يثير التّقارب المتسارع بين الصّين وروسيّا تساؤلات عميقة في أوساط الباحثين وصنّاع القرار، لا سيّما إثر إعلان الشّراكة الاستراتيجيّة في شهر رجب 1443 هـ شباط فبراير 2022 مـ. ويكتسب هذا الموضوع أهمّيّة بالغة لكونه يمسّ مباشرة توازنات القوى العالميّة، والأمن الاستراتيجيّ، واستدامة الموارد الطّبيعيّة. وعلى الرّغم من التّعاون الظّاهريّ الوثيق الّذي يجمع بكين وموسكو في مواجهة السّياسات الغربيّة، تتبلور مشكلة بحثيّة بالغة التّعقيد تحت هذا الغطاء الدّپلوماسيّ، تتطلّب فهماً دقيقاً للمحرّكات الخفيّة الّتي تسيّر بوصلة هذين البلدين.
المشكلة المركزيّة التي تعرضها هذه المقالة تناقش التّناقض الصّارخ بين المصالح الآنيّة الملحّة الّتي تفرض التّقارب الاقتصاديّ والعسكريّ، والصّراعات التّاريخيّة والانهيارات الدّيموغرافيّة العميقة الّتي تنذر بصدام وشيك. فمن جهة، تكابد روسيّا نزيفاً سكّانيّاً حادّاً وتراجعاً اقتصاديّاً متسارعاً في منطقة الشّرق الأقصى الفيدراليّة (دالنيڤاستوچني فيديرالني أوكروگ)، يقابله توغّل صينيّ صامت يبتلع مقدّرات المنطقة ويغيّر تركيبتها الدّيموغرافيّة جذريّاً.
كما يطرح خبراء الجيوسياسة فكرة بالغة الخطورة تفيد بمقايضة الرّئيس الرّوسيّ ڤلاديمير پوتِن أراضي شرق روسيّا وبيعها فعليّاً للصّين، ثمناً لضمان الدّعم الماليّ والاقتصاديّ اللّازم لاستدامة حربه في أوكرانيا. ومن جهة أخرى، تلقي معاهدات الماضي غير المتكافئة، وتحديداً أزمة أراضي مانچوريا الخارجيّة، بظلالها الثّقيلة على وعي القيادة الصّينيّة، مترافقةً مع تهديدات مستقبليّة خانقة كنقص المياه العذبة الّذي يجعل من بحيرة بايكال هدفاً استراتيجيّاً لا غنى عنه لبكين.
تطرح هذه التّقاطعات المتشابكة السّؤال التّحليليّ المحوريّ لهذا البحث: هل يمثّل التّحالف الرّوسيّ الصّينيّ شراكة استراتيجيّة مستدامة قادرة على إعادة رسم خريطة النّظام الدّوليّ، أم هو تحالف ضرورة مؤقّت يؤجّل صداماً حتميّاً حول الجغرافيا، والموارد، وتصفية حسابات التّاريخ؟
تسعى هذه المقالة إلى تفكيك هذه الجدليّة المعقّدة عبر استقصاء مسارات الاقتصاد، والانهيارات الدّيموغرافيّة المحلّيّة، واحتماليّة رعاية بكين لحركات تحرّر قوميّة في جمهوريات مثل ساخا (ياقوتيا) وبورياتيا، لتقديم قراءة استشرافيّة شاملة لمستقبل الخريطة الأوراسيّة.

واجهة الشّراكة أمام كواليس الجيوسياسة
تعجّ السّياسة الدّوليّة في زماننا هذا بتطوّرات استراتيجيّة كبرى، فما يظهر على السّطح من تحالفات متينة يوازي في عمقه صراعات تاريخيّة جذريّة ومصالح متضاربة لا تلتقي. فالعلاقات بين الدّول العظمى لا تُبنى على المبادئ الأخلاقيّة، بل تتأسّس على المنافع المتقلّبة والحاجات الآنيّة الّتي تفرضها معطيات الواقع الجيوسياسيّ. ومن قلب هذه التّعقيدات تظهر العلاقة الرّاهنة بين الصّين وروسيّا، اللّتين تبدوان اليوم حليفتين وثيقتين، غير أنّ التّاريخ والجغرافيا والمقاصد المتباينة تروي قصّة شديدة الاختلاف.
قبيل الهجوم الرّوسيّ على أوكرانيا بأسابيع قلائل في شهر رجب 1443 هـ شباط فبراير 2022 مـ، أعلن الرّئيس الرّوسيّ ڤلاديمير پوتِن والقيادة الصّينيّة عن شراكة بلا حدود تجمعهما معاً. وبعد انقضاء ما يزيد على عام كامل على اندلاع الحرب، لم تُدن الصّين روسيّا ولو مرّة واحدة، بل وجّهت انتقادات لاذعة لحلف النّاتو والولايات المتّحدة الأميركيّة، متّهمة إيّاهم بإذكاء الصّراع وتأجيجه عبر إمداد أوكرانيا بالسّلاح. وفي الوقت عينه، تراجعت صادرات روسيّا من النّفط والغاز إلى أوروپا بنسبة تقارب 80% بسبب العقوبات الدّوليّة، ممّا وضع الاقتصاد الرّوسيّ على حافّة الانهيار. هنا تدخّلت الصّين مباشرة، فاستوردت نحو 60% من مواردها الطّاقيّة من روسيّا، لتمنح موسكو السّيولة الماليّة الضّخمة واللّازمة لمواصلة تمويل المجهود الحربيّ.
لكن، هذه الصّداقة المتنامية ليست إلّا تحالفاً مؤقّتاً صاغته الضّرورة البحتة، فالتّاريخ يشهد على عداوات دمويّة طويلة بين القوّتين، والتّهديد الأكبر لروسيّا لا يأتي من الولايات المتّحدة الأميركيّة، بل يأتي فعليّاً من الجار الصّينيّ نفسه.

تقاطع الضّغوط الاستراتيجيّة والتّكامل الاقتصاديّ
تتشابه الضّغوط الجيوسياسيّة الخانقة الّتي تواجهها كلّ من روسيّا والصّين، فكلتاهما تخضع لنظام استبداديّ ذي الحزب واحد، وكلتاهما تطمح منذ قرون متطاولة إلى بسط السّيطرة المطلقة على أوراسيا وآسيا.
روسيّا، عقب انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ في تسعينيّات القرن المنصرم، فقدت سيطرتها التّامّة على أراضٍ واسعة كانت تابعة لها، وبدأت الدّول الّتي كانت قابعة تحت النّفوذ السّوڤييتيّ بالانضمام إلى حلف النّاتو الواحدة تلو الأخرى، ولم يبق سوى بيلاروسيّا وفيّة لتوجهات الكرملين. أمّا أوكرانيا وجورجيا، فأمستا مصدر قلق عظيم لموسكو. ولو نجحت أوكرانيا وجورجيا في الانضمام إلى حلف النّاتو، لأتاح ذلك للقوّات الأميركيّة والأطلسيّة الوصول بيسر وسرعة إلى العاصمة الرّوسيّة.
ومن الأراضي الجورجيّة، يتيسّر العبور إلى الشّيشان عبر سلسلة جبال القوقاز، وهي منطقة بالغة الحساسيّة لروسيّا، ففي تسعينيّات القرن المنصرم خاضت الشّيشان حربين دمويّتين ضدّ موسكو راح ضحيّتهما آلاف القتلى. وتطلّع الشّعب الشّيشانيّ حينها للاستقلال، لكنّ روسيّا أدركت يقيناً أنّ سماحها بانفصال الشّيشان سيفتح بوّابة شديدة الْخَطَر للقوّات الأميركيّة والأطلسيّة للدّخول عبر جورجيا ومهاجمة موسكو. لذا، في عام 1429 هـ – 2008 مـ، هاجمت روسيّا الأراضي الجورجيّة واحتلّت نحو 20% منها، مانعة إيّاها من إتمام مساعي الانضمام إلى النّاتو. ثُمّ في عام 1435 هـ – 2014 مـ، هاجمت روسيّا مناطق جنوب أوكرانيا وضمّت شبه جزيرة القرم، وصولاً إلى شهر رجب 1443 هـ شباط فبراير 2022 مـ حين شنّت حرباً عسكريّة شاملة على أوكرانيا بغية إبعاد قوّات النّاتو والولايات المتّحدة نحو عمق أوروپا الغربيّة.
تواجه الصّين من جهتها وضعاً مماثلاً ومحاصرة مشابهة. تمتلك بكين جغرافيا معقّدة للغاية، إذ يمتدّ ساحلها على طول 14000 كيلومتر، ليحتلّ المرتبة 10 عالميّاً من حيث الطّول، يطلّ بالكامل على المحيط الهادئ. ويقطن أكثر من نصف سكّان الصّين في هذه المناطق السّاحليّة، وتمرّ كلّ تجارة البلاد تقريباً، سواء كانت صادرات صناعيّة أو واردات من النّفط والغاز، عبر هذه السّواحل. وتكمن المعضلة في وجود جزر صغيرة تتناثر على طول هذه الطّرق البحريّة، مثل تايوان واليابان وجزر ريوكيو والڤلپّين، لتشكّل بمجموعها نقاط اختناق استراتيجيّة بالغة الخطورة، خصوصاً أنّ كلّ هذه الجزر تخضع لنفوذ أميركيّ قويّ وتُعَدّ حليفة مقرّبة للولايات المتّحدة.
