ابتُليت سوريا وعموم البلدان العربيّة بمؤدّين مسرحيّين يدّعون أنّهم معارضة سياسيّة. هؤلاء المتحدّثون يظهرون على شاشات التلفزة، وينشرون على منصّات الإعلام المجتمعيّ وام، ويجذبون انتباه الناس حتّى يظنّ المتابعون أنّهم معارضة حقيقيّة. لكنّهم في الواقع، لا يعملون روّاداً في المعارضة السياسيّة، بل هم باحثون عن الشهرة.
هؤلاء يتحدّثون لأجل المعارضة، لا لسبب آخر. لا ينشطون في أيّ مشروع حقيقيّ، يجمعون حولهم جمهوراً من المتذمّرين، ويعتمدون على خوارزميّة فيسبوك التي ترفع من شأن الشتائم والتعليقات الهجوميّة لتصنع منها ترنداً. فإذا وصل جمهورهم إلى السلطة انتقدوه، مهما تراكمت الشتائم في التعليقات أسفل منشوراتهم، فالهدف هو الشهرة.
في سوريا، اشتغل السفّاح الأسد على قتل كلّ روّاد المعارضة الحقيقيّة، مع ترك فئة المؤدّين المسرحيّين طليقة. لماذا؟ لأنّ نظام الأسد يعرف تماماً أنّ هذه الفئة المؤدّية ستعمل على هدم قوى التغيير، وعلى تسميد تربة الفلول، لتمكين الاستبداد من استعادة السلطة، تماماً كما حدث في مصر بعد انتصار الثورة.
لنميّز بوضوح بين المعارضة السياسيّة الحقيقيّة وجوقة الأداء المسرحيّ؛ إذ تسعى المعارضة الحقيقيّة للتغيير المؤسّسيّ، أمّا جاذب الانتباه فيسعى للمكاسب الشخصيّة والشهرة. وتبني المعارضة الحقيقيّة مؤسّسات وائتلافات دائمة، وفي المقابل يعتمد المؤدّي على ردود الأفعال العابرة كإعجابات فيسبوك والظهور الإعلاميّ. كذلك، تقدّم المعارضة الحقيقيّة بدائل عمليّة، والناقد الباحث عن الانتباه يكتفي بالهدم دون البناء.
هذا التمييز ضروريّ لفهم ديناميكيّات السياسة المعاصرة، خاصّة في عصر وسائل التواصل الاجتماعيّ وام التي تخلط الحدود بين النقد الجادّ والأداء المسرحيّ. هؤلاء المؤدّون المسرحيّون ليسوا قادة، ولن يكونوا قادة، وغير راغبين بمسؤوليّة القيادة، وغير قادرين على قيادة أيّ شيء سوى الغوغاء.

طبيعة المعارضة السياسيّة الأصيلة
سقط نظام الأسد بعد نحو قرن من عهد الاستبداد، وبدأت ممارسة المعارضة فعل سياسيّ حقيقيّ في حياة السوريّين. هنا، يطرح الأدب الأكاديميّ تحليلاً شاملاً للفروقات الأساسيّة بين المعارضة الأصيلة والنقد الباحث عن الانتباه، لفهم وتقييم الحركات والشخصيّات السياسيّة.
المعارضة السياسيّة الحقيقيّة تتجاوز النقد السطحيّ لتتحدّى الدولة والنظام القائم منهجيّاً. هذا التحدّي يتّخذ أشكالاً متنوّعة تشمل المشاركة السياسيّة وتشكيل جماعات الضغط للتأثير في السياسات والدفاع عن القضايا الجوهريّة. فالطبيعة الهادفة والمنظّمة تميّز هذا النوع من المعارضة عن أشكال النقد العابر. إذ إنّ وضوح الرؤية والأهداف طويلة المدى يمثّل العمود الفقريّ للمعارضة الأصيلة. والدوافع السياسيّة الحقيقيّة تظهر سلوك موجّه نحو الهدف، مدفوعاً بالحاجة للقوّة والانتماء والألفة والإنجاز. هذه الدوافع تترجم عمليّاً إلى برامج سياسيّة واضحة وخطط محدّدة للتغيير المطلوب.

