مقدّمة
شكّلت منطقة آسيا الوسطى، الممتدّة من بحر قزوين غرباً إلى جبال ألتاي Алтай شرقاً، ومن السّـهوب القازاقيّة Қазақ даласы شمالاً إلى سلسلة جبال هندوكوش (هندوکش) جنوباً، مسرحاً تاريخيّاً لتقاطعات حضاريّة وإثنيّة معقّدة. وعلى مدى قرون طويلة، تفاعلت في هذه البوتقة الجغرافيّة شعوب ذات أصول تركيّة وفارسيّة وعربيّة، لتؤسّس نسيجاً ديموگرافيّاً يتّسم بالتّنوّع والعمق الحضاريّ.
تضرب جذور التّواجد العربيّ والعروبي عموماً في هذه المنطقة عميقاً في التّاريخ سابقةً العهد الإسلاميّ؛ فشهدت حواضر مثل مرو Merv وبُخارى Buxoro وهرات Herāt استقراراً لمجموعات آراميّة وسريانيّة وقبائل عربيّة طائية وحميرية، إبّان حقب الإمبراطوريّات الإخمينيّة والهلنستية والأشكانيّة والسّاسانيّة. ومع حلول القرنين الأوّل والثّاني الهجريّين (السّابع والثّامن الميلاديّين)، عزّزت الفتوحات الإسلاميّة هذا الحضور المبكّر بارتقاء العرب إلى سدّة الرّيادة والحكم، فاستقرّت حاميات عسكريّة وقبائل بدويّة نجدية ومضرية في الحواضر الكبرى، وتوسّعت لاحقاً لتشمل الأرياف والسّهول في قشقدريا Qashqadaryo وخاتلون Хатлон وسَمَرْقَند Samarqand. وعلى مدى قرون متعاقبة، تمكّنت هذه المجتمعات العربيّة من الحفاظ على خصوصيّتها الإثنيّة واللّغويّة في بيئة قاسية ومحيط ديموگرافيّ مختلف جذريّاً.
إلّا أنّ القرن الرّابع عشر الهجريّ (العشرين الميلاديّ) حمل معه تحوّلات راديكاليّة أعادت تشكيل الخريطة الدّيموگرافيّة والفكريّة للمنطقة بأسرها. إذ شكّلت السّياسات الإمبراطوريّة الرّوسيّة، وما تلاها من هندسة ديموگرافيّة سوڤييتيّة منهجيّة في حقبة جوزيف ستالين Иосиф Сталин ولاڤرينتي بيريا Лаврентий Берия، زلزالاً استهدف تفكيك البنى الإثنيّة والقبليّة والدّينيّة القديمة، واستبدالها بهويّات وطنيّة مُصنّعة تخدم أهداف المركزة السّياسيّة والاقتصاديّة في موسكو Москва.
يستقصي هذا التّقرير البحثيّ الشّامل تفاصيل العبث الرّوسيّ والسّوڤييتيّ في ديموگرافيّة جمهوريّتي طاجيكستان Тоҷикистон وأوزبكستان Oʻzbekiston، مع تسليط الضّوء المعمّق على المجتمعات العربيّة في هاتين الدّولتين (قبل حقبة التّرحيل وبعدها). ونحلّل في هذا التّقرير واقع شتاتهم المعاصر في المنافي، ومستوى وعيهم بهويّتهم القوميّة، بالإضافة إلى تقييم مشاريع استنهاض اللّغة العربيّة والتّراث المحلّيّ. ويفرد التّقرير حيّزاً تحليليّاً واسعاً لتقييم جهود الباحثين المعاصرين، وعلى رأسهم الباحث السّوريّ-الأوزبكيّ مؤنس بُخاري، في توثيق التّراث العربيّ وحمايته في آسيا الوسطى عبر الفضاء الرّقميّ والهندسة المجتمعيّة.

الجذور التّاريخيّة للوجود العربيّ في تركستان وآسيا الوسطى
لا يمكن فهم التّحوّلات المعاصرة للعرب في آسيا الوسطى دون العودة إلى جذورهم التّاريخيّة العميقة. تشير السّجلّات التّاريخيّة إلى سبق الوجود العروبي والعربيّ بالأخصّ في هذه البقاع لظهور الإسلام؛ فلم تكن الهجرات العربيّة نحو آسيا الوسطى حدثاً منفرداً أو وليد الفتوحات حصراً، بل جرت عبر موجات متتالية تمتدّ أصولها إلى حقب الإمبراطوريّات الإخمينيّة والهلنستية والأشكانيّة (الپارثية) والسّاسانيّة، لا بل يشير التاريخ إلى أنّ تفوّق الأشكان على السلوقيّين كان بالتحالف على عرب وسط آسيا، الخراسانيّين. وشهدت تلك العصور المبكّرة استقراراً لمجموعات آراميّة وسريانيّة وقبائل عربيّة يهودي من طيء وحِمير، في مناطق استراتيجيّة مثل مرو Merv وبخارى Buxoro وهرات (حيرات).
ومع حلول القرنين الأوّل والثّاني الهجريّين (السّابع والثّامن الميلاديّين)، تكثّفت هذه الهجرات لتبلغ ذروتها عندما تقدّمت الجيوش الإسلاميّة نحو بلاد ما وراء النّهر Transoxiana وخراسان، لتؤسّس حاميات عسكريّة ضخمة. وتبيّن الدّيناميّات التّاريخيّة أنّ هويّة هؤلاء المستوطنين الأوائل لم تقتصر على الجنديّة فحسب، بل شملت الهجرات قبائل بدويّة بِرُمَّتها جلبت معها نمط حياتها القائم على تربية الماشية والزّراعة، فضلاً عن نظمها الاجتماعيّة ولغتها وحضارتها.
استقرّ العديد من هؤلاء الوافدين الجدد، جنباً إلى جنب مع أبناء عمومتهم ممّن سبقوهم، في محيط مدينتي بخارى وسمرقند، اللّتين تحوّلتا لاحقاً إلى مراكز إشعاع حضاريّ للعلوم الإسلاميّة واللّغة العربيّة، فتفاعلت المعارف العربيّة مع التّقاليد الصُّغديّة Soġd والخوارزميّة والتّركيّة.
بمرور الزّمن، ونتيجة للصّراعات الجيوسياسيّة وتعاقب الإمبراطوريّات (مثل الإمبراطوريّة السّامانيّة، ثمّ الغزوات المغوليّة، وصولاً إلى الحقبة التّيموريّة)، تعرّضت هذه المجتمعات العربيّة لعزلة تدريجيّة عن العالم العربيّ الأمّ في الشّرق الأوسط والجزيرة العربيّة. وأفضت هذه العزلة الطّويلة، الممتدّة لمئات السّنين، إلى تحوّلات بنيويّة في طبيعة مجتمعاتهم؛ فحافظوا على نقائهم الإثنيّ عبر التّزاوج الدّاخليّ، لكنّ لغتهم العربيّة بدأت تتأثّر بشدّة باللّغتين الفارسيّة (الطّاجيكيّة) والتّركيّة (القارلوقية-الأوزبكيّة) المحيطتين بهم.
حتّى أوائل القرن الرّابع عشر الهجريّ (العشرين الميلاديّ)، وقبل إحكام الاتّحاد السّوڤييتيّ قبضته على المنطقة، كان متحدّثو العربيّة في أوزبكستان وطاجيكستان يعيشون حياة ريفيّة هادئة تعتمد على زراعة المحاصيل وتربية الماشية، مع التزام صارم بالتّعاليم الإسلاميّة والتّعليم الدّينيّ المستقلّ، ممّا جعلهم يشكّلون جسراً حضاريّاً نادراً يربط بين العالمين العربيّ والتّركيّ في قلب آسيا.


التّاريخ: 1928
المصدر: ك. رامزين К. Рамзин. الثّورة في آسيا الوسطى. موسكو: دار نشر ساكو، 1928.
العبث الدّيموگرافيّ الرّوسيّ والسّوڤييتيّ: آليّات التّفكيك وإعادة التّركيب
مثّل التّدخّل الرّوسيّ، بشقّيه الإمبراطوريّ القيصريّ والسّوڤييتيّ الشّيوعيّ، نقطة تحوّل كارثيّة في التّطوّر الطّبيعيّ لديموگرافيّة آسيا الوسطى. بدأت الإمبراطوريّة الرّوسيّة اهتمامها بالمنطقة في القرن الثّالث عشر الهجريّ (التّاسع عشر الميلاديّ) لدوافع اقتصاديّة وتنافسيّة مع الإمبراطوريّة البريطانيّة (فيما عُرف باللّعبة الكبرى/ The Great Game)، ممّا أفضى إلى غزو المنطقة وضمّها بحلول أواخر القرن المذكور. ولكنّ الهندسة الدّيموگرافيّة الأكثر عنفاً وتأثيراً نُفّذت في الحقبة السّوڤييتيّة المبكّرة.
