يواجه المشهد السياسي المعاصر حرباً من نوع خاص، لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية فحسب، بل تُوظّف فيها الترسانات النفسية والإعلامية لصياغة وعي جمعي مشوه. وفي حالة الحكومة السورية الجديدة، برزت استراتيجيّات تهدف إلى ضرب العلاقة بين السلطة وحاضنتها من طريق أدوات «الاغتيال المعنوي» وتزييف الحقائق، مما يستدعي تحليلاً عميقاً لبنية هذه الحملات وآليات مواجهتها.

حرب المصطلحات: “التطبيل” أداة للاغتيال المعنوي
تعتمد الأطراف السياسية والعسكرية المناوئة لحكومة {أحمد الشرع} على آلية نفسية وإعلامية تُعرف بـ «الاغتيال المعنوي»، حيث يحوّل مصطلح “التطبيل” من مجرّد وصف للنفاق إلى سلاح ردع فكري يهدف إلى عزل الحكومة الجديدة عن حاضنتها الشعبية والنخبوية.
تكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أنّها لا تهاجم الفكرة أو الإنجاز بحد ذاته، بل تهاجم «نزاهة» المتحدّث؛ فالمثقّف أو الشخصية العامّة يملك رأسمالاً رمزيّاً هو «استقلاليّته»، وعندما تقوم الماكنات الإعلامية لهذه الأطراف (سواء التابعة للنظام السابق أو تنظيم قسد أو التيّارات الأخرى) بشنّ حملات منظّمة تصف أي إشادة بالإنجازات بأنّها “تطبيل مدفوع” أو “خضوع”، فإنّها تضع المثقّف أمام خيارين أحلاهما مر: إمّا الصمت للحفاظ على سمعته شخص مستقل، أو الكلام وتحمّل تبعات تشويه السمعة واتّهامه بالتبعية.

سوسيولوجيا العزلة: لولب الصمت وتزييف الوعي
تؤدّي هذه المنهجية إلى خلق حالة اجتماعية تُسمى في علم الاجتماع السياسي بـ «لولب الصمت»، حيث يمتنع الأغلبية الذين قد يرون إيجابيّات واقعية (كالأمن أو الخدمات) عن التعبير عن رأيهم خوفاً من العزلة الاجتماعية أو الهجوم الإلكتروني. ممّا يخلي الساحة تماماً للأصوات الناقدة أو المعادية فقط، فيظهر للعيان وكأنّ هناك إجماعاً شعبيّاً على رفض الحكومة، في حين قد يكون الواقع مجرّد صمت قسري فرضه إرهاب المصطلحات.
إضافة إلى ذلك، فإنّ استخدام هذه التهمة بصفة مستمرّة يهدف إلى «تزييف الوعي» وتجريد السلطة القائمة من أي شرعية للإنجاز؛ فإذا نجحت هذه الأطراف في ترسيخ قاعدة تقول إنّ «كل مادح هو بالضرورة منتفع أو خائف»، فإنّ أي نجاح تحقّقه حكومة الشرع -سواء في الاقتصاد أو الإدارة- سيجرّد من قيمته المعنوية فوراً، ولن يتحوّل هذا النجاح المادّي إلى رصيد سياسي يثبت أركان الحكم. ممّا يبقي الحكومة في حالة صراع دائم لإثبات شرعيّتها بدلاً من التفرّغ للبناء.
قصدت بعبارة “تزييف الوعي” تلك العملية النفسية والإعلامية الممنهجة التي تهدف إلى تشكيل حاجز وهمي بين المواطن والواقع، بحيث يفقد القدرة على رؤية الحقائق المجرّدة كما هي، ويصبح أسيراً للتفسيرات المسبقة التي زرعتها تلك الأطراف في عقله. في هذا السياق، لا يعود المواطن يحكم على الإنجاز الحكومي بناءً على ما يراه من خدمات أو أمان، بل يحكم عليه بناءً على «الشكّ» الذي غُرس فيه، فيرى الإنجاز مسرحية، ويرى المادح منتفعاً، حتى لو كانت الحقيقة خلاف ذلك تماماً.
والهدف الأخطر من هذا التزييف هو جعل المواطن يعمل لا إرادياً ضدّ مصالحه الخاصّة؛ فعندما ينجح الخصوم في إقناع الناس بأنّ “المدح تطبيل”، فإنّهم يجرّدون المجتمع من أدواته في دعم الاستقرار. يصبح المواطن خائفاً من الفرح بتحسّن ظروفه المعيشية لئلّا يُتّهم في وطنيّته أو ثقافته، وبهذا «تزيّف» وعيه ليصبح ساخطاً بشكل دائم ومجّاني، وهو ما يخدم أعداء المشروع الجديد الذين يريدون إثبات فشله بأيّ ثمن، حتى لو كان الثمن هو إحباط الأمل لدى الناس وتعميتهم عن أي نقطة ضوء واقعية.