معايير التمييز وجوقة الأداء المسرحي
التمييز بين المعارضة الأصيلة وجوقة الأداء المسرحيّ يظهر بوضوح في مستويات متعدّدة. إذ:
- تسعى المعارضة الحقيقيّة للتغيير المؤسّسيّ والهيكليّ العميق، أمّا جاذب الانتباه فيسعى للمكاسب الشخصيّة والظهور الإعلاميّ دون التزام حقيقيّ بالتغيير.
- المعارضة الحقيقيّة تبني مؤسّسات وائتلافات دائمة قادرة على الاستمرار والتطوّر. في المقابل، يعتمد المؤدّي على ردود الأفعال العابرة والضجيج المؤقّت كإعجابات فيسبوك والظهور الإعلاميّ، الذي يختفي بسرعة مع تغيّر الأحداث.
- المعارضة الحقيقيّة تقدّم بدائل عمليّة وتتحمّل مسؤوليّة طرح حلول قابلة للتطبيق مع خضوعها للمساءلة حول جدوى هذه الحلول. أمّا الناقد الباحث عن الانتباه، فيكتفي بالهدم والانتقاد دون تقديم رؤية بنّاءة للمستقبل أو تحمّل مسؤوليّة النتائج.
غياب البرامج البديلة يكشف عن ضعف جوهريّ في هذا النهج المدمّر. والنقد الباحث عن الانتباه يركّز على انتقاد الموجود دون تقديم خطط للتحسين، ليصبح عقيماً ولا يؤدّي إلى تطوير حقيقيّ في المجتمع.

سيكولوجيا النقد الأعمى وسلوك الغوغاء
يقدّم التحليل النفسيّ والاجتماعيّ تفسيراً لانقسام الأفراد إلى تيّارات تدافع عن الاستقرار المألوف وأخرى تسعى للتغيير. إذ تتفاقم هذه الديناميكيّة في حالات الاستقطاب السياسيّ الحادّ، لتدفع كلّ طرف نحو الانغلاق الفكريّ، وتصديق المعلومات الموافقة لآرائه المسبقة، ورفض أيّ حقيقة تخالف معتقداته. يُنتج هذا الاستقطاب حالة من الانحياز التأكيديّ والنقد الأعمى الذي يبتعد عن البحث عن الحقيقة، ليتحوّل إلى أداة لترسيخ القناعات الذاتيّة.
يبرز {الأسلوب التجاوزيّ} سمة أساسيّة لهذا السلوك الشعبويّ، متجاهلاً القواعد المتعارفة للممارسة السياسيّة، ومستخدماً السخريّة والافتعال لفضح تصرّفات الخصوم بهدف حصد الشعبيّة الجماهيريّة. ويرتكز هذا النمط الاستعراضيّ أساساً على إثارة الجدل وتأجيج العواطف، مبتعداً عن طرح بدائل واقعيّة أو صياغة حلول عمليّة للأزمات.
يفتقر هؤلاء المؤدّون المسرحيّون للمقوّمات الفعليّة للقيادة، وتغيب عنهم الرغبة في تحمّل مسؤوليّاتها الثقيلة، لتقتصر قدرتهم التأثيريّة على توجيه الحشود الغوغائيّة العابرة.

