تكاد لا تخلو أيّ طبخة متوسطيّة من الطماطم (البندورة). تصوّر مطبخك بدونها، فماذا تأكل؟
ولكن تُرى، كم عمرها في بلادنا؟ منذ متى نعرفها؟
تقنيّاً، الطماطم (البندورة) معروفة في العراق والشام منذ حوالي ٢٠٠ عام. وعمليّاً لم تصبح منتشرة بين أهلها أكثر من ١٥٠ عام. ودخلت كامل المطبخ السوري بشكل عجيب، لدرجة أصبح معها من الصعب تصوّر الأكل السوري بدونها، ولا سيّما التبّولة.
الطماطم (البندورة) علميّاً من صنف الباذنجانيات، وعندما وصلت هذه الثمرة إلى الدولة العثمانية كان اسمها الرسمي هو “بتنجان فرنجي” أو “بتنجان أحمر”، وهذا سبب تسمية دبس البندورة “مي فرنجي” في حلب و”مي حمرا” في بعض الشام. أما في إيران فأطلق عليها الناس اسم “بتنجان أرمني” لفترة طويلة.

البندورة في سوريَا
على الجانب السوري من الدولة العثمانية، وعبر التجار الإيطاليّين، وصلت البندورة إلى “خان البنادقة” في حلب في نهاية القرن الثامن عشر، وتحوّر اسمها الإيطالي في حلب من لهجة البندقية “پامَدوره” pāmadore إلى “بندوره”، وانتشرت منها إلى باقي المناطق السورية قبل نهاية القرن التاسع عشر. وتفيد الوثائق أن أوّل من زرع البندورة في حلب بغرض التجارة كان القنصل البريطاني جون پاركر John Parker، الذي عاش في المدينة بين عامي 1799 و 1825 سنة وفاته. ولكن، فعليّاً لم تنتشر بين أهل إيالات حلب ودمشق قبل عام 1850، أي بعد انتشار نفوذ الشركات الأوروبية في شرق المتوسط.
تُكتب كلمة “پامَدوره” بالحرف البنديقي هكذا pomodoro وتُنطق هذه الكلمة pāmadore وتعدّ هذه الكلمة من أقدم الكلمات المستخدمة لوصف البندورة في أوروپا.
كان پاركر شخصيّة مؤثّرة في حلب خلال مدّة إقامته فيها. وكان يتمتّع بعلاقات جيّدة بالسلطات المحلّية، وكان يسعى إلى تعزيز العلاقات التجاريّة والثقافيّة بين بريطانيا والدولة العثمانية. وكان پاركر أوّل من زرع البندورة في حلب بغرض التجارة. فجلب بذور البندورة من أوروپا، وزرعها في حديقته الخاصة في حلب. ونجح في زراعتها، وبدأ في بيعها في السوق المحلية. وسرعان ما انتشرت البندورة في حلب، ثم انتشرت إلى باقي أنحاء سوريا. وكانت نيّته الأصليّة هي توفير مصدر “بريطاني” قريب من أوروپا لمحصول البندورة الممتازة.
وكانت حلب وطوال قرون، مركزاً لتصدير السلصات الحمراء الحامضة، وهو ما جعلها اختيار جون پاركر لزراعة البندورة وتجربة صناعة دبس البندورة فيها. وقبل پاركر صنعت حلب سلصاتها من كرز الوشنة الحامض والرمّان وقرون الفلفل والتمر هندي واللّومي المستورد من سلطنة عُمان.
وتميّزت إيالة حلب بهذه الصناعة والتجارة لأسباب مختلفة، إذ تتمتّع حلب بمناخ متوسّطي معتدل، والذي يتميّز بصيف دافئ وجاف وشتاء بارد ورطب. هذا المناخ مثالي لزراعة أشجار الكرز والرمّان والتمر هندي وقرون الفلفل، والتي تحتاج إلى درجات حرارة معتدلة للنمو والازدهار. وعرفت منطقة البحر المتوسّط طلباً كبيراً على السلصات الحمراء. إذ كانت هذه المنتجات ولم تزل تُستخدم في العديد من الأطباق الشعبية. هذا الطلب الكبير شجّع على إنتاج هذه المنتجات وتصديرها.
إلى جانب اهتمامه بصناعة وتجارة السلصات، كان پاركر مهتمّاً بالتاريخ والآثار، وجمع مجموعة كبيرة من المخطوطات والآثار السوريّة. وتبرّع بهذه المجموعة إلى الجمعية الملكية البريطانية بعد وفاته عام 1825. وتحتوي مجموعة پاركر على العديد من المخطوطات العربية والسريانية واليونانية، بالإضافة إلى بعض الآثار الفخّارية والنقوش. وساهمت هذه المجموعة في إثراء المعرفة الأوروپية بالتاريخ والحضارة السوريّة.

