دليلك الشّامل لفهم بيولوجيا التّخمير البارد لصناعة الخبز التّقليديّ. بيولوجيا التّخمير: “الساور دو” بين وهم “السّوشلميديا” والمعرفة التّراثيّة
تزدحم منصّات التواصل الاجتماعي (السّوشلميديا) اليوم بڤلوگات ومنشورات تدعو إلى صناعة خبز العجينة الحامضة التّقليديّ في المنزل. لكنّ المتأمّل في محتوى هذه المنشورات يلحظ تكراراً أعمى وكأنّها نُسخت ولُصقت من مصدر واحد، وتحمل جميعها أغلاطاً جوهريّةً تشوّه أصل الصّنعة.
إذ حوّلت الوصفات المتداولة متعة الخبز إلى عمليّة معقّدة ترهق الخبّاز المنزليّ بجداول زمنيّة صارمة، وتخمير دافئ، لتنتهي برغيف مطّاطيّ لا يمتّ للخبز الأصيل بصلة، ولا يقدر على منافسة الأرغفة التجارية. ولتصحيح هذا الخلل، نعود إلى الجذور الصّحيحة لنفصّل آليّة التّخمير البارد بأسلوب سليم وصحيح.
تختصّ هذه المقالة بالخبز مادّة غذائية أساسيّة، تقابل اللّحم؛ على الطريقة الجزيرية والمصرية القديمة. بدلاً من الحديث عن الخبز أداة لتناول الطعام.

مقدّمة
من الضّرورة الصّحّيّة تصحيح هذا المسار عند فهم الفروق الجوهريّة بين العجن السّريع والتّخمير البطيء. إذ يُبقي العجن السّريع النّشويّات المعقّدة وحمض الفيتيك دون تفكيك، ممّا يرهق الجِهاز الهضميّ ويقلّل امتصاص المعادن والڤيتامينات ويرفع المؤشّر الگلايسيميّ للرّغيف.
في حين يعتمد التّخمير البارد على إطالة مدّة التّفاعل البيولوجيّ في درجات حرارة منخفضة، لتفكّك البكتيريا النّافعة جزءاً كبيراً من الگلوتين والنّشويّات مسبقاً. فتكسّر الأحماض العضويّة النّاتجة عن هذا التّفاعل حمض الفيتيك، وتسهّل امتصاص الحديد والزّنك والمگنيزيوم.
الخبز المخبوز بهذه الطّريقة طعام صحّيّ متكامل، ويقدّم نكهةً عميقةً وقشرةً مقرمشةً يستحيل على الطّرائق المتسرّعة محاكاتها أبداً.

الفصل 1: المهد البيولوجيّ وانتقال المعارف إلى أوروپا
يعود تاريخ التّخمير الطّبيعيّ للعجينة الحامضة إلى بدايات الزّراعة البشريّة في منطقة شمال العربيّة (الهلال الخصيب)، وتحديداً في الجزيرة العليا في محيط نينوى (الموصل)، إلى جانب ضفاف النّيل في مصر.
بدأت زراعة القمح وتدجينه في هذه المناطق قبل 10000 سنة بعد ثورتها في الشام، واكتشف الخبّازون الأوائل تفاعل الدّقيق والماء مع الخمائر البرّيّة والبكتيريا اللّبنيّة الموجودة في الهواء لتكوين عجينة متخمّرة. وتظهر النّصوص المسماريّة والرّقم الطّينيّة المكتشفة في نينوى، فضلاً على الرّسومات الجداريّة المصريّة العائدة إلى سنة 3500 قبل الميلاد، طرائق استخدام العجينة القديمة لتخمير العجينة الجديدة، ممّا أنتج خبزاً خفيفاً ذا نكهة مميّزة، وارتبطت هذه الصّناعة بصناعة تخمير الشّعير وإنتاج الجعّة في تلك الحقبة.
