تمهيد: أهمّية تاريخ الطبخ في فهم الحاضر
لا يستطيع الباحث المعاصر أن يستوعب التحوّلات الغذائية الجارية في عالمنا اليوم دون العودة إلى الجذور التاريخية لما نأكله. فالطعام ليس مادّة بيولوجية فحسب، بل هو وثيقة تاريخية حيّة تحمل ذاكرة الشعوب وعاداتها الاجتماعية ومعتقداتها الدينية. عندما نتذوق طبق الدولمة في بغداد أو الحمّص في دمشق أو الكبّة في الموصل، فإنّنا لا نتذوّق طعاماً محضاً، بل نستعيد شعائراً احتفالية وتقنيات طهي عمرها آلاف السنين.
تكشف الدراسات الأثرية الحديثة للألواح المسمارية البابلية وكُتب الطبخ العبّاسية عن استمرارية استثنائية في تاريخ الطعام البشري، استمرارية لا نجد لها نظيراً في أي منطقة أخرى من العالم. يُلقي هذا الاكتشاف العلمي ضوءاً جديداً على الهوية الطبخية العربية والإسلامية المعاصرة، ويُثبت أنّ ما نعدّه اليوم “مطبخاً تقليديّاً” هو في الحقيقة إرث حضاري موثّق يمتدّ لأربعة آلاف عام. وفهم هذه الجذور العميقة يساعدنا على تقدير التنوّع الطبخي في العالم العربي، ويُبرز الدور الريادي لبلاد النهرين في تشكيل عادات الأكل البشرية منذ فجر التاريخ.

مقدّمة: مسار طبخي موثّق عبر أربعة آلاف عام
تتفرّد بلاد النهرين بميزة تاريخية نادرة: امتلاكها أقدم وصفات طبخ مكتوبة في تاريخ البشرية. منذ أن نقش الطهاة البابليّون وصفاتهم على ألواح طينية حوالي عام ١٧٣٠ قبل الميلاد، وحتى كتابة ابن سيار الورّاق لمؤلَّفه الموسوعي في القرن العاشر الميلادي، وصولاً إلى المطبخ العراقي والعربي المعاصر، تشكّلت سلسلة متّصلة من التوثيق والممارسة الطبخية لا تنقطع. يسمح لنا هذا المسار الطويل بتتبّع كيف أكل الناس، وماذا أكلوا، ولماذا فضّلوا أطباقاً معيّنة على أخرى عبر العصور.
تمثّل بابل ونينوى وبغداد محوراً حضاريّاً فريداً في هذا التاريخ. بابل أنتجت أقدم الوصفات المكتوبة وابتكرت تقنيات الطهي الأساسية التي لا تزال تُستخدم حتى اليوم. نينوى شهدت ذروة الطبخ الملكي الآشوري بولائمه الفخمة وشعائره الدينية المعقّدة. بغداد العبّاسية حوّلت هذا الإرث القديم إلى مطبخ راقٍ موثّق بدقّة في مئات الوصفات، ثم صدّرته عبر التقاليد الإسلامية والطرق التجارية ليشكّل أساس المطبخ العربي والإسلامي من المغرب العربي إلى آسيا الوسطى.
يستكشف هذا المقال كيف أصبحت هذه المدن الثلاث عواصم طبخية للعالمين العربي والإسلامي، وكيف أثّرت التحوّلات الدينية والسياسية على عادات الأكل، وكيف بقيت أطباق معينة حيّة عبر أربعة آلاف عام برغم تغيّر الإمبراطوريّات والأديان.


الألفية الأولى: بابل ونينوى وأسس الحضارة الطبخية
الألواح البابلية: أقدم توثيق طبخ في التاريخ
حوالي عام ١٧٣٠ قبل الميلاد، نقش طهاة بابليون على أربعة ألواح طينية ٣٥ وصفة طبخ تشمل خمساً وعشرين مرق وأطباقاً متخصّصة للطيور واللّحوم. هذه الألواح، المحفوظة ضمن مجموعة “يال البابلية” (تسمية السارق الأميركي)، تُشكّل أقدم توثيق مكتوب لفنون الطهي في التاريخ البشري. لم يكتشف علماء الغرب قيمتها إلّا في ثمانينيّات القرن العشرين عندما فكّ رموزها العالم الفرنسي جان بوتيرو، ليكتشف أنّها لا تحتوي مجرّد قوائم مكوّنات، بل تصف تقنيات طهي معقّدة لا تزال أساسية في المطابخ الحديثة.
يصف بوتيرو هذه الوصفات بأنّها “قفزة حضارية عملاقة في تطوير النكهات”، لأنّ الطهاة البابليّين أدخلوا تقنية الطبخ في السوائل – التغلية والإمراق – بدلاً من الشي والقلي المباشر. أتاح هذا الابتكار بناء طبقات مركّبة من النكهات: يبدأ الطاهي بتسخين دهن ذيل الخروف المذاب (الألية) حتى يتلألأ، ثم يُحمّر اللّحم لتطوير النكهة، يليه إضافة النباتات العطرية على مراحل، ثم سكب البيرة أو الماء لخلق الحساء، وإضافة الخضروات والتوابل بترتيب محدّد، والإمراق لساعات، ثم التثخين بكعك الحبوب، والتزيين بالأعشاب الطازجة والتوابل المطحونة.
هذا التسلسل – التحمير ثم الإضافة المتدرّجة ثم الإمراق الطويل – هو بالضبط ما تفعله الجدّات العراقيّات اليوم عند تحضير المرقة التقليدية. الاستمرارية مذهلة: نفس الدهن الأساسي (الألية)، نفس النباتات العطرية (الكراث والبصل والثوم)، نفس توليفات التوابل (الكمّون والكزبرة دائماً معاً)، نفس التقنية (التحمير ثم الإمراق). كان التحوّل الوحيد في المكوّنات الجديدة التي دخلت عبر طرق التجارة عبر العصور.

الطبخ الآشوري: الولائم الملكية ورمزية الطعام
في القرن السابع قبل الميلاد، بلغ الطبخ النهريني ذروته الملكية في نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية. تُظهر النقوش البارزة في قصر آشور بانيپال مشاهد ولائم مركّبة: طهاة يعملون في مطابخ ملكية، مشاوٍ جنادب على أسياخ، نقانق محشوّة في أمعاء، وطاولات مليئة بالفواكه والخضروات. لوحة “حفل الحديقة” الشهيرة تُصوّر الملك يتناول الطعام في بستان مورق، محاطاً بخدم يحملون أطباقاً فاخرة ومراوح (مذابّ) لإبعاد الحشرات.
يوثّق نصب الوليمة للملك أشُّر ناصِر أپلِ الثاني Aššur-nāṣir-apli من القرن التاسع قبل الميلاد احتفالاً استمر عشرة أيام لـ٦٩,٥٧٤ ضيفاً في مدينة كالهُ\كالح (النمورد). النقش يسرد بتفصيل دقيق: عشرة آلاف سمكة، ألف رأس ماشية، أربعة عشر ألف خروف، عشرة آلاف جرّة نبيذ وبيرة. الأرقام ليست للمباهاة فقط، بل تكشف عن منظومة لوجستية متطوّرة لإنتاج الطعام وتخزينه وتوزيعه. مئتا رأس ماشية قُدّمت للإلهة عشتار وحدها، ممّا يُبرز الأهمّية الدينية والاجتماعية للطعام في الحضارة الآشورية.

الأبعاد الدينية: الآلهة والطعام والشعائر
كانت الآلهة البابلية تتطلّب وجبتين يوميتّين في شعائر مركّبة تُسمى «دُلُّ» (تعني “الخدمة” أو “العمل” الشعائري)- وهي كلمة تعني “الخدمة” أو “العمل”. كانت مطابخ المعابد تُعدّ أطباقاً فاخرة من ممتلكات المعبد، وعندما يُجهّز الطعام يُسدل الستار في حين “يأكل” الإله. كان كهنة متخصّصون يؤدون شعائر فتح الفم وغسله (پيت پي و ميس پي) حتى يتمكّن الإله من “الرؤية والأكل”. حملت المعابد نفسها أسماء متعلّقة بالطعام: آنِندَبَدُه (“بيت الوجبات وقرابين الحبوب”)، آبُرَنّنه إيپورانا (“المخزن – أو بيت الجرة السماوية حيث تُعدّ الوجبات”).
كان عيد أكِيتُم 𒀀𒆠𒀉𒌈 (رأس السنة البابلية \ عيد حصاد الشعير á-ki-ti) يُحتفل به على مدى أحد عشر يوماً في الربيع. يتلو الكهنة ملحمة الخلق (إينومه آلِش)، وتُقام شعيرة الزواج المقدّس بين الملك والإلهة عشتار، وتُنظّم ولائم جماعية ضخمة، وتُحمل تماثيل الآلهة في مواكب عبر المدينة. كانت تُخبز أطباق خاصّة للمناسبة: القُلُّپُ 𒄣𒌌𒇻𒁍 (كعك محشو بالتمر، اسمه يأت من الأصل قَلاپُ بمعنى قشّر) يُقدّم للإلهة عشتار، والميرسُ \ المارسُ 𒈨𒅕𒋢 (كعك التمر والفستق المدقوقة أو كعك التمر والزبد) وتُوزّع على المحتفلين.
شكّلت هذه الممارسات الدينية المرتبطة بالطعام نموذجاً استمرّ عبر العصور. الولائم الاحتفالية، الأطباق الشعائرية للمناسبات الدينية، ارتباط أطعمة معينة بأعياد محدّدة – كل هذه العناصر انتقلت إلى التقاليد الإسلامية اللّاحقة، وإن تغيّرت التعبيرات الدينية من التعدّدية إلى التوحيد.

أطباق بابلية ذات سلالة موثّقة حتى اليوم
بعض الأطباق البابلية القديمة تحمل سلالة واضحة حتى العصر الحديث. التُحو \ التُخُّ 𒌅𒄴𒄷 (مرق الشمندر (شُمَّتُ)) مثلاً: لحم خروف، شمندر أحمر، بيرة، جرجير، كراث إيراني، كمّون (كَمونُ)، كزبرة (كَزُو) – هذه الوصفة من ١٧٠٠ قبل الميلاد هي السلف المباشر لطبق الكفتة شوندر الحامض العراقي اليهودي. المارسُ 𒈨𒅕𒋢 (حلوى التمر والسمن) تطوّر إلى الكليجة العراقية الحديثة المقدّمة في الأعياد. القُلُّپُ 𒄣𒌌𒇻𒁍 (الكعك المحشو بالتمر) تحوّل عبر القرون إلى الخشكنانج في العصور الوسطى ثم إلى الكليچة الحديثة.
الأهم هو تقنية “حشو الطعام بالطعام” التي ابتكرها البابليّون. وصفة “فطائر الطيور” من الألواح القديمة تصف كيف يُحشى عصفور صغير بخليط من اللّحم المفروم والأعشاب، ثم يُلف في عجينة، ثمّ يُطبخ في حساء. هذا المبدأ – الحشو داخل حشو داخل طبقة خارجية – هو بالضبط ما نراه في الكبّة الحلبية والدولمة العراقية والمحاشي الشامية والمصرية اليوم. تقول الباحثة نوال نصر الله: {فنّ صنع الكبّة، حشو الطعام بالطعام، يمكن تتبّعه حتّى العصور القديمة}.