ترسيم الحدود وصناعة الهويّات القوميّة Национально-территориальное размежевание
بعد انتصار البلاشفة Большевики في الحرب الأهليّة الرّوسيّة (1335-1339 هـ / 1917-1921 م)، واجهت القيادة السّوڤييتيّة تحدّياً يتمثّل في التّماسك الدّينيّ والإثنيّ لشعوب آسيا الوسطى، والّذي تجلّى في تمرّدات مسلّحة مثل {انتفاضة البسماچي} Босмачилик. ولمواجهة هذا التّهديد، قرّرت موسكو في عام 1342 هـ (1924 م) تفكيك الوحدات الإداريّة القديمة وتقسيم المنطقة إلى جمهوريّات اشتراكيّة على أسس إثنيّة-لغويّة مصطنعة.
أُنشئت جمهوريّات مثل طاجيكستان (الّتي بدأت جمهوريّة ذاتيّة الحكم داخل أوزبكستان قبل أن تستقلّ جمهوريّة اتّحاديّة عام 1347 هـ / 1929 م) وأوزبكستان. هدفت هذه العمليّة إلى تفتيت الهويّة الإسلاميّة والتّركستانيّة الجامعة، وخلق ولاءات وطنيّة جديدة مرتبطة بالدّولة السّوڤييتيّة المركزيّة. وترافق هذا التّقسيم مع إطلاق سياسات {الأوزبكة} Oʻzbeklashtirish و{الطّوجكة} Тоҷикисозӣ، فسعت كلّ جمهوريّة جديدة إلى تضخيم عدد سكّان قوميّتها الأساسيّة Титульная нация على حساب الأقلّيّات الإثنيّة الأخرى الّتي عاشت في المنطقة لقرون.
التّلاعب الإحصائيّ وطمس الهويّة العربيّة
استُخدمت التّعدادات السّكّانيّة السّوڤييتيّة، وتحديداً إحصاء عام 1344 هـ (1926 م)، أداة قمعيّة للهندسة الدّيموگرافيّة.و تعرّضت الأقلّيّات، ومنهم العرب، لعمليّة محو إحصائيّ ممنهج. على سبيل المثال، سُجّل العديد من سكّان القرى ذات الغالبيّة الطّاجيكيّة والعربيّة في مناطق {خُجَنْد} Хуҷанд و{فَرْغانة} Fargʻona و{بُخارى} و{سَمَرْقَند} على أنّهم أوزبك لتضخيم الأرقام القوميّة.
بالنّسبة للعرب تحديداً، أسفرت هذه السّياسات عن إجبارهم على تسجيل هويّاتهم الرّسميّة تحت مسمّى القوميّة المهيمنة في مكان إقامتهم. فالعرب القاطنون في طاجيكستان سُجّلوا كطاجيك، والعرب في أوزبكستان سُجّلوا كـأوزبك، ممّا أفضى إلى غياب متعمّد للوجود العربيّ من السّجلّات الرّسميّة والتّاريخ المكتوب بالرّوسيّة. وتشير السّجلّات إلى مساهمة المستشرقين السّوڤييت، أمثال {ڤاسيلي بارتولد} Василий Бартольд، عبر بحوثهم في صياغة هذا الواقع الجديد وتهميش التّكوين الإثنيّ المستقلّ للعرب في آسيا الوسطى.
عمليّات النّقل القسريّ للسّكّان Депортация народов
تبلورت قمّة الهندسة الدّيموگرافيّة السّوڤييتيّة في حقبة {جوزيف ستالين} و {لاڤرينتي بيريا}، فصُيّر البشر بيادق بشريّة يُمكن نقلها وزرعها لخدمة أهداف الدّولة. بين عامي 1348 هـ (1930 م) و 1371 هـ (1952 م)، نُفّذت عمليّات ترحيل قسريّ شملت ملايين المواطنين، إمّا طبقات اقتصاديّة (الگولاگ / Кулак) أو أقلّيّات قوميّة كاملة.
أثّرت هذه السّياسات على ديموگرافيّة طاجيكستان وأوزبكستان والمجتمعات العربيّة فيها بمسارين متعاكسين ولكنّهما متكاملان في نتائجهما التّدميريّة.
تجلّى المسار الأوّل في التّرحيل الخارجيّ إلى آسيا الوسطى، بتهجير قوميّات كاملة من القوقاز وشبه جزيرة القرم ومناطق أخرى، مثل الشّيشان وتتار القرم والكوريّين وألمان الڤولغا، إلى أوزبكستان وطاجيكستان إبّان الحرب العالميّة الثّانية. وأسفر هذا الإجراء عن تغيير جذريّ في التّركيبة الإثنيّة، وزيادة الضّغط على الموارد المحلّيّة، ليجبر السّكّان الأصليّين، ومنهم العرب، على تقاسم الأراضي الشّحيحة والموارد مع مئات الآلاف من الوافدين الجدد الّذين وُضعوا في معسكرات عمل قسريّة.
أمّا المسار الثّاني فتجسّد في التّرحيل الدّاخليّ وإعادة التّوطين، بنقل السّكّان الأصليّين قسراً من المناطق الجبليّة إلى الأراضي المنخفضة والحدوديّة. ففي عام 1343 هـ (1925 م)، نُقلت 55 ألف أسرة إلى وادي فَرْغانة، وبين عامي 1352 هـ (1933 م) و1360 هـ (1941 م)، نُقلت 26 ألف أسرة إلى الحدود الجنوبيّة لزراعة القطن وتأمين الحدود ضدّ أفغانستان. وأدّت هذه الخطوات إلى تفكيك الرّوابط القبليّة والإثنيّة المستقلّة، لتتعرّض القرى العربيّة المتبقّية للتّشتّت، ويُجبر أبناؤها على العمل في مزارع الدّولة، أو ما يُعرف بالكولخوزات Колхоз، في ظروف بدائيّة خالية من البنية التّحتيّة الأساسيّة، ممّا أفضى لكسر استقلاليّتهم الاقتصاديّة.
أدركت القيادة السّوڤييتيّة أنّ الرّوابط اللّغويّة والدّينيّة والتّراثيّة للعرب في آسيا الوسطى تشكّل امتداداً جيوستراتيجيّاً وروحيّاً للعالم الإسلاميّ الأوسع، وهو ما تعارض بشكل صارخ مع برامج التّرويس Русификация والتّحوّل نحو الإلحاد الممنهج. لذلك، لم تكن الهندسة الدّيموگرافيّة ضرورة اقتصاديّة فحسب، بل عمليّة استئصال هويّاتيّ تهدف إلى عزل هذه المجتمعات عن عمقها التّاريخيّ.

عرب طاجيكستان: من الاستقرار التّاريخيّ إلى التّهميش والشّتات
على الرّغم من كون طاجيكستان الأصغر مساحة بين دول آسيا الوسطى المستقلّة عن الاتّحاد السّوڤييتيّ، تتميّز بتضاريس جبليّة وعرة تغطّي 90% من مساحتها، وتركيبة إثنيّة شديدة التّعقيد. وفقاً للإحصاء السّكّانيّ لعام 1431 هـ (2010 م)، يبلغ عدد العرب المعترف بهم رسميّاً في طاجيكستان ما يزيد قليلاً عن 4000 نسمة، غير أنّ التّقديرات السّوسيولوجيّة غير الرّسميّة تؤكّد تجاوز الرّقم الفعليّ ذلك بكثير، نظراً لتسجيل الغالبيّة السّاحقة من ذوي الأصول العربيّة طاجيك في وثائقهم الرّسميّة منذ العهد السّوڤييتيّ.
جغرافيّة التّواجد وحالة العرب قبل التّرحيل السّوڤييتيّ وبعده
يتركّز التّواجد العربيّ في طاجيكستان الحديثة بشكل شبه حصريّ في المناطق الجنوبيّة، وتحديداً في محافظة خاتلون الّتي تشكّلت من دمج محافظتي كولياب Кӯлоб وكورگان-تيوبي Қӯрғонтеппа السّابقتين. وتبرز مناطق مثل شهرتوس Шаҳритус وقبوديان Қубодиён معاقل رئيسيّة لهذا الوجود.
قبل الحقبة السّوڤييتيّة، كان عرب هذه المناطق يتمتّعون باستقلاليّة نسبيّة؛ فمارسوا الزّراعة وتربية المواشي، واحتفظوا بنظامهم التّعليميّ الدّينيّ التّقليديّ الّذي ضمن استمرار التّمسّك بالهويّة الإسلاميّة العربية وبعض الرّوابط اللّغويّة.