بسبب مكانته وقيمته العالية، أطلق سكّان شمال العربية على الخبز المخمّر اسماً دالّاً يعبّر عن هذه المكانة، فسمّوه {لَحْم}. يتّضح هذا الارتباط اللّغويّ في تطوّر الجذر العروبي (السّاميّ) {ل.ح.م} الّذي عبّر دائماً عن الغذاء الأساسيّ للإنسان (لأنّه يبني لحم الإنسان)؛ فكتب الأسلاف في أُگاريت كلمة خبز بالأبجديّة المسماريّة على شكل 𐎍𐎈𐎎 لتُلفظ {لَحْم}، واستمرّ هذا الاستعمال في اللّغة الفينيقيّة الّتي رسمتها بحروفها الخطّيّة غير المسماريّة 𐤋𐤇𐤌، وتوارثتها الآراميّة النينويّة بصيغة 𐡋𐡇𐡌𐡀 وتُلفظ {لَحْما}، وصولاً إلى العبريّة (الآرامية البابلية) לחם وتُلفظ {لِحِم}.
لم ينشأ هذا التّطابق اللّفظيّ مع اللّحم الحيوانيّ من فراغ، بل نتج عن إدراك المجتمعات الزّراعيّة القديمة للمنفعة التّغذويّة العظمى الّتي منحتها آليّة التّخمير البطيء للرّغيف. إذ فكّكت البكتيريا اللّبنيّة والخمائر البرّيّة حمض الفيتيك، وحرّرت المعادن، ويسّرت هضم الپروتينات وامتصاص الڤيتامينات، لتصنع من مزيج الدّقيق والماء وجبةً متكاملةً. وسدّت هذه الأرغفة الغنيّة رمق الزّرّاع والعمّال، ومنحتهم طاقةً وتغذيّةً تضاهي تماماً ما يقدّمه الپروتين الحيوانيّ، فصار الخبز المخمّر في تلك الحقبة لحماً حقيقيّاً يقيم صلب الإنسان، ويغنيه عن الاعتماد اليوميّ على الصّيد، ويؤمّن استقرار التّجمّعات الزّراعيّة الأولى.
انتقلت تقنيّات صناعة العجينة الحامضة من الشّرق الأوسط إلى اليونان القديمة والإمپراطوريّة الرّومانيّة عبر دراسة أطبّاء تلك البلدان في عواصم المعرفة القديمة شمال العربية. فطوّر الرّومان أفران الخبز الجزيرية ونقلوا المعارف البيولوجيّة إلى أوروپا، لتصبح العجينة الحامضة أساس صناعة الخبز.
لكن، واجه الخبّازون الأوروپيّون ظروفاً مناخيّةً مختلفةً تماماً عن بيئة الشّرق الأوسط الدّافئة، وتطلّب التّباين المناخيّ تكيّفاً بيولوجيّاً دقيقاً في طرائق التّخمير. فظهرت تقنيّة التّخمير البارد عفويّاً في أوروپا خلال القرون الوسطى نتيجة انخفاض درجات الحرارة. وتؤدّي درجات الحرارة المنخفضة الّتي تتراوح بين 10 و 15 درجةً مئويّةً إلى إبطاء نشاط خميرة ساكارومايسيس المسؤولة عن نفش العجين، وتمنح في الوقت ذاته بيئةً مثاليّةً لازدهار البكتيريا الملبّنة، وتحديداً السّلالات غير متجانسة التّخمير.
تفرز هذه البكتيريا حمض الخلّيك وحمض اللّبنيك بنسب مرتفعة إثر تعرّضها للبرودة، ممّا يمنح خبز العجينة الحامضة الأوروپيّ حموضةً واضحةً ونكهةً لاذعةً تميّزه عن الخبز شّرق الأوسطيّ المخبوز في مناخ حارّ.