الألفية الثانية: بغداد العبّاسية وتوثيق المطبخ الإسلامي
تأسيس بغداد: نقطة تحوّل في تاريخ الطبخ العالمي
عندما أسّس الخليفة العبّاسي أبو جعفر المنصور مدينة بغداد عام ٧٦٢ ميلادية على نهر دجلة، اختار موقعاً استراتيجيّاً في قلب بلاد النهرين – المنطقة نفسها التي شهدت ولادة أقدم وصفات الطبخ البشرية. لم يكن هذا الموقع صدفة: بغداد جمعت بين خصوبة الأرض النهرينية وقربها من طرق التجارة الممتدّة بين الصين والبحر المتوسّط، ونقطة وسط بين الجزيرة العليا والعراق، ممّا جعلها مركزاً طبيعيّاً لتجمّع المكونات والتقنيات الطبخية من جميع أنحاء العالم المعروف.
خلال العصر الذهبي العبّاسي (٧٥٠-١٢٥٨ ميلادية)، تحوّلت بغداد إلى أكبر مركز حضري في العالم بسكّان يقدّرون بمليون نسمة. لم تكن المدينة عاصمة سياسية ودينية فحسب، بل أصبحت مركزاً فكريّاً غير مسبوق: ترجمة العلوم الهلنستية والپهلوية، تأسيس بيت الحكمة، تطوير الرياضيّات والفلك والطب. امتدّ هذا الازدهار الفكري إلى فنون الطهي: لأوّل مرّة في التاريخ، أصبح الطبخ موضوعاً جديراً بالتأليف العلمي والتوثيق الدقيق.
يؤكّد مؤرّخ الطبخ تشارلز پيري حقيقة مذهلة: المتحدّثون بالعربية كانوا “الشعب الوحيد في العالم الذي يكتب كتب الطبخ” من القرن العاشر إلى الثالث عشر. أنتجوا أكثر من ٤,٥٠٠ وصفة موثّقة عبر المخطوطات العربية – أكثر من كلّ اللّغات الأخرى مجتمعة في نفس الفترة. يُظهر هذا الإنتاج الضخم أهمّية الطبخ في مجتمع الإسلام العبّاسي: لم يكن الطعام مجرّد ضرورة بيولوجية، بل فنّاً وعلماً يستحقّ التوثيق والدراسة.

كتاب الطبيخ لابن سيار الورّاق: موسوعة الطبخ الأولى
في القرن العاشر الميلادي، جمع ابن سيّار الورّاق أكثر من ستمئة وصفة من أكثر من عشرين كتاب طبخ سابق في مؤلَّف ضخم عُرف باسم “كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيّبات الأطعمة المصنوعات”. يكشف العنوان البديل الشاعري “كسب محبّة الحبيب وإغناؤه عن الطبيب” عن المفهوم الإسلامي القروسطي للطعام: ليس متعة حسيّة فحسب، بل وسيلة طبّية للحفاظ على الصحّة وتقوية العلاقات الاجتماعية.
لا تكمن أهمّية الكتاب في عدد الوصفات فحسب، بل في منهجيّته العلمية. لم يجمع الورّاق الوصفات عشوائيّاً، بل رتّبها حسب أنواع الأطباق. قسّم الورّاق كتابه إلى 132 باباً، ويمكن تجميع هذه الأبواب تحت التصنيفات الرئيسية (الأقسام) التالية بأسمائها الحقيقية كما وردت في المخطوطة: الأطباق الرئيسية والمُرُق (المطبوخات) وفيها الحوامض والسواذج و المُطجَّنات و المُزوَّرات (الصيامية \ النباتية)، المقبّلات والموالح (البوارض)، المشويات والمخبوزات، الحلويّات (الحلواء والأخبصة)، المشروبات (الأشربة)، الصحّة والنظافة (آداب المائدة). لكلّ وصفة يذكر المصدر الأصلي، وأحياناً ينتقد وصفات سابقة أو يقترح تحسينات. يُشابه هذا النهج العلمي المنهجية المستخدمة في علوم أخرى مثل الطبّ والصيدلة في نفس الفترة.
يُظهر الكتاب استمرارية واضحة مع التقاليد البابلية القديمة: نفس تقنيات التحمير والإمراق، نفس استخدام دهن الألية، نفس توليفات التوابل الأساسية (الكمّون والكزبرة والنعناع)، نفس النباتات العطرية (الكراث والبصل والثوم). لكنّ التطوّر واضح أيضاً: دخلت مكوّنات جديدة من طرق الحرير البرّية والبحرية؛ مثل القرفة والقرنفل وجوزة الطيب من جنوب شرق آسيا، والزنجبيل من زنجبار، والسكّر محلٍّ إضافي للتمر والعسل.
ترجمت الباحثة العراقية نوال نصر اللّه هذا الكتاب إلى الإنگليزية تحت عنوان Annals of the Caliphs’ Kitchens “حوليّات مطابخ الخلفاء” (دار بريل، ٢٠٠٧)، وحازت الترجمة على جائزة گورماند العالمية لأفضل كتاب طبخ مترجم حيث لم تكتفِ نصر الله بالترجمة الحرفية، بل أضافت مسارداً Glossaries شاملة لشرح المصطلحات، وأدوات المطبخ، والمكونات التي اندثرت أو تغيرت أسماؤها. وفتح عملها الريادي أمام الباحثين الغربيّين باباً واسعاً لفهم المطبخ العربي الإسلامي القروسطي، وأثبت أنّ التقاليد الطبخية العراقية تحمل عمقاً تاريخيّاً لا يُضاهى.

كتاب الطبيخ للبغدادي: الطبخ في أواخر العصر الذهبي
في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي (حوالي ١٢٢٦)، ألّف محمد بن الحسن بن محمّد بن الكريم الكاتب البغدادي كتاباً طبخيّاً يُمثّل المرحلة المتأخرة من العصر الذهبي العبّاسي قبل الغزو المغولي. يحتوي الكتاب على ١٦٠ وصفة أصلية، وُسّعت لاحقاً في القرن الخامس عشر على يد الشرواني بطلب من السلاطين العثمانيّين. ترجمه تشارلز پيري تحت عنوان A Baghdad Cookery Book: The Book of Dishes “كتاب طبيخ بغدادي” (دار پروسپيكت، ٢٠٠٥). أشار پيري إلى التوسعات التركية اللّاحقة التي أضافها الشرواني في العصر العثماني، ممّا يجعله مرجعاً يربط بين المطبخ العبّاسي وتطوّره العثماني.
يُظهر الكتاب تطوّراً ملحوظاً في تقنيات الحشو والتحضير المركّب. وصفات الباذنجان المحشو مثلاً تتطلّب مهارة استثنائية: يُفرّغ الباذنجان من الداخل، يُحشى بخليط من اللّحم والتوابل، يُخاط بعناية، ويُطبخ بطريقة تجعله يبدو “كأن لم يحدث له شيء”. هذه التقنية – إخفاء الحشو داخل الخضرة بحيث تبدو كاملة – تتطلّب براعة حرفية لا تزال تميّز الطهاة المهرة في العراق والشام والجزيرة العليا حتّى اليوم.
تستمرّ الوصفات في استخدام المكوّنات والتقنيات الأساسية: المرّي (الصلصة المخمّرة الموروثة من العصور البابلية)، دهن الألية، توليفات الحلو-الحامض (الرمّان والتمر مع الخل)، المُرُق الطويلة الإمراق. تؤكّد الباحثة نوال نصر الله: “بقيت المُرُق عماداً في المطبخ العراقي عبر العصور، والوصفات القروسطية والحديثة تشهد على ذلك”.

الابتكارات البغدادية: دمج التقاليد العربية والإيرانية
لم يكن المطبخ العبّاسي البغدادي مجرّد استعارة من الحضارات المجاورة، بل كان تتويجاً واستمراراً لإرث حضارة وادي النهرين العريق. فالأرز ومبدأ المزج بين الحلو والحامض هما من الجذور الراسخة في المطبخ البابلي والآشوري منذ القدم، ولم يبتدعها الساسانيّون ولا الأشكانيّون ولا السلوقيّون من قبلهم بل ورثوها وطوّروها. قامت الإمبراطورية الساسانية (٢٢٤-٦٥١ ميلادية) بالبناء على هذا الأساس النهريني الغنيّ، وأضافت لمساتها الخاصّة مثل التوسّع في استخدام الزعفران وتطوير آداب المائدة. وعندما جاء الفتح الإسلامي عام ٦٤١ ميلادية، حدث تمازج حضاري استوعب هذه التقاليد الراسخة وأعاد صياغتها ضمن إطار عالمي جديد، لتشكّل ما يعرف بالمطبخ البغدادي الذهبي.
من الأطباق المميّزة التي تُظهر هذا الدمج: السكباج (مرق حامض حلو إيراني الأصل، يعني اسمه حرفيّاً “مرق الخل”) الذي شاع من القرن الثامن، وانتقل لاحقاً إلى إسپانيا المسلمة باسم «إسكابيچي” ثم إلى أمريكا اللّاتينية باسم “سيڤيتشي”. وكذلك أطباق الحليب البيضاء التي تفرّعت لنوعين: المهلّبية (حلوى الحليب ونشا الأرز)، وطبق دجاج الحليب المحلّى «الهريسة» الذي تطوّر إلى الحلوى التركية “طاووق گوسو” وغرب الأوروپية “بلانمانج” التي كانت تُطبخ بالدجاج والسكّر في العصور الوسطى. وأخيراً البنادق (كرات اللّحم، سُميت “البندقة” لشكّلها كما البندق) التي أصبحت “ألبونديگاس” الإسپانية.”
في كتب الطبيخ العباسية (مثل كتاب ابن سيار الورّاق من القرن العاشر)، كانت الهريسة طبقاً فخماً جدّاً يعتمد طهي اللّحم (وخاصّة الدجاج أو الضأن) مع القمح أو الأرز والحليب لساعات طويلة، ثم هرسه جيّداً حتى تذوب ألياف اللّحم تماماً وتختفي داخل المزيج، ليصبح القوام “لصقاً” ومطّاطياً. وفي تلك العصور، ما كان الفصل حادّاً بين “المالح” و”الحلو”. فكانت الهريسة تُرشّ بالسكّر، وماء الورد، والقرفة، وتُؤكل وجبة مغذّية وحلوة في آن واحد. مع مرور الزمن وانتقال الطبق خارج بغداد، انقسمت “الهريسة” إلى مسارين مختلفين تماماً:
- المسار المالح (الشرق): بقي في العالم العربي وإيران والهند باسم “هريسة” (أو حليم)، حيث تخلّت عن السكّر وأصبحت طبقاً مالحاً من اللّحم والقمح المهروس (المعروف في الخليج والشام والعراق).
- المسار الحلو (الغرب وتركيا ووسط آسيا): في الأندلس وغرب أوروپا أخذوا النسخة التي تحتوي على الحليب والسكّر ودقيق الأرز أو النشا، فظهر طبق “Manjar Blanco” (الطعام الأبيض) أو Blancmange الذي احتفظ بالدجاج المهروس داخل الحلوى حتى القرن السابع عشر (ثمّ اختفى الدجاج لاحقاً وبقيت الحلوى). وفي تركيا احتفظ العثمانيّون بالوصفة العبّاسية الأصلية التي تمزج صدر الدجاج المهروس بالحليب والسكر، وهي ما نأكله اليوم باسم طاووق گوسو Tavuk Göğsü.
موقع بغداد على طرق التجارة بين الشرق والغرب أتاح للطهاة الوصول إلى مكوّنات من جميع أنحاء العالم المعروف: الزعفران والفستق والورد من الهضبة الإيرانية وخراسان، زيت الزيتون والسفرجل من بلاد الشام، البطّيخ من سمرقند (الذي كان يُنقل في قوالب من ثلج ورصاص)، والتوابل الثمينة مثل القرفة وجوزة الطيب والقرنفل من الهند وجنوب شرق آسيا. هذا التنوّع الضخم، مضافاً إليه الإنتاج المحلّي الغزير للأرز والتمور في سواد العراق، جعل بغداد مركزاً لتوزيع التوابل والمعرفة الطبخية عبر العالم الإسلامي ومن كان في صفّه.