ومع وصول السّلطة السّوڤييتيّة وفرض سياسات الزّراعة الجماعيّة Коллективизация، تعرّضت هذه المجتمعات لضربة قاصمة. استُهدفت مناطق خاتلون والوديان الجنوبيّة (مثل وادي ڤاخش / Вахш) لتكون مراكز كبرى لزراعة القطن. وأُجبر العرب، إلى جانب الطّاجيك الجبليّين، على التّوطين القسريّ في هذه السّـهول الحدوديّة لضمان تلبية حصص الإنتاج الزّراعيّ لموسكو، ولتأمين الحدود المتاخمة لأفغانستان من التّسلّل. وأفضت هذه السّياسة إلى تقويض الاقتصاد الرّعويّ المستقلّ للعرب وإخضاعهم الكامل لبيروقراطيّة مزارع الدّولة.
بعد انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ عام 1412 هـ (1991 م)، لم تجد طاجيكستان طريقاً نحو الاستقرار، بل انزلقت سريعاً إلى حرب الأهليّة طاجيكيّة (1412-1418 هـ / 1992-1997 م) أودت بحياة عشرات الآلاف وسبّبت نزوحاً داخليّاً وهجرة واسعة للأقلّيّات. ومثّلت محافظة خاتلون إحدى السّاحات الرّئيسيّة لهذه الحرب الطّاحنة بين فصائل مناطقيّة وأيديولوجيّة مختلفة (الشّيوعيّون القدامى ضدّ تحالف المعارضة الإسلاميّة والدّيمقراطيّة). وأفضى هذا الصّراع إلى تدمير ما تبقّى من بنية تحتيّة في القرى العربيّة، ودفع بالكثيرين إلى الهجرة أو النّزوح.
الوعي بالعروبة والتّقاليد المحفوظة برغم الطّمس الإحصائيّ
تُظهر الدّراسات الإثنوگرافيّة الميدانيّة المعاصرة مفارقة مثيرة للاهتمام: فبرغم اندثار اللّغة العربيّة لغة تخاطب يوميّ بين عرب طاجيكستان (لاتّخاذهم حاليّاً لهجة محلّيّة مشتقّة من الطّاجيكيّة)، إلّا أنّ وعيهم بهويّتهم الإثنيّة يظلّ متّقداً بشكل استثنائيّ. يتجلّى هذا الوعي والتّمسّك بالتّقاليد في عدّة محاور أساسيّة:
1. التّعريف الذّاتيّ المستقلّ Самосознание: بالرّغم من تصنيف الوثائق الحكوميّة وجوازات السّفر لهم في خانة القوميّة الطّاجيكيّة، يصرّ أبناء هذه القرى في حياتهم اليوميّة على التّمييز بين هويّتهم الإثنيّة وانتمائهم الوطنيّ. وتشير شهادات حيّة من سكّان منطقة شهرتوس (مثل فضيلة رجبوڤا ورهيب طشماتوڤ) إلى إدراك عميق بالانتماء، مصرّحين: «{نحن عرب، وُلدنا ونشأنا في شهرتوس… ربّما لا نعرف تحديداً مسار أجدادنا أو من أين أتوا بدقّة، ولكنّنا نعلم يقيناً بعروبتنا}.
2. الإندوگاميا والزّواج الدّاخليّ الصّارم Эндогамия: يمثّل الزّواج الخارجيّ خطّاً أحمر في التّقاليد العربيّة الطّاجيكيّة. إذ يرفض المجتمع بشكل قاطع تزويج بناته لرجال من قوميّات أخرى (سواء أكانوا طاجيكاً أم أوزبكاً)، ويُستخدم هذا العرف الاجتماعيّ الصّارم جدار حماية أخير لضمان النّقاء الإثنيّ والحفاظ على تماسك المجتمع الصّغير وسط أغلبيّة ديموگرافيّة كاسحة.
3. الالتزام الدّينيّ والتّماسك المجتمعيّ: يتبع عرب طاجيكستان المذهب الحنفيّ السّنّيّ، ويتميّزون بالتزام دينيّ قويّ ومحافظ (الصّلاة، الصّيام، الزّكاة). ويمتلكون في بعض القرى مساجد خاصّة بهم تُشكّل مراكز للتّجمّع والتّلاحم الاجتماعيّ، ممّا يميّزهم عن بعض جيرانهم ويُدحض الكثير من الأساطير والشّكوك الّتي تروّجها بعض المجتمعات المحلّيّة حول طبيعة عقائدهم. كما ينأون بأنفسهم عن التّداخل مع الأقلّيّات الأخرى للحفاظ على استقلاليّتهم الاجتماعيّة.
الشّتات المعاصر ومشاريع الاستنهاض في طاجيكستان
أفرزت الظّروف الاقتصاديّة الخانقة في طاجيكستان، أفقر دول الاتّحاد السوڤييتيّ السّابق، شتاتاً عمّاليّاً هائلاً. ينخرط الآلاف من شباب وشابّات طاجيكستان، بمن فيهم ذوو الأصول العربيّة من مناطق خاتلون وغيرها، في موجات هجرة عمّاليّة مكثّفة، تتّجه 80% منها نحو الاتّحاد الرّوسيّ. يعيش هؤلاء المهاجرون ظروفاً قاسية؛ فيضحي التّرحيل Депортация من روسيا لأسباب بيروقراطيّة أو صحّيّة أو حوادث عائليّة من أبرز أسباب العودة القسريّة إلى قراهم، ممّا يعرقل أيّ استقرار اقتصاديّ للمجتمع.
على صعيد مشاريع إعادة الاستنهاض الفكريّ أو اللّغويّ في طاجيكستان، يشير الواقع إلى غياب شبه تامّ لأيّ حراك مؤسّساتيّ منظّم أو مشاريع سياسيّة بجهود العرب المحلّيّين. ويعود ذلك لعدّة أسباب متداخلة، يتصدّرها الفقر المدقع والهمّ المعيشيّ الّذي يجعل أولويّة البقاء وتأمين القوت اليوميّ تتغلّب على ترف البحث المعرفيّ. يضاف إلى ذلك الرّقابة الأمنيّة الصّارمة؛ فالحكومة الطّاجيكيّة تفرض قيوداً خانقة على التّجمّعات الدّينيّة والأنشطة ذات الطّابع الإثنيّ أو الإسلاميّ غير الرّسميّ، بما في ذلك مراقبة الإنترنت ومنع التّمويل الخارجيّ، خشية تنامي تيّارات التّطرّف والجهاد الرّاديكاليّ أو تأثّر المناطق الحدوديّة في خاتلون بالتّنظيمات العابرة للحدود كداعش-خراسان.
وأخيراً، يقف الاندماج اللّغويّ التّامّ عائقاً أضعف القدرة على بناء مؤسّسات تعليميّة عربيّة، ليجعل الوعي بالعروبة حالة وجدانيّة واجتماعيّة محصورة في ممارسات الزّواج والدّين، أكثر من كونها حركة قوميّة منظّمة.

عرب أوزبكستان: حصون الهويّة في قشقدريا وبُخارى واللّغة الباقية
على النّقيض من طاجيكستان، يبرز الحضور العربيّ في أوزبكستان بوضوح وتأثير أكبر. تشير إحصاءات عام 1409 هـ (1989 م) إلى وجود حوالي 2800 عربيّ مسجّل، لكنّ الدّراسات الإثنوگرافيّة الحديثة تؤكّد تجاوز العدد الفعليّ ذلك بعشرات الآلاف، متركّزين جغرافيّاً في محافظتي قشقدريا وبُخارى، بالإضافة إلى تواجد أقلّ كثافة في سَمَرْقَند وسُرخاندريا Surxondaryo.
قرية {جَيناو}: معقل العرب الأوزبك التّاريخيّ
تمثّل قرية جَيناو Jeynau / Жейнау، الواقعة في سـهول قرشي Qarshi بمقاطعة ميريشكور Mirishkor ضمن إقليم قشقدريا، ظاهرة ديموگرافيّة فريدة ومعقلاً أساسيّاً للعرب في آسيا الوسطى. إذ يبلغ تعداد سكّان جَيناو ومحيطها حوالي 50,000 نسمة، ويشكّل العرب ما يقارب 80% من تركيبتها السّكّانيّة. وتعود التّسمية ذاتها إلى جذر لغويّ عربيّ مباشر يعني {أتينا} أو {جئنا}، في إشارة واضحة للرّحلة التّاريخيّة للمستوطنين الأوائل.
نجح أحفاد هؤلاء العرب في تحقيق صمود ديموگرافيّ نادر، محتفظين بتقاليدهم وعاداتهم وأنماط حياتهم لقرابة 14 قرناً، برغم كلّ محاولات التّذويب والإدماج في الحقبتين القيصريّة والسّوڤييتيّة.