يتمثّل الهدف المحوريّ للصّين على المدى الطّويل في إنهاء الحرب الأهليّة الّتي طال أمدها 70 عاماً وإعادة دمج تايوان في البرّ الرئيس الصّينيّ. ولأنّ تايوان حليف وثيق للولايات المتّحدة، وأهمّ حليف تقنيّ غير عضو في حلف النّاتو، فإنّ محاولة الصّين استخدام القوّة العسكريّة لاستعادتها ستدفع الولايات المتّحدة للتدخّل حتماً للدّفاع عنها، وبإمكانها مع حلفائها إغلاق كافّة نقاط الاختناق الاستراتيجيّة هذه.
يتعدّى الأمر ذلك ليصل إلى ممرّ ضيّق في الجنوب يبلغ عرضه 40 ميلاً فقط بالقرب من سنغافورة وماليزيا وشمال سومطرة، يُعرف باسم مضيق ملقا. تستطيع البحريّتان الأميركيّة والهنديّة إغلاق هذا المضيق بقرار واحد، ممّا يقطع إمدادات النّفط والغاز الصّينيّة القادمة من الخليج العربي، وهو أمر كفيل بشلّ الحركة في الصّين في غضون أيّام معدودة، فنسبة 70% من واردات الصّين الطّاقيّة تمرّ عبر هذا الشّريان المائيّ المحدّد.
تشعر الصّين، شأنها شأن روسيّا، بمساعٍ أميركيّة وغربيّة لعزلها ومحاصرتها جغرافيّاً. هذا الهاجس المشترك أسّس لتكامل اقتصاديّ واستراتيجيّ وثيق. فالصّين هي الدّولة الأكبر كثافة بالسّكّان في العالم بأسره، وتمتلك ثاني أكبر اقتصاد عالميّاً، لكنّها تعاني فقراً شديداً في الموارد الطّبيعيّة، وتستورد 70% من مجمل احتياجاتها من الطّاقة من الخارج. وفي المقابل، تفيض روسيّا بالموارد الطّبيعيّة، فتمتلك أكبر احتياطيّات الغاز الطّبيعيّ في العالم، وثاني أكبر احتياطيّات الفحم، وسادس أكبر احتياطيّات النّفط، لكنّ حجم اقتصادها وتعداد سكّانها أصغر بكثير من العملاق الصّينيّ.
والمفارقة اللّافتة هي تركّز الموارد الرّوسيّة الأساسيّة في المناطق الجنوبيّة الّتي تُمثّل أقلّ المناطق الرّوسيّة تطوّراً وكثافة سكّانيّة، وتقع في الوقت عينه على مقربة شديدة من كبريات المدن الصّناعيّة الصّينيّة.
هذا التّقاطع ولّد تفاهماً نفعيّاً: إذ توظّف الصّين رأس مالها الضّخم وعمّالها لاستغلال احتياطيّات النّفط والغاز الرّوسيّة، وتنقلها عبر خطوط أنابيب ممتدّة إلى أراضيها، لتستخدم روسيّا بدورها العوائد الماليّة الضّخمة في تمويل حربها الأوكرانيّة. هذا التّرتيب يلبّي طموحات الطّرفين؛ الصّين تخفّف اعتمادها القهريّ على الخليج العربي ومضيق ملقا وتظفر بمصدر طاقة موثوق وقريب، وروسيّا تضمن تدفّقاً ماليّاً لا ينضب لإدامة مجهودها العسكريّ.

الانهيار الدّيموغرافيّ في الشّرق الأقصى الرّوسيّ
هذا التّكامل الاقتصاديّ مع الصّين يُخفي وراءه أزمة وجوديّة تنهش جسد الدّولة الرّوسيّة في أقصى حدودها الشّرقيّة. إذ تمتدّ أراضي روسيّا، أكبر دولة على وجه الأرض، عبر 11 منطقة زمنيّة وتغطّي قارّتين، بمساحة تبلغ 6.6 مليون ميل مربّع، لتتفوق بذلك بنسبة 70% على مساحة الولايات المتّحدة الأميركيّة مثلاً. لكنّ مساحة بحجم قارّة أستراليا تضيع اليوم بصمت مطبق، ليس بضربة عسكريّة أو غزو مسلّح، بل بهجرة جماعيّة للسّكّان بلا أيّ نيّة للعودة. ونتحدّث هنا تحديداً عن الشّرق الأقصى الرّوسيّ، أو ما يُعرف باسم منطقة الشّرق الأقصى الفيدراليّة (دالنيڤاستوچني فيديرالني أوكروگ) Дальневосточный федеральный округ، وهي رقعة شاسعة تغطّي 40% من إجماليّ الأراضي الرّوسيّة.
هذا الامتداد الجغرافيّ الهائل لا يضمّ اليوم سوى 8 مليون إنسان، وهو عدد يمثّل بالكاد 5% من إجماليّ تعداد سكّان روسيّا. هذا العدد ينحدر بسرعة تفوق أيّ مرحلة مسجّلة في التّاريخ الرّوسيّ الحديث، وبوتيرة أسرع من أيّ مكان آخر في البلاد، باستثناء مناطق أقصى الشّمال. وبلغ الأمر أنّ وصف الرّئيس الّروسيّ ڤلاديمير پوتِن شخصيّاً هذا النّزيف الدّيموغرافيّ بأنّه تهديد مباشر للأمن القوميّ الرّوسيّ.
الوصف دقيق تماماً، فهذه المنطقة حيويّة للغاية، وتزخر بمخزونات استراتيجيّة تشمل الأخشاب، والأسماك، والعناصر الأرضيّة النّادرة، والألماس، والذّهب، واحتياطيّات الهيدروكربون. إلى جانب ذلك، تُمثّل المنطقة بوّابة محوريّة للتّجارة والتّحرّكات الدّيموغرافيّة القادمة من الشّرق، وتلامس حدودها كلّاً من الصّين، واليابان، وكوريا الشّماليّة، وتقترب بشدّة من ألاسكا عبر مضيق بيرينگ. المعضلة المستعصية هي إخفاق الكرملين في كلّ مبادرة أطلقها لمعالجة الأمر، ليستمرّ الشّرق الأقصى الرّوسيّ في اضمحلاله البطيء، فاتحاً الباب أمام احتماليّة توغّل صينيّ جديد في روسيّا، في ما يمثّل انقلاباً تاريخيّاً لمكاسب الإمبراطوريّة الرّوسيّة المحقّقة عام 1276 هـ – 1860 مـ.
لتبيان النّطاق الكارثيّ لما يحدث، يكفي الرّجوع إلى حقبة انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ.
- فوفقاً للإحصاء الرّسميّ الّذي أُجري عام 1409 هـ – 1989 مـ، بلغ عدد سكّان ما سيصبح لاحقاً منطقة الشّرق الأقصى الفيدراليّة حوالي 10.35 مليون إنسان.
- وعند وصول پوتِن إلى مقاليد السّلطة، تراجع الرّقم ليلامس 8.8 مليون نسمة.
- وتشير التّقديرات الدّيموغرافيّة لعام 1447 هـ – 2025 مـ إلى بقاء 7.86 مليون نسمة فقط، ما يمثّل خسارة صافية بنسبة 25% على مدار 35 عاماً.
هذا العدد الإجماليّ المريع يطمس انهيارات أشدّ قسوة في مناطق بعينها؛ فشبه جزيرة چوكوتكا النّائيّة في أقصى الشّمال الشّرقيّ لروسيّا فقدت 68% من مجموع سكّانها منذ عام 1411 هـ – 1991 مـ. ومقاطعة ماگادان الّتي شكّلت مركزاً حيويّاً لاستخراج الموارد إبّان العهد السّوڤييتيّ خسرت 63.6% من سكّانها. أمّا كامچاتكا فتراجعت أعداد قاطنيها بنسبة 34.6%. وتؤكّد هذه النّسب عمليّاً هجران هذه المناطق بالكامل دون عودة مرتقبة لأيّ إنسان.
إجمالاً، هبط التّعداد السّكّانيّ بنسبة 10% منذ مجيء پوتِن للسّلطة، كما أنّ إحصائيّات أخرى تتوقّع تراجعاً إضافيّاً بنسبة 8% بحلول عام 1454 هـ – 2033 مـ، وهو عدد يضاعف التّقدير الرّسميّ السّابق بـ 3 مرّات. فمعدّل الانهيار يتسارع باطراد، لتصل كثافة المنطقة اليوم إلى مستويات أدنى ممّا كانت عليه في منتصف سبعينيّات القرن 20.