التأثير الإسلامي: تحوّلات دينية في عادات الأكل
أثّر الإسلام بعمق على عادات الطعام مسيطراً على عواصمها، محافظاً على بعض التقاليد النهرينية القديمة وإن تغيّرت التعبيرات الدينية. حوّلت قوانين الحلال والحرام الممارسات الغذائية جذريّاً: حُرّم لحم الخنزير الذي كان شائعاً في العصور القديمة (خارج العراق)، فُرضت طرق ذبح محدّدة (الذكاة الشرعية)، مُنع الخمر برغم استمرار إنتاج العنب والزبيب وانتشار النبيذ غير المُسكر.
خلق شهر رمضان تقليداً جديداً من الإفطار الجماعي والأطباق الخاصّة. القطايف، المشروبات المحلّاة، المُرُق الغنية – كلّها أصبحت مرتبطة بوقت محدّد من السنة. أصبح عيد الفطر وعيد الأضحى مناسبات لولائم احتفالية تظهر التقاليد البابلية الآشورية القديمة للأعياد الدينية، لكن بمحتوى إسلامي. أصبحت الكليچة العراقية (المتحدّرة من القليپو البابلي المقدّم للإلهة عشتار) حلوى عيد الفطر.
كليجا، كليچه، كليقا، في الأصل كلمة سريانية ترتبط بالديانة المسيحية العربية القديمة، وأديان الشمس العربية التي سبقتها. كليجا في الأصل {كلّيخا} ܟܠܝܟ̰ܐ منحوته من قسمين:
- القسم الأوّل {كلا} ܟܠܐ يعني لفّ شيء حول شيء… وهنا تعني لفّ العجينة حول الحشوة.
- القسم الثاني اللّاحقة ـخا {ܝܟ̰ܐ} وتستخدم في السريانية لاحقة نسبة.
وينبغي التنويه هنا إلى أنّ الحرف ܟ̰ (چ) هو تطوّر متأخّر في اللّهجات الحديثة ولم يكن موجوداً في السريانية القديمة، وكان شكل الكلمة الأصلي ܟܠܝܟܐ. وانتقلت الكلمة من السريانية الشرقية إلى العديد من اللّهجات المشرقية والعربية وعشرات اللّغات الشرقية كذلك. ومن العربية انتقلت إلى الفارسية.
أصبح الحجّ إلى الخطّ الواصل بين دمشق والقدس ومكّة المكرّمة آليّة لنشر المعرفة الطبخية. حجّاج من المغرب وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وأفريقيا يحملون وصفات من بلدانهم إلى مكّة والمدينة، ويعودون بتأثيرات من الحجاز والعراق والشام. نقل التجّار والصوفيّون والعلماء المتنقّلون عبر العالم الإسلامي أيضاً التقاليد الطبخية، لكنّ بغداد والموصل بقيتا مراكز مرجعية نظراً لمكانتهما الحضارية والدينية.

الموصل ونينوى: دور مستمرّ عبر الألفيات
برغم أنّ بغداد طغت على الموصل مركز طبخي في العصر الإسلامي، حافظت نينوى/الموصل على دور هام. كانت نينوى في العصور القديمة عاصمة الإمبراطورية الآشورية (القرون الخمس قبل الإمبراطورية الأخمينية) وموطناً لقصور آشور بانيپال الفاخرة بنقوشها الطبخية المفصّلة. ثمّ في العصر الإسلامي أصبحت الموصل مركزاً تجاريّاً هامّاً على طرق القوافل بين بغداد والشام والأناضول، ممّا جعلها نقطة نقل للتقاليد الطبخية.
اسمها الموصل آت من التسمية العربية للقسم الغربي من المدينة غرب دجلة، إذ قالت العرب أوّلاً «الموصل إلى باعربايا» و «خولان الموصل إلى عربايا» (عربايا هو اسم نينوى عند العرب منذ القرن السابع قبل الميلاد)، ثمّ قالت العرب الحصنين؛ نينوى “الحصن الشرقي” والموصل “الحصن الغربي” فصارت خولان هي الحصن الموصل إلى الحصن الشرقي، ومع الزمن سقطت البقية إلّا «الموصل».
تشتهر الموصل بأطباق خاصة: دولمة الموصل بتنويعات فريدة تميّزها عن الدولمة البغدادية أو الحلبية، كبّة الموصل بطرق حشو مختلفة، أطباق قائمة على الحبوب والبرغل. وكانت الموصل أيضاً جسراً بين التقاليد العربية والتركمانية، مع تأثيرات متبادلة في استخدام الرمّان (يُضاف إلى الدولمة في شمال العراق)، وأطباق الألبان، وطرق الشواء.
جعل هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي من الموصل نقطة توزيع للتقاليد النهرينية شمالاً نحو الأناضول والقوقاز. والعديد من الأطباق التي تُعدّ اليوم “تركية” أو “قوقازية” تحمل في الحقيقة أصولاً موصلية-نهرينية، انتقلت شمالاً عبر طرق التجارة والهجرات السكانية.

انتشار التقاليد العراقية عبر العالم العربي والإسلامي
بزغ فجر فنّ الطهي الإسلامي الرفيع في بغداد إبان القرن العاشر الميلادي. وتُبرز أربع محطّات تاريخية خلال الألفية اللّاحقة كيف انتشر هذا المطبخ في موجات متتابعة، تداخلت مع موروثات طهي أخرى وانصهرت فيها. ويمكن تتبّع مسار هذا الانتشار عبر محاور جغرافية تكشف عن ديناميكية مركّبة من التلاقح الحضاري والتأثير المتبادل.
انتشار شرقاً: إيران وآسيا الوسطى وجنوب آسيا
لم يكن المطبخ العبّاسي نتاج استيرادٍ لثقافة غريبة، بل كان تطويراً لإرثٍ ساسانيّ محلّي كان متجذراً في العراق (حيث كانت “المدائن” عاصمة الأكاسرة) بقي هذا الإرث في مكانه أشكاني قبل الساساني وقبلهما السلوقي بعد الأخميني بعد الآشوري الآرامي. قامت بغداد بصهر هذا الإرث الحضاري العراقي القديم مع التقاليد العربية، لتُشكّل نموذجاً طهويّاً فذّاً أعادت تصديره شرقاً إلى الهضبة الإيرانية وآسيا الوسطى؛ وهو ما يفسّر تشبّع المخطوطات الفارسية اللّاحقة بتقنيات المطبخ البغدادي مثل استخدام التوابل المركّبة والحشو. وعبر الفتوحات وطريق الحرير، انتقلت هذه التقاليد “البغدادية-المسلمة” (مثل الدولمة والكباب والمرق) لتشكّل أساس المطبخ الأوزبكي والأفغاني. كما فعلت قبلاً التقاليد الآرامية النينوية.
في جنوب آسيا، شكّل هذا الموروث الحضاري الذي نضج في العراق حجر الزاوية للمطبخ المغولي الهندي (القرن 16). فالبرياني وتقنيات الطهي البطيء هي امتداد للمائدة البغدادية-الخراسانية المشتركة. ويشهد المعجم اللّغوي على رحلة هذه الأطباق؛ فكلمة “پُلاو” (التي تُلفظ “پلو” في آسيا الوسطى للإشارة إلى ولائم الأرز الكبرى المطبوخة في القدور العملاقة خارج المنزل، في حين يُسمى “أوش” داخل البيت) انتقلت لتصبح “بولاو” في الهند. أمّا “كباب” فهي ذات جذر عروبي عريق، و”السمبوسة” تعريب لـ “سنبوسگ” التي زيّنت موائد العبّاسيّين.
انتشار غرباً: الشام ومصر والمغرب العربي
حافظت دمشق وحلب على العديد من الأطباق البغدادية الأصلية، وأصبحتا مراكز طبخية ثانوية. كتاب الطبخ السوري المجهول من القرن الثالث عشر “كتاب الوصلة إلى الحبيب” يحتوي على ٦٠٠-٧٠٠ وصفة، ويُظهر الحفاظ على التقاليد البغدادية مع تكييفات محلّية. يُعدّ هذا الكتاب، الذي ترجمه تشارلز پيري عام ٢٠١٧ إلى الإنگليزية، أشهر كتاب طبخ قروسطي لكثرة نسخه المحفوظة واستخدامه الواسع.
في مصر يُظهر كتاب الطبخ من القرن الرابع عشر “كنز الفوائد في تنويع الموائد” تأثير بغداد مع تعديلات مصرية، محتوياً على أكثر من ٧٥٠ وصفة. ترجمته نوال نصر الله عام ٢٠١٨ إلى الإنگليزية، ويؤكّد استمرار النفوذ الطبخي العراقي حتّى العصر المملوكي. تُظهر الوصفات المصرية تكيّفاً مع المكوّنات المحلّية (كثرة استخدام الدجاج بدل الخروف، البامية والملوخية المصرية)، لكنّ التقنيات الأساسية والتوابل بقيت عراقية-بغدادية.
وفي المغرب العربي، لم يقتصر التأثير البغدادي على الحلويّات والأطباق المحشوّة، بل شمل أصول العجائن أيضاً. فالكسكس، في جذره التاريخي، يُرجّح أنّه “المُقَصْقَص” العربي الذي ولدت تقاليده في بابل قبل الإسلام بعشرات القرون، وحافظ على استمراريّته في العراق وجواره تحت مسمى “الرِشتاية” أو “الرِشدة” (العجين المقطوع). وحين انتقل هذا الإرث غرباً، خضعت التسمية والتقنية لانزياح دلالي ووظيفي؛ فتحوّل من رقائق العجين المقصوصة إلى حبيبات الطحين المفتولة باليد. ويُعدّ كتاب ابن رزين التجيبي “فضالة الخوّان” (القرن 13) وثيقة هامة تظهر هذه التقاليد الأندلسية-المغاربية التي تستبطن في جوهرها أصولاً مشرقية عريقة.
الأندلس: قناة نقل المطبخ العربي إلى أوروپا الغربية
كانت الأندلس (٧١١-١٤٩٢ ميلادية) القناة الرئيسة لنقل المطبخ العربي إلى غرب أوروپا بعد الإسلام. انتقلت مكوّنات أساسية غيّرت الطبخ غرب الأوروپي: السكّر (من قصب السكّر العربي)، الأرز، اللّوز، التوابل (الزعفران، القرفة، الزنجبيل، القرنفل)، الحمضيّات (اللّيمون، البرتقال الحامض)، الباذنجان. انتقلت تقنيات: حليب اللّوز في الأدم والصباغات، المزج بين الحلو والمالح (ما سمّاه المؤرّخون غرب الأوروپيّون “الذوق القروسطي”)، التوابل الكثيفة، المعجّنات المطبّقة.
من بين الأطباق العربية في أوروپا الغربية، يبرز مسار تحضير السمك إرث انتقل حصراً عبر موجات الهجرة اليهودية السفاردية. إذ تبنّى اليهود في الأندلس طبق “السكباج” (اللّحم أو السمك المطهو بالخل) وطوّروه إلى “إسكابيچي” Escabeche لضرورة دينية بحتة؛ إذ يُحرّم عليهم الطهي يوم السبت (الشابات)، فكان الخلّ وسيلة مثالية لحفظ الطعام ليُؤكل بارداً في اليوم التالي. وللسبب ذاته، طوّروا تقنية “السمك المقلو المغطّى بالعجين” Pescado Frito؛ حيث تعمل طبقة العجين غلاف عازل يحفظ طراوة السمك ونكهته عند تناوله بارداً. وفي عقب مراسيم الطرد من إسپانيا القوطية (1492)، حمل المهاجرون اليهود هذه الوصفة معهم إلى إنگلترا في القرن السابع عشر، حيث كان الباعة اليهود يبيعونه في شوارع لندن، قبل أن يُدمج لاحقاً مع البطاطا ليشكّل الطبق الوطني البريطاني “فيش آند تشيپس”.
تكشف الأدّلة اللّغوية عمق التأثير: شربات (شراب) إلى شربيت وسوربيه، جلّاب (ماء الورد) إلى جوليپ، الخرشوف والسبانخ والزعفران – كلّها من أصول عربية. حتى كلمة “سُكّر” نفسها عربية، دخلت كلّ اللّغات الأوروپية من العربية. بما فيها القندي (أي المغلّف بالسكّر )المقنّد، صارت كاندي.