شهدت أوروپا الشّماليّة والوسطى اعتماداً كبيراً على زراعة حبوب الجاودار بدلاً من القمح بسبب تحمّلها رطوبة المناخ وبرودته. غير أنّ الجاودار يفتقر إلى الگلوتين الكافي لتكوين هيكل الخبز، ويحتاج وسطاً عالي الحموضة لمنع تفكّك النّشويّات في أثناء الخبز. فوفّرت عمليّة التّخمير البارد المستمدّة من مصر ونينوى هذه الحموضة الضّروريّة، لتنقذ خبز الجاودار من الإخفاق وتجعله عنصراً غذائيّاً أساسيّاً في أوروپا.
تتشارك منطقة البحر المتوسّط الإرث العلميّ ذاته، فالميكروبات البرّيّة الّتي اكتشفها وطوّرها الخبّازون شمال العربية (الهلال الخصيب) ومصر تطوّرت سلوكيّاً وكيميائيّاً استجابةً لصقيع أوروپا، لتصيغ تاريخاً متّصلاً يجمع الأفران الطّينيّة في الجزيرة العليا ومخابز القرون الوسطى الأوروپيّة الحجريّة.

الفصل 2: وهم العجينة الحامضة الحديثة
اعتمد الخبّازون في القرون الوسطى لأكثر من 800 عام على وصفة بسيطة تتكوّن من عنصرين اثنين فقط، بلا حجرة تخمير، وبلا جداول تغذية، وبدون طيّ العجين كلّ 30 دقيقةً. قد تبدو هذه الطّريقة لجيل اليوم خاطئةً تماماً، لكنّها تصنع خبزاً بنكهة أعمق وقشرة أفضل، وتدوم طراوته طويلاً بضعف المدّة مقارنةً بأيّ خبز نخبزه الآن.
تفرض طرائق تحضير العجينة الحامضة الحديثة مراقبة رغيف واحد مدّةً تتراوح بين 12 و 18 ساعةً، مع تعديل حرارة الحجرة ومراقبة السّاعة باستمرار، وبرغم ذلك يخرج الخبز في نصف الحالات كثيفاً ومطّاطيّاً. والفارق الحقيقيّ بين خبزنا اليوم وخبز الأمس ليس المهارة ولا المعدّات. يختبئ السّبب الحقيقيّ أمام أعيننا منذ ألف عام، وتسعى صناعة الخبز التجاريّ الّتي تبلغ قيمتها 3.6 مليار دولار على بقائه سرّاً طيّ الكتمان بالتجهيل.
تكرّر جميع الوصفات المنشورة على الإنترنت الكلام ذاته، وتطلب إبقاء العجين في حرارة تتراوح بين 24 و 27 درجةً مئويّةً، مع استعمال حجرة تخمير والبحث عن أدفأ بقعة في المطبخ. والنّصيحة ليست خاطئةً تماماً، لأنّ الحرارة الدّافئة تسرّع عمل الخميرة والبكتيريا، لكنّ هذه السّرعة هي السّبب وراء جميع مشاكل خبزك.
أعمل شخصيّاً بصناعة خبز بيتي في مطبخ البيت منذ عشر سنوات، وجرّبت تقريباً كلّ التقنيات المتاحة. التخمير الدافئ والتخمير الفاتر والتخمير البارد، والتخمير السريع والتخمير البطيء، واستعمال بادئة التخمير، والخمير الطبيعية، والطبيعية المجفّفة، والخميرة الجافّة، وغيره الكثير. واستقرّت تجربتي على أنّ الخبز الألذ والأكثر إفادة لصحّة الجسد هو خبز دقيق حبّة القمح الكاملة المخمّر على البارد (خمس درجات مئوية) في الثلّاجة لثلاث أيّام.