تشريح النقد الهدّام: الأجندات والوسائل
ومن جهة أخرى، يتجاوز الأمر مجرّد تهم “التطبيل” ليصل إلى ممارسة النقد الهدّام كعملية ممنهجة لتقويض الشرعية وتكسير المجاديف، تتّخذ من «المظلومية» أو «الحرص الظاهري» قناعاً لها، لكنّ دافعها الحقيقي ليس تقويم اعوجاج أو سدّ ثغرة، بل نسف الكيان المستهدف بالكامل وإسقاطه معنوياً قبل مادياً.
يختلف هذا النوع عن النقد البنّاء في جوهره القائم على «العدمية» و «شخصنة الخطأ»؛ فممارس النقد الهدّام لا يطرح بدائل واقعية أو حلولاً قابلة للتطبيق للمشكلات التي يثيرها، بل يكتفي بتسليط مجهر ضخم على السلبيّات -حقيقية كانت أو مفتعلة- ويعزلها تماماً عن سياقها والظروف المحيطة بها، ثمّ يعمد إلى تحويل أي قصور إداري أو خطأ فنّي بشري إلى تهمة «خيانة عظمى» أو «تآمر» تمس ذمّة المسؤول وشرفه لا كفاءته المهنية؛ دعشنة، عمالة لإسرائيل، عمالة لتركيا، عمالة لقطر…
تكمن الكارثة في هذا النهج في سعيه لخلق حالة من اليأس الجمعي، حيث يعمل على إقناع الجمهور بأنّ الفشل قدر محتوم وأنّ «الكل فاسدون»، ممّا يغلق باب الأمل ويحبط العزائم. هذا الأسلوب لا يهدف إلى تحسين الأداء الحكومي، بل يهدف إلى شلّ يد المسؤول وجعله يتردّد ألف مرّة قبل اتّخاذ أي قرار إصلاحي جريء خوفاً من المقصلة الإعلامية التي نُصبت له سلفاً، التي لا تميز بين اجتهاد خاطئ يستوجب التصويب، وبين جريمة متعمّدة تستوجب العقاب.
ويمكن للمتابع الفطن التقاط خيوط الأجندة المستترة خلف قناع النقد البريء من طريق رصد «الانتقائية الفجّة» في الطرح؛ فالناقد صاحب الغرض السياسي غالباً ما يُصاب بحالة من العمى الانتقائي أمام أخطاء كارثية تقع في مناطق نفوذ الجهات التي يميل إليها أو يروّج لها، في حين ينصب محاكم تفتيش قاسية لأخطاء وهفوات أصغر بكثير إذا وقعت في مناطق الحكومة التي يستهدفها. هذه الازدواجية المفضوحة تكشف للمراقب أنّ «الخطأ» بحدّ ذاته ليس هو المستهدف، ولا المبدأ الأخلاقي هو المحرك، بل إنّ «الجغرافيا السياسية» وهوية الجهة الحاكمة هي المقصودة، حيث يُستخدم المعيار الأخلاقي أداة ضغط تظهر وتختفي حسب الهوى السياسي لا حسب الحق المجرّد.
كما يُعدّ «توقيت الطرح» مؤشّراً حاسماً يكاد لا يخطئ في كشف النوايا؛ فالنقد البنّاء لا يختار وقتاً محدّداً، في حين يعمل النقد الموجّه بدقّة تشبه الساعة السياسية، حيث ينشط فجأة وبشراسة غير مبرّرة بالتزامن مع أيّ انفراجة سياسية أو إنجاز خدمي تحقّقه الحكومة، والهدف هنا هو التشويش على الإنجاز ودفنه تحت غبار السلبيات المفتعلة لمنع المواطن من الشعور بالأمل، أو قد يتزامن النقد مع تحركات عسكرية معادية أو ضغوط خارجية لتشكيل ما يشبه “الكمّاشة” التي تضغط على صانع القرار من الداخل والخارج في آن واحد. إذا لاحظت أنّ وتيرة الصراخ ترتفع كلّما حاولت المؤسّسة الوقوف على قدميها، فاعلم أنّ الهدف هو الإبقاء على حالة العجز والفوضى لا تصحيح المسار.
وأخيراً، تفضح «لغة الخطاب» و «غياب البدائل» ما في الصدور؛ فالناقد الحقيقي يقدّم نقده محمولاً على طبق من الحلول والمقترحات الواقعية لأنّه يريد للإصلاح أن يتم، أمّا صاحب الأجندة فيكتفي بتصدير اليأس والعدمية، مستخدماً قاموساً من المصطلحات التحريضية التي تدغدغ الغرائز وتثير الغضب الشعبي (مثل “خيانة”، “بيع”، “تآمر”) بدلاً من المصطلحات الإدارية والقانونية التي تخاطب العقل وتحدّد الخلل بدقة. عندما يجد المتابع أنّ «الصوت» أعلى من «الفكرة»، وأنّ النقد ينتهي دائماً بطريق مسدود دون طرح مخرج، فهو حتماً أمام عملية تحريض سياسي تتنكّر بذكاء في زيّ حرية التعبير والخوف على المصلحة العامة.