الألفية الثالثة: الاستمرارية في المطبخ المعاصر
تُظهر الدراسات المعاصرة استمرارية استثنائية للتقاليد النهرينية-البغدادية في المطبخ العربي والإسلامي الحديث. تقول نوال نصر الله: “عندما بحثت محتويات هذه الألواح، فوجئت جدّاً بالتشابهات بين ما يطبخه العراقيّون اليوم وما طُبخ في العصور القروسطية والنهرينية القديمة. عدد هائل من الأطباق مشابه لما نطبخه اليوم”. وتضيف: “جعلتني هذه المصادر أرى نمطاً من الاستمرارية في الممارسات الطبخية عبر آلاف السنين – رؤية فريدة لا يمكن مواجهتها في مطابخ عالمية أخرى – ربّما بسبب نقص الأدلة”.
أطباق معاصرة بسلالة موثّقة من بلاد النهرين وبغداد
الدولمة (الخضروات المحشوّة): تحتوي كتب الطبخ العربية القروسطية (القرن ١٠-١٣) على وصفات مفصّلة للباذنجان المحشوّ وخضروات أخرى. فنّ الحشو يعود إلى “فطائر الطيور” البابلية من ١٧٠٠ قبل الميلاد. تقول نصر الله: “اليوم، في العالم العربي وخاصّة في العراق، نفخر بالأطباق المحشوّة كالدولمة”. تنويعات الدولمة اليوم منتشرة في العراق وتركيا وإيران واليونان وأرمينيا وعبر العالم العربي، باستخدام ورق العنب والملفوف والكوسا والباذنجان والفلفل والطماطم.
الحمّص: يُعدّ الحمّص بالطحينة تطويراً لطبق تراثي وُثّق في كتاب الطبخ المصري المملوكي “كنز الفوائد في تنويع الموائد” (القرن 14) تحت اسم “حِمّص القصعة”، نسبةً لهرسه يدوياً في قصعة معدنية مخصّصة لذلك. وتختلف تلك الوصفة القروسطية جذرياً عن النسخة المعاصرة؛ إذ كانت تدمج الخلّ (بدلاً من عصير اللّيمون) مع الكراويا والقرفة والجوز، قبل أن يميل الذوق العام لاحقاً في بلاد الشام إلى التبسيط واستخدام اللّيمون وزيت الزيتون. أوّل وصفة حديثة (١٨٨٥) في كتاب طبخ لبناني؛ بالإضافة إلى أنّ كتاب طبخ عراقي “وصفات من بغداد” (١٩٤٦) يحتوي على وصفات حمّص.

الكبّة: تُعد الكبّة التجسيد الأرقى لتقنية ‘الدقّ’ النهرينية القديمة (حيث كان الهاون هو سيّد المطبخ)، وتشتقّ لغويّاً من الجذر العروبي الذي يفيد التكوير (إلى اليوم كُبّة في ليبيا واليمن معناها كرة). وفي حين حفلت كتب الطبيخ العبّاسي بوصفات اللّحم المدقوق والمكوّر (المُدقّقة والبندقية)، فإنّ الكبة بصورتها الحالية (غلاف محشو من البرغل واللّحم) هي تطوّر لاحق ومركّب لهذه الفنون. ويُعدّ العراق موطنها بلا منازع، وتتنوع أشكالها بتنوع جغرافياه:
- الكبّة الموصلية: سيّدة الكبب، وتتميّز بقرصها الكبير الرقيق الذي يتطلّب مهارة فرد استثنائية، و عادةً تُسلق.
- كبّة الحامض (كبّة شلغم): وهي كبّة جريش تُطبخ في حساء كثيف من السلق واللّفت، وتعدّ وجبة شتوية أساسية.
- كبّة الرز (المعروفة في العراق بكّبة حلب): وهي ابتكار حلبي فريد يستبدل البرغل بعجين الرز، وتتميّز بلونها الأصفر الذهبي وقرمشتها العالية.
- كبّة حمص: وهي الكبّة المشويّة في دمشق، قِباب محشوّة باللّحم ودهن الإلية والشحمة والرمّان، تتميّز بحجمها الصغير وحموضة الرمّان.
- الكبّة النابلسية: كبّة أقراص مكوّزة ملقوّة بالزيت الحامي على طريقة نابلس الفلسطينية، وكانت تعدّ من مكوّنات الوجبات السريعة ما بين القرنين ١٩ و ٢٠.
المُرُق (اليخنات): ألواح بلاد النهرين (١٧٠٠ قبل الميلاد) تحتوي على أربع وعشرين وصفة مرق. تقول نصر الله: “بقيت المُرُق عماداً في المطبخ. تشهد الوصفات العراقية القروسطية والحديثة على ذلك”. العنصر الأساسي العراقي اليومي: “تمّن و مرقة” (أرز ومرق)، بتقنيات تحضير غير متغيّرة منذ آلاف السنين.
البقلاوة: في حين عرفت بغداد العّباسية (القرن 10-13) سلفاً أوّليّاً لهذا الطبق باسم ‘اللّوزينج’ بنوعيه: ‘المغرّق’ (المشبع بالقطر) و’اليابس’ (الشبيه بالمرصبان)، إلّا أنّ الهوية النهائية للطبق واسمه الحالي هما نتاج تطوّر تاريخي ولغوي تركي خالص. فكلمة ‘بقلاوة’ Baklava تعود في أصلها للجذر التركي باق Baq الذي يفيد التكديس والتطبيق، وتفكيكها المورفولوجي (باق+لا+ڤا) يعني حرفيّاً: ‘الشيء المُكدَّس في طبقات’؛ حيث تحوّل اللّاحقة (لا) الاسم إلى فعل، واللّاحقة (ڤا) الفعل إلى اسم المفعول أو النتيجة.

تاريخيّاً، بزغت تقنية العجين المرقق في شرق وسط آسيا (القرن الثامن)، ووُثّقت عربيّاً لأوّل مرّة في ‘ديوان لغات الترك’ للكاشغري (1073م)، كما شرحت المخطوطات الأويغورية وصفاتها المبكرة. وقد انتقل الاسم بصيغة ‘باقلاق’ عبر المغول (مخطوطة ‘شيني كاباب’، القرن 13)، ليحملها السلاجقة معهم إلى غرب آسيا. وفي عام 1473م، سجّل كتاب ‘النفائس في الأطعمة’ العثماني البقلاوة إحدى ركائز الحلويّات السلطانية، ومن إسطنبول أعاد العثمانيّون نشرها في العالم العربي لتندمج مع إرث اللّوزينج القديم.
الكليچة (كعك التمر): كلمة من أصل سريانية {كلّيخا} ܟܠܝܟ̰ܐ، مكوّنة من {كلا} ܟܠܐ (لفّ العجينة حول الحشوة) واللاحقة {ـخا} للنسبة. انتقلت الكلمة من السريانية الشرقية إلى اللّهجات العربية المشرقية ومنها إلى الفارسية. معجّنات محشوّة بالتمر تُخبز في التنّور. وكعكة عراقية وطنية حديثة، تُقدّم في الأعياد الإسلامية.
المسگوف (السمك المشوي): يعود إلى العصور الأگدية والسومرية (بلاد النهرين القديمة). التحضير التقليدي غير متغيّر: سمك من نهر دجلة، متبّل بالتمر الهندي والكركم والملح وزيت الزيتون، مشوي مسقوفاً على الأسياخ حول النار، فلا ينهار دهن السمك إلى النار ولا يتكحّل لحم السمك بهُباب الفحم والدهن المحترق. وهذا هو الطبق الوطني العراقي.

