تشتهر الخمور والأشربة المخلّدة العربية في مختلف أنحاء عالم اليوم. البيرة والنبيذ والكحول كلّها في الأساس أشربة عربية المنشأ، نشرتها عادات وأديان جزيرة العرب في هذا العالم. وقد يكون كحول العرق من أكثر هذه المشروبات إثارة للاهتمام، وأحدث منتجات العرب في هذا المجال.
تعود تسمية العرق إلى اسم العمليّة الكيميائيّة الممارسة لإنتاج مشروب العرق المخلّد. وهي عمليّة التعريق التي وصفها بهذا الاسم أوّل مرّة طبيب عراقي هو {أبو بَكر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن زَكَرِيّا الرَّازِيّ}. ولمّا كان رئيساً لأهمّ مشافي دمشق خلال القرن التاسع؛ نجح الرَّازِيّ بعزل الكحول النقي عن الكحل العربيّ، وعن العصائر السكّريّة المخمّرة ونبيذ العنب. واستعمله في تطهير الجروح وتعقيم مواضع الجراحة الطبّيّة. وبرغم أنّ الرَّازِيّ قد استعمل كلمة {الغول} في وصف السائل الناتج من التعريق، غير أنّ تسمية كحول علقت كتسمية بهذا السائل لكونه استُعمل كثيراً في صناعة أنواع كحول العيون بألوانها المختلفة في الأندلس.
وصل الرَّازِيّ إلى تقنيّته لتقطير الكحول بتطوير تقنيّة أستاذه العراقي {جَابر بن حيّان بن عبد الله الكوفي الأَزْدِيُّ} الذي عاش في القرن الثامن وكان الأوّل في ذكر كلمة {العرق}، ولطالما اعترف له الرَّازِيّ بالفضل في علمه. وكانت قد وصلت علوم {بن حيّان} إلى الرَّازِيّ عن طريق الكيميائي الكوفي-البغدادي {أبو يوسُف يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنِدي} والتي يبدو أنّ الرَّازِيّ قد درسها عنه في بغداد، قبل الانتقال إلى دمشق.
اليوم، يُعدّ العرق بمثابة المشروب الوطني لسوريا، مع ذلك تحاول بلدان مثل اليونان وتركيا سرقة تراث هذا الاختراع العربي العراقي الشامي، ونسبها إلى نفسها.

ميلاد العرق
أحد أشهر الخمور العربيّة التقليديّة مشروب العرق، وهو مشروب منكّه باليانسون شائع في كلّ المنطقة المسلمة من إندونيسيا شرقاً حتّى المغرب غرباً، بالإضافة إلى الضفّة الشمالية من المتوسّط، حيث تُتوارث الكثير من بقايا التراث العربي في المنطقة. وتحاول الكثير من الدعايات القوميّة اليوم سرقة تراث مشروب العرق العربي لنسبته إلى بلدانها، كما يفعل مثلاً القوميّون في تركيا واليونان والهند. في الوقت الذي تعتبر فيه سوريا ولبنان مشروب العرق بمثابة مشروب وطنيّ.
تعود تسمية العرق إلى اسم العمليّة الكيميائيّة الممارسة لإنتاج المشروب. وهي عمليّة التعريق التي وصفها بهذا الاسم أوّل مرّة طبيب إيراني هو {أبو بَكر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن زَكَرِيّا الرَّازِيّ}. وكان الرَّازِيّ قد نجح خلال القرن التاسع بعزل الكحول النقي عن الكحل العربيّ، وعن العصائر السكّريّة المخمّرة ونبيذ العنب. واستعمله في تطهير الجروح وتعقيم مواضع الجراحة الطبّيّة. وبرغم أنّ الرَّازِيّ قد استعمل كلمة {الغول} في وصف السائل الناتج من التعريق، غير أنّ تسمية كحول علقت كتسمية بهذا السائل لكونه استُعمل كثيراً في صناعة أنواع كحول العيون بألوانها المختلفة في الأندلس.
وكان أطبّاء العرب ما قبل الرَّازِيّ يستعملون سوائلاً مختلفة لتطهير البدن قبل وبعد أي عمل جراحي، منها زيوت الورود والمحاليل الملحية والخل. ثمّ أضافت المشافي العربيّة الكحول مذ نجح الرَّازِيّ في القرن التاسع بعزله بالتعريق. ثمّ في القرن العاشر وصل إنتاج الكحول النقي إلى الأندلس حين نجح الطبيب الجرّاح القرطبي {أبو القَاسِم خَلَف بن عَبَّاس الزَّهْرَاوِيّ} بتطوير عمليّة إنتاجه وتسريعها وتقليص تكاليفها. ثمّ وصل الكحول أخيراً إلى الأوروپيّين في القرن 12 وبدأ بالانتشار في مشافي الأديرة الكاثوليكيّة.
وصل الرَّازِيّ إلى تقنيّته لتقطير الكحول بتطوير تقنيّة أستاذه {جَابر بن حيّان بن عبد الله الكوفي الأَزْدِيُّ} الذي عاش في القرن الثامن وكان الأوّل في ذكر كلمة {العرق}، ولطالما اعترف له الرَّازِيّ بالفضل في علمه. وكانت قد وصلت علوم {بن حيّان} إلى الرَّازِيّ عن طريق الكيميائي الكوفي-البغدادي {أبو يوسُف يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنِدي} والتي يبدو أنّ الرَّازِيّ قد درسها عنه في بغداد، قبل العودة إلى الري.