وجوه التضليل ونماذج الأداء المسرحي
تبرز في مشهد الأداء المسرحيّ ثلاثة أسماء اتّخذت من منصّات التواصل الرقميّة مساحة لتقمّص أدوار معارضة زائفة. وتؤكّد المعرفة الشخصيّة العميقة والمباشرة بهؤلاء، والممتدّة لأكثر من عشرين سنة، تجرّدهم من أيّ قيمة سياسيّة أو وطنيّة حتّى قبل انطلاق الثورة حين كنتُ أعيش في دمشق. ولم ينل أيّ منهم مديحاً يوماً، بل تهاجم الغوغاء والشبّيحة كلّ نقد علميّ يوجّه لتفكيك بنيتهم.
يُقدّم نضال معلوف نموذجاً صارخاً لهذا التناقض، فالمعلومات توثّق تعاونه السابق مع فرع الأمن السياسيّ، وعمله خادماً لمصالح آل طلاس حلفاء آل الأسد. وتكشف مواقفه المزدوجة خللاً جسيماً في معايير الوطنيّة لديه؛ فهو يرفض الإدارة الحاليّة متذرّعاً بالدعم التركيّ وبوصفها إدارة جهاديّة تضمّ أفراداً من خارج الحدود. وفي اللّحظة ذاتها، يشرعن التدخّل الأجنبيّ حين يحرّض على الإطاحة بالسلطة بالاستعانة بقوّات قسد الكرديّة وفصائل الهجريّ الإسرائيليّة، متجاهلاً ارتباط قسد المباشر بالدعم الأميركيّ والإسرائيليّ.
وينسحب هذا التوصيف على ماهر شرف الدين، الذي انخرط في ممارسة التحريض الطائفيّ وأدّى أدواراً وضيعة لتأجيج الانقسام. أمّا إياد شربجي، فتؤكّد الوقائع تعاونه مع الأمن السوريّ منذ أيّام ربيع دمشق وعمله مخبراً لفرع الأمن السياسيّ. وتلاحقه اتّهامات موثّقة باستغلال الأزمات للبروز الإعلاميّ، ما ينفي عنه أيّ صفة تتعلّق بالمعارضة الوطنيّة النزيهة.
ينبغي التوضيح أنّ إيراد هذه الأسماء الثلاثة لا يستهدفهم شخصيّاً أو حصريّاً، بل يأتي ذكرهم لتقديم أمثلة واقعيّة تجسّد حالة جوقة الأداء المسرحيّ. إذ يهدف هذا العرض أساساً لتسهيل مهمّة المتابع في تمييز المعارضة السياسيّة الحقيقيّة، وتبيان الفروق الجوهريّة بين العمل السياسيّ الأصيل واصطياد الانتباه. يمثّل هؤلاء ظاهرة أوسع تتجاوز أشخاصهم لتشمل كلّ مستفيد يبحث عن الشهرة على حساب القضايا الوطنيّة.
يختلف هؤلاء جذريّاً عن جوهر المعارضة السياسيّة الأصيلة؛ فالمعارضة الحقيقيّة تبني مؤسّسات وائتلافات دائمة وتقدّم بدائل عمليّة. وفي المقابل، يكتفي هؤلاء بالهدم واستثمار ردود الأفعال العابرة كإعجابات فيسبوك والظهور الإعلاميّ. فيجمعون حولهم جمهوراً من المتذمّرين، ويستثمرون خوارزميّة فيسبوك التي ترفع من شأن الشتائم والتعليقات الهجوميّة لصناعة وهم التأثير.
لو أراد هؤلاء الثلاثة وأمثالهم ممارسة معارضة سياسيّة حقيقيّة، لكان مسارهم مختلفاً تماماً. لكان الأجدر بهم استثمار جهودهم في بناء كيانات سياسيّة منظّمة، وتأسيس أحزاب أو حركات تملك رؤية واضحة ومشاريع قابلة للتطبيق. وبدلاً من الاكتفاء بالظهور الإعلاميّ وحصد التفاعلات الرقميّة، كان بوسعهم صياغة برامج وطنيّة شاملة تطرح حلولاً عمليّة للأزمات، وتشكيل تحالفات استراتيجيّة مع القوى الديمقراطيّة لتنسيق عمل منهجيّ طويل المدى.
المعارضة الأصيلة تفرض على صاحبها النزول إلى ميدان العمل المؤسّسيّ، وتحمّل مسؤوليّة القيادة، وتقديم بدائل حقيقيّة تخضع للمساءلة، لا البقاء في مساحة النقد الآمنة التي تكتفي بالهدم وإثارة الغرائز. أمّا هؤلاء المؤدّين فليسوا قادة، ولا يملكون الرغبة أو القدرة على قيادة أيّ شيء سوى الغوغاء.