العوامل المساهمة في الاستمرارية الطبخية
العوامل الجغرافية والبيئية
تطرح الاستمرارية الطبخية الاستثنائية في العراق والعالمين العربي والإسلامي سؤالاً محوريّاً: كيف بقيت أطباق ومكوّنات وتقنيات معيّنة حيّة عبر أربعة آلاف عام برغم تعاقب الإمبراطوريّات وتغيّر الأديان والثقافات؟ تكشف الأدلّة التاريخية والأثرية عن منظومة معقّدة من العوامل الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والدينية التي تضافرت لحماية هذا الإرث الطبخي ونقله عبر الأجيال.
يقف العامل الجغرافي في صدارة هذه المنظومة، إذ وفّرت بلاد النهرين منذ فجر التاريخ بيئة زراعية استثنائية لم تتغيّر جوهريّاً عبر الألفيّات. فنهرا دجلة والفرات، بفيضانهما الموسمي المنتظم، خلقا سواد العراق (النبط) الخصب الذي أنتج نفس المحاصيل الأساسية منذ العصر البابلي حتّى اليوم. ظلّ القمح والشعير والتمر والبصل والثوم والكرّاث محاصيل رئيسية لأربعة آلاف عام، لأنّ المناخ والتربة بقيا ملائمين لزراعتها. وعندما تستمرّ المكوّنات الأساسية نفسها في الإنتاج المحلّي، تستمرّ معها الأطباق التقليدية التي تعتمد عليها. الأمر ذاته ينطبق على الثروة الحيوانية؛ فالخراف ظلّت الحيوان الأساسي للّحم في المنطقة، وبقي دهن الألية هو الدهن المفضّل للطبخ منذ العصور البابلية، ممّا حافظ على النكهات الأساسية للأطباق التقليدية.
يرتبط بالعامل الجغرافي عامل الموقع الاستراتيجي الذي جعل بلاد النهرين، ولاحقاً بغداد، نقطة تقاطع لطرق التجارة العالمية. لم يكن هذا الموقع مجرّد نقطة عبور للبضائع، بل كان مركز استقبال وتوزيع ودمج للمعارف الطبخية من جميع أنحاء العالم المعروف. وعندما وصلت التوابل الآسيوية مثل القرفة والقرنفل وجوزة الطيب إلى بغداد في العصر العبّاسي، لم تُستخدم عشوائيّاً، بل دُمجت ضمن منظومة التوابل التقليدية الموروثة من بلاد النهرين القديمة. هكذا تطوّر المطبخ دون أن يفقد جوهره؛ إضافة مكوّنات جديدة لم تلغِ التقنيات الأساسية ولا توليفات النكهات التقليدية، بل أغنتها وعمّقتها.
التوثيق والنقل المعرفي
يشكّل التوثيق الكتابي المبكّر والمستمرّ عاملاً حاسماً آخر في الحفاظ على الاستمرارية. عندما نقش البابليّون وصفاتهم على ألواح طينية حوالي عام ألف وسبعمئة قبل الميلاد، لم يكونوا يسجّلون مجرّد قوائم مكوّنات، بل كانوا يوثّقون تقنيات وأساليب طبخ دقيقة. خلق هذا التوثيق المبكّر تقليداً استمرّ عبر العصور؛ الوصفات المكتوبة تُحمى من التشويه والنسيان بطريقة لا يمكن للنقل الشفوي وحده أن يضمنها. وعندما جاء ابن سيّار الورّاق في القرن العاشر الميلادي وجمع أكثر من ستمئة وصفة من عشرين كتاباً سابقاً، كان يحفظ إرثاً طبخيّاً متراكماً ومتّصلاً. لم يقتصر التوثيق على الوصفات فحسب، بل شمل أيضاً التقنيات والأدوات والآداب، ممّا خلق نظاماً معرفيّاً كاملاً يمكن نقله عبر الأجيال دون خسارة جوهرية للمعلومات.
تؤدّي الممارسات الأسرية والنقل بين الأجيال دوراً لا يقلّ أهمّية عن التوثيق الكتابي. في المجتمعات العربية والإسلامية التقليدية، كان الطبخ مهارة تُنقل من الجدّات إلى الأمّهات إلى البنات عبر المشاركة الفعلية في المطبخ، لا عبر القراءة فقط. حافظ هذا النقل الحيّ للمعرفة الطبخية على تفاصيل دقيقة لا يمكن للكتابة وحدها أن تنقلها؛ كيف تُقدّر كمّية الملح “بالحسّ”، متى يكون اللّحم “محمّراً بما فيه الكفاية”، كيف يُعرف أنّ المرق “نضج” من رائحته وقوامه. حافظت هذه المعرفة الحسّية والحدسية، المنقولة عبر الممارسة المباشرة، على نكهات الأطباق التقليدية بدقّة تفوق أيّ وصفة مكتوبة.
يضاف إلى ذلك أنّ المطبخ في الثقافة العربية والإسلامية لم يكن مجرّد وسيلة لإعداد الطعام، بل كان مساحة تربوية واجتماعية مركزية. كانت الفتيات تتعلّمن الطبخ جزء أساسي من تحضيرهنّ للحياة الزوجية والأسرية، والجدّات كنّ ينقلن ليس فقط الوصفات، بل أيضاً القصص والذكريات المرتبطة بكلّ طبق. خلق هذا الربط العاطفي بين الطعام والذاكرة الأسرية دافعاً قويّاً للحفاظ على الأطباق التقليدية؛ طبخ دولمة الجدّة أو كبّة الأمّ لم يكن مجرّد إعادة إنتاج وصفة، بل كان استحضاراً للذاكرة والانتماء.
الدين والممارسات الشعائرية
على الصعيد الديني، أدّى الإسلام دوراً مزدوجاً في الحفاظ على التقاليد الطبخية وتطويرها. من جهة، حافظ على بعض الممارسات القديمة برغم تغيير إطارها الديني؛ الولائم الاحتفالية الكبرى التي كانت جزءاً من الشعائر البابلية والآشورية استمرّت في الإسلام لكن في سياق عيد الفطر وعيد الأضحى. وظلّت أطباق معيّنة مرتبطة بمناسبات دينية محدّدة؛ الكليچة التي كانت تُقدّم للإلهة عشتار في العصور القديمة أصبحت حلوى العيد الإسلامي، محافظةً على نفس التقنية والمكوّنات الأساسية برغم تغيّر المعنى الديني.
من جهة أخرى، خلق الإسلام تقاليد طبخية جديدة عزّزت الاستمرارية. شهر رمضان، بإفطاراته الجماعية اليومية، أصبح مناسبة سنوية لتحضير الأطباق التقليدية ونقل المعرفة الطبخية بين الأجيال. المُرُق الغنية التي تُحضّر للإفطار تتطلّب ساعات من التحضير، ممّا يعني أنّ الأمّهات والجدّات يقضين وقتاً طويلاً مع بناتهنّ في المطبخ، ناقلات المعرفة الطبخية بشكل مكثّف. كذلك، خلق الحجّ إلى مكّة آليّة لتبادل المعرفة الطبخية عبر العالم الإسلامي؛ الحجّاج من المغرب وآسيا الوسطى وجنوب آسيا كانوا يحملون وصفات من بلدانهم ويعودون بتأثيرات من الحجاز والعراق والشام، ممّا خلق شبكة واسعة لانتشار التقاليد الطبخية وتعزيزها.
كما أنّ قوانين الحلال والحرام في الإسلام، برغم أنّها غيّرت بعض الممارسات الغذائية جذريّاً، إلّا أنّها في الوقت ذاته خلقت استمرارية في نوع اللّحوم المستخدمة. تحريم لحم الخنزير دفع المسلمين للاعتماد بشكل شبه كامل على لحم الخروف، وهو اللّحم نفسه الذي كان أساسيّاً في المطبخ البابلي والآشوري. هكذا، برغم التغيير الديني الكبير، بقي نوع اللّحم الأساسي ثابتاً، ممّا حافظ على نكهات الأطباق التقليدية. كذلك، فرضت طرق الذبح الشرعية معايير موحّدة لتحضير اللّحوم عبر العالم الإسلامي، ممّا خلق تماثلاً في جودة ونكهة اللّحوم المستخدمة في الطبخ.
الهوية والبُعد الاجتماعي
يتداخل مع العامل الديني عامل الهوية الجماعية والفخر الثقافي. ففي عصور الصراع والتغيير السياسي، أصبح الطعام التقليدي رمزاً للانتماء والاستمرارية الحضارية. عندما تعرّضت بغداد للغزو المغولي عام ألف ومئتين وثمانية وخمسين، لم تُمحَ التقاليد الطبخية برغم الدمار الضخم، بل حُفظت في الذاكرة الجماعية وأُعيد إحياؤها لاحقاً. أصبح الطعام التقليدي وسيلة للمقاومة الثقافية، طريقة للإصرار على استمرار الهوية برغم التغييرات السياسية والعسكرية. دفع هذا الفخر الثقافي بالمطبخ التقليدي العائلات للحفاظ على الوصفات القديمة ونقلها بدقّة، لأنّها أصبحت رموزاً للانتماء الحضاري.
كما لعبت المناسبات الاجتماعية والاحتفالات دوراً محوريّاً في الحفاظ على الأطباق التقليدية. الأعراس والختان والعزاء وولادة الأطفال وغيرها من المناسبات الاجتماعية الكبرى كانت تتطلّب تحضير أطباق تقليدية محدّدة، وكان أيّ انحراف عن هذه التقاليد يُعدّ خرقاً للأعراف الاجتماعية. خلق هذا الضغط الاجتماعي للمحافظة على الأطباق التقليدية في المناسبات الهامّة آليّة قويّة لنقل الوصفات عبر الأجيال. كانت المرأة التي لا تعرف كيف تحضّر دولمة الزواجات أو كبّة العزاء تواجه نقداً اجتماعياً، ممّا دفع الأمّهات لتعليم بناتهنّ هذه الأطباق بدقّة.
تضاف إلى كلّ ذلك صعوبة الأطباق التقليدية نفسها عامل للحفاظ عليها. أطباق مثل الكبّة والدولمة ليست سهلة التحضير؛ تتطلّب مهارة يدوية عالية، وصبراً، ووقتاً طويلاً، ومعرفة دقيقة بالتقنيات. هذا التعقيد جعلها مميّزة وذات قيمة اجتماعية عالية. كانت المرأة الماهرة في صنع الكبّة الرقيقة تحظى بالاحترام والتقدير، ممّا خلق دافعاً للفتيات لتعلّم هذه المهارات بإتقان. كذلك، صعوبة التحضير جعلت هذه الأطباق مرتبطة بالمناسبات الخاصّة والاحتفالات، ممّا عزّز قيمتها الرمزية والاجتماعية.
دور النُّخب والشبكات التجارية
ولا يمكن إغفال دور الطبقة الحاكمة والنخب الاجتماعية في الحفاظ على التقاليد الطبخية وتطويرها. في العصر العبّاسي، كان الخلفاء والوزراء يتنافسون في تقديم ولائم فخمة، ممّا دفع الطهاة المحترفين لتطوير مهاراتهم وتوثيق وصفاتهم. هذا الرعاية الملكية للطبخ رفعته من مجرّد حرفة عادية إلى فنّ وعلم يستحقّ الدراسة والتوثيق. كُتب الطبخ العبّاسية كُتبت أساساً لبلاطات الخلفاء والوزراء، لكنّها حفظت بذلك تقاليد طبخية كانت ستُنسى لو بقيت شفوية فقط. ومع مرور الزمن، انتشرت هذه الأطباق الملكية إلى الطبقات الأوسط ثمّ الشعبية، لكنّها حافظت على تقنياتها الأساسية.
يُضاف إلى كلّ ما سبق عامل النزوح والهجرة الذي أدّى دوراً معقّداً في الحفاظ على التقاليد الطبخية. عندما هاجر العراقيّون والشوام وأبناء الجزيرة العليا إلى مناطق أخرى، سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه، حملوا معهم تقاليدهم الطبخية وسيلة للحفاظ على هويّتهم في الغربة. اليهود العراقيّون في المهجر، مثلاً، حافظوا على أطباق مثل التُّبيت والكفتة شوندر الحامض بدقّة استثنائية، لأنّها أصبحت رموزاً للذاكرة والانتماء. و أصبحت المطاعم العراقية في المهجر مراكز ثقافية تحفظ الوصفات التقليدية وتنقلها للأجيال الجديدة.
كذلك ساهمت الشبكات التجارية في نقل التقاليد الطبخية وتعزيزها. التجّار الذين كانوا يتنقّلون بين بغداد ودمشق والقاهرة والموصل لم يكونوا ينقلون البضائع فقط، بل أيضاً المعرفة والأذواق. عندما يتذوّق تاجر شامي طبقاً بغدادياً مميّزاً، يحمل وصفته إلى دمشق حيث يطلب من طهاته تقليده. هكذا انتشرت الأطباق عبر المدن، لكنّها حافظت على جوهرها برغم التكيّفات المحلّية. كما أنّ تجّار التوابل لعبوا دوراً حاسماً في توفير المكوّنات الضرورية للأطباق التقليدية؛ استمرار توفّر القرفة والقرنفل وجوزة الطيب سمح باستمرار الأطباق التي تعتمد عليها.
التكيّف والاستمرار
على صعيد آخر، ساهم المناخ الجافّ في بلاد النهرين والشام في الحفاظ على تقنيات حفظ الطعام التقليدية التي بقيت ضرورية عبر العصور. التجفيف والتمليح والتخليل كانت تقنيات أساسية في العصور القديمة، واستمرّت حتّى العصر الحديث. المرّي (الصبغة المخمّرة البابلية) تطوّر إلى المخلّلات العربية المتنوّعة، والتمور المجفّفة ظلّت مادّة أساسية للتحلية والحفظ. لم تكن هذه التقنيات القديمة مجرّد وسائل حفظ، بل أصبحت جزءاً من نكهات الأطباق التقليدية نفسها.
يكتمل هذا المشهد المعقّد بعامل المرونة والتكيّف الذي سمح للتقاليد الطبخية بالبقاء برغم التغييرات. لم تكن الاستمرارية الطبخية جموداً، بل كانت قدرة على التطوّر مع الحفاظ على الجوهر. عندما دخلت الطماطم من العالم الجديد في القرن السادس عشر، أُضيفت إلى الدولمة والمُرُق دون أن تلغي التقنيات الأساسية. وعندما أصبحت البطاطا متاحة، دُمجت في بعض الأطباق لكن دون أن تحلّ محلّ المكوّنات التقليدية الأساسية. سمحت هذه المرونة للمطبخ بالتطوّر مع الزمن دون أن يفقد هويّته.
وأخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى دور الذائقة نفسها عامل في الاستمرارية. توليفات النكهات التي طوّرها البابليّون القدماء – المزج بين الحلو والحامض، استخدام الكمّون والثوم والكزبرة معاً، تقنية التحمير ثم الإمراق – أثبتت نجاحاً استثنائياً في خلق أطباق لذيذة ومشبعة. جعل هذا النجاح الحسّي الناس يستمرّون في تحضير هذه الأطباق جيلاً بعد جيل، لا لمجرّد التقليد، بل لأنّها ببساطة لذيذة. الذائقة الشعبية، في نهاية المطاف، هي الحكم النهائي على بقاء أو اندثار أيّ طبق، والأطباق النهرينية-البغدادية أثبتت قدرتها على إرضاء الأذواق عبر آلاف السنين.
هكذا، تتضافر هذه العوامل المتعدّدة – الجغرافيا، الموقع الاستراتيجي، التوثيق الكتابي، النقل الأسري، الدين، الهوية الثقافية، المناسبات الاجتماعية، التعقيد التقني، الرعاية الملكية، الهجرة، الشبكات التجارية، تقنيات الحفظ، المرونة التكيّفية، والنجاح الحسّي – لخلق منظومة استثنائية من الاستمرارية الطبخية. ولا يمكن لعامل واحد من هذه العوامل أن يفسّر وحده كيف بقيت أطباق معيّنة حيّة لأربعة آلاف عام، لكنّ تفاعلها المعقّد والمتبادل خلق نظاماً قويّاً لحماية التقاليد الطبخية ونقلها عبر الأجيال، برغم كلّ التغييرات الهائلة التي شهدتها المنطقة على الصعد السياسية والدينية والاجتماعية.

