لم يكن سقوط نظام الأسد في سوريا مجرّد تحول سياسي على الخريطة، بل كان في جوهره إعلاناً لسقوط منظومة كاملة من “النمذجة” الغربية، تلك التي طالما تعاملت مع شعوب المنطقة أرقام هامشية في معادلات الاستقرار، أو ضحايا يحتكر الخبراء حق الحديث باسمهم.
في هذا السياق، يأتي المقال الذي بين أيدينا ليقدّم قراءة مغايرة وجريئة؛ قراءة لا تكتفي بالاحتفاء بالتحرّر، بل تغوص عميقاً لتفكيك “بنية الإفلات من العقاب” التي يتشاركها طغاة الشرق مع نخب الغرب “المتحضّرة”، مستحضرةً فضيحة “ملفات إپستين” دليل دامغ على أنّ الفساد والعتامة ليسا خصائص حصرية لمنطقتنا كما روّجت الأكاديميا طويلاً.
صاحبة هذه الرؤية الثاقبة هي الباحثة والكاتبة الأكاديمية لين الخطيب (مؤلّفة كتاب Islamic Revivalism in Syria وكتاب Quest for Democracy). صادفت مقالها اليوم على صفحة راديو سوريا الحرّة على فيٓسبوك، وحرصاً على تقديم هذا النص الهام للقارئ العربي بدقّة وموثوقية، بادرتُ بالتواصل المباشر مع الكاتبة، وقد خصّت مدوّنة البخاري مشكورةً بإذن لترجمة وإعادة نشر هذا المقال الذي يُنصف الوعي السوري.
أترككم مع نص المقال:
عن إپستين، ودراسات الشرق الأوسط، وسوريا
بقلم: لين الخطيب 3 شباط (فبراير) 2026
عندما سقط الأسد في كانون الأول (ديسمبر)، كان ذلك انتصاراً لما جادل به بعضنا ممن يدرسون المنطقة سنوات: لم يكن الناس هم المشكلة أبداً؛ بل كانوا الحل الذي رفض الخبراء “نمذجته”. لقد أخبر ألمع العلماء العالم أن سوريا “أوتوقراطية مستقرة”، وأن الأسد كان أفضل من البديل. قلتُ أنا وآخرون إن الانتفاضة أثبتت عكس ذلك. تم تجاهلنا حتى أصبحنا على حق.
عدسة إپستين: تماثل الفساد
لكنّني أفكر في هذا الانهيار الآن عبر عدسة مختلفة: ملفات إپستين. ليس لأنّ لچيفري إپستين علاقة مباشرة بسوريا، بل لأنّ شبكته كشفت شيئاً حاول بعضنا في مجال “دراسات الشرق الأوسط” صياغته لسنوات، وهو أن “أخيار” الغرب يعملون بنفس الإفلات من العقاب، ونفس عتامة الـ”أوفشور” offshore، ونفس الإعفاءات السيادية من المساءلة التي قضى العديد من الأكاديميين عقوداً في تشخيصها حالة مرضية “شرق أوسطية” فريدة.
الديمقراطيات اللّيبرالية ذاتها التي كانت تحاضر على العالم العربي حول الشفافية، كانت تؤوي بالضبط ذلك النوع من فساد النخبة الذي ادعت أنه يجعل منطقتنا غير قابلة للحكم. كشفت شبكة إپستين —المتغلغلة في الجامعات، ومراكز البحوث think tanks، ودوائر السياسات— ما كان السوريّون يعرفونه بالفعل: الثنائية كانت دائماً كذبة.
الأكاديميا بنية تحتية للتضليل
لعقود، عملت دراسات الشرق الأوسط بنية تحتية للقوّة الناعمة لهذه الكذبة. كانت الفرضية بسيطة: الغرب يساوي الحكم الرشيد وحقوق الإنسان؛ والعالم العربي يساوي الراديكالية والتحولات الفاشلة.
عندما تحدى الباحثون هذا، لم يتخلَّ المجال عن التحيّز—بل منحه درجة الدكتوراه. دُفِنت ثنائية “المتحضّر مقابل البدائي” تحت كم هائل من المصطلحات المتخصّصة لدرجة أن حتى المحكمين الأقران لم يتمكّنوا من استخراج التحيز الكامن تحتها.
لم تكتفِ المنح الدراسية بوصف المنطقة، بل شكلت كيفية فهم صانعي السياسات والجمهور لها، وبذلك، فهمهم لأنفسهم. “تعزيز الديمقراطية”. “بناء القدرات المؤسّسية”. احترام أكاديمي يغسل (يبيّض) التدخّل الافتراسي للجماهير التي كانت بحاجة للإيمان بالنوايا الحسنة.