التمييز الجوهري: بين الإنصاف المستحقّ والنفاق السياسي
في خضم هذا الصراع المحموم، لا يصح من الناحية المنطقية أو الأخلاقية وسم كل تأييد لقرار حكومي بأنّه تطبيل، لأنّ هذا الحكم الجائر ينطوي على تعميم مخلّ يطمس الفروقات الجوهرية بين الدوافع البشرية المختلفة، ويخلط بين المديح الزائف والإنصاف المستحق.
الفرق الجوهري يكمن في الدافع والمحتوى؛ فالتطبيل هو حالة من النفاق السياسي القائم على المبالغة والموافقة العمياء المستمرة بغرض تحقيق مصالح شخصية أو خوفاً من السلطة، حيث يبارك الشخص القرارات أيّاً كانت نتائجها. أمّا التأييد الموضوعي فهو موقف عقلي رصين ينبع من قناعة تامة بأنّ إجراءً معيّناً يصبّ في المصلحة العامّة، وهو بذلك تأييد للفكرة والإنجاز والنتائج الملموسة لا للأشخاص والمناصب.
خطورة هذا التعميم تكمن في خلقه لحالة من الإرهاب الفكري الذي يمنع العقلاء والمنصفين من قول كلمة الحق أو الإشادة بإنجاز حقيقي خشية التصنيف واللّمز الاجتماعي. كما أنّ هذا الخلط يُفقد المجتمع معيار العدالة؛ فإذا تساوى من يمدح إنجازاً طبّيّاً أو خدميّاً حقيقيّاً بمن يمدح الأخطاء، تفقد المؤسّسات الحافز للإنجاز ما دام السخط هو النتيجة الحتمية في كلتا الحالتين.
لذا فإنّ المعيار الحقيقي للفصل بينهما هو «الموقف من الخطأ» و «لغة الخطاب». المؤيّد الواعي هو الذي يمتلك شجاعة نقد الخطأ بنفس صراحة مدح الصواب، ويستند في تأييده إلى لغة الأرقام والوقائع لا العواطف والشعارات. الحكومات مؤسّسات بشرية تخطئ وتصيب، وإنصافها عند الإصابة هو عدل، وانتقادها عند الخطأ هو مسؤولية، والخلط بين الإنصاف والتطبيل هو ظلم للحقيقة.