من التّعطيش إلى النّزوح … سقوط النّموذج السّوڤييتيّ
أسباب هذا الانحدار ترتبط مباشرة بانكسار النّموذج السّوڤييتيّ التّاريخيّ الّذي سعت موسكو عبثاً لمحاكاته. إذ وظّف الاتّحاد السّوڤييتيّ مزيجاً من الإكراه والحوافز لتعمير الشّرق الأقصى؛ فبَنَت عمالة معسكرات گولاگ القسريّة البنية التّحتيّة الأولى، خصوصاً في الشّمال الشّرقيّ. لاحقاً، استند نموذج مرحلة ما بعد ستالين إلى نظام تحفيز إيجابيّ فائق، فمنح العمّال في تلك المنطقة أجوراً تزيد بنسبة 50% وتصل إلى ضعفين مقارنة بالمتوسّط الوطنيّ. وحصل الوافدون المشرّقون على ضمانات ووعود بحقّهم في الإسكان ضمن مناطقهم الأصليّة، ما شكّل شبكة أمان لا غنى عنها في النّظام الإسكانيّ السّوڤييتيّ.
المدّخرات المتراكمة بفضل الأجور المرتفعة، مقرونة بانخفاض تكاليف المعيشة، صوّرت العيش في الشّرق الأقصى على أنّه تضحية مؤقّتة تضمن مكاسب مستقبليّة مؤكّدة عند العودة غرباً، حيث الكثافة السّكّانيّة، والبنية التّحتيّة المتطوّرة، والمناخ الأقلّ قسوة. واستمرّ هذا النّظام بالعمل بفاعليّة لتدخّل الدّولة الحاسم؛ فوفّرت الحوافز، وأدارت الضّمانات المؤسّسيّة، وموّلت البنية التّحتيّة الاجتماعيّة لتخفيف وطأة الظّروف المناخيّة والجغرافيّة الصّعبة. وبقي صافي الهجرة إلى المنطقة إيجابيّاً حتّى أواخر ثمانينيّات القرن 20.
بانهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ، تلاشت تلك الضّمانات التّأسيسيّة دفعة واحدة وبلا سابق إنذار. وجد العمّال الّذين أفنوا سنوات طويلة في الشّرق أنفسهم مجرّدين من أيّ ضمانات سكنيّة في مدنهم الأمّ، ومُسحت مدّخراتهم بالكامل بفعل التّضخّم الهائل وانفجار النّظام الماليّ. فكان التّحرّك المنطقيّ الوحيد هو الفرار العاجل طالما كان ذلك متاحاً، وهذا ما فعلوه بالتّحديد. في عام 1411 هـ – 1991 مـ، وللمرّة الأولى في تاريخ روسيّا والاتّحاد السّوڤييتيّ، تخطّت معدّلات الهجرة الخارجيّة من الشّرق الأقصى أرقام النّموّ السّكّانيّ الطّبيعيّ، ليبدأ نزوح لم يتوقّف يوماً.
صعوبة عكس هذا النّزيف اليوم تكمن في تبدّل دوافع الرّحيل؛ ففي عام 1411 هـ – 1991 مـ كان المحرّك هو الانهيار المؤسّسيّ والذّعر الماليّ العارم، أمّا اليوم فالمسألة تخضع لحسابات التّكلفة والفائدة البحتة. الحياة في الشّرق الأقصى الرّوسيّ الرّاهن باهظة، قاسية، محفوفة بالمخاطر، ومردودها متدنٍّ للغاية.
بالوقوف عند مؤشّر الدّخل، نجد أنّ أجور منتصف تسعينيّات القرن 20 احتفظت بفارق ملموس وصل إلى 71% أعلى من المتوسّط الوطنيّ بفضل بقايا البدلات السّوڤييتيّة. لكن مع أواخر العقد الثاني من القرن 21، تقلّصت هذه الميزة لتسجّل 18% فقط. بالتّوازي مع ذلك، قفزت تكاليف المعيشة لتفوق مثيلاتها في غرب روسيّا بمسافات شاسعة؛ فارتفعت بنسبة 25 إلى 30% في مدن الجنوب الأسهل وصولاً مثل مدينة خاباروڤسك وڤلاديڤوستوك، وارتفعت بنسبة 40 إلى 60% في أماكن مثل كامچاتكا وساخالين، وقفزت إلى مستويات جنونيّة تراوحت بين 80 و100% في چوكوتكا.
الحسبة الرّياضيّة واضحة: يكسب الفرد فارقاً هزيلاً ويدفع أضعافاً مضاعفة، وتضيق الفجوة باستمرار بين قيمة الأجر في الشّرق الأقصى وقيمته التّشغيليّة في مدن كبرى مثل نوڤوسيبيرسك أو العاصمة موسكو.
تتدهور جودة الحياة على كافّة الأصعدة، فمتوسّط العمر المتوقّع في الشّرق الأقصى يتأخّر بمقدار سنتين إلى 3 سنوات عن المتوسّط الوطنيّ الّذي لا يثير الإعجاب أساساً. فمعدّلات الجريمة تتفوّق على نظيراتها في بقية أنحاء روسيّا، وتلامس نسبة الفقر 15.7% في الشّرق الأقصى الفيدراليّ، مقابل 12.6% على الصّعيد الوطنيّ.
الرّعاية الصّحّيّة جُمّعت وقُلّصت وأُبعدت عن المستوطنات الصّغيرة، لتصبح غائبة فعليّاً عن شريحة واسعة من السّكّان. وبحلول عام 1436 هـ – 2015 مـ، هوى عدد الطّلّاب في المناطق الفرعيّة (المتطرّفة) الرّوسيّة إلى مستويات لا تتجاوز 25 إلى 30% ممّا كانت عليه عام 1410 هـ – 1990 مـ، فبادر النّظام لإغلاق المدارس بدلاً من دعمها، ما دفع المزيد من العائلات لحزم حقائبها، خالقاً حلقة ردود فعل إيجابيّة ذات نتائج مدمّرة للغاية.
من يمتلك وسيلة للرّحيل يغادر فوراً، ومن يبقى هم غالباً من فئة كبار السّنّ، والشّرائح الأشدّ فقراً، والمعتمدين كلّيّاً على الإعانات الحكوميّة. هذا التّركيب الدّيموغرافيّ يضغط بشدّة على القاعدة الضّريبيّة الآخذة بالانكماش، فتُستنزف ميزانيّات الدّولة المحلّيّة في تأمين الرّعاية الصّحّيّة والخدمات الاجتماعيّة لجموع المسنّين بدلاً من توجيهها للاستثمار في التّعليم وتمكين فئة الشّباب، ما يدفع الأجيال النّاشئة لتكرار ذات قرار الرّحيل، مخلّفين واقعاً أشدّ بؤساً.

إخفاق البرامج الحكوميّة وتبعات المأزق الأوكرانيّ
يدرك الكرملين تفاصيل هذه الكارثة، وصرّح پوتِن مراراً بكونها خطراً يهدّد الأمن القوميّ. وأطلقت الدّولة الرّوسيّة حزمة واسعة من البرامج لمعالجة الأمر، لكنّها واجهت الفشل الذّريع تباعاً. نُسخ برنامج التّطوير الأوّل الخاصّ بالشّرق الأقصى كُتبت في عام 1407 هـ – 1987 مـ، ثُمّ خضعت للمراجعات والتّحديثات المتكرّرة، وأُعيد إطلاقها بمسمّيات مستحدثة في أعوام 1416 هـ (1996 مـ) و1422 هـ (2002 مـ)، وصولاً إلى موجة الابتكارات المؤسّسيّة الكبرى في عام 1436 هـ – 2015 مـ.
شملت تلك الموجة إرساء مناطق للتّطوير المتقدّم، وتدشين ميناء ڤلاديڤوستوك الحرّ، وإطلاق مبادرات لتوزيع الأراضي مجّاناً، وفرض تعريفات تفضيليّة مخفّضة للطّاقة، وتوفير أسعار تذاكر طيران مدعومة حكوميّاً. وتوّجت هذه المساعي بانعقاد اجتماع وزاريّ رفيع المستوى في شهر شوّال 1447 هـ نيسان أبريل 2026 مـ لبلورة استراتيجيّة شاملة للسّياسة الدّيموغرافيّة الخاصّة بالشّرق الأقصى.
خلاصة 30 عاماً من المبادرات تصطدم بجدار واحد: النّموذج الإداريّ بِرُمَّته تعطّل وتوقّف عن العمل.
نشر باحثو معهد البحوث الاقتصاديّة التّابع لأكاديميّة العلوم الرّوسيّة دراستهم التّفصيليّة في عام 1442 هـ – 2021 مـ، استبقوا فيها الموجة الأخيرة من الحوافز بـ 5 سنوات، مفنّدين أسباب الفشل. مبادرة توزيع الأراضي المجّانيّة تجسّد هذا الإخفاق بجلاء؛ فالكرملين عرض هكتارات شاسعة في الشّرق الأقصى على السّكّان بلا مقابل، لكنّ المعضلة كانت في طبيعة تلك الأراضي، فجلّها كان معزولاً بلا طرقات متّصلة، وبلا خطوط سكك حديديّة، وبلا أيّ بنية تحتيّة دنيا تجعل العيش أو الاستثمار فيها ممكناً.