السّياسات السّوڤييتيّة تجاه عرب أوزبكستان
عانى عرب أوزبكستان من نفس آليّات الهندسة الدّيموگرافيّة السّوڤييتيّة؛ فمورس عليهم ضغط هائل للتّخلّي عن هويّتهم الإثنيّة المستقلّة وتسجيل أنفسهم كـ{أوزبك} في الوثائق الثّبوتيّة، لا سيّما في الإحصاءات الّتي تلت عام 1344 هـ (1926 م). وخلال فترة التّجميع الزّراعيّ، نُظّمت قراهم ضمن نظام {الكولخوز} (المزارع الجماعيّة)، ممّا دمّر هيكلهم الاقتصاديّ التّقليديّ القائم على الرّعي الحرّ والتّجارة البينيّة. وأفضى انخراط الأجيال الشّابّة في مؤسّسات التّعليم السّوڤييتيّة والخدمة الإلزاميّة في الجيش الأحمر Красная армия إلى تسريع وتيرة فقدان الخصوصيّة اللّغويّة والتّراثيّة.
الوعي بالعروبة، التّراث، والتّقاليد الحيّة
بالرّغم من السّياسات القسريّة، يمتلك عرب أوزبكستان وعياً عميقاً بجذورهم يظهر في ممارسات حياتيّة يوميّة وفنون توارثوها جيلاً بعد جيل. ففي مجال الأزياء التّقليديّة والحليّ، لا تزال النّساء العربيّات في قرية جيناو يرتدين ملابس تقليديّة تختلف بوضوح عن الزّيّ القوميّ الأوزبكيّ المنتشر، ويحتفظن بعادة وضع قرط ذهبيّ في الحاجز الأنفيّ، وهو تقليد عربيّ عريق توارثنه عبر القرون. وفي ميدان الفنون والحرف اليدويّة، تبرز القرية مركز هامّ لإنتاج السّجّاد المنسوج بتقنيّات وتصاميم وزخارف عربيّة قديمة، تتداخل مع التّأثيرات المحلّيّة لتنتج فنّاً يوثّق قصّة الاندماج الاجتماعيّ مع الاحتفاظ بالبصمة الأصليّة. كما يبرع السّكّان في فنون التّطريز وصياغة المجوهرات المعقّدة المخصّصة للأفراح والاحتفالات الكبرى.
وعلى صعيد البنية الدّينيّة المستدامة، يمثّل المسجد التّاريخيّ في قرية جيناو، المشيّد عام 639 هـ (1242 م)، رمزاً معماريّاً وروحيّاً شاهداً على عراقة المجتمع وارتباطه العميق بالإسلام والتّراث المعماريّ الأصيل. أمّا في ما يخصّ الزّواج والرّوابط الاجتماعيّة، وعلى غرار نظرائهم في طاجيكستان، يمارس عرب أوزبكستان، وخاصّة في جيناو، سياسة زواج داخليّ شبه مغلقة تعرف بالإندوگاميا، فيعقد الزّواج حصريّاً بين أفراد المجتمع العربيّ لحفظ النّسل ومنع الذّوبان الكامل.

حالة اللّهجة العربيّة في آسيا الوسطى Среднеазиатский арабский язык
يمثّل البُعد اللّغويّ لعرب أوزبكستان أهمّ الظّواهر الجاذبة لاهتمام علماء اللّسانيّات.إذ تنقسم اللّـهجة العربيّة المتبقّية في آسيا الوسطى إلى لهجتين فرعيّتين أساسيّتين، بالكاد تفهمان بعضهما البعض:
- لهجة بُخارى Buxoro: وتُتحدّث في القرى المحيطة ببُخارى مثل (جوگاري / Joʻgari)، وتحمل تأثيرات عميقة من اللّغة الفارسيّة/الطّاجيكيّة.
- لهجة قشقدريا Qashqadaryo: وتُتحدّث في قرى جَيناو وقماشي Qamashi، وتحمل تأثيرات واضحة من اللّغة التّركيّة/الأوزبكيّة.
أظهرت الدّراسات اللّغويّة احتفاظ هذه اللّهجات بخصائص لغويّة قيسية قديمة جدّاً تسبق حتّى تمايز اللّهجات البدويّة والمدنيّة في بلاد النهرين، ممّا يؤكّد قِدَم الهجرة العربيّة الأولى. إلّا أنّ العزلة والتّأثير المحيط أفضيا إلى ظواهر غير مألوفة في اللّغات العروبية (السّاميّة)، أبرزها:
- التّحوّل في بنية الجملة من النّمط العربيّ التّقليديّ (فعل-فاعل-مفعول به / VSO) إلى النّمط الآسيويّ (فاعل-مفعول به-فعل / SOV)، بتأثير مباشر من اللّغتين الطّاجيكيّة والأوزبكيّة. وهنا تجدر الإشارة إلى اللّغة العربية المحكية في بغداد العبّاسية وعموم العراق قبل التغيير الديموغرافي المغولي، كانت على نمط (فاعل-مفعول به-فعل / SOV) بعكس النمط العربي الفصيح (فعل-فاعل-مفعول به / VSO). ما يفتح باب التشكيك في فرضية التأثّر مباشر من اللّغتين الطّاجيكيّة والأوزبكيّة.
- كثافة عمليّات التّبديل اللّغويّ Code-switching وإدماج المفردات الأجنبيّة وتكوين هجائن لغويّة معقّدة تستخدم اللّواحق التّركيّة والفارسيّة مع الجذور العروبية.
- استخدام أشكال الجمع المزدوجة والمقاطعات الصّوتيّة المتكيّفة مع المحيط.
برغم هذه الغزارة البحثيّة، يواجه التّراث اللّغويّ خطر الانقراض الحقيقيّ. ففي رحلات علميّة حديثة أجراها باحثون مثل {گورام چيكوڤاني} Гурам Чиковани عام 1439 هـ (2018 م)، لوحظ تدهور حادّ في مستوى الإلمام باللّغة العربيّة؛ فانحصر المتحدّثون بها في كبار السّنّ، لتفضيل الأجيال الشّابّة استخدام الأوزبكيّة أو الطّاجيكيّة في حياتها اليوميّة ومجال التّعليم.
مشاريع استنهاض اللّغة والتّراث في أوزبكستان
بخلاف الحالة الطّاجيكيّة، تشهد أوزبكستان نشاطاً أكاديميّاً وفكريّاً ملحوظاً، محلّيّاً ودوليّاً، يصبّ في اتّجاه استنهاض التّراث العربيّ، أو توثيقه وحمايته قبل زواله. ففي مضمار الجهود الأكاديميّة واللّسانيّة، بدأت الاهتمامات السّوڤييتيّة مبكّراً بتوثيق لغة عرب بُخارى وقشقدريا على يد باحثين أمثال {إيزاك ڤينيكوڤ} Исаак Винников و {جورج تسيريتيلي} Георгий Церетели في ثلاثينيّات وستّينيّات القرن الرّابع عشر الهجريّ (القرن العشرين الميلاديّ). ومؤخّراً، نشط الباحثون الأوزبكيّون في هذا المجال لتعزيز الوعي التّاريخيّ، لتبرز أمثلة واضحة كصدور كتاب {لهجة جيناو العربيّة} Jeynau Arabic Dialect / Жейнау араб шеваси عام 1443 هـ (2022 م) للباحثين {محماضانظاروڤ} Mahmadnazarov و {آشوروڤ} Ashurov، خطوة وطنيّة هامّة لتوثيق هذا التّراث اللّغويّ الفريد.
وعلى صعيد المبادرات المعرفيّة والدّبلوماسيّة، تشهد أوزبكستان فعاليّات دوريّة تستهدف استنهاض الاهتمام باللّغة العربيّة حاضنة للتّاريخ المحلّيّ. ويبرز من ذلك الاحتفال بـ{اليوم العالميّ للّغة العربيّة} في جامعة اللّغات العالميّة الحكوميّة بطشقند Toshkent، بمشاركة أكاديميّة أوزبكستان الإسلاميّة الدّوليّة. وركّزت الفعاليّة على استعراض المخطوطات والكتب النّفيسة المكتوبة بالعربيّة، والتّأكيد الصّريح على الارتباط التّاريخيّ العضويّ بين الشّعب الأوزبكيّ واللّغة العربيّة منذ دخول الإسلام.
أمّا في مجال التّرميم وإعادة توظيف المعالم الإسلاميّة، فتقود منظّمات حكوميّة، مثل صندوق تطوير الفنّ والتّراث الأوزبكيّ، ومؤسّسات دوليّة مشاريع طموحة لترميم البنية التّحتيّة التّاريخيّة المرتبطة بالحقبة الإسلاميّة والعربيّة. ويشمل ذلك إعادة تحويل المدارس القرآنيّة والمساجد القديمة، الّتي صادرها السّوڤييت لاستعمالها ورشات نجارة، في طشقند وبُخارى وسَمَرْقَند إلى مراكز للفنون الحديثة ومراكز للحضارة الإسلاميّة، ممّا يسهم في إحياء الفضاء المكانيّ الّذي ترعرع فيه التّراث العربيّ.

