حين درست صناعة الفيلم في كلّيّة متخصّصة، كان أكثر ما ردّده علينا الأساتذة آنذاك أنّ صانع الفيلم المبدع والمتقن لعمله يصوّر عشر ساعات لكي يخرج منها بعشر دقائق تناسب الفيلم. وأنّ عالم صناعة الفيلم في السوق الفعليّة في هوليوود تقوم فيه الشركات بإنتاج عشر ساعات للخروج بفيلم من ساعة واحدة. أيّ، مع التخطيط الدقيق والمسبق لكل دقيقة من دقائق التصوير، يبقى على مشروع الفيلم إنتاج عشر ساعات للخروج بساعة صالحة للعرض. لهذا تكون تكاليف الإنتاج مرتفعة جدّاً.
الفن يتطلب الصبر. الثلج يجب أن يذوب ببطء.
أوگست رودان
قاعدة العشر إلى واحد:
من السينما إلى البحث العلمي
في عالم التدوين والبحث العلمي لا يختلف الموضوع. فلكتابة تدوينة في التاريخ أو العلوم، تقرأها في عشر دقائق، على الباحث العمل على موادّ توازي عشر ساعات من القراءة. هذه الساعات تعتمد بصرامة على ذاكرته وعلى ذخيرته السابقة من القراءة والمعلومات. فإذا لم توجد، أي إذا كان الموضوع جديداً عليه بالكامل ولم يقرأ عنه سابقاً، عليه آن إذ أنّ يقرأ مئة ساعة للوصول إلى عشر ساعات من المواد، للخروج بتدوينة تقرأها في عشر دقائق فقط. وتكون مذيّلة بمراجع مهمّة تتابع من طريقها التوسّع في الموضوع.
إذا أردت أن تكتب رسالة قصيرة، فسأحتاج لوقت أطول.
بليز باسكال

الجهد الخفي وراء الإبداع الظاهر
في عالم السينما، لا يكون التصوير هو النهاية، بل البداية. يقول المخرج الشهير ألفريد هيتشكوك: “في البداية هو الكاتب، في النهاية هو المحرر.” فالمحرر (المونتير) هو الذي يحوّل عشرات الساعات من المواد الخام إلى رواية بصرية متكاملة، وتحديدًا، ساعة من الفيلم الذي يمكن أن يعرض في السينما.
لا يختلف الأمر كثيرًا عن ما كان يحدث في العصور القديمة. ففي العصور القديمة، كان الحرفيّون والصنّاع المبدعون يقضون أيامٍ طويلة وساعاتٍ عديدة في صنع قطعة من الفخّار أو السيراميك أو النحت الحجري. كانوا يقضون ساعات طويلة في التحضير والتخطيط والنحت والتلميع، لكي يخرجوا في النهاية بقطعة فنّية واحدة تستحقّ العرض والتقدير.
في الحقيقة، هذا البذل والجهد الهائل الذي يُبذل في صناعة الفيلم هو ما يميّزه ويجعل له قيمة. فلا يمكن أن يكون هناك تميز بدون جهد، ولا يمكن أن يكون هناك فن بدون تضحية. ورغم أنّ تكاليف الإنتاج قد تكون مرتفعة، فإنّ النتائج النهائية غالبًا ما تستحق العناء فيها. فالفنّ الإبداعي ليس عملية منطقية أو ربحية بالضرورة. إنّما عمليّة إبداعية وعاطفية، تتطلّب التفاني والتعب والصبر. وهذا ما يجعل الفيلم، وجميع أشكال الفن، شيئًا مميزًا وجميلًا وقيمًا.
في عالم البحث العلمي والكتابة، نغوص في أعماق الفضاء الأدبي والعلمي، حيث يتنقّل الباحث بين أكوام من الكتب والمقالات والدراسات، في رحلة تتطلّب الصبر والمثابرة والتركيز. فكلّما كان الموضوع أعمق وأكثر تعقيدًا، كانت الرحلة أطول وأكثر تحدّيًا.
ليس هناك كتاب عظيم لم يُكتب بدم القلب.
جيرالد مايساك

