ولا عن الأوروپي الذي يقدّس قوانينه ويتمسك بـ”قيمه الغربية”، ولا عن الياباني الذي يختار العزلة والانكفاء على ذاته. الوسائل مختلفة، والمظاهر متباينة، لكن الأصل واحد: الرعب من الانقراض، الخوف من أن تُمحى الذات الجماعية، أن تذوب الهوية في غيرها، أن ينطفئ الوجود فجأة وتتلاشى الذاكرة.
ألسنا في النهاية مثل أي كائن آخر على هذا الكوكب؟ للحيوان أنياب ومخالب يدافع بها عن بقائه، وللنبتة أشواك وسموم تحميها من الافتراس، وللطائر أجنحة يطير بها بعيداً عن الخطر. أمّا نحن البشر، فلنا أوهام وأساطير وهويّات جماعية. هذه أسلحتنا، هذه وسائل دفاعنا عن البقاء. نحن نبني الأوطان لأنّنا نعلم أنّ الفرد هش وعمره قصير. نخترع الأديان والأيديولوجيّات لنطمئن أنفسنا بأنّ لوجودنا معنى يتجاوز الموت. نكذب على أنفسنا بقصص “الشعب المختار” و”الأمّة الخالدة” و”الحضارة الأرقى”، لأنّنا نريد أن نصدّق أننا لسنا مجرد كائنات فانية تسير نحو العدم.
والأخطر من ذلك أننا نُسقط هذا الخوف الداخلي على الآخرين. نظنّ أنّ “الآخر” هو مصدر تهديدنا، في حين أنّ الحقيقة أنّ عدوّنا الحقيقي يسكن في داخلنا: خوفنا من العدم، رعبنا من الفناء. لذا نرى اليهودي وحشاً، والمسلم غازياً، والأوروپي متعالياً متكبّراً، والآسيوي غامضاً لا يُؤتمن. لكن لو اقتربنا بما يكفي، لو نزعنا الأقنعة ولو للحظة، لرأينا أنّ الجميع يرتعش بنفس الارتعاشة، ويحمل في داخله نفس الرهبة: أن تنطفئ الحياة فجأة، وأن تذوب الذات في اللّاشيء.
أليست هذه هي المأساة الكبرى؟ أنّنا نتصارع منذ آلاف السنين، لا لأنّنا مختلفون جوهريّاً، بل لأنّنا متشابهون أكثر ممّا نحتمل. كل جماعة، في أعماقها، محاولة يائسة للهروب من نفس النهاية. لذا، حين يرى الأوروپي المسلمَ في شوارعه، لا يرى إنساناً مثله، بل يرى تهديداً لوجوده. لا لأنّ المسلم يهدّده حقاً، بل لأنّ وجود المسلم – بلغته المختلفة، ودينه الآخر، وملامحه الغريبة – يذكّره بهشاشة هويّته، بأنّ “أوروپيّته” ليست أبدية ولا مقدّسة، وأنّ ما بُني يمكن أن يتغيّر. وهذا الإدراك اللّاواعي يُرعبه، فيتحوّل الخوف إلى كراهية، والكراهية إلى عنف.

الحقيقة ليست في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن ولا في الدساتير الحديثة ولا في الأيديولوجيات السياسية. الحقيقة في الصمت الذي يتكشّف حين ننزع الأقنعة، ونواجه أنفسنا عارية: نحن نحبّ الحياة، ونكره الموت. نحن نكذب لنطمئن، ونخترع المعنى كي لا نغرق في العبث. نحن نتقاتل لأنّنا ضعفاء، ونبني الجدران لأنّنا خائفون.