تعمل بكتيريا لاكتوباسيلوس المسؤولة عن إنتاج حمض اللّبنيك وحمض الخلّيك بطاقة قصوى عند درجة حرارة 26 مئويّةً، وتنتج الحمض بسرعة كبيرة تجبر شبكة الگلوتين على التّفكّك قبل انتهاء عمل الخميرة. فيتحوّل العجين إلى كتلة رخوة ودبقة يصعب تشكيلها، وتقتصر النّكهة على حموضة أحاديّة البعد تخلو من أيّ ثراء.
الطّعم الخلّيّ اللّاذع في العجينة الحامضة ليس دليلاً على تخمّر جيّد، بل يشير إلى تخمّر متسرّع. إذ يسيطر حمض الخلّيك المسؤول عن الطّعم اللّاذع عندما يحدث التّخمير بسرعة داخل بيئة دافئة، ويحتاج حمض اللّبنيك المعتدل والزبديّ الّذي يمنح العجينة الحامضة الأوروپيّة نكهتها المعقّدة إلى وقت أطول ممّا يسمح به المطبخ الدّافئ.
يواجه التّخمير الدّافئ هشاشةً بالغةً، فإذا انخفضت حرارة المطبخ من 26 إلى 23 درجةً مئويّةً يتغيّر التّوقيت كلّيّاً، وتؤدّي زيادة مدّة التّخمير بمقدار 45 دقيقةً فقط في الغرفة الدّافئة إلى إفساد العجين بالكامل. وتنتج هذه المقاربة السّريعة خبزاً يفقد طزاجته خلال 48 ساعةً ويصعب هضمه، ويبقى طعمه هو نفسه بلا تغيير سواء خُمّر مدّة 8 ساعات أو 12 ساعةً، لعجز مركّبات النّكهة عن التّطوّر في هذا الوقت القصير.
تدرك المخابز التّجاريّة هذه الحقيقة، وتستعمل المصانع حمض السّيتريك والخلّ المضاف لاصطناع النّكهة التّقليديّة الّتي ينتجها التّخمير البطيء الحقيقيّ. إذ يحتوي رغيف العجينة الحامضة التجاريّ المعروض في المتاجر على محسّنات عجين وگلوتين مضاف وحمض الأسكوربيك، وتُخلط معه أحياناً خميرة تجاريّة لتعزيز الخَمِيرَة الطّبيعيّة. ثمّ يكتبون على الملصق الخارجيّ عبارة عجينة حامضة، لكنّ قائمة المكوّنات تفضح حقيقة التّصنيع.

الفصل 3: سرّ خبّازي القرون الوسطى والتّأكيد العلميّ
كيف تجنّب خبّازو القرون الوسطى هذه المشكلة؟ غاب عن الخبّازين قديماً خيار التّحكّم في درجات الحرارة، وعملوا داخل مبانٍ حجريّة تتقلّب حرارة هوائها تبعاً لظروف الفصول. وبدلاً من محاربة ذلك الواقع، استغلّوه لمصلحتهم.
تصف سجلّات العِزب الإنگليزيّة العائدة إلى القرن 14 م \ 8 هـ إيقاعاً لعمليّة صناعة الخبز لا يشبه أبداً جداول العجينة الحامضة المعاصرة. إذ مزج الخبّازون عجينهم مساءً، وتركوه في القبو أو داخل تجويف حجريّ، ثمّ شكّلوه في الصّباح التّالي، ليخبزوه بحلول فترة ما بعد الظّهر. يعادل ذلك 18 إلى 20 ساعةً من التّخمير البارد دون فحص أو وخز أو تعديل حرارة، تاركين البرودة تؤدّي عملها بصمت. وما مارس الخبّازون هذه الطريقة اختصاراً، بل كان الطّريقة القياسيّة المتّبعة في جميع أنحاء أوروپا لقرون عديدة.