الطماطم في العراق
أما على الجانب الشرقي، فوصلت البندورة إلى ميناء البصرة أوّلاً عن طريق التجار الإنگليز في منتصف القرن التاسع عشر، وبما أن الإنگليز نقلوا عن الإسپانية التسمية النهوية المكسيكية الأصلية “توماته”، فنقلها أهل العراق “طُماطه”، وانتشرت هذه التسمية بين عرب الفرات، وانتقلت زراعتها من دير الزور إلى الشمال حتى انتشرت في باقي المناطق العثمانية بتسميها الفراتية. ولكن اليوم الناس في كل سوريَا والمملكة الأردنية يسمّونها “بندورة”.
كانت شركة “التاج العربي” ACC هي أول شركة استوردت أو ورّدت الطماطم في ميناء البصرة العراقي. وتم ذلك في عام 1866. وسرعان ما أصبحت الطماطم من الخضروات الأساسية في المطبخ العراقي، إذ تُستخدم في العديد من الأطباق. واستوردت شركة “التاج العربي” الطماطم من الهند في البداية، وكانت البندورة الهندية صغيرة الحجم وذات مذاق لاذع. ومع مرور الوقت، استوردت الطماطم من بلاد أخرى، مثل تركيا والشام.
في القرن التاسع عشر، كانت الهند مستعمرة بريطانية. وكانت الطماطم من الخضروات الجديدة الشائعة في غرب أوروپا في ذلك الوقت، وجُلبت إلى جنوب الهند من قبل المستعمرين البريطانيين. علماً أنّ زراعة الطماطم لم تزدهر في الهند قبل القرن العشرين.
تأسّست شركة التاج العربي The Arab Crown Company في عام 1863 في القاهرة، مصر. وكانت الشركة من أوائل الشركات التجارية المصرية، وكانت تمتلك العديد من الفروع في مختلف أنحاء العالم. أسّسها محمّد علي باشا بالشراكة مع شركة الهند الشرقية EIC. واهتمّت بتجارة المنتجات الزراعية عالمية الاستهلاك، مثل الطماطم والأرز والقمح والسكّر والشاي. وكانت الشركة تهتمّ كذلك بتجارة المنتجات الصناعية، مثل الأقمشة والحديد.
كانت شركة التاج العربي شركة ناجحة للغاية، وأصبحت واحدة من أكبر الشركات التجارية في مصر. وساهمت في تطوير الاقتصاد المصري، وساعدت في نشر المنتجات المصرية في جميع أنحاء العالم. ودعمت شركة ACC مشروع تأسيس سلطنة عربية في مصر بديلة عن السلطنة العثمانية. ثمّ وخلال الحرب العالمية الأولى، تعرّضت شركة التاج العربي لضربات كبيرة، حيث دُمّر العديد من فروعها. ومع ذلك، تمكّنت الشركة من التعافي من هذه الضربات، واستمرّت في العمل حتى عام 1956، عندما أمّمتها الحكومة المصرية الناصرية. واليوم، لا تزال شركة التاج العربي موجودة، ولكن تحت اسم جديد هو “النصر للتجارة والصناعة”.

في الختام
تُعدّ الطماطم (البندورة) من أهمّ الخضروات في المطبخ العربي، ولا يمكن تصوّر المطبخ العربي بدونها. فهي تدخل كمكوّن أساسيّ في العديد من الأطباق الشعبية العربية، مثل السلطات والمخلّلات والمحاشي والحساء والشوربات والطبخات. كما تُستخدم الطماطم (البندورة) بشكل واسع في صناعة معجون الطماطم ودبس البندورة اللذان يُعتبران أساسيّين في المطبخ العربي.
وتتميز الطماطم (البندورة) بنكهتها اللّذيذة وقيمتها الغذائية العالية، فهي غنية بڤيتامينات أ و ج والبوتاسيوم. كما أنها مصدر جيد للألياف الغذائية. وككلّ أنحاء العالم القديم، أحدث انتشار زراعة الطماطم (البندورة) في المنطقة العربية ثورة في المطبخ العربي، إذ أتاح استخدام هذه الثمرة اللّذيذة بكثرة وبأسعار معقولة. لذلك، تُعدّ الطماطم (البندورة) اليوم عنصراً أساسيّاً في المطبخ العربي، ومكوّنًا لا غنى عنه في الحفاظ على النكهة المميزة للمأكولات العربية التقليدية.
المراجع
- أحمد تيمور باشا. “تاريخ النبات في العالم القديم والإسلامي”. القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٩٨٩.
- عبد العزيز الدوري. “مقدمة في تاريخ العراق الاقتصادي في العصور الوسطى”. بغداد: جامعة بغداد، ١٩٧٣.
- جاكلين غويتييه، “الطماطم: تاريخ الفاكهة التي غزت العالم”. ترجمة عربية: مكتبة لبنان ناشرون، ٢٠١٢.
- أندرو ف. سميث. “الطماطم: سيرة ذاتية للطماطم في أمريكا”. الولايات المتحدة: جامعة إلينوي، ٢٠١٣.
- جون ريدر. “البندورة: تاريخها، خصائصها، واستخداماتها”. لندن: رياكشن بوكس، ٢٠٠٠.
- إليزابيث روب. “الطماطم”. الولايات المتحدة: ريفرهيد بوكس، ٢٠٠٥.
- Andrew F. Smith. “The Tomato in America: Early History, Culture, and Cookery”. University of South Carolina Press, 1994.
- David Gentilcore. “Pomodoro! A History of the Tomato in Italy”. Columbia University Press, 2010.
- Jeanne A. O’Brien. “The Tomato in America: Early History, Culture, and Cookery”. University of Illinois Press, 1994.
- Larry Zuckerman. “The Potato: How the Humble Spud Rescued the Western World”. North Point Press, 1998. (While this book is about the potato, it often references the tomato as both were New World plants that were integrated into the Old World diet.)
- William Woys Weaver. “100 Vegetables and Where They Came From”. Algonquin Books, 2000.





اترك رد