وفي ملفّ الأجور، طبّقت روسيّا زيادات اسميّة لبعض التّصنيفات العمّاليّة، غير أنّ موسكو أخفقت مراراً وتكراراً في سداد تلك الأجور في أوقاتها المحدّدة، ليتفاجأ العمّال بتأخيرات طويلة أو إلغاءات متعمّدة جعلت من المشكوك فيه إقرار أيّ زيادة من الأساس. وتضمّنت الخطط الطّموحة مقترحات بتأسيس مدن مليونيّة جديدة بالكامل لترسيخ الوجود السّكّانيّ في الشّرق الأقصى، إلّا أنّ هذه التّصوّرات بقيت حبيسة الإعلانات الرّسميّة لانعدام الميزانيّات اللّازمة لبناء مدينة من الصّفر.
أيّ ميزانيّة كانت مرصودة تبخّرت فوراً مع غزو روسيّا لأوكرانيا عام 1443 هـ – 2022 مـ، في مقامرة عسكريّة خُطّط لها لتنتهي خلال 10 أيّام. فعصفت الحرب بالشّرق الأقصى على جبهات شتّى، أبرزها حملات التّعبئة العسكريّة الّتي استنزفت مناطق تعاني أصلاً من شحّ حادّ في العمالة. وضربت التّعبئة الشّرق الأقصى بقسوة، فاقتُلِع الرّجال في سنّ العمل، وهم الفئة الدّيموغرافيّة الأهمّ لإنعاش أيّ حراك اقتصاديّ في الإقليم، وسِيقوا للحرب ليُقتلوا أو يُجرحوا، في حين فرّ قسم كبير منهم لتجنّب التّجنيد الإجباريّ.
دكّت الحرب ميزانيّة الدّولة، واستحوذ الإنفاق الدّفاعيّ على كافّة المخصّصات الأخرى، لتسقط البنية التّحتيّة ضحيّة أولى لهذه السّياسة. توقّفت مشاريع بناء الطّرق بالكامل، وتجمّدت خطط توسعة السّكك الحديديّة الّتي كان المخطّطون الرّوس يتدارسونها حتّى عام 1444 هـ – 2023 مـ. وبدأت شبكة الطّيران الحيويّة، الّتي تربط مجتمعات الشّرق الأقصى المعزولة بعضها ببعض وبالغابات الرّوسيّة الغربيّة، بالتّدهور السّريع إثر العقوبات الّتي عزلت قطاع الطّيران الرّوسيّ عن قطع الغيار والخبرات الغربيّة.
طرحت روسيّا في أواخر عام 1445 هـ – 2023 مـ خطّة ضخمة لإنتاج ألف طائرة مخصّصة للرّحلات الدّاخليّة والدّوليّة بحلول عام 1451 هـ – 2030 مـ. ولكن مع حلول عام 1447 هـ – 2025 مـ، تبيّن أنّ الإنتاج الفعليّ اقتصر على 13 طائرة لا غير، لتُطوى الخطّة في صمت مطبق.

التّوغّل الصّينيّ والبديل الكوريّ الشّماليّ
أضخم عامل يسرّع ضياع الشّرق الأقصى هو شروع الدّول المجاورة لروسيّا في تحويل المنطقة وامتصاص مواردها، وتتصدّر الصّين هذا المشهد بتوغّل مستمرّ منذ سنوات، زادت حدّته بشراسة إثر الحرب الأوكرانيّة. إذ تحتاج موسكو بكين اليوم بأضعاف ما تحتاجه الأخيرة، وثمن هذا التّبعيّة يُستوفى نقداً وأرضاً في الشّرق الأقصى.
تشير التّوقّعات الاقتصاديّة لعام 1447 هـ – 2025 مـ إلى بلوغ حجم الاستثمارات الصّينيّة في منطقة الشّرق الأقصى الفيدراليّة عتبة الـ 1 تريليون روبل، وهو ما يعادل تقريباً 13.5 مليار دولار أميركيّ. قفزت أحجام التّبادل التّجاريّ بين إقليم خاباروڤسك والصّين بزيادة قدرها 5.5 مليون طنّ خلال عام 1445 هـ – 2024 مـ، وواصلت صعودها بنسبة 36% إضافيّة خلال الأشهر الستّ الأولى فقط من عام 2025. الصّين تبتلع الاقتصاد المحلّيّ للشّرق الأقصى بِرُمَّته، محوّلة ما يُفترض أن يكون تجارة بينيّة تخدم الاتّحاد الرّوسيّ إلى قنوات تصبّ مباشرة في مصلحتها الخاصّة.

يترافق هذا الغزو الاقتصاديّ مع اجتياح ديموغرافيّ؛ فالتّقديرات توضّح إقامة نحو نصف مليون مواطن صينيّ اليوم في الشّريط الممتدّ بين ڤلاديڤوستوك وجبال الأورال. وينمو هذا التّعداد باطراد بتسهيلات غير مسبوقة كالإعفاءات من التّأشيرات، وحقّ الوصول التّفضيليّ لمناطق التّطوير المتقدّم الرّوسيّة. هذه المناطق الاقتصاديّة الّتي ابتكرتها موسكو لجذب الاستثمارات وتثبيت السّكّان الرّوس، أثبتت فاعليّة أكبر بكثير في استقطاب العمالة الصّينيّة بدلاً من الرّوسيّة.
وسجّلت تقارير الاستخبارات الخارجيّة الأوكرانيّة بروز جيوب كاملة في عدّة مدن وبلدات في الشّرق الأقصى يغيب عنها العنصر الرّوسيّ تماماً في سوق العمل. وممّا يزيد الطّين بلّة، أنّ الرّوس القلائل المقيمين في الشّرق الأقصى ليسوا من أبناء المنطقة الأصليّين، ولم يعتادوا الحياة السّيبيريّة، بل نُقلوا قديماً بوعود ماليّة من الحكومة السّوڤييتيّة، وهم حضاريّاً واجتماعيّاً أقرب إلى الغرب الرّوسيّ مقارنة بالسّكّان الأصليّين الّذين تجمعهم روابط أعمق بمنغوليا أو الصّين من الأساس، وبرغم ذلك لم يبدِ هؤلاء السّكّان تقبّلاً واضحاً لموجات المهاجرين الجدد.
أمام شحّ العمالة القاتل، لجأت روسيّا لتكتيك غير مألوف ومدمّر استراتيجيّاً، فاستعاضت عن العنصر الرّوسيّ باستقدام عمّال من شرق آسيا لسدّ الفجوة، موجّهة بوصلتها نحو پيونگ يانگ.
التّرتيب الثّنائيّ صارم: وصل أكثر من 15000 عامل كوريّ شماليّ بصورة رسميّة إلى الأراضي الرّوسيّة خلال عام 1445 هـ – 2024 مـ وبدايات 2025، وتوزّع غالبيّتهم العظمى في الشّرق الأقصى لقربه الجغرافيّ وحاجته الماسّة لهم. التّقديرات غير الرّسميّة تقفز بالرّقم الفعليّ لعمّال كوريا الشّماليّة إلى تخوم 50000 عامل بحلول أواخر 2025، ورفعت الشّركات الرّوسيّة في الإقليم طلبات استقدام رسميّة تطلب 153000 عقد عمل إضافيّ للكوريّين الشّماليّين.
الطّلب المتزايد لا يتباطأ، على الرّغم من وصف العمّال الكوريّين عقودهم بالعبوديّة المحضة؛ إذ يقاسون نوبات عمل تمتدّ لـ 18 ساعة يوميّاً، ولا يحظون سوى بيومي إجازة طوال السّنة بِرُمَّتها.
هيكليّة هذا الاتّفاق تفضح هويّة المستفيد الأوحد، فالعمّال يتقاضون أجوراً تقارب الحدّ الأدنى القانونيّ المسموح به في أيّ إطار تعاقديّ يطبّق عليهم، ويذهب الفارق الهائل بين ما تسدّده الشّركات الرّوسيّة وما يصل لجيوب العمّال مباشرة إلى خزينة پيونگ يانگ، ليمثّل أحد أضخم مصادر العملة الصّعبة لنظام كيم جونگ أون. هذا التّدفّق الماليّ يدفع كوريا الشّماليّة للتّمسّك بالاتّفاق بشروطه الحاليّة، ويسلبها أيّ حافز لإعادة التّفاوض بما يخدم موسكو.
النّتيجة النّهائيّة هي تجذّر دولتين مسلّحتين نوويّاً في منطقة تعجز الدّولة الرّوسيّة الرّاعية عن رفدها بالسّكّان، أو تمويلها، أو حكمها بمواطنيها. وصاغت الاستخبارات الأوكرانيّة المشهد بوصفه مقايضة تدفع فيها موسكو ثمن حربها من رصيد أراضيها، مضيفة مقامرة جديدة لسجلّ پوتِن الّذي نسف مساعي الاستقرار الدّاخليّ بقراراته.