استراتيجيات المواجهة: الواقعية الراديكالية والتحصين بالنقد
لمواجهة حملات التشكيك وكسر طوق «اتّهامات التطبيل» التي تمارسها الأطراف المناوئة، تلجأ الحكومات والتيّارات المؤيّدة عادةً إلى استراتيجية تعتمد على «الواقعية الراديكالية» والشفافية، حيث تُحوّل لغة الخطاب من المدح العاطفي للأشخاص إلى لغة الأرقام والبيانات الصمّاء؛ فعندما تُستبدل عبارات التمجيد بصور للمشاريع المنجزة، وإحصائيّات دقيقة عن تحسّن الخدمات أو الأمن، وروابط للقرارات الرسمية المؤثّرة، يصبح من الصعب على الخصم وصم المتحدّث بالتطبيل لأنّ النقاش هنا ينتقل من «النوايا» إلى «الحقائق»، ممّا يحرج الطرف الآخر ويجبره إمّا على إنكار الواقع الملموس (ممّا يظهره بمظهر الكاذب) أو الصمت.
إحدى أهمّ الأساليب المضادّة أيضاً هو ما يُعرف بـ «التحصين بالنقد»، وهي استراتيجية ذكية يقوم فيها المؤيّدون أو الإعلام المحسوب على الحكومة بتبنّي نقد جزئي ومدروس لبعض السلبيّات أو القصور في الأداء الحكومي؛ يمنح هذا النقد المتحدّث مصداقية عالية واستقلالية في نظر الجمهور، فعندما يقول الكاتب أو الناشط «هناك خطأ في هذا الملف، ولكن هناك إنجاز عظيم في ذاك الملف»، تصبح إشادته بالإنجاز ذات قيمة ومحصّنة ضدّ تهمة التطبيل، لأنّ المطبّل لا يجرؤ عادة على النقد، وبهذا يُسحب البساط من تحت أقدام الخصوم الذين يصوّرون المشهد كأنّه “فسطاطين” (إمّا معنا بالكامل أو ضدّنا بالكامل).
علاوة على ذلك، يُعمَل على توسيع دائرة المتحدّثين لتشمل «التكنوقراط» والمختصّين المستقلّين بدلاً من الوجوه السياسية التقليدية؛ فعندما تأتي الإشادة بإجراء اقتصادي أو أمني من خبير مستقلّ أو منظّمة دولية أو شخصية كانت محسوبة سابقاً على المعارضة، يكون وقعها مختلفاً تماماً وتكسر حاجز الخوف لدى العامة، كمّا يُعاد تأطير مفهوم التأييد ليصبح دفاعاً عن «مؤسّسات الدولة» و «الاستقرار» و «لقمة العيش» وليس دفاعاً عن شخوص الحكّام، ممّا يجعل المواطن العادي يشعر أنّ الدفاع عن المنجزات هو دفاع عن مصلحته الشخصية وعن مستقبل أبنائه، وليس مجرّد تسحيج للسلطة.

خاتمة: نحو وعي مجتمعي محصّن
في الختام، يتضّح أنّ المعركة بين الحكومة وخصومها لم تعد تقتصر على ميادين السياسة والإدارة، بل انتقلت إلى عمق الوعي الشعبي من طريق محاولات فرض «لولب الصمت» وتعميم تهمة “التطبيل” لاغتيال أيّ صوت منصف معنوياً. مواجهة هذا التزييف الممنهج والنقد الهدّام لا تكون بالشعارات العاطفية، بل بتبني «الواقعية الراديكالية» والشفافية المطلقة، مع ضرورة الفصل الحاسم بين النفاق السياسي والتأييد الموضوعي القائم على لغة الأرقام والمنجزات.
تحصين المجتمع ضدّ هذه الأدوات الإعلامية والنفسية هو الضمانة الوحيدة لتحويل النجاحات المادّية إلى رصيد سياسي مستدام، يحمي مؤسّسات الدولة ويضمن استقرارها بعيداً عن صخب التحريض وعدمية الهدم، ليصبح الدفاع عن المنجز هو دفاع أصيل عن مستقبل المواطن ومصلحته الشخصية.





اترك رد