لكن، إذا وصل الإنسان إلى هذه الرؤية، ولو للحظة خاطفة، فقد يذوق طعم الحرية الحقيقية: حرية أن يدرك أنّ كل ما حوله ليس إلّا مسرحاً من الأقنعة. حرية أن يرى “الآخر” لا بصفة عدو، بل نسخة أخرى منه، تائهة بنفس الشكل، خائفة بنفس القدر، باحثة عن نفس الشيء: البقاء، المعنى، الطمأنينة. حينها فقط نفهم أنّ الحرب الحقيقية ليست بين الشعوب، بل بين الإنسان وظلّه. وأنّ النصر الحقيقي لا يُقاس برايات مرفوعة أو حدود موسّعة، بل بالقدرة على إسكات الوحش في الداخل، ولو لحظة واحدة.
العبرة من الأندلس واضحة: حين يُطرَد جزء من المجتمع، يُضعَف المجتمع كلّه. وحين ينتصر خطاب الكراهية، يخسر الجميع. مسلمو ألمانيا اليوم ليسوا “موريسكيّين” ينتظرون أوامر الطرد. هم جزء أصيل من نسيج المجتمع الألماني، وعليهم – مع كلّ القوى الديمقراطية – أن يدافعوا عن حقّهم في البقاء والمشاركة، وأن يقاوموا كلّ محاولة لإعادة كتابة تاريخ التطهير العرقي في أوروپا القرن الحادي والعشرين.
المراجع والمصادر
- Wikipedia. “2025 German federal election.” Wikipedia, The Free Encyclopedia. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/2025_German_federal_election
- Wikipedia. “Alternative for Germany.” Wikipedia, The Free Encyclopedia. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Alternative_for_Germany
- Wikipedia. “Opinion polling for the 2025 German federal election.” Wikipedia, The Free Encyclopedia. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Opinion_polling_for_the_2025_German_federal_election
- Wikipedia. “Results of the 2025 German federal election.” Wikipedia, The Free Encyclopedia. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Results_of_the_2025_German_federal_election
- Al Jazeera. “As Germany braces for election, backing the far-right AfD no longer a taboo.” The Far Right News | Al Jazeera. 3 فبراير 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/2/3/germany-breaks-far-right-afd-taboo
- Al Jazeera. “Far-right AfD and socialist left win over young Germans, election reveals.” Elections News | Al Jazeera. 25 فبراير 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/2/25/how-afd-the-left-won-the-german-youth-vote
- YouGov. “AfD remain on course for record result in YouGov’s second MRP model of the 2025 German election.” YouGov. 6 فبراير 2025. https://yougov.co.uk/international/articles/51533-afd-remain-on-course-for-record-result-in-yougovs-second-mrp-model-of-the-2025-german-election
- Friedrich-Ebert-Stiftung. “Analysis of the Bundestag Elections 2025.” FES Germany. https://www.fes.de/en/german-election
- World Socialist Web Site. “German federal election 2025: Historic debacle for government parties, gains for the far-right AfD and Left Party.” 24 فبراير 2025. https://www.wsws.org/en/articles/2025/02/24/3ca3-f24.html
- Jacobin. “Germany’s Not-So-Stable Firewall Against the Far Right.” يناير 2025. https://jacobin.com/2025/01/germany-afd-cdu-far-right/
- Wikipedia. “Remigration.” Wikipedia, The Free Encyclopedia. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Remigration
- GZERO Media. “What is ‘remigration’ and why is the German far right calling for it?” 14 يناير 2025. https://www.gzeromedia.com/news/watching/what-is-remigration-and-why-is-the-german-far-right-calling-for-it
- CNN. “DHS issued a call to ‘remigrate.’ Here’s the history of the term often associated with far-right groups.” 20 أكتوبر 2025. https://edition.cnn.com/2025/10/19/us/remigrate-dhs-explained
- Religion Dispatches. “‘Remigration’ is American for ‘Ethnic Cleansing’.” 16 يونيو 2025. https://religiondispatches.org/remigration-is-american-for-ethnic-cleansing/