من العرق إلى الكحول
وظّف العرب الأندلسيّين تقنيّة الزَّهْرَاوِيّ في إنتاج اثنتين من أهم صادرات إمارات الأندلس؛ العطور والكحل. فقاموا بتطبيق تقنية الزَّهْرَاوِيّ الزيت العطري من الزهور، وكذلك لإنتاج أنواع كحول العيون العربيّة المختلفة بواسطة تسييل مسحوق المحل الأسود ثمّ يتحويله إلى بخار ثمّ تجميده سريعاً من جديد. عمليّة تقطير الكحل العربي هذه هي التي تحوّلت لاحقاً إلى تطبيق لإنتاج مشروب العرق، موضوع هذه التدوينة.
وبرغم أنّ أغلب العرب كانوا مسلمين في فترة اختراع مشروب العرق، وفي قلب البلاد الإسلامية، غير أنّ بعض التدوينات الطبّيّة القديمة نصحت بشرب رشفات قليلة من العرق للتعافي من المرض. إذ كما استعمل العرب الكحول لتطهير الجروح، أسوة باستعمال الكحل لحماية العين وتطهيرها، فقد اعتبر بعض العرب أن شرب القليل من الكحول في هيئة العرق يطهّر داخل البدن كذلك. وكلّهم، الكحول والكحل والعرق، من ذات الأسرة.
على ما يبدو أنّ إنتاج مشروب العرق بدأ في الجزيرة أو العراق ربّما في القرن 10 أو 11، في نفس الدور التي كانت تنتج ماء الورد كذلك، وعلى طريقة الرَّازِيّ بالتعريق (التقطير). وكان إنتاج العرق في البداية يقتصر على تقطير نبيذ العنب فقط.
توسّع الإنتاج إلى غرب الفرات وصار مشروب العرق من أهمّ منتجات مدينة المعرّة، الواقعة في سوريا المعاصرة. ومن بعد اجتياح المغول لإيران والعراقين، حافظت دولة إلخان فارس على هذه الصناعة وطوّرتها، وصدّرتها صوب الصين، مركز الإمبراطوريّة المغولية. وحلّ القرن 14 ليكون مشروب العرق والكحول النقي والكحل وماء الورد؛ أهمّ صادرات العراق الإلخاني الفارسي ثمّ الجلائري إلى الصين.
استفادت صناعة مشروب العرق من وفرة الأعناب المعرّيّة. وكانت الأعناب من أكثر محاصيل المعرّة الزراعية، إلى جانب التين والزيتون واللّوز والفستق الحلبي. وتميّزت المعرّة ومنذ القرن العاشر بالعنب العبيدي، العنب المميّز لمشروب العرق السوري حتّى اليوم. في تلك الفترة تذكر تدوينات الجغرافي {إبراهيم الفارسي الإصطخري} سنة 951 أنّ المعرّة أوفر بلدات المنطقة بالخير، كما يذكر المعرّة الشاعر الفارسي {ناصر خسرو قبادیانی} سنة 1047 بأنها البازار النشيط المزدحم الذي لا يعرف النوم. وكليهم يُجمع على أنّ أهمّ صادرات المعرّة آنذاك هي نبيذ العنب ومشروب العرق والتين المجفّف. وكانت استفادت المعرّة آنذاك من جودة صناعة الزجاج الأرمنازي المتوارث من أيّام الممالك الفنيقيّة، واستعملته لتصير النبيذ والعرق في أمفورات زجاجيّة كهذه في الصورة.