المفارقة التاريخية: من حرص القراءة إلى ضعف الصلة
حين كانت كتب الطبيخ البغدادية تُقرأ في كلّ بيت
يكشف الانتشار الواسع للمطبخ العبّاسي البغدادي عبر العالم الإسلامي عن ظاهرة حضارية لافتة: لم تكن كتب الطبخ مجرّد مصنّفات نخبوية محصورة في قصور الخلفاء والوزراء، بل كانت تُنسخ وتُقرأ وتُطبّق في بيوت الأسر الميسورة من دمشق إلى القاهرة إلى قرطبة إلى سمرقند إلى كاشغر. تشهد المخطوطات المحفوظة في مكتبات العالم على هذا الحرص الاستثنائي؛ نسخ متعدّدة من كتاب الطبيخ للبغدادي وُجدت في الأندلس ومصر والشام، وكتاب الطبيخ لابن سيّار الورّاق نُسخ مرّات عديدة عبر القرون، ممّا يدلّ على طلب مستمرّ عليه.
لم يكن هذا الحرص على نسخ الكتب وقراءتها نابعاً من فضول عابر، بل كان تعبيراً عن منظومة ثقافية متكاملة جعلت المعرفة الطبخية جزءاً أساسيّاً من الحياة المتحضّرة. كانت الأسرة التي تمتلك نسخة من كتاب طبخ بغدادي تُعدّ أسرة مثقّفة ومتطلّعة تعيش حياة صحّيّة، والمرأة التي تستطيع قراءة الوصفات وتطبيقها تحظى بمكانة اجتماعية مرموقة. أصبح الطبخ الجيّد علامة على التمدّن والرقي، وكتب الطبخ البغدادية كانت المرجع الأساسي لتحقيق هذا التمدّن.
يُظهر هذا الحرص على القراءة والتطبيق أنّ المسلمين في تلك العصور، ولا سيّما العرب، كانوا يدركون أهمّية المعرفة المكتوبة، ولم يقتصروا على نقل الوصفات شفهيّاً بين الأجيال. كانت الكتابة والقراءة والتطبيق منظومة واحدة متكاملة؛ الطاهي الماهر لا يكتفي بما تعلّمه من أمّه أو جدّته، بل يسعى لقراءة كتب الطبخ ليتعلّم وصفات جديدة وتقنيات مبتكرة. خلق هذا الحراك الثقافي حول الطبخ ديناميكية تطويرية مستمرّة؛ كلّ جيل يُضيف ابتكاراته الخاصّة لكنّه يحافظ على الأسس الموثّقة في الكتب.
كانت بغداد، بوصفها عاصمة العلم والمعرفة في العصر الذهبي العبّاسي، المصدر الأوّل للمعرفة الطبخية الموثوقة. وعندما يصدر كتاب طبخ من بغداد، كان التجّار والحجّاج والعلماء يحملونه إلى بلدانهم، حيث يُنسخ ويُقرأ بشغف. ولم يكن هذا الاهتمام بكتب الطبخ البغدادية منفصلاً عن الاهتمام العامّ بالعلوم والمعارف الصادرة من بغداد؛ فكما كانت كتب الطبّ والفلك والرياضيّات البغدادية تُدرّس في جامعات قرطبة والقاهرة، كانت كتب الطبخ البغدادية تُطبّق في مطابخ هذه المدن. لم تكن بغداد مجرّد عاصمة لخلافة دينية، بل كانت قيادة حيّة لكلّ مسالك الحياة.
انحسار الصلة بالمعرفة المكتوبة اليوم
تُظهر مقارنة بسيطة بين الماضي والحاضر مفارقة لافتة: برغم أنّ الأطباق البغدادية القديمة لا تزال تُحضّر في كلّ بيت عربي، فإنّ قلّة قليلة اليوم تعرف مصدرها التاريخي أو تقرأ عن جذورها الحضارية. انقطعت الصلة بين الممارسة الطبخية اليومية والمعرفة التاريخية المكتوبة عنها. تُحضّر الجدّة الدولمة أو المحاشي بإتقان، لكنّها لا تعرف أنّ هذا الطبق يعود إلى فكرة “فطائر الطيور” البابلية من ألف وسبعمئة قبل الميلاد. يفتخر العراقي بالمسگوف، لكنّه لا يدرك أنّ تقنية تحضيره موثّقة في النقوش السومرية.
لا يقتصر هذا الانفصال على المعرفة التاريخية فحسب، بل يشمل أيضاً ضعف الحرص على قراءة كتب الطبخ المعاصرة وتطبيق ما فيها بدقّة. في العصور الإسلامية الوسطى، كان امتلاك كتاب طبخ والعمل بوصفاته علامة على التحضّر والتطلّع، أمّا اليوم فقد أصبح الطبخ يُنقل شفهيّاً بشكل شبه كامل من الأمّهات إلى البنات مع تحويرات مستمرّة نتيجة النسيان، دون رجوع إلى مصادر مكتوبة. تقول الأمّ لابنتها: “ضعي كمّية ملح بالحسّ”، دون أن تُحدّد لها المقادير الدقيقة أو تشرح لها المبادئ العلمية وراء التقنية.
يمكن أن نفترض عدّة أسباب لهذا التراجع في الحرص على القراءة والمعرفة المكتوبة حول الطبخ:
ضعف ثقافة القراءة العامّة
أوّلاً، يظهر ضعف الصلة بكتب الطبخ تراجعاً عامّاً في ثقافة القراءة في العالم العربي المعاصر. في العصر الذهبي العبّاسي، كانت القراءة نشاطاً اجتماعيّاً محترماً، وكان امتلاك الكتب ونسخها علامة على المكانة الاجتماعية الرفيعة. كانت المكتبات الخاصّة تُعدّ كنوزاً أسرية تُورّث عبر الأجيال، وكان العلماء والتجّار يتباهون بعدد الكتب التي يمتلكونها. انحسر هذا التقليد تدريجيّاً عبر القرون، خاصّة مع التحوّلات السياسية والاقتصادية التي أضعفت دور الكتاب في الحياة اليومية.
في العصر الحديث، برغم انتشار التعليم وارتفاع نسب محو الأمّية، يظلّ معدّل القراءة في العالم العربي متدنّياً مقارنة بمناطق أخرى من العالم. إحصائيات اليونسكو تُظهر أنّ المواطن العربي يقرأ في المتوسّط أقلّ من كتاب واحد في السنة، مقارنة بأكثر من عشرة كتب للمواطن غرب الأوروپي. ينعكس هذا التراجع العامّ في ثقافة القراءة بطبيعة الحال على كلّ مجالات المعرفة، بما في ذلك الطبخ. إذا كان الناس لا يقرؤون الكتب بشكل عامّ، فكيف نتوقّع منهم أن يقرؤوا كتب الطبخ؟
تهميش الطبخ بوصفه معرفة أكاديمية
ثانياً، أدّى الفصل الحديث بين المعرفة “الأكاديمية” الجادّة والمعرفة “العملية” اليومية إلى تهميش الطبخ بوصفه موضوعاً جديراً بالدراسة الجادّة. في العصور الإسلامية الوسطى، لم يكن هناك فاصل حادّ بين أنواع المعرفة المختلفة؛ العلماء الذين يكتبون في الطبّ والفلك قد يكتبون أيضاً في آداب المائدة والطبخ. ابن سيّار الورّاق، مثلاً، لم يكن طاهياً محترفاً بل كان ورّاقاً (ناسخ كتب) ذا اهتمامات علمية واسعة. كان الطبخ يُعدّ جزءاً من المعرفة الشاملة التي ينبغي على الإنسان المتعلّم أن يُلمّ بها.
أمّا اليوم، فقد أصبحت الجامعات والمؤسّسات الأكاديمية تركّز على “العلوم الصلبة” والتخصّصات “الجادّة”، في حين يُنظر إلى الطبخ على أنّه مهارة عملية لا ترقى لمستوى البحث الأكاديمي. قلّة من الباحثين العرب يهتمّون بدراسة تاريخ الطبخ أو توثيق الوصفات التقليدية، وقلّة من الجامعات العربية تُدرّس تاريخ الطعام ضمن مناهجها. خلق هذا التهميش الأكاديمي فجوة بين الممارسة الشعبية للطبخ والفهم العلمي لجذوره وتطوّره. وأصبح الطبخ “شأناً نسائيّاً” يُمارس في المطابخ دون حاجة لقراءة أو دراسة، بدلاً من أن يكون معرفة حضارية جديرة بالتوثيق والبحث.
سرعة الحياة الحديثة وانحسار وقت التعلّم
ثالثاً، أدّت وتيرة الحياة السريعة في العصر الحديث إلى انحسار الوقت المخصّص لتعلّم الطبخ بعمق. في الماضي، كانت الفتاة تقضي سنوات طويلة في مطبخ أمّها وجدّتها، تتعلّم تدريجيّاً كلّ تفاصيل الأطباق المعقّدة. كانت هناك أوقات فراغ طويلة نسبيّاً تُتيح للنساء أن يجلسن معاً ويحضّرن الدولمة أو الكبّة على مهل، وكان بإمكانهنّ أن يقرأن كتاب طبخ معاً ويناقشن الوصفات ويجرّبنها.
أمّا اليوم، فقد أصبحت النساء (والرجال أيضاً) مشغولين بالعمل والدراسة والالتزامات الاجتماعية المتعدّدة، ممّا يترك وقتاً قليلاً للطبخ المتأنّي. أصبح الطبخ في كثير من الأسر مجرّد واجب يومي يجب إنجازه بسرعة، لا نشاطاً ثقافيّاً واجتماعيّاً يُمارس بتأنٍّ. حلّت الأطعمة الجاهزة والسريعة محلّ الأطباق التقليدية المعقّدة في كثير من الوجبات اليومية. وعندما تُحضّر الأطباق التقليدية، فإنّها غالباً ما تُحضّر في المناسبات الخاصّة فقط، وبطرق مبسّطة توفّر الوقت والجهد.
غياب المؤسّسات الحافظة للتراث الطبخي
رابعاً، يفتقر العالم العربي المعاصر إلى مؤسّسات متخصّصة في توثيق التراث الطبخي والحفاظ عليه. في العصر العبّاسي، كانت بلاطات الخلفاء والوزراء تموّل تأليف كتب الطبخ لخدمة أكاديميّات الطبخ التي تنفق عليها الخزائن الملكية، وكانت المكتبات الكبرى تحفظ هذه الكتب وتنسخها، وكانت حلقات العلم تناقش الطبخ ضمن موضوعات الطبّ وآداب المائدة. خلقت هذه المنظومة المؤسّسية بيئة داعمة للمعرفة الطبخية وتوثيقها ونشرها.
أمّا اليوم، فبرغم وجود بعض الجهود الفردية الممتازة (مثل عمل نوال نصر الله في ترجمة كتب الطبخ القروسطية إلى الإنگليزية)، لا توجد مؤسّسات حكومية أو أكاديمية عربية كبرى تُعنى بتوثيق التراث الطبخي بشكل منهجي. لا توجد “أكاديمية للطبخ العربي” تحفظ الوصفات القديمة وتدرّس التقنيات التقليدية. لا توجد مكتبات متخصّصة في كتب الطبخ التاريخية والحديثة. لا توجد برامج جامعية شاملة لدراسة تاريخ الطعام العربي. غياب هذه البنية المؤسّسية يعني أنّ المعرفة الطبخية تبقى متناثرة وغير منظّمة، معتمدة على الجهود الفردية التي قد تنقطع بانقطاع أصحابها.
تأثير العولمة والمطبخ الغربي
خامساً، أثّرت العولمة وانتشار المطبخ الغربي على العلاقة بالمطبخ التقليدي. أصبح الشباب العربي اليوم أكثر اطّلاعاً على الوصفات الإيطالية والفرنسية والأمريكية منهم على الوصفات العربية القروسطية. عندما يفتح شابّ عربي كتاب طبخ أو يشاهد برنامجاً طبخيّاً، فإنّه غالباً ما يجد وصفات غربية معاصرة، لا وصفات عربية تقليدية. خلقت هذه الهيمنة الإعلامية للمطبخ الغربي شعوراً بأنّ “الطبخ الراقي” هو الطبخ الأوروپي، حين الطبخ العربي التقليدي هو “طبخ بيتي” بسيط وعادات جدّات.
أدّى هذا الانبهار بالمطبخ الغربي إلى ضعف الاهتمام بدراسة المطبخ العربي التاريخي. أصبح الطهاة الشباب يتطلّعون للحصول على شهادات من معاهد الطبخ الفرنسية أو الإيطالية، لا لتعلّم أسرار المطبخ العبّاسي البغدادي. وأصبحت المطاعم “الفاخرة” في العالم العربي تقدّم أطباقاً غربية أو “فيوجن” تمزج بين التقاليد المختلفة، في حين تُحصر الأطباق العربية التقليدية في المطاعم “الشعبية” الأقلّ مكانة اجتماعياً.
فقدان الصلة بين الهوية والطعام
سادساً، ضعفت الصلة بين الهوية الثقافية والطعام التقليدي في وعي الأجيال الجديدة. في الماضي، كان الطعام رمزاً أساسيّاً للانتماء؛ الطبق الذي تحضّره الأمّ ليس مجرّد طعام، بل هو صلة بالجدّات والأجداد، بالقرية أو المدينة الأصلية، بالذاكرة الجماعية للأسرة. كان حفظ الوصفات التقليدية وسيلة للحفاظ على الهوية في وجه التغييرات الخارجية.
أمّا اليوم، فقد ضعفت هذه الصلة العاطفية بالطعام التقليدي لدى كثير من الشباب العربي. أصبح الطعام لهم مجرّد وسيلة للشبع أو المتعة الحسّية، لا رمزاً للانتماء الحضاري. عندما يأكل الشابّ العربي همبرگر أو پيتسا، لا يشعر بأنّه يخون هويّته الثقافية، بل يرى ذلك جزءاً طبيعيّاً من الحياة المعاصرة. انفصل الطعام عن الهوية، ممّا أضعف الحافز للبحث عن جذور الأطباق التقليدية وفهم تاريخها.
غياب التشجيع المؤسّسي والإعلامي
سابعاً، تفتقر البرامج التعليمية والإعلامية العربية إلى محتوى جادّ حول التراث الطبخي. برامج الطبخ التلفزيونية العربية تركّز غالباً على الوصفات السريعة والعصرية (الغربية)، لا على تعليم التقنيات التقليدية أو شرح الجذور التاريخية للأطباق. لا تتضمّن المناهج المدرسية دروساً عن تاريخ الطعام العربي أو أهمّية التراث الطبخي. لا يحتفي الإعلام العربي بالطهاة التقليديّين أو الباحثين في تاريخ الطبخ بنفس الطريقة التي يحتفي بها بالطهاة “العصريّين”.
غياب هذا التشجيع المؤسّسي والإعلامي يعني أنّ الشباب لا يرون نماذج يُحتذى بها في مجال الطبخ التقليدي. لا يوجد “مشاهير طهاة تقليديّين” يحظون بالاحترام والتقدير الاجتماعي. الطاهي الذي يُتقن صنع الكبّة الموصلية التقليدية لا يحصل على نفس الاهتمام الإعلامي الذي يحصل عليه الطاهي الذي يبتكر “فيوجن” عصري. خلق هذا الاختلال في القيم الاجتماعية والإعلامية بيئة لا تشجّع على الاستثمار في تعلّم المطبخ التقليدي أو البحث في تاريخه.