الشّتات العربيّ-التّركستانيّ (البُخاريّون): الهجرة الكبرى وتحوّلات الهويّة
لم يقتصر تأثير الهندسة الدّيموگرافيّة والبطش العسكريّ الرّوسيّ-السّوڤييتيّ على الدّاخل في آسيا الوسطى، بل تسبّب في إحداث موجات من النّزوح والهجرة القسريّة المشكّلة لما يُعرف بـ{الشّتات التّركستانيّ} أو {الشّتات البُخاريّ}، والّذي يضمّ في طيّاته العرب، والأوزبك، والأويگور Уйғурлар، والطّاجيك الفارّين بأرواحهم ودينهم عبر حقب زمنيّة مختلفة.
الملاذ الأفغانيّ
شكّلت الموجات الّتي أعقبت قمع السّلطات الرّوسيّة لانتفاضة البسماچي (1335-1342 هـ / 1917-1924 م) وحملات التّجميع الزّراعيّ أولى موجات الشّتات الكبرى في العصر الحديث. إذ أُجبر مئات الآلاف من سكّان طاجيكستان وأوزبكستان (بمن فيهم العرب) على الفرار جنوباً نحو أفغانستان المجاورة. واستقرّ العديد من هؤلاء في شمال أفغانستان مشكّلين مجتمعات منغلقة. ومع مرور العقود، وخاصّة في أثناء الغزو السّوڤييتيّ لأفغانستان (1399-1409 هـ / 1979-1989 م)، تداخلت مصائر أحفاد هؤلاء مع المجاهدين العرب الوافدين من الشّرق الأوسط لدعم المقاومة الأفغانيّة، ممّا أعاد تفعيل الرّوابط العربيّة القديمة بطرق أيديولوجيّة وعسكريّة.
الشّتات في الحجاز والمملكة العربيّة السّعوديّة
تشكّل الهجرة نحو الجزيرة العربيّة، وتحديداً الحجاز، أحد أهمّ الفصول في تاريخ هذا الشّتات. بين عشرينيّات وستّينيّات القرن الرّابع عشر الهجريّ (العشرين الميلاديّ)، إذ فرّت موجات متتالية من التّركستانيّين (أوزبك وأويگور وعرب محلّيّين) من جحيم الشّيوعيّة السّوڤييتيّة والصّينيّة باحثين عن ملاذ دينيّ واجتماعيّ آمن.
لفهم آليّات الاندماج والوعي بالهويّة لدى هذا الشّتات، تبرز تحوّلات تكتيكيّة واستراتيجيّة معقّدة. ففي مسار تكييف الهويّة لكسب التّعاطف، وعند وصولهم إلى السّعوديّة، واجه المهاجرون صعوبةً في إيضاح هويّتهم الإثنيّة أو القوميّة الدّقيقة للجمهور المضيف. ولذلك، لجؤوا إلى استخدام هويّات مناطقيّة أو دينيّة تحظى بتقدير في البيئة العربيّة الإسلاميّة، مثل تعريف أنفسهم {بُخاريّين}، نسبة إلى إمارة بخارا، أو {كاشغريّين} (قاشقريّين) أو {تركستانيّين} نسبة إلى تركستان السوڤيتية، وساهم هذا التّكتيك في كسب التّعاطف وتسهيل الاندماج المجتمعيّ والاقتصاديّ.
وعلى صعيد الاندماج الدّينيّ وإعادة التّصدير، ولضمان استقرارهم التّامّ، تخلّى جزء كبير من هذا الشّتات عن ممارساتهم الإسلاميّة الصّوفيّة أو الإقليميّة الّتي جلبوها من آسيا الوسطى، واندمجوا في السّلفيّة الرّسميّة في المملكة السّعوديّة.
أمّا الدّور الاستراتيجيّ بعد عام 1412 هـ (1991 م)، فشكّل انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ نقطة تحوّل كبرى لاستعادة هذا الشّتات اتّصاله بالوطن الأمّ في أوزبكستان وطاجيكستان. وتحوّل أحفاد هؤلاء المهاجرين، مدعومين بوعي إسلاميّ وعربيّ قويّ، إلى قنوات حيويّة لإعادة أسلمة بلدانهم الأصليّة، عبر إرسال الدّعاة، وتوزيع المطبوعات العربيّة، وتسهيل رحلات الحجّ والعمرة، ممّا أفضى لتعزيز الوعي بالتّراث الإسلاميّ واللّغويّ في آسيا الوسطى بعد عقود من الإلحاد القسريّ.
الشّتات في بلاد الشام: خطّ دمشق – بُخارى – كاسان
بموازاة الشّتات الحجازيّ، اتّجه قسم من الهجرة التّركستانيّة والبُخاريّة نحو بلاد الشّام، متّخذين من مدن مثل دمشق مستقرّاً لهم. ويُظهر التّوثيق التّاريخيّ والاجتماعيّ المعاصر وجود روابط عائليّة وتراثيّة عميقة بين بُخارى وكاسان Kosonsoy في أوزبكستان و أحياء دمشق في الجهة المقابلة.
اندسّ هذا الشّتات بسلاسة في النّسيج الشّاميّ، متأثّراً باللّغة العربيّة ومؤثّراً في الوقت عينه في المشهد الحضاريّ والمطبخيّ الدّارِج. ويمثّل هذا الاندماج مثالاً على كيفيّة تحوّل المهاجرين وسط الآسيويّين (وذوي الأصول العربيّة العائدة) إلى جزء لا يتجزّأ من المجتمعات الحضريّة العربيّة، مع احتفاظهم بذاكرة الهجرة الكبرى الّتي ما زالت الأجيال المعاصرة تستعيدها جزء من وعيها المركّب.

جهود الباحث مؤنس بُخاري: الهندسة المجتمعيّة وتوثيق الذّاكرة في الفضاء الرّقميّ
النص في هذا الفصل مقتبس عن تقرير تداوله صندوق وطندوشلار العامّ Vatandoshlar في أوزبكستان. صندوق توثيق الرّوابط مع المغتربين الأوزبك حول العالم، وبناء شبكات تواصل مع الشّخصيّات النّاشطة في الحفاظ على التّراث والهويّة.
لا يكتمل الحديث عن وعي عرب وشعوب تركستان بهويّتهم ومشاريع استنهاض التّراث دون تسليط الضّوء التّحليليّ على المبادرات الفرديّة والمؤسّساتيّة الحديثة النّاشطة في الفضاء المعرفيّ. في هذا السّياق، تبرز تجربة الباحث والأكاديميّ المستقلّ، ومستشار المحتوى الرّقميّ، مؤنس بُخاري Mo’nis Buxoriy \ Monis Bukhari، حالة دراسيّة تجسّد كيفيّة توظيف التّكنولوجيا، والبحث التّاريخيّ، والأنثروپولوجيا Антропология المطبخيّة لاستعادة الهويّات الّتي حاولت الهندسة السّوڤييتيّة طمسها.
الخلفيّة الشّخصيّة: تشابك الشّتات والهويّة
يجسّد مسار مؤنس بُخاري الشّخصيّ تلخيصاً مركّزاً لتجربة الشّتات العربيّ-الأوزبكيّ. إذ وُلد في العاصمة السّوريّة دمشق عام 1398 هـ (1978 م)، ويحمل جذوراً وتراثاً مزدوجاً (سوريّاً-أوزبكيّاً)، لترتبط أصوله المباشرة بمجتمع العرب الأوزبك في إقليم قشقدريا. يعرّف بُخاري هويّته بوضوح وثقة قائلاً: {أنا عربيّ-تركيّ من مساحات تركستان الشّاسعة}، واصفاً نفسه بأنّه {أوزبكيّ نُشّئ في سوريا، ويعيش الآن في ألمانيا}.
درس بُخاري الفنون والسّينما والتّصوير في دمشق، وعمل صحفيّ حرّ ومخرج فنّيّ للعديد من المؤسّسات الإعلاميّة الدّوليّة (مثل لوس أنجلوس تايمز / Los Angeles Times). ومع انطلاق الثّورة السّوريّة عام 1432 هـ (2011 م)، تحوّل بُخاري من حقل الفنون إلى النّشاط المدنيّ والإعلاميّ المباشر، مؤسّساً {منظّمة ميثاق سوريا} لدعم التّحوّل الدّيمقراطيّ عبر وسائل الإعلام البديل (مثل راديو بلدنا ونيو سيريا نيوز / New Syria News).
وبسبب هذا النّشاط، واجه اتّهامات بالخيانة العظمى وصدر بحقّه حكم بالإعدام غيابيّاً من قبل النّظام السّوريّ. اضطرّ للفرار في رحلة شاقّة عبر بيروت وعمّان، مدعوماً من منظّمة {مراسلون بلا حدود} Reporters sans frontières، قبل استقراره لاجئ ثمّ مواطن ألمانيّ في برلين Berlin وهايديلبيرگ Heidelberg.