- Political Research Associates. “‘Remigration’ is American for ‘Ethnic Cleansing’.” 8 يوليو 2025. https://politicalresearch.org/2025/07/08/remigration-american-ethnic-cleansing
- Truthout. “Trump’s Proposal for Office of Remigration Evokes Ethnic Cleansing, Critics Say.” 30 مايو 2025. https://truthout.org/articles/trumps-proposal-for-office-of-remigration-evokes-ethnic-cleansing-critics-say/
- Media Matters for America. “Mainstream media ignore Trump’s planned Office of Remigration, a term for ethnic cleansing.” يونيو 2025. https://www.mediamatters.org/immigration/mainstream-media-ignore-trumps-planned-office-remigration-term-ethnic-cleansing
- Foreign Policy. “Germany’s Far-Right AfD Is Worse Than the Rest of Europe’s Populists.” 1 فبراير 2024. https://foreignpolicy.com/2024/01/26/afd-germany-far-right-populism-radical-europe-remigration-immigrants/
- Global Project Against Hate and Extremism. “Far-Right Europeans Gathering To Plan A Continental Ethnic Cleansing.” 15 مايو 2025. https://globalextremism.org/post/far-right-europeans-continental-ethnic-cleansing/
- Daily Sabah. “Far-right AfD’s rise sparks fear among Turks, Muslims in Germany.” 25 فبراير 2025. https://www.dailysabah.com/politics/eu-affairs/far-right-afds-rise-sparks-fear-among-turks-muslims-in-germany
- Daily Sabah. “Turks worried as far-right rises in Germany with AfD wins.” 4 سبتمبر 2024. https://www.dailysabah.com/politics/turks-worried-as-far-right-rises-in-germany-with-afd-wins/news
- Daily Sabah. “Germany’s turning point: Far-right surge’s impact on Turkish diaspora.” 21 فبراير 2025. https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/germanys-turning-point-far-right-surges-impact-on-turkish-diaspora
- Hyphen. “Why more German Turkish voters could be voting for the anti-immigrant AfD.” 20 فبراير 2025. https://hyphenonline.com/2025/02/19/germany-federal-election-23-february-turkish-afd-tiktok-videos/
- Anadolu Agency. “Germany’s Turkish community worried as far-right parties gain ground.” سبتمبر 2024. https://www.aa.com.tr/en/europe/germany-s-turkish-community-worried-as-far-right-parties-gain-ground/3321593
- Al Jazeera. “What’s behind Germany’s raging Islamophobia?” 18 سبتمبر 2024. https://www.aljazeera.com/opinions/2024/9/18/whats-behind-germanys-raging-islamophobia
- TRT World. “Rise of far-right parties puts Germany’s Turkish community on edge.” 4 سبتمبر 2024. https://www.trtworld.com/europe/rise-of-far-right-parties-puts-germanys-turkish-community-on-edge-18203879
- Wikipedia. “Expulsion of the Moriscos.” Wikipedia, The Free Encyclopedia. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Expulsion_of_the_Moriscos
- Wikipedia. “Morisco.” Wikipedia, The Free Encyclopedia. تم الاطلاع عليه في 20 أكتوبر 2025. https://en.wikipedia.org/wiki/Morisco
- European History Online (EGO). Luis Fernando Bernabé Pons. “Expulsion of the Muslims from Spain.” EGO – European History Online. https://www.ieg-ego.eu/en/threads/europe-on-the-road/forced-ethnic-migration/luis-fernando-bernabe-pons-expulsion-of-the-muslims-from-spain
- Al-Andalus y la Historia. “The Expulsion of the Moriscos.” Al-Andalus y la Historia. https://www.alandalusylahistoria.com/?p=4679
- Cambridge University Press. Gerard Wiegers. “The expulsion of the Moriscos from Spain in 1609–1614: the destruction of an Islamic periphery.” Journal of Global History, Vol. 2, Issue 2 (يوليو 2007), pp. 195-212. https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-global-history/article/abs/expulsion-of-the-moriscos-from-spain-in-16091614-the-destruction-of-an-islamic-periphery/CA674D527734A60621865F2A99FB60C7