أنا أؤمن بعمق بالأنظمة الديمقراطية اللّيبرالية وحقوق الإنسان. ما أنتقده هو المنح الدراسية المتجذّرة في الخداع؛ مجال وضع الأكاديميّين الغربيّين حكّام محايدين بدلاً من كونهم مهندسين نشطين للكابوس الإقليمي الذي ادعوا دراسته.
ذريعة “الجهادية” وتغييب الإنسان
أصبح الهوس بـ”الجهادية” الذريعة المثالية. سُطِّحت الحركات السياسية المعقّدة إلى عروض مرعبة أحادية البعد (مونوليثية)، حاجبةً تطلّعات الناس الحقيقية وآلامهم، وكرامتهم وحقّهم في الفاعلية. في سوريا، كان هذا التأطير هدية للأسد: وقد اختزل ثورة شعبية في “أي رجل ملتحٍ يخيفك أقل؟”. اختفى القتل الجماعي في السجون تحت دراسات التطرّف المقارنة.
ناسب هذا الجميع. النظام. والأجهزة الأمنية الغربية. والعلماء الذين يتنقلون بسلاسة بين الجامعات والمكاتب السياسية للإدارات التي سلحت الطغاة الذين درسوهم.
السوريّون يرفضون الثنائية الزائفة
لكنّ السوريّين لم يقبلوا هذه الثنائية قط. ليس لأنّهم أذكى من أن يخدعهم العالم من حولهم، بل لأنّ تجربتهم المعاشة أخبرتهم بخلاف ذلك. عندما ارتفعت هتافات الكرامة في 2011، رفضوا كلّاً من المستبدّ المحلّي والنظام العالمي الذي عدّوه “شرّاً لابد منه”.
انكشاف إپستين مهم هنا لأنّه يجعل ما كان حقيقيّاً دائماً غير قابل للإنكار أخيراً: الفساد ليس مرضاً غريباً exotic. بل هو جزء من النظام. يشارك “الأخيار” نفس الثغرات القضائية، ونفس هياكل الإفلات من العقاب. الناس الذين تعرّضوا للتلاعب بعقولهم gaslighting لسنوات لقولهم إنّ الإمبراطور عارٍ لم يكونوا مجانين؛ كانوا على حق.
تحرير سوريا يثبت الشيء نفسه. من چومسكي إلى خبير الشأن السوري “Syriologist” العادي، فشل الخبراء لأنّهم وضعوا نماذج للجميع باستثناء الناس. المتغيّر المستقل الوحيد الذي كان مهماً.
النص الأصلي للمقال:
On Epstein, Middle Eastern Studies, and Syria

When Assad fell in December, it vindicated what some of us studying the region had been arguing for years: the people were never the problem; they were the solution the experts refused to model.
Syria, the most accomplished scholars told the world, is a “stable autocracy.” And Assad was better than the alternative. Myself and others said the uprising proved otherwise. We were ignored until we were right.
But I’m thinking about this collapse through a different lens now: the Epstein files.
Not because Epstein had anything to do with Syria directly, but because his network exposed something some of us in “Middle East Studies” had been trying to articulate for years, which is that the West’s “good guys” operate with the same impunity, the same offshore opacity, the same sovereign exemptions from accountability that many academics spent decades pathologizing as uniquely “Middle Eastern.”
The same liberal democracies lecturing the Arab world about transparency were sheltering exactly the kind of elite corruption they claimed made our region ungovernable.
Epstein’s network—threaded through universities, think tanks, and policy circles—revealed what Syrians already knew: the binary was always a lie.
For decades, Middle East Studies functioned as soft-power infrastructure for this lie. The premise was simple: the West equals rational governance and human rights; the Arab world equals radicalism and failed transitions.
When scholars challenged this, the field didn’t abandon the bias—it just gave it a PhD. The “civilized vs. primitive” binary got buried under enough jargon that even peer reviewers couldn’t excavate the prejudice beneath.
The scholarship didn’t just describe the region, it shaped how policymakers and publics understood it, and in turn, themselves. “Democracy Promotion.” “Institutional Capacity Building.” Academic respectability laundering predatory intervention for audiences who needed to believe in good intentions.
I deeply believe in liberal democratic systems and human rights. What I’m criticizing is scholarship rooted in deception; a field that positioned Western academics as neutral arbiters rather than active architects of the regional nightmare they claimed to study.
The obsession with “jihadism” became the perfect alibi. Complex political movements flattened into monolithic horrifying shows, eclipsing actual people’s aspirations and pain, and dignity and right to agency.