في ألمانيا، أسّس بُخاري منصّة {البيت السّوريّ} Syrisches Haus على فيسبوك، والّتي ضمّت أكثر من 380,000 عضو، أداة هندسة مجتمعيّة لدمج اللّاجئين وتسهيل حياتهم، وهو الجهد اللّافت لأنظار العالم ومؤسّس فيسبوك {مارك زوكربيرگ} Mark Zuckerberg شخصيّاً.
مشروع {مدوّنة البُخاري} albukhari.com: الفضاء الرّقميّ بديل عن الجغرافيا
بعد الاستقرار، وجّه مؤنس بُخاري تركيزه الأكاديميّ نحو جذوره التّاريخيّة، مؤسّساً منصّة {مدوّنة البُخاري} مشروع معرفيّ بحثيّ ضخم يهدف إلى ردم الهوّة المخلَّفة عن عقود من الطّمس الرّوسيّ، وتوثيق الارتباط العضويّ بين الحضارتين العربيّة ووسط الآسيويّة.
يظهر تحليل المحتوى المنشور على المنصّة اعتماد مشروع بخاري لاستنهاض الهويّة على أربعة محاور استراتيجيّة أساسيّة تهدف جميعها لتوثيق التّراث وحمايته.
يتجسّد المحور الأوّل في استعادة السّرديّة التّاريخيّة والأكاديميّة بتسليط الضّوء على الأبحاث الأكاديميّة الرّصينة، مثل نشر كتاب {تاريخ العرب وعلوم اللّغة العربيّة في أوزبكستان} المطبوع في طشقند عام 1424 هـ (2003 م) للأستاذ الدّكتور {محمّد بخاري}، والتّرويج له. يفضح هذا الكتاب، الّذي يوفّره الموقع، كيف تلاعب المستشرقون السّوڤييت، مثل مدرسة {ڤاسيلي بارتولد}، لإنكار الوجود العربيّ الفكريّ، ويوثّق تاريخ العرب في المنطقة منذ العهد التّيموريّ، والأنساب، ومصير المخطوطات الإسلاميّة. ويهدف هذا التّوجّه إلى تقديم مرجعيّة علميّة موثّقة تكسر احتكار المصادر الرّوسيّة والسّوڤييتيّة لتاريخ المنطقة، وإعادة الاعتبار للوجود العربيّ الإحصائيّ والتّاريخيّ.
ويركّز المحور الثّاني على الأنثروپولوجيا المطبخيّة وتاريخ الغذاء بتوظيف لغة الطّعام والتّاريخ الاجتماعيّ حاملاً مادّيّاً للهويّة. إذ يوثّق بخاري مئات الوصفات والتّقاليد في {معجم المآكل العربيّة} وقسم {المآكل البخاريّة}. ويدرس بشغف أصل الكلمات، أو الإتيمولوجيا، والأطباق كطبق الپلو الأوزبكيّ Palov، والكباب البخاريّ Kabob، واللّاغمان أو المعكرونة وسط الآسيويّة Laghmon، وتقاليد الشّاي الأوزبكيّة Choy. يظهر بحثه كيف امتزجت التّأثيرات وسط الآسيويّة بالعربيّة لإنتاج معارف حيّة عابرة للحدود، بغية ربط الأجيال الشّابّة المشتّتة بتراثها غير المادّيّ Intangible heritage بأسلوب محسوس ويوميّ يعزّز الشّعور بالانتماء، بدلاً من الاعتماد حصراً على النّصوص الجافّة.
ويأتي المحور الثّالث لمكافحة خطابات الكراهية، والعربفوبيا Arabophobia، والشّعوبيّة بإنتاج محتوى فكريّ ونقديّ يتصدّى للهجمات الأيديولوجيّة المعاصرة. يضمّ الموقع أقساماً متخصّصة تحت لافتة {الهويّة العربيّة} تشمل مقالات مثل {ضدّ اللّاعربيّة}، و{ضدّ الشّعوبيّة}، و{العربفوبيا… تشخيص ظاهرة مزعجة}. يربط بخاري في كتاباته بين الدّفاع عن الهويّة العربيّة وتاريخ الجغرافيا الآسيويّة، مذكّراً بعروبة خراسان المنسيّة الّتي مثّلت عبر التّاريخ محوراً لتقاطعات الجيوپوليتيك. ويرمي ذلك إلى تحصين الوعي العربيّ والتّركستانيّ ضدّ محاولات الفصل والتّغريب، والتّأكيد على عدم إلغاء الانتماء للعرب والتّراث الإسلاميّ للتّنوّع المحلّيّ.
ويختتم المشروع محاوره بتوثيق الشّتات، أو الهجرة الكبرى، بتخصيص تصنيفات للبخاريّين وتتبّع الشّتات الدّيموگرافيّ بعد مائة عام من موجات التّهجير. يحلّل بخاري الإحصاءات والأرقام المتعلّقة بتوزّع هذا المجتمع بين بلاد الشّام، وفي طليعتها دمشق، وبخارى، وكاسان، بالإضافة لربطها بمسارات التّنمية والاندماج في المجتمعات الجديدة. ويطمح هذا المحور إلى بناء أرشيف رقميّ يحمي ذاكرة الهجرة الكبرى من الضّياع، ويشكّل شبكة افتراضيّة تعيد ربط أواصر المجتمع التّركستانيّ-العربيّ المشتّت.
عبر هذه المقاربة المتعدّدة التّخصّصات Multidisciplinary، والجامعة بين الأنثروپولوجيا، وعلم أصول الكلمات (الإتيمولوجيا)، والجغرافيا، والدّفاع عن الحقوق المدنيّة، يثبت مؤنس بُخاري عدم اشتراط الوعي بالعروبة والتّراث للوجود في بقعة جغرافيّة محدّدة. بل يُمكن بناء مشاريع الاستنهاض في المنافي، وإدارتها من المدن الأوروپيّة (مثل هايديلبيرگ)، لتعيد إنتاج الهويّة الأصليّة وتصديرها للأجيال المتعاقبة، متجاوزة بذلك كلّ أشكال العبث الدّيموگرافيّ السّوڤييتيّ السّابق.

نظرة جامعة: تحوّلات الهويّة بين التّهميش وطوق النّجاة التّكنولوجيّ
تستخلص هذه القراءة المعمّقة للمسار التّاريخيّ والواقع المعاصر للعرب في طاجيكستان وأوزبكستان جملة من الاستنتاجات التّحليليّة والدّيناميّات الجيوسياسيّة والاجتماعيّة المعقّدة:
أوّلاً: مفارقة العزلة الجغرافيّة مُنقذ تراثيّ وحصن ديموگرافيّ
تُظهر البيانات أنّ سياسات الإقصاء والتّهميش السّوڤييتيّة، الّتي أجبرت المجتمعات العربيّة على النّزوح أو البقاء في قرى نائيّة ومعزولة جغرافيّاً (مثل قرية جَيناو في إقليم قشقدريا ومستوطنات خاتلون الجبليّة أو الحدوديّة)، أفضت عرضاً إلى إنقاذ هويّتهم من الاندثار. فلو نجح السّوڤييت في دمج هؤلاء العرب دمجاً كاملاً في المراكز الحضريّة والصّناعيّة الكبرى (مثل طشقند أو دوشنبه / Душанбе المتروسة)، لابتلعتهم آلة الصّهر القوميّ والتّعليم الأيديولوجيّ بالكامل خلال جيلين. وفّرت العزلة والإهمال الاقتصاديّ بيئة مغلقة مكّنت التّقاليد الصّارمة (كحظر الزّواج من خارج القومية) من العمل درع واقٍ يحفظ التّماسك الإثنيّ في مواجهة سياسات محو الهويّة.
ثانياً: التّكيّف اللّغويّ آليّة بقاء وحماية
التّحوّلات البنيويّة الكبرى الطّارئة على اللّـهجة العربيّة في آسيا الوسطى—مثل الانزياح من البنية النّحويّة العربيّة (الفعل-الفاعل-المفعول / VSO) إلى البنية التّركيّة-الفارسيّة (الفاعل-المفعول-الفعل / SOV)، واكتظاظ القاموس المحلّيّ بكلمات مستعارة وعمليّات التّبديل اللّغويّ المعقّدة—لا ينبغي قراءتها انطلاقاً من منظور نقديّ يصفها بـ{التّدهور} أو {الفساد اللّغويّ}. بل هي، من منظور سوسيولوجيّ، استراتيجيّة تكيّف طبيعيّة فرضتها ضرورات الانخراط الاقتصاديّ والاجتماعيّ مع الأغلبيّة. في ظلّ بيئة سياسيّة معادية للغة القرآن، تحوّلت هذه اللّهجة الهجينة إلى شفرة تواصل داخليّة لحماية المجتمع، قبل تسبّب تراجع انتقالها بين الأجيال الشّابّة مؤخّراً في وضعها على حافّة الانقراض لصالح الطّاجيكيّة والأوزبكيّة.