إذ حافظت الأقبية (بيت المونة في شمال العربية) الحاضنة لهذه العمليّات على حرارة تتراوح بين 7 و 13 درجةً مئويّةً طوال العام. فوفّرت الجدران الحجريّة والأرضيّات التّرابيّة استقراراً حراريّاً طبيعيّاً، وأبقت المكان أدفأ من الهواء الخارجيّ شتاءً وأبرد صيفاً. واستراح العجين في بيئة باردة ومستقرّة أبطأت التّفاعل البيولوجيّ بما يكفي لإنتاج خبز استثنائيّ.
أكّد العلم الحديث ما أدركه الخبّازون القدامى عبر أجيال من المراقبة والتّجربة. إذ نشر باحثون في جامعة ميونخ التّقنيّة دراسةً سنة 2003 م \ 1424 هـ، أظهرت تفوّق العجين المخبوز بدرجات حرارة منخفضة تتراوح بين 4 و 10 درجات مئويّة، منتجاً خبزاً بنكهة أكثر غنى وثراءً، وبنية فتات أفضل، وصلاحيّة أطول مقارنةً بالعجين المخبوز في بيئة دافئة.
أكّدت دراسة أخرى من جامعة ألبرتا، نُشرت سنة 2012 م \ 1433 هـ في المجلّة الدّوليّة لعلم الأحياء الدّقيقة الغذائيّ، نتائج أعمق، كاشفةً زيادةً ملحوظةً في نسبة حمض اللّبنيك مقابل حمض الخلّيك في العجينة الحامضة المخبوزة باردةً. إذ يصنع هذا التّفاوت البيولوجيّ الفرق الواضح بين رغيف بطعم متوازن وزبديّ، ورغيف آخر بطعم حادّ وعدوانيّ.
غاب علم الكيمياء عن خبّازي القرون الوسطى، لكنّهم أتقنوا تقنيّةً يلحق بها علم الغذاء الحديث اليوم بفضل قرون من التّجارب المتراكمة. وتتلخّص التّقنيّة في قاعدة بسيطة للغاية: امزج عجينك، واجعله بارداً، واتركه.
لم يقتصر هذا النّجاح التّجريبيّ على فرنسا وحدها، فالتّقليد الألمانيّ المعروف باسم زاورتايگ Sauerteig، أي العجينة الحامضة، اعتمد التّخمير البارد طوال اللّيل داخل مخابز حجريّة غير مدفّأة لقرون طويلة. وفي إسكندنافيا، خُمّرت عجينة الجاودار الحامضة في أقبية الجذور الباردة مدّة تصل إلى 3 أيّام قبل خبزها لتحضير خبز مسطّح (مرقوق) وكثيف يسمّى بالسويديّة كنيكهبرود Knäckebröd (خبز القرقشة)، يدوم صالحاً للأكل أشهراً عديدةً.
عبر جبال الألپ، مزج خبّازو الجبال السّويسريّون والنّمساويّون العجين ووضعوه في مبانٍ خارجيّة باردة تتراوح حرارتها بين 2 و 7 درجات مئويّة، ليصنعوا خبزاً كثيفاً يسهل حمله عبر الممرّات الجبليّة، ومتيناً يدوم أسابيع. ولم تكن هذه الممارسة حيلةً محصورةً بشعب واحد، بل منهجيّةً شملت القارّة برمّتها واستمرّت لأكثر من 700 عام.

الفصل 4: التّفاعلات الكيميائيّة
يرتكز التّخمير البارد على مبدأ التّخمير الانتقائيّ. إذ تضمّ الخَمِيرَة الطّبيعيّة مجموعتين من الكائنات الحيّة: الخميرة البرّيّة وبكتيريا العصيّات اللّبنيّة. وتنشط المجموعتان معاً عند درجات الحرارة الدّافئة المتراوحة بين 24 و 27 درجةً مئويّةً، وتتصارعان لاستهلاك السّكّريّات ذاتها في سباق فوضويّ يهدف إلى إنتاج الغاز والحمض بسرعة. فتتسبّب هذه العجلة في حدوث التّفاعلات كلّها دفعةً واحدةً، ممّا يحرم العجين من التّطوّر الكافي. وتتبدّل هذه الصّورة جذريّاً عند خفض الحرارة لتتراوح بين 3 و 10 درجات مئويّة.