تأثير على العالم
ونتيجة تصدير مشروب العرق من العراقين وإيران صوب الشرق، انتشرت عنه في تلك البلاد جنوب شرق آسيا نسخ محلّيّة من مشروب العرق. وعلى الرغم من أنّها لم تحتفظ بالنكهة الأصلية لليانسون، فقد أضافت كلّ من الهند وإندونيسيا والصين والفلپين نكهات محلّية خاصّة بها، مثل الفواكه الاستوائية والأعشاب الطبّية والتوابل، بحيث أصبح مشروب العرق مشروباً محلّياً في تلك البلاد أيضاً.
على نقيض ذلك، اتّجهت صادرات مشروب العرق من سوريا ولبنان نحو الشمال والغرب، إلى الإمبراطورية البيزنطية والأمم الأوروپية الأخرى. وتأثّرت تلك البلاد بصناعة مشروب العرق، وبدأت بإنتاج نسخها الخاصّة منه، مثل الأوزو في المورة (اليونان) والراقي (الراكي) في الأناضول (تركيا) والسامبوكا في إيطاليا والأبسنت في فرنسا، والأبسنت هو بقايا تراث الحكم العربي الأندلسي لجنوب فرنسا.
ومع مرور القرون، صار مشروب العرق يُعرف بأسماء مختلفة ويُصنع بطرق مختلفة في أنحاء العالم، ولكن تاريخه العربي العميق يظل حاضراً في جميع الأشكال التي اتّخذها. وفي الوقت الحاضر، يُعدّ مشروب العرق بمثابة تراث ثقافي عربي ويُحتفل به في العديد من الأعياد والمناسبات، وكذلك يُقدّم كجزء من الضيافة العربية التقليدية في بعض مناطق بعض البلاد العربية.
في النهاية، يظلّ مشروب العرق رمزاً للثقافة العربية والتاريخ العربي. وخلال الأزمنة، أثبت أنه ليس مجرّد مشروب تقليدي، بل هو جزء من هوية العربي، ومن التراث الذي يعكس الإبداع والتطوّر العلمي والثقافي للعرب على مر العصور.

مراجع ومصادر
- الجابري, محمد. “تاريخ العلوم عند العرب”. المركز الثقافي العربي، 2005.
- الرازي, محمد بن زكريا. “الحاوي في الطب”. دار الكتب العلمية، 2002.
- جابر بن حيان. “كتاب الصرف”. دار الكتب العلمية، 2002.
- الزهراوي, أبو القاسم. “التصريف في العمل باليد”. دار الكتب العلمية، 2002.
- الكندي, يعقوب بن إسحاق. “كتاب الكيمياء”. دار الكتب العلمية، 2002.
- حلمي, مصطفى كمال. “تاريخ الصيدلة عند العرب”. دار الكتب العلمية، 2003.
- رجب, محمد. “الكيمياء في العصور الوسطى: جابر بن حيان والرازي”. دار الكتب العلمية، 2004.
- سيد, حسين. “تاريخ الكيمياء في الإسلام”. دار الكتب العلمية، 2002.
- طهبوب, عبد الله. “تاريخ الكيمياء”. دار الكتب العلمية، 2003.
- “الأراك: المشروب الروحي اللبناني”. موقع الجذور، 2018.
- “تاريخ النبيذ والكحول”. موقع ثقافات، 2017.





اترك رد