رحلة ابن بطوطة وگاليليو:
عندما تختصر السنوات في صفحات
وأستذكر هنا الرحّالة العظيم إبن بطوطة، الذي قضى عشرين عامًا في رحلاته حول العالم. في كلّ مرة كان يزور مكانًا جديدًا، يكتب عن تجربته ويضيفها إلى مجموعة مذكراته الغنية. ولكن برغم أنّنا نقرأ مذكراته في أيام قليلة أو ربّما في ساعات، كانت الكلمات فيها قد استغرقت عشرين عامًا من السفر والاستكشاف والمغامرة لكتابتها. وقد تكون كلّ صفحة حصيلة أشهر وسنوات.
كذلك هو الحال مع الباحث العلمي. فهو يقضي ساعات طويلة في القراءة والتحليل والتفكير، بحثًا عن الحقائق والأفكار والنظريات. وعندما يجد ما يبحث عنه، يكتب تقريرًا أو مقال أو مقالة علميّة، قد يستغرق القارئ دقائق أو ساعات قليلة لقراءتها. ولكن خلف هذا العمل القصير، يكمن جهد طويل ومرهق.
بل وأكثر من ذلك، يكون الباحث قد أضاف إلى معرفته المزيد من النظريات والأفكار والمعلومات، التي ستُساعده في بحوثه المستقبلية. وهكذا، يكون العمل العلمي، مثل السفر والفن، عملية طويلة وشاقة، ولكنها في النهاية جميلة ومجزية.
وأستذكر هنا قصّة العالم الشهير گاليليو گاليلي، الذي قضى سنوات طويلة في دراسة السماء وكتابة الكثير من الأوراق العلمية. حتى صار يعتقد بأفكاره بشدّة وعن يقين، وكان يبذل قصارى جهده للبحث عن الحقائق والأدلة العلمية. ولكن عندما نشر أفكاره، ظهر الكثير من الناس الذين ادّعوا أنهم فهموا أعماله في ساعة واحدة وبدأوا في نقد أفكاره دون فهم كامل لها. هؤلاء الناس، كانوا يستندون إلى معلومات مشوّهة أو مفاهيم غير صحيح، وما كانوا على استعداد لقضاء الوقت اللازم لفهم العمل العلمي الحقيقي لگاليليو.
وكذلك، في عالم الكتابة والصحافة، من السهل جدًا القفز إلى استنتاجات سريعة أو الاستناد إلى معلومات غير دقيقة أو موثوقة. لكنّ الصحفي الحقيقي، الذي يهتمّ بالحقائق والمعرفة، سيقضي الوقت اللازم للبحث والقراءة والفهم، قبل أن يبدأ في الكتابة والانتقاد. وكما قال الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين: “إذا كنت لا تملك الوقت لقراءة، فأنت لا تملك الوقت (أو الأدوات) لكتابة. بسيطة كما هو الحال.”
الحقيقة ابنة الزمن وليس السلطة.
فرانسيس بيكون

بين الناقل والباحث الحقيقي
وفي النهاية، الحقيقة هي أنّ القراءة والبحث والكتابة عمليّة تتطلّب الوقت والجهد والصبر. ومن الصعب الحصول على الحقائق والمعرفة الحقيقية دون البحث الجاد والمتأنّي.
لهذا، من يقدّم لك مقالاً أو مُقيلة حصد معلوماتها في ساعة، لتقرأها في نصف ساعة، هو نفسه لا يعرف إن كانت المعلومات في نصّه صحيحة أو لا، إنّما هو كاتب ناسخ لا أكثر. صحفيّ ناقل عن غيره. وعليه أن يكون صريحاً بأنّه ناقل عن غيره، وعليه الإشارة إلى المصدر المنقول عنه.
ما نراه ليس سوى قمة جبل الجليد، أما الكتلة الحقيقية فتكمن تحت السطح.
إرنست همنگواي

جبل الجليد:
ما نراه وما يختفي تحت السطح
الرحلة الطويلة والمعقّدة التي يقوم بها الفنّانون والباحثون والصحفيّون لتقديم أعمالهم النهائية ليست سوى شاهد على التفاني والاستمرارية التي يتطلّبها الإبداع الحقيقي. فالجودة والدقّة والمعرفة العميقة تتطلّب جهدًا وزمنًا. والجزء الذي نراه بصفة جمهور أو قرّاء هو فقط طرف الجبل الجليدي، في حين يكمن الكثير من العمل والجهد أسفل سطح الماء. فلنقدّر العمل الشاق الذي يبذله الناس في تقديم الأعمال الفنّية والعلمية والأدبية الرائعة التي نستمتع بها ونستفيد منها.





اترك رد