تتباطأ حركة الخميرة البرّيّة بشدّة لتحسّسها العالي من البرودة، وتكاد تفقد نشاطها تماماً عند 4 درجات مئويّة. في المقابل، تستمرّ بكتيريا العصيّات اللّبنيّة بالعمل ببطء وثبات، لتفكّك السّكّريّات وتنتج حمض اللّبنيك وتطوّر مركّبات النّكهة بوتيرة هادئة تسمح ببناء طعم غنيّ.
تجد البكتيريا الوقت الكافي لإنتاج مركّبات عطريّة وإسترات وألدهيدات وأحماض عضويّة يستحيل تشكّلها في تخمير دافئ لا تتجاوز مدّته 6 ساعات.و تصنع جزيئات النّكهة هذه العمق المميّز للعجينة الحامضة الأوروپيّة التّقليديّة.
يشهد التّخمير البطيء تفاعلات كيميائيّةً متعدّدةً:
- يبدأ أوّلها بتحلّل النّشا إثر تفكيك أنزيم الأميلاز سلاسل النّشا الطّويلة وتحويلها إلى سكّريّات بسيطة مثل الگلوكوز والمالتوز، لتأمين الغذاء اللّازم للخميرة والبكتيريا.
- يتبع ذلك مسار التّخمير اللّبنيّ، فتستهلك بكتيريا حمض اللّبنيك هذه السّكّريّات البسيطة لإنتاج حمض اللّبنيك وحمض الأسيتيك، وتزيد بذلك حموضة العجين وتمنحه نكهةً عميقةً.
- يتزامن هذا التّفاعل مع التّخمير الكحوليّ الّذي تتغذّى فيه الخميرة على الگلوكوز لإنتاج غاز ثنائيّ أكسيد الكربون والإيثانول.
- تظهر في النّهاية عمليّة تحلّل الپروتين وتفكيك حمض الفيتيك، فتكسّر أنزيمات الپروتياز شبكة الگلوتين وتحوّلها إلى بپتيدات وأحماض أمينيّة حرّة لتسهيل الهضم.
- تنشط أنزيمات الڤيتاز بدورها داخل هذه البيئة الحمضيّة لتفكّك حمض الفيتيك وتحرّر المعادن المفيدة.
يشكّل الگلوتين شبكةً پروتينيّةً معقّدةً تنشأ فور مزج دقيق القمح بالماء، وتتألّف من پروتينين أساسيّين هما الگليادين والگلوتينين. وتحبس هذه الشّبكة غاز ثنائيّ أكسيد الكربون داخلها، وتمنح العجين مرونته اللّازمة لتمنع تسطّح الأرغفة.
يفترق العجن السّريع عن التّخمير البطيء في جوهر العمليّة، فالعجن السّريع يترك النّشويّات المعقّدة وحمض الفيتيك على حالها دون تفكيك، ممّا يعسّر الهضم ويقلّل قدرة الجسم على امتصاص المعادن والڤيتامينات، ويرفع المؤشّر الگلايسيميّ للخبز.
يرتكز التّخمير الطّويل الخالي من العجن على التّحلّل المائيّ أو التّحلّل الذّاتيّ لتطوير الشّبكة ببطء شديد. وتتكفّل البكتيريا بتفكيك جزء كبير من الگلوتين والنّشويّات مسبقاً، وتكسّر الأحماض العضويّة حمض الفيتيك، لتسهّل امتصاص الحديد والزّنك والمگنيزيوم وتخفّض المؤشّر الگلايسيميّ.