«قرن الإذلال» وهاجس مانچوريا الخارجيّة
للإحاطة بحتميّة تحوّل هذا التّحالف إلى خصومة مستقبليّة، يتوجّب النّبش في التّاريخ المعقّد بين الدّولتين.
في عام 1274 هـ – 1858 مـ، كابدت سلالة چينگ الحاكمة في الصّين أزمات طاحنة؛ حروب أهليّة دمويّة تفتك بالآلاف داخليّاً، وحروب الأفيون الشّرسة ضدّ بريطانيا وفرنسا خارجيّاً. استغلّت الإمبراطوريّة الرّوسيّة هذا الانكسار ونشرت آلاف الجنود على طول الحدود الصّينيّة، ووضعت سلالة چينگ أمام خيارين: تسليم أراضٍ مترامية الأطراف أو مواجهة حرب إضافيّة مدمّرة.
عُرفت تلك المنطقة باسم مانچوريا الخارجيّة. ورضخت حكومة چينگ لعجزها عن تحمّل صراع جديد، ووقّعت في عام 1276 هـ – 1860 مـ معاهدات غير متكافئة نزلت بموجبها عن المنطقة كلّيّاً لروسيّا. حازت هذه الأراضي أهميّة قصوى لروسيّا لاحقاً، فاحتضنت أكبر ميناء روسيّ على مياه المحيط الهادئ، وشكّلت قاعدة لأساطيل الغوّاصات التّابعة للبحريّة الرّوسيّة هناك، والّتي تمارس مهام المراقبة للمحيط والولايات المتّحدة. وبتوقيع المعاهدة، سُلبت الصّين أيّ منفذ يطلّ على بحر اليابان.
لم تسقط تلك الحقبة من الذّاكرة الصّينيّة، فالمرحلة الممتدّة من 1850 حتّى 1949، الّتي استغلّت فيها القوى الأجنبيّة، وروسيّا من بينها، ضعف الصّين لانتزاع أراضيها، تُعرف صينيّاً باسم «قرن الإذلال». وبانتصار الشّيوعيّين بقيادة ماو تسي تونگ في الحرب الأهليّة وتأسيس جمهوريّة الصّين الشّعبيّة عام 1368 هـ – 1949 مـ، بقيت قضيّة مانچوريا الخارجيّة حاضرة في وجدان القيادة.
بدأ التّصدّع في العلاقات الصّينيّة الرّوسيّة بالظّهور جليّاً بعد عام 1379 هـ – 1960 مـ، حين صرّح ماو تسي تونگ لدپلوماسيّين يابانيّين بوضوح أنّ روسيّا تحتلّ أراضي صينيّة بصفة غير شرعيّة، وأنّ النّزاع لم يُسوَّ برغم مرور مئة عام. تصريحات ماو خرجت للعلن فأشعلت غضباً عارماً في الأوساط الرّوسيّة، وتفاقم الوضع لينفجر صراعاً مسلّحاً في عام 1389 هـ – 1969 مـ حول جزيرة حدوديّة صغيرة.
تواجَه الجيشان الصّينيّ والسّوڤييتيّ لأسابيع متواصلة، وسقط العشرات من القتلى من الطّرفين، ووقفت أضخم دولتين شيوعيّتين في العالم على حافّة حرب نوويّة كارثيّة. وخشي السّوڤييت من لجوء الصّين لترجمة تصريحات ماو باستعادة مانچوريا الخارجيّة بالقوّة العسكريّة، فموسكو لم تنشر سوى 350 ألف جنديّ على الحدود، في مواجهة مليون جنديّ صينيّ، وكان الرّادع الأوحد الّذي كبح جماح الصّين هو سلاح التّهديد النّوويّ السّوڤييتيّ. فهدأت العاصفة لاحقاً، وجرى الاعتراف الرّسميّ بتبعيّة مانچوريا الخارجيّة لروسيّا في عام 1411 هـ – 1991 مـ.
لكنّ ترسيم الحدود الرّسميّة لا يغلق الملفّ نهائيّاً بالنّسبة لبكين، ولا يضمن عدم سعيها المستقبليّ لاسترداد الأراضي، خصوصاً أنّ روسيّا نفسها أرست سابقة خطيرة بنقضها لمعاهدات موثّقة، مثل اتّفاقيّات 1994 و1997، لشنّ غزو على أوكرانيا وضمّ أراضيها مستندة لادّعاءات تاريخيّة حصراً. وفي خطوة لا تخلو من الدّلالات، أعادت الحكومة الصّينيّة إطلاق الأسماء الصّينيّة التّاريخيّة السّابقة على مدن روسيّة في المنطقة عبر خرائطها. هذا الإجراء لا ينذر بغزو عسكريّ صينيّ مباغت لاستعادة ما ضاع قبل قرن ونصف، بل يوضّح أنّ الصّين لن تضطرّ للغزو طالما أنّ السّكّان المحلّيّين يئنّون تحت وطأة السّياسات الاقتصاديّة الرّوسيّة، وظلم التّعبئة، وأولويّات زمن الحرب.

أزمة العطش العظيم واستراتيجيّة بحيرة بايكال
يظهر في الأفق القريب تحدٍّ مصيريّ إضافيّ يهدّد الصّين في هذا القرن: النّقص الحادّ في موارد المياه. إذ تكتظّ الصّين بـ 20% من إجماليّ سكّان كوكب الأرض، لكنّ نصيبها لا يتعدّى 7% من مخزون المياه العذبة عالميّاً. وتُنذر التّوقّعات بتفاقم مروّع لهذه الأزمة بفعل الاحتباس الحراريّ.
في عام 1443 هـ – 2022 مـ، غزت الصّور القادمة من الصّين العالم، مظهرة جفافاً شبه كامل لأحد أضخم أنهار البلاد نتيجة تسجيل معدّلات هطول أمطار بالغة التّدنّي. والخيارات المتاحة للصّين لتأمين المياه العذبة شبه معدومة؛ فجلّ مصادر المياه المحيطة بها تتمركز في جبال الهيمالايا الخاضعة لسيطرة الهند، أو داخل أراضي نيپال وبوتان، وتحتفظ الصّين بعلاقات دپلوماسيّة شديدة التّوتّر مع الدّول الـ 3 المذكورة.
في خضمّ هذا اليأس، تبدو الجغرافيا كريمة مع الصّين من بوّابة سيبيريا الواقعة تحت السّيطرة الرّوسيّة. هناك، ووسط سلسلة جبال وعرة، ترقد بحيرة بايكال، وهي أعمق وأقدم بحيرة للمياه العذبة على وجه البسيطة، حتّى إنّها عُدَّت بحراً قديماً لفرط ضخامتها. وتكتنز بايكال داخليّاً مياهاً عذبة تكفي لسدّ عطش البشريّة جمعاء للـ 50 عاماً المقبلة.
تطمع الصّين في هذه البحيرة منذ أمد؛ ففي عام 1431 هـ – 2010 مـ، انطلقت الحكومة الصّينيّة في عمليّات شراء محمومة للأراضي المحيطة بالبحيرة، وبحلول عام 1438 هـ – 2017 مـ، جاهرت بخطط لبناء خطّ أنابيب عملاق لسحب المياه من قلب بايكال إلى الدّاخل الصّينيّ. فأحدث الإعلان زلزالاً شعبيّاً، واندلعت احتجاجات عارمة قادها الرّوس المحلّيّون، ما أجبر الحكومة الرّوسيّة على تجميد المشروع.
غير أنّ استمرار أزمة الجفاف في الصّين، مقترناً بارتهان الاقتصاد الرّوسيّ الكلّيّ للصّين، يسرّع اقتراب اليوم الّذي ستراجع فيه موسكو موقفها وتخضع للمطلب الصّينيّ. فروسيّا الرّاهنة لا تملك ترف الرّفض؛ إذ إنّ معظم دول العالم فرضت عقوبات قاصمة عليها، واقتصادها ينزف، لتغدو مشتريات الصّين من النّفط والغاز، وتوفيرها للعمالة والدّعم الماليّ، طوق نجاة لا بديل عنه. في المقابل، تضمن الصّين مسارات آمنة وأقلّ تكلفة لواردات الطّاقة، وتؤمّن لنفسها شريان مياه عذبة مستقبليّاً. الطّرفان مكبّلان اليوم بحاجة مصيريّة متبادلة.

الانفصال القادم ودعم حركات التّحرّر في الشّرق
الخطر الصّينيّ على روسيّا لا يتوقّف عند الطّموحات الإقليميّة العارية أو الموارد المائيّة، بل يتّسع ليشمل بُعداً جيوسياسيّاً يعمّق أرق موسكو: الاحتمال المتزايد لاحتضان الصّين للحركات القوميّة والانفصاليّة في مناطق الشّرق الرّوسيّ، خصوصاً في الجمهوريات الطّافحة بالثّروات كجمهوريّة ساخا (ياقوتيا) وجمهوريّة بورياتيا.