ثالثاً: الدّيناميّة الاستراتيجيّة العكسيّة للشّتات
يقدّم مسار الهجرة القسريّة الّذي خاضه البُخاريّون والتّركستانيّون والعرب الأوزبك نموذجاً لافتاً في دراسات الشّتات. إذ استُخدمت المنافي في الحجاز والشّام حواضن آمنة حافظت على الهويّة العقائديّة والإثنيّة بعيداً عن مقصلة الإلحاد السّوڤييتيّ. وبدلاً من ذوبان المهاجرين بلا رجعة، شكّل انهيار جدار الاتّحاد السّوڤييتيّ عام 1412 هـ (1991 م) نقطة انطلاق لظاهرة ديناميّة عكسيّة؛ فتحوّل هذا الشّتات المنظّم إلى رافد أساسيّ لضخّ الوعي الفكريّ والدّينيّ والمطبوعات والتّمويل والدّعاة إلى أوطانهم الأصليّة في أوزبكستان وطاجيكستان، مكمّلين بذلك دورة تاريخيّة من التّبادل المعرفيّ بين المركز العربيّ القديم والأطراف الآسيويّة الحديثة.
رابعاً: دور التّكنولوجيا والجهد الفرديّ في استعادة جغرافيا الهويّة
تؤكّد مشاريع ومبادرات الباحثين الأكاديميّين الأوزبك لتوثيق اللّغات، بالإضافة إلى الجهد الموسوعيّ الضّخم لمؤنس بن محمّد البُخاري عبر مدوّنته ومنصّاته الرّقميّة، عدم ارتهان عمليّة الاستنهاض المعرفيّ في القرن الخامس عشر الهجريّ (الحادي والعشرين الميلاديّ) حصريّاً بالإرادة السّياسيّة أو المناهج المدرسيّة للأنظمة الحاكمة في آسيا الوسطى. إذ أتاحت شبكة الإنترنت والهندسة المجتمعيّة الرّقميّة خلق جغرافيا بديلة ووطن افتراضيّ يُعاد فيه تجميع أشلاء الهويّة العربيّة التّركستانيّة، وتنقيتها من التّشوّهات الإحصائيّة، وربط أحفاد الهجرة الكبرى بتراثهم المطبخيّ واللّغويّ والتّاريخيّ بكفاءة غير مسبوقة.
في المحصّلة، تظلّ قصّة العرب في طاجيكستان وأوزبكستان شهادة تاريخيّة حيّة على قدرة الحضارات البشريّة الأصيلة على امتصاص الصّدمات، ومقاومة أعتى برامج الهندسة الدّيموگرافيّة والتّرويس، محوّلةً المآسي والنّزوح والتّهجير القسريّ إلى محفّزات مستدامة لإعادة اكتشاف الذّات وتأكيد الانتماء المتجذّر في عمق التّاريخ.
مراجع ومصادر
- گورام چيكوڤاني (Guram Chikovani)، لهجة قشقدريا العربيّة في آسيا الوسطى (The Kashkadarya Arabic Dialect of Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1163/9789004400405
- إيزاك ڤينيكوڤ (Isaak Vinnikov)، لغة وتراث عرب بُخارى (Yazyk i fol’klor bukharskikh arabov) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/12177432
- جورج تسيريتيلي (George V. Tsereteli)، اللّـهجات العربيّة في آسيا الوسطى (Arabskie dialekty v Sredney Azii) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/236166160
- محمّد البُخاري (Muhammad Al-Bukhari)، تاريخ العرب وعلوم اللّغة العربيّة في أوزبكستان (Tarix-e Arabha va Ulum-e Zaban-e Arabi dar Ozbekistan) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/55019036
- أ. محماضانظاروڤ وأ. آشوروڤ (A. Mahmadnazarov & A. Ashurov)، لهجة جَيناو العربيّة (Jeynau Arabic Dialect / Жейнау араб шеваси) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/1348123456
- مؤنس بُخاري (Monis Bukhari)، مدوّنة البُخاريّ: الفضاء الرّقميّ للتّراث التّركستانيّ (Albukhari Blog) – https://albukhari.com
- ڤاسيلي بارتولد (Vasily Bartold)، تركستان حتّى الغزو المغوليّ (Turkestan Down to the Mongol Invasion) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1163/9789004505292
- أوتو جاسترو (Otto Jastrow)، عربيّة أوزبكستان: مفارقة لغويّة (Uzbekistan Arabic: A linguistic paradox) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- أولريش سيگر (Ulrich Seeger)، حول اللّـهجات العربيّة في آسيا الوسطى (On the Central Asian Arabic Dialects) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1163/9789004400405_012
- فرانسين هيرش (Francine Hirsch)، إمبراطوريّة الأمم: المعرفة الإثنوگرافيّة وصناعة الاتّحاد السّوڤييتيّ (Empire of Nations: Ethnographic Knowledge and the Making of the Soviet Union) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- تيري مارتن (Terry Martin)، إمبراطوريّة التّمييز الإيجابيّ: الأمم والقوميّات في الاتّحاد السّوڤييتيّ (The Affirmative Action Empire: Nations and Nationalism in the Soviet Union) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- أديب خالد (Adeeb Khalid)، صناعة أوزبكستان: الأمّة، الإمبراطوريّة، والثّورة في بدايات الاتّحاد السّوڤييتيّ (Making Uzbekistan: Nation, Empire, and Revolution in the Early USSR) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- أوليڤييه روا (Olivier Roy)، آسيا الوسطى الجديدة: صناعة الأمم (The New Central Asia: The Creation of Nations) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/43615462
- يوري بريگيل (Yuri Bregel)، أطلس تاريخيّ لآسيا الوسطى (An Historical Atlas of Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1163/9789004491038
- أرني هوگن (Arne Haugen)، تأسيس الجمهوريّات الوطنيّة في آسيا الوسطى (The Establishment of National Republics in Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/52165842
- ج. أوتو پول (J. Otto Pohl)، التّطهير الإثنيّ في الاتّحاد السّوڤييتيّ (Ethnic Cleansing in the USSR, 1937-1949) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/40311546
- پاڤيل پوليان (Pavel Polian)، رغماً عنهم: تاريخ وجغرافيّة الهجرات القسريّة في الاتّحاد السّوڤييتيّ (Against Their Will: The History and Geography of Forced Migrations in the USSR) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/52814041
- إتش. إيه. آر. گيب (H. A. R. Gibb)، الفتوحات العربيّة في آسيا الوسطى (The Arab Conquests in Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/1664448
- هيو كينيدي (Hugh Kennedy)، الفتوحات العربيّة الكبرى (The Great Arab Conquests) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/154673646
- كليفورد إدموند بوزورث (C. E. Bosworth)، الغزنويّون: إمبراطوريّتهم في أفغانستان وشرق إيران (The Ghaznavids: Their Empire in Afghanistan and Eastern Iran) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/1922485
- شيرين أكينر (Shirin Akiner)، الشّعوب الإسلاميّة في الاتّحاد السّوڤييتيّ (Islamic Peoples of the Soviet Union) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/13596205
- بيتر فينكه (Peter Finke)، تنوّعات في الهويّة الأوزبكيّة (Variations on Uzbek Identity) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.2307/j.ctv1kcwdk9
- أنيتا سينگوپتا (Anita Sengupta)، تشكيل الدّولة-الأمّة الأوزبكيّة (The Formation of the Uzbek Nation-State) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/52165839
- إدوارد ألويرث (Edward Allworth)، الأوزبك المحدثون: من القرن الرّابع عشر حتّى الوقت الحاضر (The Modern Uzbeks: From the Fourteenth Century to the Present) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/20691515
- ماريان كامپ (Marianne Kamp)، المرأة الجديدة في أوزبكستان (The New Woman in Uzbekistan) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- شوشانا كيلر (Shoshana Keller)، إلى موسكو، لا إلى مكّة: الحملة السّوڤييتيّة ضدّ الإسلام في آسيا الوسطى (To Moscow, Not Mecca: The Soviet Campaign Against Islam in Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/46364654
- يعقوب روعي (Yaacov Ro’i)، الإسلام في الاتّحاد السّوڤييتيّ (Islam in the Soviet Union: From the Second World War to Gorbachev) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/43859669
- ألكسندر بنيگسن وإس. إندرز ويمبوش (Alexandre Bennigsen, S. Enders Wimbush)، مسلمو الإمبراطوريّة السّوڤييتيّة: دليل (Muslims of the Soviet Empire: A Guide) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/12662888
- روبرت د. كروز (Robert D. Crews)، للنّبيّ والقيصر: الإسلام والإمبراطوريّة في روسيا وآسيا الوسطى (For Prophet and Tsar: Islam and Empire in Russia and Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/61361558
- توماس ويلسفورد (Thomas Welsford)، أربعة أنماط للولاء في آسيا الوسطى الحديثة المبكّرة (Four Types of Loyalty in Early Modern Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1163/9789004242692
- سڤات سوجيك (Svat Soucek)، تاريخ آسيا الدّاخليّة (A History of Inner Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/41411516
- رينيه گروسيه (René Grousset)، إمبراطوريّة السّـهوب: تاريخ آسيا الوسطى (The Empire of the Steppes: A History of Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/126046
- إس. فريدريك ستار (S. Frederick Starr)، الاستنارة المفقودة: العصر الذّهبيّ لآسيا الوسطى (Lost Enlightenment: Central Asia’s Golden Age) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/829738010
- أودري سي. شالينسكي (Audrey C. Shalinsky)، سنوات المنفى الطّويلة: لاجئو آسيا الوسطى في أفغانستان وپاكستان (Long Years of Exile: Central Asian Refugees in Afghanistan and Pakistan) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/28723654