أهمية الوعي وبناء التحالفات
يشكّل الفرز الدقيق بين المعارضة الجادّة والأداء المسرحيّ متطلّباً أساسيّاً لفهم تعقيدات المشهد السياسيّ المعاصر. وتتضاعف أهميّة هذا الفرز في حقبة المنصّات الرقميّة التي تذيب الفوارق بين النقد المنهجيّ وعروض الاستعراض الباحثة عن الشهرة. ويتيح هذا الوعي تقييماً موضوعيّاً للفاعلين والحركات السياسيّة، ويفرز بوضوح الساعين لنهضة المجتمع عن المستثمرين في الأزمات لجني مكاسب شخصيّة وحصد الانتباه الجماهيريّ.
تتطلّب المعارضة الفاعلة تبنّي استراتيجيّات استباقيّة تفكّك الاستقطاب المدمّر، وتؤسّس لمحور وطنيّ بديل يدعم التحوّل الديمقراطيّ. وتبرز القدرة على نسج التحالفات الاستراتيجيّة وإدارة العمل المنهجيّ بعيد المدى، بعيداً عن الانفعالات اللّحظيّة، مؤشّر حاسم على نضج الكيانات المعارضة. ويمثّل الرسوخ المبدئيّ الخطّ الفاصل الذي يعزل المعارضة الأصيلة عن الانتهازيّة السياسيّة.

خاتمة: نحو وعي سياسيّ فاعل
إدراك الفوارق الدقيقة بين المعارضة الأصيلة وأنماط الأداء المسرحيّ متطلّب أساسيّ لبلورة وعي سياسيّ ناضج. كما يسهم استمرار الخلط بين النقد المنهجيّ وعروض الشهرة في خدمة بنى الاستبداد وإطالة أمد الأنظمة القمعيّة، إلى جانب تشتيت مساعي التغيير الفعليّ. يضع هذا الواقع مسؤوليّة مباشرة على عاتق المتابع والناشط لتشكيل حائط صدّ ووقاية تفكّك سرديّات التضليل.
يستوجب السعي للتغيير تبنّي منهجيّة نقديّة واعية عند استهلاك المحتوى السياسيّ. ويستلزم الأمر البحث الدائم عن المشاريع العمليّة والبدائل المؤسّساتيّة قبل منح الثقة لأيّ متصدّر للمشهد العامّ.
يطرح هنا تساؤل جوهريّ حول جدوى الخطاب: هل يقدّم المتحدّث حلولاً استراتيجيّة أم يكتفي بافتعال الضجيج؟ وهل يؤسّس لكيانات مستدامة أم يجمع تفاعلات رقميّة؟
يتحتّم تجنّب التفاعل مع المحتوى المعتمد على الإثارة وإشعال الغرائز، فالإعجاب والمشاركة يغذّيان خوارزميّات التضليل المنظّم. ويوجّه الدعم نحو الحركات والشخصيّات العاملة بصمت لبناء حلول قابلة للتنفيذ، والقادرة على تحمّل مسؤوليّة القيادة بوضوح. يبني هذا الوعي الرصين مستقبلاً حرّاً ويؤسّس لديمقراطيّة متينة.
مراجع
- المرجع الأساسيّ لدوافع السلوك (الحاجة للقوّة، الانتماء، والإنجاز): McClelland, D. C. (1987). Human Motivation. Cambridge University Press. الرابط: https://doi.org/10.1017/CBO9781139878289
- المرجع الأساسيّ للأسلوب التجاوزيّ والأداء المسرحيّ في السياسة: Moffitt, B. (2016). The Global Rise of Populism: Performance, Political Style, and Representation. Stanford University Press. الرابط: https://doi.org/10.1515/9781503600324
- المرجع الأكاديميّ للمعارضة الأدائيّة عبر شبكات التواصل (Performative Activism): Kristofferson, K., White, K., & Peloza, J. (2014). The Nature of Slacktivism: How the Social Observability of an Initial Act of Token Support Affects Subsequent Prosocial Action. Journal of Consumer Research, 40(6), 1149-1166. الرابط: https://doi.org/10.1086/674137
- المرجع الكلاسيكيّ للاستقطاب السياسيّ والانحياز التأكيديّ (النقد الأعمى): Lord, C. G., Ross, L., & Lepper, M. R. (1979). Biased assimilation and attitude polarization: The effects of prior theories on subsequently considered evidence. Journal of Personality and Social Psychology, 37(11), 2098–2109. الرابط: https://doi.org/10.1037/0022-3514.37.11.2098





اترك رد