في صيف عام 1444 هـ – 2023 مـ، شهدت مدينة ياقوتسك، عاصمة جمهوريّة ساخا، انعقاد منتدى حمل اسم «ياقوتيا ومقاطعات الصّين: علاقات المدن الشّقيقة لتعزيز العلاقات الرّوسيّة-الصّينيّة». واستبق هذا التجمّع الدّوليّ طوفان من المنشورات على منصّة المدونات الصّينيّة شبه الرّسميّة سوهو دوت كوم، استهدفت الجمهور الدّاخليّ المحلّيّ لتسويق روايات تستفزّ العصَب الرّوسيّ بعمق. روّجت المنشورات لكون ياقوتيا أرضاً تناضل ببسالة لبلوغ الاستقلال الّذي تقمعه روسيّا بالقوّة، ولفتت الأنظار لكون ياقوتيا ثاني أضخم منطقة في العالم يسكنها أبناء العرق الأصفر متأخّرة عن الصّين فقط، وذكّرت بالرّوابط التّاريخيّة العميقة الّتي تلحمها بالصّين.
هذه الرّوايات لا تأتي من فراغ، بل توضّح استراتيجيّة صينيّة بعيدة المدى تستند لعقيدة «الحدود الاستراتيجيّة والمساحة الحيويّة» المتأصّلة في جيش التّحرير الشّعبيّ الصّينيّ، والّتي تُقرّ علانية بأنّ تضخّم أعداد السّكّان ومحدوديّة الموارد يولّدان حافزاً فِطريّاً لاختراق الحدود المعترف بها دوليّاً والتّوسّع خارجها. وبناءً على هذه العقيدة، يغدو ممكناً استيعاب جمهوريّة ساخا ضمن حيّز المساحة الحيويّة للصّين دون الحاجة لضمّها في عمليّة رسميّة، سواء بقيت خاضعة للاتّحاد الرّوسيّ أو نالت استقلالاً شكليّاً.
تُمثّل ساخا (ياقوتيا) أضخم كيان إقليميّ دون وطنيّ في العالم بأسره، وتزخر بأرصدة خياليّة من الموارد الطّبيعيّة، كالذّهب والمعادن النّفيسة. تستحوذ ساخا (ساكا) وحدها على ربع إجماليّ الألماس المطروح في أسواق العالم، إلّا أنّ فتاتاً لا يُذكر من هذه العوائد الفلكيّة ينعكس على حياة السّكّان المحلّيّين من أبناء شعب السّاخا (الياقوتيّون) الّذين يقارب عددهم نصف مليون نسمة وينحدرون من جذور تركيّة أصيلة.
والأخطر من الألماس والذّهب، هو الممرّ الّذي تفتحه ياقوتيا للصّين نحو المحيط المتجمّد الشّماليّ، وهو معبر حاسم الأهميّة في سياق تداعيات الاحتباس الحراريّ وحمّى الصّراع الجيوسياسيّ للسّيطرة على القطب الشّماليّ. إذ يمتلك شعب السّاخا تاريخاً حافلاً بمقارعة الهيمنة الرّوسيّة الّتي اخترقت أراضيهم في القرن 17، وتفجّر غضبهم بثورة مسلّحة عاتية عام 1052 هـ – 1642 مـ. وفي مطلع القرن 20 ظهرت حركة قوميّة سُحقت بدمويّة إبّان العهد السّوڤييتيّ. واليوم، يكابد أبناء السّاخا ضغوطاً خانقة مع تدفّق المهاجرين من جمهوريّة الصّين الشّعبيّة للاستقرار في ياقوتيا، لتستعر المخاوف من ضياع الهويّة القوميّة، ويسيطر القلق الشّديد على السّكّان من ذوبان إرثهم العرقيّ والقوميّ تحت وطأة عمليّات الاستيعاب والهجرة المفتوحة الّتي تعجز روسيّا عن لجمها.
في الجوار، تقع جمهوريّة بورياتيا في شرق سيبيريا متوسّدة الشّاطئ الشّرقيّ لبحيرة بايكال الاستراتيجيّة، وتحتضن بدورها قرابة نصف مليون نسمة من الشّعب البورياتيّ المنحدر من أصول منغوليّة. وتتصدّر {مؤسّسة بورياتيا الحرّة} واجهة الحراك الانفصاليّ هناك، وتحظى بتمثيل فعليّ ضمن تكتّل منتدى الشّعوب الحرّة لما بعد روسيّا.
إبّان خمسينيّات القرن 20، سهر الحزب الشّيوعيّ على تمزيق الرّوابط بين البورياتيّين ومنغوليا خوفاً من استشراء المشاعر الپان-منغوليّة والانفصاليّة. تلك الهواجس لم تمت، بل تعاظمت بمرور السّنين؛ ففي عام 1439 هـ – 2018 مـ، تفجّرت احتجاجات شعبيّة قادها مئات السّكّان رفضاً لقرار موسكو بنقل تبعيّة جمهوريتهم من المنطقة الفيدراليّة السّيبيريّة إلى منطقة الشّرق الأقصى الفيدراليّة.
شكّل الخوف من خسارة المكتسبات الاقتصاديّة المحرّك الأوّل للغضب، إلّا أنّ المحتجّين صوّبوا سهامهم أيضاً نحو إجراءات تبسيط منح الجنسيّة للّاجئين والمهاجرين الصّينيّين الّذين نالوا حصصاً مجّانيّة من أراضي الشّرق الأقصى، وسُمح لهم بالاستقرار على ضفاف بايكال ونيل حقوق الملكيّة بيسر وسهولة. فصدحت ساحات التّظاهر بشعارات تؤكّد حقّ السّكّان الأصليّين حصراً بأراضي بايكال وتجرّم بيعها للصّينيّين.
تعتمد الصّين على إرث طويل ومدروس في توظيف الأقلّيّات العرقيّة أوراقاً سياسيّة؛ فتضمّ أراضيها 54 أقلّيّة عرقيّة معترفاً بها رسميّاً، كالكوريّين، والإيڤينك، والنّاناي، وصولاً إلى الرّوس أنفسهم. إسباغ الاعتراف الرّسميّ على الرّوس أقلّيّة يعطي بكين أداة دپلوماسيّة فتّاكة تشرعن تدخّلها المستقبليّ في صلب شؤون روسيّا الدّاخليّة بحجّة الدّفاع عن حقوق الأقلّيّات.
سوابق التّاريخ تدعم هذه الاستراتيجيّة؛ ففي عام 1337 هـ – 1919 مـ، وحين كانت الحرب الأهليّة الرّوسيّة في أوجها، أطلق ليڤ كاراخان، نائب مفوّض الشّعب للشّؤون الخارجيّة للاتّحاد السّوڤييتيّ، وعوداً علنيّة بإعادة كافّة الأراضي الّتي اغتصبتها الإمبراطوريّة القيصريّة من الشّعب الصّينيّ إبّان سلسلة المعاهدات غير المتكافئة. هذا الوعد لم يجد طريقه للتّنفيذ، لكنّ القيادة الصّينيّة لم ولن تنساه.
إذا تآكلت قوّة روسيّا في المستقبل، يُحتمل أن تتّخذ الصّين من هذا الإرث التّاريخيّ ذريعة لإسناد حركات الاستقلال في الشّرق الرّوسيّ، بل وربّما تسعى بقوّة لفرض العودة لحدود معاهدة نرتشينسك الموقّعة عام 1100 هـ – 1689 مـ في حال انهارت السّلطة المركزيّة في موسكو. وحسب مقتضيات الواقع، تملك بكين حريّة الاختيار بين خيار الضّمّ الرّسميّ والمباشر لتلك الأراضي، أو تبنّي مسار إعادة إحياء جمهوريّة الشّرق الأقصى الّتي ظهرت بشكل عابر بين عامي 1920 و1922، ككيان مؤقّت يفصل بينها وروسيّا.
هذا السّيناريو لا يمتّ للخيال بصلة، فالصّين تتسيّد فنّ تطويع النّفوذ الاقتصاديّ لحصد مكاسب جيوسياسيّة. فحين طرحت الصّين خطّة التّعاون والتّنمية بين الصّين وروسيّا للشّرق الأقصى الرّوسيّ للأعوام من 2018 إلى 2024، قوبلت ببرود روسيّ وتجاوب هزيل. لكن عقب الغزو الشّامل لأوكرانيا في شهر رجب 1443 هـ شباط فبراير 2022 مـ، انقلبت الموازين رأساً على عقب، فاستوعب الكرملين استحالة إعادة تجهيز وتضخيم قاعدته الصّناعيّة والعسكريّة لاستكمال الحرب دون الدّعم الصّينيّ المطلق. هذا العجز المفاجئ طوّع پوتِن وأرغمه على تقديم تنازلات جوهريّة واستراتيجيّة لبكين.