In Syria, this framing was a gift to Assad: it reduced a popular revolution to “which bearded man scares you less?” Mass murder in the prisons disappeared beneath comparative radicalization studies.
This suited everyone. The regime. The Western security apparatus. The scholars moving seamlessly between universities and the policy offices of administrations that armed the dictators they studied.
But Syrians never accepted the binary. Not because they’re too smart for the world around them, but because their lived experience told them otherwise.
When the chants for dignity rose in 2011, they rejected both the local despot and the global order that deemed him a “necessary evil”.
Epstein’s exposure matters here because it finally makes undeniable what was always true: the corruption isn’t exotic pathology. It’s part of the system. The “good guys” share the same jurisdictional loopholes, the same structures of impunity. The people gaslit for years for saying the emperor had no clothes weren’t crazy; they were right.
Syria’s liberation proves the same thing. From Chomsky to your average Syriologist, experts failed because they modeled everyone except the people. The only independent variable that mattered.
By Line Khatib 3 February 2026
ملحق توضيحي:
ما هي “قضية إپستين” التي استشهدت بها الكاتبة؟
لكي تكتمل الصورة لدى القارئ حول المقارنة الجريئة التي عقدتها لين الخطيب بين أنظمة الاستبداد في الشرق وشبكات النفوذ في الغرب، لا بد من تفكيك ماهية “ملفات إپستين” التي ضربت عمق المؤسسة الغربية.
تتمحور القضية حول الملياردير الأميركي چيفري إپستين Jeffrey Epstein، الذي أدار لعقود شبكة دولية معقّدة للاتّجار بالقاصرات والاستغلال الجنسي، متخفّياً خلف واجهة من العمل الخيري ودعم العلوم والفنون. لكنّ جوهر الفضيحة لا يكمن في الجرائم الجنسية فحسب، بل في “شبكة الحماية” الهائلة التي أحاطت به. تمكّن إپستين، عبر نفوذه المالي وعلاقاته بالأجهزة الاستخباراتية، من الإفلات من المحاسبة لسنوات طويلة، بل وحصل في عام 2008 (1429 هـ) على صفقة قضائية مريبة منحته حصانة شبه كاملة، في تجسيد حي لمفهوم “الإفلات من العقاب” الذي تظن الدول الغربية أنه حكر على دول العالم الثالث.
أما ما يُعرف بـ “ملفّات إپستين”، فهي آلاف الوثائق القضائية التي رُفعت عنها السرية بأمر قضائي في بداية عام 2024 (رجب 1445 هـ)، والمتعلّقة بقضية شريكته گيسلين ماكسويل Ghislaine Maxwell. لم تكن هذه الملفّات مجرّد أوراق محكمة، بل كانت أشبه بـ”سجل الزوار” للنظام العالمي الفاسد؛ إذ كشفت عن أسماء عشرات الشخصيّات من رؤساء دول (مثل بيل كلينتون ودونالد ترامب)، وأمراء (مثل الأمير أندرو)، وعلماء بارزين، وأكاديميّين كبار، كانوا يتردّدون على جزيرة إپستين الخاصة أو يسافرون على طائرته المعروفة بلقب “لوليتا إكسبرس”.
تكتسب هذه القضية بعداً جوهريّاً في سياق مقال لين الخطيب عند النظر إلى الاختراق الأكاديمي؛ فقد كشفت الوثائق أنّ إپستين كان يموّل مختبرات ومراكز بحوث في أعرق الجامعات مثل هارڤارد Harvard ومعهد ماساتشوستس للتكنولوچيا MIT. كان هؤلاء الأكاديميّون، الذين يصيغون نظريّات “الحوكمة” و”حقوق الإنسان” للعالم، يتقبّلون تبرّعات من شخص يدير شبكة استعباد جنسي، ويمنحونه غطاءً أخلاقيّاً وعلميّاً “يبيّض” سمعته.
انتحار إپستين الغامض في زنزانته عام 2019 (1440 هـ) قبل محاكمته، ترك العديد من الأسئلة معلّقة، لكنّه أكّد الحقيقة التي أشارت إليها الكاتبة: أنّ “الدولة العميقة” في الغرب تمتلك آليّات لطمس الحقائق وحماية المتنفّذين لا تختلف في جوهرها عن آليّات الأنظمة الشمولية. الفارق الوحيد هو أنّ فساد الغرب يرتدي بزّة رسمية ويختبئ خلف إجراءات قانونية معقّدة، في حين يظهر فساد الشرق فجّاً ومباشراً. وكلاهما، في النهاية، وجهان لعملة واحدة يدفع ثمنها الإنسان البسيط.





اترك رد