الحاجة لإعادة الصلة بالموروث المكتوب
تكشف هذه المفارقة التاريخية عن حاجة ملحّة لإعادة بناء الصلة بين الممارسة الطبخية اليومية والمعرفة التاريخية المكتوبة. لا يعني هذا بالضرورة أن تقرأ كلّ ربّة منزل كتاب ابن سيّار الورّاق قبل أن تحضّر المرق، لكنّه يعني أن تكون هناك ثقافة عامّة تقدّر أهمّية المعرفة الطبخية وتحترم التراث الحضاري الذي تمثّله.
يحتاج العالم العربي اليوم إلى استعادة بعض من ذلك الحرص القديم على القراءة والتعلّم والتطبيق الدقيق. لا بدّ من إنشاء مؤسّسات أكاديمية متخصّصة في توثيق التراث الطبخي، وإدماج تاريخ الطعام في المناهج التعليمية، وإنتاج محتوى إعلامي جادّ يشرح الجذور الحضارية للأطباق المحلّية. لا بدّ من تشجيع البحث الأكاديمي في تاريخ الطبخ العربي، ودعم ترجمة ونشر كتب الطبخ القروسطية، وتكريم الطهاة والباحثين الذين يحفظون التقنيات التقليدية.
الاستمرارية الطبخية الاستثنائية التي حافظت على الأطباق البابلية-البغدادية لأربعة آلاف عام لم تكن صدفة، بل كانت نتيجة لثقافة حريصة على التوثيق والقراءة والتطبيق الدقيق. إذا أردنا الحفاظ على هذا الإرث الحضاري الفريد للأجيال القادمة، فعلينا أن نستعيد بعضاً من ذلك الحرص الذي ميّز أسلافنا. علينا أن نعيد للطبخ مكانته بوصفه معرفة حضارية جديرة بالدراسة والاحترام، لا مجرّد مهارة عملية بسيطة.