وهناك زاوية أخرى يغفل عنها الغرب لغرابتها وحداثتها، وهي التّبعات السّياسيّة الدّاخليّة للانهيار الدّيموغرافيّ في الشّرق الأقصى. فمع رحيل الرّوس من أصول قوميّة خالصة، تتشكّل خريطة ديموغرافيّة جديدة؛ ففي بعض المدن هناك، باتت الجاليات الصّينيّة والأوزبكيّة مجتمعة توازي أعداد الرّوس.
بادر نشطاء روس، مستعينين بمنصّات منظّمة، لمناقشة فكرة انفصال سيبيريا واستقلالها، وطرحوا بجرأة شعار {الولايات المتّحدة السّيبيريّة}، وهو شعار انطلق حركة فنّيّة بحتة ثُمّ تبلور تدريجيّاً ليصبح هويّة سياسيّة واجتماعيّة. وبرغم بقاء هذه الأفكار ضمن دوائر هامشيّة محصورة، وتولّي نشطاء فارّين من جحيم الحرب إدارة هذا الحراك من خارج روسيّا، إلّا أنّ السّياق الأكبر يفرض نفسه.


قضى پوتِن 25 عاماً في قمع وسحق أيّ شكل من أشكال الهويّة الوطنيّة الّتي لا تضع روسيّا في مقدّمة أولويّاتها، حتّى إنّه استهدف استقلال جمهوريات الاتّحاد السّوڤييتيّ السّابقة لإبقائها مرتبطة بفلك الفيدراليّة الرّوسيّة. ومع ذلك، يبرز الآن احتمال واقعيّ لولادة حركة انفصاليّة جديدة، وهذه المرّة في بقعة من الأرض تعجز موسكو كلّيّاً عن ضبطها بحكم البعد الجغرافيّ الشّاسع وهشاشة البنية التّحتيّة وانعدام المؤسّسات. فأيّ علامة ضعف قد تظهر على حكومة پوتِن، ستدفع المحلّيّين للانتفاض على الدّعاية المموّلة حكوميّاً والانضمام فوراً لصفوف الحركات الانفصاليّة.

صفقات نفعيّة في انتظار الانفجار
بالتّعامل مع هذا المشهد البالغ التّعقيد، نجد أنفسنا أمام مساحة جغرافيّة تفوق كبريات دول العالم حجماً، وتنام على أضخم احتياطيّات العالم من الأخشاب، والأسماك، والعناصر الأرضيّة النّادرة، والألماس، والذّهب، والموارد الهيدروكربونيّة. منطقة تتشارك الحدود مع الصّين، واليابان، وكوريا الشّماليّة، وتلامس ألاسكا عبر مضيق بيرينگ.
يعجز پوتِن اليوم عن إقناع الرّوس بالبقاء فيها، لتشهد عمليّة استبدال بطيء للمستوطنين الروس والسكّان الأصليّين لمصلحة الصّينيّين أو الكوريّين. وخلال القرن المقبل، ستتضاعف الأهمّيّة الجيوسياسيّة والاقتصاديّة لهذه الموارد غير المستغلّة ولموقعها الملاصق للقوى العظمى.
المعضلة المستقبليّة تتلخّص في سؤال واحد: من سيمتلك زمام المبادرة فعليّاً ليدير الاقتصاد، ويملأ المستوطنات، ويستخرج الموارد، ويقرّر مصالح مَن ستُخْدَم؟
تتظاهر موسكو بكونها القوّة العظمى الّتي تبسط سيطرتها المطلقة على جوارها، وتصدّ الطّوق الغربيّ، وتستعرض قوّتها الباطشة في أوكرانيا وخارجها، غير أنّها تعجز فعليّاً عن فرض سيادتها الميدانيّة وفق أبسط معايير السّيطرة الإقليميّة، ألا وهو قدرتها على الاحتفاظ بشعبها في أرضه. روسيّا لن تفقد الشّرق الأقصى صبيحة الغد، ولن تخسره في جولة الانتخابات القادمة، ولن تندلع ثورة انفصاليّة شاملة عمّا قريب، لكن يَجِبُ ألاّ نخطئ التّقدير أبداً؛ الشّرق الأقصى الرّوسيّ ينتقل رويداً رويداً وبثبات مطلق من هيمنة ديموغرافيّة روسيّة إلى كيان ذي هويّة مختلفة كليّاً.
تغيّرات الحدود ليست متوقّعة اليوم، لكنّ محفّزات الانهيار الدّيموغرافيّ هي ذاتها محرّكات الانهيار الاقتصاديّ الّتي تغذّي نفسها بنفسها دون توقّف. حقيقة من يسكن، ويعمل، ويبني، ويحصد الثّروات على الأرض تتغيّر جذريّاً، تماماً كما تفعل منذ عقود.
يدرك پوتِن هذا التّحوّل، ووثّقه الباحثون الرّوس لجيل كامل. سقطت كافّة البرامج الحكوميّة، وزادت الحرب الأوكرانيّة الوضع سوءاً على سوء، ليتضاءل أمل عكس هذا الانحدار حتّى يكاد يتلاشى. الشّرق الأقصى ليس سوى الفصل الأوّل في سيناريو الطّموحات الصّينيّة الرّامية لالتهام أجزاء من روسيّا. وإذا ما جلس رئيس جديد على كرسيّ الكرملين وقرّر تجميد نقل المياه أو مضاعفة فواتير النّفط والغاز، فإنّ الحكومة الصّينيّة ستفتح ملفّ مانچوريا الخارجيّة والمقاطعات الشّرقيّة بلا تردّد، وقد تؤجّج حركات تحرّر في ساخا وبورياتيا بحجّة نصرة الأقلّيّات وحقّ تقرير المصير، بردّ فعل يفوق الوصف من قوّة غدت عسكريّاً واقتصاديّاً عملاقة بامتياز.
هذا المسار يقدّم درساً بالغ القسوة في عالم السّياسة الدّوليّة: التّحالفات تُبني على رمال المصالح المتحرّكة، والتّاريخ لا يُمحى بالمعاهدات. فالدّول الّتي تتنازع الجغرافيا والموارد، كالهند وباكستان، مطالبة اليوم بالتّوجّه لطاولات الحوار لحلّ أزماتها بالطّرق السّلميّة والمراعاة المتبادلة للمصالح. كلاهما يفيض بالموارد، ولو حُوّلت 50% فقط من الميزانيّات الدّفاعيّة الخياليّة للاستثمار في الصّحّة والتّعليم، لتبدّل مصير الشّعبين من جذوره.
في النّهاية، أوراسيا تجلس على بركان من المصالح المؤقّتة والتّحالفات الهشّة الّتي تخفي تحتها خصومات تاريخيّة لا تلبث أن تنفجر يوماً ما.

ملحق المصادر والمراجع التّوثيقيّة المعتمَدة
لضمان الدّقّة المطلقة والشّموليّة التّامّة، أُدرجت المعلومات وفق سلسلة من البحوث والتّقارير الموثّقة المستقاة من كبريات المؤسّسات:
في ما يتعلّق بالشّراكة الصّينيّة-الرّوسيّة ومفهوم “بلا حدود”، اعتُمد على تقرير مجلس العلاقات الخارجيّة الأميركيّ الصّادر في شهر كانون الأوّل ديسمبر 2024 مـ للباحثين روبرت بلاكويل وريتشارد فونتين، ومقال باتريشيا كيم في مجلّة فورين أفيرز المنشور بتاريخ 20 شباط فبراير 2025 مـ، وتقييم أنوشكا ساكسينا لمصلحة معهد سياسات الأمن والتّنمية السّويديّ في 27 أيّار مايو 2024 مـ، إضافة إلى مرصد ميريكس للأبحاث الخاصّة بالصّين عبر تقرير كلاوس سونغ لعام 2025، والتّحليل المعمّق الّذي قدّمته إليزابيث ويشنيك لمصلحة مؤسّسة تحليلات سي إن إيه في 12 تشرين الأوّل أكتوبر 2022 مـ.
وأمّا التّفاصيل التّاريخيّة المرتبطة بمعاهدة أيگون وسلسلة المعاهدات غير المتكافئة، فاستُنبطت من كتاب “الصّين والقانون الدّوليّ: نزاعات الحدود” لبايرون تزو الصّادر عن دار برايگر في نيويورك عام 1990 مـ، ودراسة تايلور فراڤيل لمؤسّسة كارنيجي للسّلام الدّوليّ حول “قرن الإذلال” المنشورة في أيّار مايو 2015 مـ، إلى جانب أرشيف مكتبة بوريس يلتسن الرّئاسيّة الّذي يوثّق المعاهدة، وموسوعة بريتانيكا، وأرشيف روسيّا في المنظور العالميّ التّابع لجامعة هارفارد.