- جوناثان إل. لي (Jonathan L. Lee)، السّيادة القديمة: بُخارى، أفغانستان ومعركة بلخ (The ‘Ancient Supremacy’: Bukhara, Afghanistan and the Battle for Balkh) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1163/9789004085038
- مايكل كريستوفر لو (Michael Christopher Low)، مكّة الإمبراطوريّة: العثمانيّون في الجزيرة العربيّة وحجّ المحيط الهنديّ (Imperial Mecca: Ottoman Arabia and the Indian Ocean Hajj) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.7312/low-19062
- وليام أوشنسوالد (William Ochsenwald)، الدّين والمجتمع والدّولة في شبه الجزيرة العربيّة: الحجاز (Religion, Society, and the State in Arabia: The Hijaz) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/10430030
- رونالد گريگور سوني (Ronald Grigor Suny)، انتقام الماضي: القوميّة، الثّورة، وانهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ (The Revenge of the Past: Nationalism, Revolution, and the Collapse of the Soviet Union) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/27896434
- يوري سليزكين (Yuri Slezkine)، الاتّحاد السّوڤييتيّ كشقّة مشتركة (The USSR as a Communal Apartment, or How a Socialist State Promoted Ethnic Particularism) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- روجرز بروبيكر (Rogers Brubaker)، القوميّة المُعاد صياغتها: الأمّة والمسألة القوميّة في أوروبّا الجديدة (Nationalism Reframed: Nationhood and the National Question in the New Europe) – https://doi.org/10.1017/CBO9780511558764
- گراهام سميث (Graham Smith)، المسألة القوميّة في الاتّحاد السّوڤييتيّ (The Nationalities Question in the Soviet Union) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/21332402
- جيفري ويلر (Geoffrey Wheeler)، التّاريخ الحديث لآسيا الوسطى السّوڤييتيّة (The Modern History of Soviet Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/176527
- إليزابيث إي. بيكون (Elizabeth E. Bacon)، آسيا الوسطى تحت الحكم الرّوسيّ (Central Asians Under Russian Rule) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/272782
- لورانس كرادر (Lawrence Krader)، شعوب آسيا الوسطى (Peoples of Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/233066
- سيرگي أباشين (Sergey Abashin)، القوميّات في آسيا الوسطى (Natsionalizmy v Sredney Azii) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/180183182
- لين ڤيولا (Lynne Viola)، الگولاگ المجهول: العالم المفقود لمستوطنات ستالين الخاصّة (The Unknown Gulag: The Lost World of Stalin’s Special Settlements) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/76184518
- نورمان إم. نايمارك (Norman M. Naimark)، إبادات ستالين (Stalin’s Genocides) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- أدريان لين إدگار (Adrienne Lynn Edgar)، الأمّة القبليّة: صناعة تركمانستان السّوڤييتيّة (Tribal Nation: The Making of Soviet Turkmenistan) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- سكوت سي. ليڤي (Scott C. Levi)، صعود وسقوط خوقند (The Rise and Fall of Khoqand, 1709-1876) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/1004337299
- كيس ڤرستيگ (Kees Versteegh)، اللّغة العربيّة (The Arabic Language) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/35559092
- كامولودين أبدولاييڤ (Kamoludin Abdullaev)، قاموس تاريخيّ لطاجيكستان (Historical Dictionary of Tajikistan) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/1225586414
- ريتشارد فوليتس (Richard Foltz)، أديان طريق الحرير (Religions of the Silk Road) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/40683072
- گريگوري گليسون (Gregory Gleason)، دول آسيا الوسطى: اكتشاف الاستقلال (The Central Asian States: Discovering Independence) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/35360987
- ديفيد دبليو. مونتگومري (David W. Montgomery)، ممارسة الإسلام: المعرفة والخبرة في قيرغيزستان (Practicing Islam: Knowledge, Experience, and Social Navigation in Kyrgyzstan) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/932066847
- مارلين لارويل (Marlène Laruelle)، الشّتات ‘الرّوسيّ’ في آسيا الوسطى (The ‘Russian’ Diasporas in Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/192080076
- نيك ميگوران (Nick Megoran)، القوميّة في آسيا الوسطى (Nationalism in Central Asia: A Biography of the Uzbekistan-Kyrgyzstan Boundary) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/981121808
- مادلين ريڤز (Madeleine Reeves)، عمل الحدود: الحيوات المكانيّة للدّولة في آسيا الوسطى الرّيفيّة (Border Work: Spatial Lives of the State in Rural Central Asia) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- وليام فيرمان (William Fierman)، التّخطيط اللّغويّ والتّنمية الوطنيّة: التّجربة الأوزبكيّة (Language Planning and National Development: The Uzbek Experience) – https://doi.org/10.1515/9783110853384
- جون إس. شوبرلين (John S. Schoeberlein)، الهويّة في آسيا الوسطى (Identity in Central Asia: Construction and Contention) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/32172776
- مهرداد حقايقي (Mehrdad Haghayeghi)، الإسلام والسّياسة في آسيا الوسطى (Islam and Politics in Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/32392430
- توماس بارفيلد (Thomas Barfield)، البديل البدويّ (The Nomadic Alternative) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/28028751
- راسل زانكا (Russell Zanca)، الحياة في قرية أوزبكيّة مسلمة (Life in a Muslim Uzbek Village) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/701243170
- فيتالي نعومكين (Vitaly Naumkin)، الإسلام الرّاديكاليّ في آسيا الوسطى (Radical Islam in Central Asia: Between Pen and Rifle) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/57614059
- أحمد رشيد (Ahmed Rashid)، الجهاد: صعود الإسلام المتشدّد في آسيا الوسطى (Jihad: The Rise of Militant Islam in Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/48140411
- تيم إبكنهانس (Tim Epkenhans)، جذور الحرب الأهليّة في طاجيكستان (The Origins of the Civil War in Tajikistan) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/959598284
- جون هيذرشو (John Heathershaw)، طاجيكستان بعد الصّراع (Post-Conflict Tajikistan: The Politics of Peacebuilding) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/318872283
- كيريل نورجانوف (Kirill Nourzhanov)، طاجيكستان: تاريخ سياسيّ واجتماعيّ (Tajikistan: A Political and Social History) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/866632490
- أليكسي مالاشينكو (Alexey Malashenko)، الإسلام في آسيا الوسطى (Islam in Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/52165840
- ديدار قاسموفا (Didar Kassymova)، قاموس تاريخيّ لقازاقستان (Historical Dictionary of Kazakhstan) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/778073578
- روبرت إتش. ماكنيل (Robert H. McNeal)، قرارات الحزب الشّيوعيّ السّوڤييتيّ (Resolutions and Decisions of the Communist Party of the Soviet Union) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/1253456
- ستيفن كوتكين (Stephen Kotkin)، المجتمع المغناطيسيّ: الستالينيّة كحضارة (Magnetic Mountain: Stalinism as a Civilization) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- ريتشارد پايبس (Richard Pipes)، تكوين الاتّحاد السّوڤييتيّ: الشّيوعيّة والقوميّة (The Formation of the Soviet Union: Communism and Nationalism, 1917-1923) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/233072218
- تيري مارتن (Terry Martin)، أصول التّطهير العرقيّ السّوڤييتيّ (The Origins of Soviet Ethnic Cleansing) – [تم إزالة الرابط المشبوه]
- بروس پانيير (Bruce Pannier)، تقارير حول آسيا الوسطى (RFE/RL Reports on Central Asia) – https://www.google.com/search?q=https://www.rferl.org/author/bruce-pannier/m-qqy
- جون إسكوبر (John Escobar)، الأقلّيّات اللّغويّة في الاتّحاد السّوڤييتيّ (Linguistic Minorities in the Soviet Union) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/12457890
- إيريك هوپسباوم (Eric Hobsbawm)، الأمم والقوميّة منذ 1780 (Nations and Nationalism since 1780) – https://www.google.com/search?q=https://doi.org/10.1017/CBO9781139052671
- بنديكت أندرسون (Benedict Anderson)، المجتمعات المتخيّلة (Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism) – https://www.google.com/search?q=https://search.worldcat.org/title/301550131





اترك رد