بابل ونينوى وبغداد عواصم ثلاثية الألفيّات
يُثبت البحث الأثري والتاريخي بأدلّة قاطعة أنّ بابل ونينوى وبغداد تشكّل ثلاثية عواصم للطبخ النهريني-العربي-الإسلامي عبر أربعة آلاف عام من التوثيق المتواصل والممارسة الحيّة. تمثّل هذه المدن الثلاث محوراً حضاريّاً فريداً في تاريخ الطعام البشري، حيث نُقشت أقدم وصفات الطبخ المكتوبة، وتطوّرت أعقد التقنيات الطبخية، وانتشر المطبخ الأكثر تأثيراً في التاريخ الإسلامي والعالمي.
في الألفية الأولى قبل وبعد الميلاد، طوّرت بابل أقدم وصفات طبخ مكتوبة في التاريخ البشري عام ١٧٣٠ قبل الميلاد. لم تكن هذه الألواح مجرّد قوائم مكوّنات، بل وثّقت ثورة حضارية في فنون الطهي: ابتكار تقنية الطبخ في السوائل (التغلية والإمراق) بدلاً من الشي المباشر، بناء طبقات مركّبة من النكهات عبر التحمير ثم الإضافة المتدرّجة للمكوّنات، توليفات التوابل المحسوبة (الكمّون والكزبرة دائماً معاً)، مبدأ النكهات الحلوة-الحامضة، وتقنية “حشو الطعام بالطعام” التي لا تزال أساس الدولمة والكبّة والمحاشي حتّى اليوم.
عندما أسّس أبو جعفر المنصور بغداد عام ٧٦٢ ميلادية في قلب بلاد النهرين، لم يكن الموقع صدفة. جمعت المدينة بين خصوبة الأرض النهرينية وموقعها الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية، لتصبح خلال العصر الذهبي العبّاسي أكبر مركز حضري في العالم بسكّان يُقدّرون بمليون نسمة. لم تكن بغداد عاصمة سياسية ودينية فحسب، بل أصبحت مركزاً فكريّاً غير مسبوق امتدّ ازدهاره الفكري إلى فنون الطهي.
يؤكّد المؤرّخ تشارلز پيري حقيقة مذهلة: المتحدّثون بالعربية كانوا “الشعب الوحيد في العالم الذي يكتب كتب الطبخ” من القرن العاشر إلى الثالث عشر، منتجين أكثر من ٤٥٠٠ وصفة موثّقة – أكثر من كلّ اللّغات الأخرى مجتمعة في نفس الفترة. يُظهر هذا الإنتاج الضخم أهمّية الطبخ في المجتمع العبّاسي: لم يكن الطعام مجرّد ضرورة بيولوجية، بل فنّاً وعلماً يستحقّ التوثيق والدراسة.
لم يكن المطبخ العبّاسي البغدادي مجرّد استعارة من الحضارات المجاورة، بل كان تتويجاً واستمراراً لإرث حضارة وادي النهرين العريق. فالأرز ومبدأ المزج بين الحلو والحامض جذور راسخة في المطبخ البابلي والآشوري، ورثتها وطوّرتها الإمبراطورية الساسانية عن الأشكانية عن السلوقية عن الأخمينية عن الآشورية، ثم دمجها الفتح الإسلامي ضمن إطار عالمي جديد. من الأطباق المميّزة: السكباج الذي انتقل إلى إسپانيا باسم “إسكابيچي” ثم إلى أمريكا اللّاتينية باسم “سيڤيچي”، والهريسة التي تطوّرت إلى “طاووق گوسو” التركية و”بلانمانج” غرب الأوروپية، والبُندُقات التي أصبحت “ألبونديگاس” الإسپانية.
انتشر المطبخ البغدادي في موجات متتابعة عبر محاور جغرافية متعدّدة. شرقاً، انتقلت التقاليد “البغدادية-المسلمة” (الدولمة والپلو والكباب والمرق) شرقاً لتشكّل أساس المطبخ الأوزبكي والأفغاني، وفي جنوب آسيا شكّلت حجر الزاوية للمطبخ المغولي الهندي (البرياني وتقنيات الطهي البطيء). غرباً، حافظت دمشق وحلب على العديد من الأطباق البغدادية الأصلية، وأظهرت كتب الطبخ المصرية (“كنز الفوائد”) تأثير بغداد مع تكيّفات مصرية، وفي المغرب العربي انتقل “المُقَصْقَص” العربي (الكسكس) وتقاليد العجائن المرقّقة.
يمكن بثقة أكاديمية عدّ بابل ونينوى وبغداد عواصم الطبخ النهريني-العربي-الإسلامي عبر الألفيات الأربع الماضية. شكّلت بابل ونينوى الأساس الحضاري بأقدم وصفات مكتوبة وأعقد تقنيات طبخ في التاريخ البشري، وحوّلت بغداد هذا الأساس إلى مطبخ راقٍ موثّق بأكثر من ٤٥٠٠ وصفة انتشرت عبر العالم الإسلامي من المغرب إلى إندونيسيا، وتستمر تقاليدها حتى اليوم في كل مطبخ عربي وإسلامي.
الاستمرارية الموثّقة لأطباق محدّدة (الدولمة، الكبّة، المُرُق المتبّلة (اليخنات)، الحلويات المحشوة بالتمر، المسگوف) عبر ٤٠٠٠ سنة تمثّل ظاهرة فريدة في تاريخ الطعام العالمي، تؤكّدها شهادات الباحثين المعاصرين وتدعمها الأدلة الأثرية والمخطوطات التاريخية. يجعل هذا بلاد النهرين والعراق ليس فقط مهد الحضارة المكتوبة، بل أيضاً مهد الحضارة الطبخية الموثّقة والمستمرّة التي أثّرت في كلّ مطبخ من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ.
المراجع والمصادر
- ابن سيار الورّاق (القرن العاشر الميلادي) Nasrallah, Nawal (translator). Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyar al-Warraq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook. Leiden: Brill, 2007. https://www.amazon.com/Annals-Caliphs-Kitchens-Nawal-Nasrallah/dp/9004188118 حاز على جائزة گورماند العالمية لأفضل كتاب طبخ مترجم عام ٢٠٠٧
- محمد بن الحسن البغدادي (القرن الثالث عشر الميلادي) Perry, Charles (translator). A Baghdad Cookery Book: The Book of Dishes (Kitab al-Tabikh). Totnes: Prospect Books, 2005. https://prospectbooks.co.uk/products-page/current-titles/a-baghdad-cookery-book/
- كتاب الوصلة إلى الحبيب (سوري/حلبي، القرن الثالث عشر الميلادي) Perry, Charles (translator). Scents and Flavors: A Syrian Cookbook. New York: New York University Press, Library of Arabic Literature, 2017. https://nyupress.org/9781479800810/scents-and-flavors/ . يحتوي على ٦٣٥ وصفة
- كنز الفوائد في تنويع الموائد (مصري، القرن الرابع عشر الميلادي) Nasrallah, Nawal (translator). Treasure Trove of Benefits and Variety at the Table: A Fourteenth-Century Egyptian Cookbook. Leiden: Brill, 2018. https://brill.com/display/title/34975. يحتوي على ٨٣٠ وصفة. مُرشّح لجوائز گورماند العالمية ٢٠١٨
- ابن رزين التجيبي (القرن الثالث عشر الميلادي، الأندلس). Nasrallah, Nawal (translator). Best of Delectable Foods and Dishes from al-Andalus and al-Maghrib: A Cookbook by Thirteenth-Century Andalusi Scholar Ibn Razin al-Tujibi (1227-1293). Leiden: Brill, 2021. https://brill.com/display/title/60748. يحتوي على ٤٧٥ وصفة. مُرشّح لجائزة الشيخ زايد للكتاب ٢٠٢٢ في فئة الترجمة
- جان بوتيرو (دراسة رائدة). Bottéro, Jean. The Oldest Cuisine in the World: Cooking in Mesopotamia. Translated by Teresa Lavender Fagan. Chicago: University of Chicago Press, 2004. https://press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/O/bo3619231.html.. https://archive.org/details/oldestcuisineinw0000bott
- مقالات تشارلز پيري. Perry, Charles. “Cooking with the Caliphs.” Saudi Aramco World 57, no. 4 (July/August 2006): 14-23. متوفر على الإنترنت عبر أرشيف المجلة. Perry, Charles. Various articles in Medieval Arab Cookery: Papers by Maxime Rodinson and Charles Perry. Totnes: Prospect Books, 2001. https://www.amazon.com/Medieval-Arab-Cookery-Rodinson-Charles/dp/0907325912
- “Crossroads and Diasporas: A Thousand Years of Islamic Cuisines.” Saudi Aramco World. https://archive.aramcoworld.com/issue/201406/crossroads.and.diasporas.a.thousand.years.of.islamic.cuisines.htm. “A Thousand and One Ingredients: Medieval Arab Cuisine’s Rich Heritage.” UNESCO Courier. متوفر عبر موقع اليونسكو
- مقالات عن نوال نصر الله وأعمالها “14th-Century Cookbook: ‘Profoundly Rich Resource for Egyptian Culinary Heritage’.” Interview with Nawal Nasrallah. ArabLit, July 30, 2018.. https://arablit.org/2018/07/30/14th-century-cookbook-profoundly-rich-resource-for-egyptian-culinary-heritage/. Barakat, Hala N. “A Treasure Trove of Egyptian Food.” MadaMasr, August 25, 2018.. https://www.madamasr.com/en/2018/08/25/feature/culture/a-treasure-trove-of-egyptian-food/
- دراسات الألواح الطينية. “At the Ancient Mesopotamians’ Dinner Table.” University of Hamburg, Center for the Study of Manuscript Cultures.. https://www.csmc.uni-hamburg.de/publications/mesopotamia/2018-06-29.html. “Eat Like The Ancient Babylonians: Researchers Cook Up Nearly 4,000-Year-Old Recipes.” NPR, November 16, 2019.. https://www.npr.org/sections/thesalt/2019/11/16/779930201/eat-like-the-ancient-babylonians-researchers-cook-up-nearly-4-000-year-old-recip. “Three Babylonian Recipes From 1600 BC You Can Make At Home Today.” Ancient Origins.. https://www.ancient-origins.net/artifacts-ancient-writings/babylonian-recipes-0010531. “Babylonian Stew.” The History Blog.. https://www.thehistoryblog.com/archives/57076
- مصادر أكاديمية عن بلاد النهرين. “Tasty Ancient Recipes from Mesopotamia.” World History Encyclopedia.. https://etc.worldhistory.org/interviews/ancient-recipes-mesopotamia/. “Ancient Mesopotamian Food.” Facts and Details.. https://factsanddetails.com/world/cat56/sub363/item1521.html
- نوال نصر الله – أعمال أخرى. Nasrallah, Nawal. Delights from the Garden of Eden: A Cookbook and History of the Iraqi Cuisine. Bloomington: AuthorHouse, 2003; reprinted by Equinox Publishing, 2013.. مصدر رئيسي عن المطبخ العراقي وتاريخه
- الدين في بلاد النهرين. “Ancient Mesopotamian Religion.” Wikipedia.. https://en.wikipedia.org/wiki/Ancient_Mesopotamian_religion. “Mesopotamian Religion – Gods, Rituals, Beliefs.” Encyclopedia Britannica.. https://www.britannica.com/topic/Mesopotamian-religion/Cult. “Festivals in Ancient Mesopotamia.” World History Encyclopedia.. https://www.worldhistory.org/article/2185/festivals-in-ancient-mesopotamia/
- الشريعة الإسلامية والطعام. “Islamic Dietary Laws.” Wikipedia.. https://en.wikipedia.org/wiki/Islamic_dietary_laws. “Dietary Law – Islamic Halal, Kosher, Taboo.” Encyclopedia Britannica.. https://www.britannica.com/topic/dietary-law/Islam
- التجارة والانتشار الجغرافي. “The Islamic Empire at the Heart of Commerce in the Medieval World.” The Map as History.. https://www.the-map-as-history.com/origins-of-islam-and-the-arabo-muslim-empire/the-islamic-empire-at-the-heart-of-commerce-in-the-medieval-world. “Trade and Commerce During the Islamic Golden Age.” The Review of Religions.. https://www.reviewofreligions.org/41191/trade-and-commerce-during-the-islamic-golden-age/
- “Medieval Arabic Recipes and the History of Hummus.” The Recipes Project.. https://recipes.hypotheses.org/10414. “Medieval Cookbooks in Andalusia.” Oldcook.. https://www.oldcook.com/en/medieval-cookery_books_andalusia
- اليونسكو والتراث الطبخي. “Did You Know? Medieval Cookbooks Reflecting Exchanges in Gastronomic Traditions Along the Silk Roads.” UNESCO.. https://en.unesco.org/silkroad/content/did-you-know-medieval-cookbooks-reflecting-exchanges-gastronomic-traditions-along-silk
- موقع نوال نصر الله الشخصي: http://www.iraqicookbook.com
- مدونة الطبخ المصري القروسطي: egyptianmedievalcookbook.wordpress.com





اترك رد