وعلى صعيد الصّراع الحدوديّ الصّينيّ السّوڤييتيّ عام 1389 هـ – 1969 مـ وتطوّراته، رُجع إلى بحث يانغ كويسونغ في دوريّة تاريخ الحرب الباردة الصّادرة عام 2000 مـ، ودراسة نيڤيل ماكسويل حول تسوية النّزاع من نرتشينسك عام 1689 حتّى ڤلاديڤوستوك 2005 والمنشورة في دوريّة الدّراسات الآسيويّة النّقديّة عام 2007 مـ، وكتاب توماس روبنسون الصّادر عن مؤسّسة راند العريقة عام 1970 مـ حول النّزاع الحدوديّ. كما دُعمت التّفاصيل بوثائق أرشيف الأمن القوميّ بإشراف ويليام بور عام 2001 مـ، وأبحاث مؤسّسة هوڤر الدّوليّة، وأرشيف مركز ويلسون الرّقميّ.
ولفهم أبعاد أزمة بحيرة بايكال ومشاريع التّعطيش وتحويل المياه، دُمجت تقارير مؤسّسة حوار الأرض، وتحديداً دراسات يوجين سيمونوف عامي 2020 و2022 مـ حول مخاطر خطوط الأنابيب، وتقارير مؤسّسة أنهار بلا حدود لعام 2017 مـ التّحذيريّة، وتصريحات صحيفة بيبولز ديلي الصّينيّة الشّعبيّة عام 2017 مـ حول نيّة تحويل المياه، وتقييمات ريتشارد ميلز الاقتصاديّة مطلع عام 2025 مـ، ومتابعات مرصد دائرة المياه الزّرقاء عام 2025 مـ لمشاريع تعبئة مياه بايكال.
وخُصّصت مراجع مفصّلة لتتبّع ملفّ جمهوريّة ساخا (ياقوتيا) والحركات الانفصاليّة، بدءاً من دراسات مركز بيسا لعام 2024 مـ حول استقلاليّة ياقوتيا، وتقرير سارة كول لمصلحة معهد القطب الشّماليّ في تشرين الثّاني نوڤمبر 2022 مـ الّذي يستعرض إرث الاستعمار الرّوسيّ هناك، وتحقيقات ريد ستانديش لمعهد شؤون العالم الحاليّة في تمّوز يوليو 2024 مـ حول لجوء شعب السّاخا إلى كازاخستان، وتقييمات جامعة ماريلاند للأقلّيّات المهدّدة، وتقرير رابطة المدافعين عن السّياسة العامّة المعتمدين لدى الاتّحاد الأوروپيّ حول الحركات الانفصاليّة الكبرى في روسيّا، إلى جانب تحقيق غاري لي في صحيفة واشنطن پوست من عام 1992 مـ حول مطامع الأقاليم السّيبيريّة في ثرواتها.
واستندت المعلومات المتعلّقة بجمهوريّة بورياتيا إلى كتاب دانيال كيمپتون “حالة ساخا في الوحدة أو الانفصال” المطبوع عن دار جرينوود لنشر عام 2001 مـ، ومشروع الأدلة الأفضل التابع لمدرسة كارتر في جامعة جورج ماسون حول تسوية النّزاعات العسكريّة في تلك الأصقاع. واكتملت الرّؤية التّحليليّة بالاعتماد على أمّهات الكتب في التّاريخ الدّبلوماسيّ، مثل كتاب “اللّعبة الكبرى” لإدموند كلوب الصّادر عن جامعة كولومبيا عام 1971 مـ، وكتاب “المنافسون الإمبراطوريّون” الصّادر عام 1997 مـ، وكتاب مارك مانكال حول الدّبلوماسيّة الرّوسيّة الصّينيّة حتّى عام 1728 والمنشور عام 1971 مـ عن مطبعة جامعة هارفارد، إلى جانب مؤلّف روزماري كويستيد لعام 1984 مـ حول التّاريخ الموجز لتلك العلاقات المتشابكة.
مصادر ومراجع
- The Sino-Soviet Border Dispute: Background, Development, and the March 1969 Clashes – RAND Corporation. ~https://www.rand.org/pubs/research_memoranda/RM6171.html~
- The Sino-Soviet Border Clash of 1969: From Zhenbao Island to Sino-American Rapprochement – Cold War History. ~https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/713999906~
- How the Sino-Russian boundary conflict was finally settled: From Nerchinsk 1689 to Vladivostok 2005 – Critical Asian Studies. ~https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/14672710701339460~
- Imperial Rivals: Russia, China, and Their Disputed Frontier – M.E. Sharpe. ~https://www.routledge.com/Imperial-Rivals-Russia-China-and-Their-Disputed-Frontier/Paine/p/book/9781563247248~
- Russia and China: Their Diplomatic Relations to 1728 – Harvard University Press. ~https://www.hup.harvard.edu/books/9780674781153~
- The Limits of the No-Limits Partnership – Foreign Affairs. ~https://www.foreignaffairs.com/articles/china/2022-02-28/limits-no-limits-partnership~
- Cooperation and Competition: Russia and China in Central Asia, the Russian Far East, and the Arctic – Carnegie Endowment for International Peace. ~https://carnegieendowment.org/2018/02/28/cooperation-and-competition-russia-and-china-in-central-asia-russian-far-east-and-arctic-pub-75673~
- Russia’s Colonial Legacy in the Sakha Heartland – The Arctic Institute. ~https://www.thearcticinstitute.org/russias-colonial-legacy-sakha-heartland/~
- Sino-Soviet Border Conflict, 1969 – Wilson Center Digital Archive. ~https://digitalarchive.wilsoncenter.org/collection/sino-soviet-border-conflict-1969~
- Déjà Vu Pipedream Threatens Lake Baikal and Challenges Common Sense – Rivers without Boundaries. ~https://www.transrivers.org/2017/1907/~
- Axis of Convenience: Moscow, Beijing, and the New Geopolitics – Brookings Institution Press. ~https://www.brookings.edu/book/axis-of-convenience/~
- The Beijing-Moscow Axis – Foreign Affairs. ~https://www.foreignaffairs.com/articles/russia-fsu/2010-01-01/beijing-moscow-axis~
- Sino-Russian Relations in the 21st Century – Palgrave Macmillan. ~https://link.springer.com/book/10.1007/978-3-319-58849-0~
- Chinese Migration to the Russian Far East: A Human Security Threat? – Asian Survey
- The Russian Far East and Pacific Asia: Unfulfilled Potential – Routledge. ~https://www.routledge.com/The-Russian-Far-East-and-Pacific-Asia-Unfulfilled-Potential/Bradshaw/p/book/9780700714969~
- Yellow Peril again? The Chinese and the Russian Far East – Europe-Asia Studies. ~https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/09668139808412579~
- The ‘Century of Humiliation’ and China’s National Narratives – Washington University
- China’s Quest for National Identity – Cornell University Press. ~https://www.cornellpress.cornell.edu/book/9780801480749/chinas-quest-for-national-identity/~
- Sino-Russian Relations: A Short History – George Allen & Unwin. ~https://www.routledge.com/Sino-Russian-Relations-A-Short-History/Quested/p/book/9780049510255~
- Water, Peace, and War: Confronting the Global Water Crisis – Rowman & Littlefield. ~https://rowman.com/ISBN/9781442221390/Water-Peace-and-War-Confronting-the-Global-Water-Crisis~
- Water Security in Asia: Opportunities and Challenges – Springer. ~https://link.springer.com/book/10.1007/978-3-030-47525-0~
- Chinese Investments in Russia’s Lake Baikal Region Generate Backlash – The Jamestown Foundation. ~https://jamestown.org/program/chinese-investments-in-russias-lake-baikal-region-generate-backlash/~
- Buryat Nationalism and the Soviet State – Oxford University Press. ~https://academic.oup.com/book/35882~
- Sakha Diaspora and Indigenous Rights in Russia – American Anthropologist
- ~https://anthrosource.onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1525/aa.1999.101.4.746~
- The Rise of Siberian Regionalism – Slavic Review. ~https://www.cambridge.org/core/journals/slavic-review/article/abs/rise-of-siberian-regionalism/~
- Post-Soviet Separatism: The Republic of Sakha – Europe-Asia Studies. ~https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/09668130020014070~
- Pan-Mongolism and Buryat Identity – Inner Asia. ~https://brill.com/view/journals/inas/inas-overview.xml~
- Demographic Challenges in the Russian Far East – RANEPA. ~https://www.ranepa.ru/eng/research/demographic-challenges-in-the-russian-far-east/~
- China’s Policies on its Ethnic Minorities and Implications for Russia – Routledge. ~https://www.routledge.com/Chinas-Ethnic-Minorities-and-Globalisation/Mackerras/p/book/9780415309011~
- Russia and China: A Political Marriage of Convenience – CSIS. ~https://www.csis.org/analysis/russia-and-china-political-marriage-convenience~
- The Sino-Russian St. Petersburg Treaty of 1881: Diplomatic History – JSTOR
- The Chinese in the Russian Far East: A Sociological Study – Russian Politics & Law. ~https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.2753/RUP1061-1940380304~
- Environmental Impacts of Siberian River Routing – UNEP. ~https://www.unep.org/resources/report/environmental-impacts-siberian-river-routing~





اترك رد