- History Today. Matt Carr. “Spain’s Ethnic Cleansing of the Muslim Moriscos.” History Today, Vol. 59, Issue 2 (فبراير 2009). https://www.historytoday.com/archive/feature/spains-ethnic-cleansing-muslim-moriscos
- History Today. John Edwards. “The Purging of Muslim Spain.” مراجعة لكتاب Blood and Faith: The Purging of Muslim Spain, 1492-1614 بقلم Matthew Carr. History Today, Vol. 67, Issue 11 (نوفمبر 2017). https://www.historytoday.com/reviews/purging-muslim-spain
- Manchester University Press. James S. Amelang. “The expulsion of the Moriscos, 1609–14.” في: Migrants shaping Europe, past and present (نوفمبر 2022). https://www.manchesterhive.com/display/9781526166180/9781526166180.00011.xml
- Ballandalus (blog). “The Royal Edict of Expulsion (1609) and the Last Andalusi Muslims (‘Moriscos’) of Spain.” 21 مارس 2016. https://ballandalus.wordpress.com/2015/06/29/the-royal-edict-of-expulsion-1609-and-the-last-andalusi-muslims-moriscos-of-spain/
- Brill Publishers. Mercedes García-Arenal and Gerard Wiegers (eds.). The Expulsion of the Moriscos from Spain: A Mediterranean Diaspora. Leiden: Brill, 2014. https://brill.com/display/title/24601?language=en
- Oxford University Press. Nicole Reinhardt. “A Case Study: The Expulsion of the Moriscos.” في: Voices of Conscience: Royal Confessors and Political Counsel in Seventeenth-Century Spain and France. Oxford: Oxford Academic, 2016. https://academic.oup.com/book/10070/chapter/157526839
- ResearchGate. James S. Amelang. “The expulsion of the Moriscos, 1609–14: Still more questions than answers.” نوفمبر 2022. https://www.researchgate.net/publication/371343293_The_expulsion_of_the_Moriscos_1609-14_Still_more_questions_than_answers
- Academia.edu. Gerard Wiegers. “The expulsion of the Moriscos from Spain in 1609–1614.” يناير 2007. https://www.academia.edu/6878568/The_expulsion_of_the_Moriscos_from_Spain_in_1609_1614
- Lapeyre, Henri. Géographie de l’Espagne morisque. Paris: S.E.V.P.E.N., 1959.
- Domínguez Ortiz, Antonio and Bernard Vincent. Historia de los moriscos. Madrid: Alianza Editorial, 1997.
- Harvey, L. P. Muslims in Spain, 1500 to 1614. Chicago: University of Chicago Press, 2005.
- Lea, Henry Charles. The Moriscos of Spain: Their Conversion and Expulsion. New Delhi: Goodword Books, 2002 (النشرة الأولى: Philadelphia, 1901).
- Perry, Mary Elizabeth. The Handless Maiden: Moriscos and the Politics of Religion in Early Modern Spain. Princeton: Princeton University Press, 2005.
- Benítez Sánchez-Blanco, Rafael. Heroicas decisiones: La Monarquía Católica y los moriscos valencianos. Valencia: Institució Alfons el Magnànim, 2001.
- Carr, Matthew. Blood and Faith: The Purging of Muslim Spain, 1492-1614. London: Hurst Publishers, 2009.
- Amelang, James S. Parallel Histories: Muslims and Jews in Inquisitorial Spain. Baton Rouge: Louisiana State University Press, 2013.
- Lomas Cortés, Manuel. El proceso de expulsión de los moriscos de España (1609-1614). Valencia: Biblioteca de estudios moriscos 8, 2011.
- Janer, Florencio. Condición social de los moriscos de España. Madrid: Imprenta de la Real Academia de la Historia, 1857.
- Boronat y Barrachina, Pascual. Los moriscos españoles y su expulsión. 2 vols. Valencia: Imprenta de Francisco Vives y Mora, 1901.





اترك رد