أثبتت دراسة من جامعة شرق فنلاندا نُشرت سنة 2017 م \ 1438 هـ في مجلّة كيمياء الغذاء انخفاضاً هائلاً بلغت نسبته 60% في كمّيّة حمض الفيتيك، وهو مضادّ تغذية يعيق امتصاص المعادن، داخل العجينة الحامضة المخبوزة باردةً مدّة 48 ساعةً مقارنةً بالعجينة ذاتها المخبوزة في جوّ دافئ مدّة 8 ساعات. ولا يكتفي التّخمير البارد بتقديم طعم أشهى، بل يمنح الخبز قيمةً غذائيّةً أعلى وصحّيّةً أكثر.
دوّن العلماء والطّهاة العرب في كتب التّراث تفاصيل دقيقةً تشرح آليّات التّخمير وصناعة الخبز، واستعملوا مصطلحات تقنيّةً للتّفريق بين مراحل نموّ العجين وحالته البيولوجيّة المختلفة. وتمتلئ مصنّفات تراثيّة، مثل {كتاب الطّبيخ} لابن سيّار الورّاق و{فضالة الخوّان} لابن رزين التّجيبيّ، بمفردات تصف التّخمير الطّبيعيّ وطرائق حفظ العجينة أيّاماً متتاليةً.
فصّل الطّهاة الأقدمون طرائق التّعامل مع هذه المكوّنات بدقّة متناهية. إذ نصح ابن سيّار الورّاق في القرن 4 هـ \ 10 م باستعمال خميرة حامضة عند عجن أنواع محدّدة من المخبوزات لتفكيك بنية الدّقيق القاسية. وأشار أطبّاء وعلماء، مثل ابن سينا في كتابه {القانون في الطّبّ}، إلى منافع الخبز الخَمِير في تسهيل عمليّة الهضم مقارنةً بالخبز الفطير، وربطوا جودة التّخمير بمدى تفاعل الخميرة مع الدّقيق والماء.
حفظت النّصوص التّراثيّة أيضاً إضافة موادّ مساعدة لتنشيط الخميرة، مثل عصير العنب أو نقيع التّمر، لتغذية البكتيريا النّافعة ومنح المخبوزات نكهةً مميّزةً وطراوةً تدوما طويلاً.
هندسة التّخمير التّكافليّ: اللّبن الرّائب وشَرش اللّبن
استعمل العرب قديماً، وتحديداً في المجتمعات الرّعويّة والزّراعيّة، اللّبن الرّائب وشَرش اللّبن بادئات تخمير بديلةً أو مساعدةً لخليط الدّقيق والماء. ويمثّل هذا التّداخل التّاريخيّ بين منتجات الألبان والحبوب إحدى أقدم أشكال التّخمير التّكافليّ، وتظهر آثاره بوضوح في أطعمة تراثيّة تعتمد على التّخمير مثل الكشك والقورت.
يكمن الفرق الجوهريّ بين الطّريقتين في التّكوين الميكروبيولوجيّ وسرعة التّفاعل. إذ تعتمد بادئة الدّقيق والماء على استزراع الخمائر البرّيّة وبكتيريا حمض اللّاتيك الموجودة طبيعيّاً على قشرة القمح، وتستغرق هذه العمليّة أيّاماً عديدةً لتصل إلى توازن بيولوجيّ مستقرّ.
يختلف الأمر جذريّاً عند استعمال اللّبن الرّائب أو شَرشه. إذ يقدّم اللّبن بيئةً جاهزةً ومكتظّةً بسلالات قويّة من البكتيريا الملبّنة، علاوة على احتوائه حمض اللّاتيك الجاهز وسكّر اللّكتوز. ويسرّع هذا التّطعيم المباشر عمليّة زيادة حموضة العجين، ويتجاوز مرحلة انتظار تكاثر البكتيريا من الصّفر، لتستهلك البكتيريا بيئة اللّبن فوراً وتنتج نكهةً حامضةً واضحةً وزبديّةً.
ويرتبط هذا الاختلاف ارتباطاً وثيقاً بالمناخ، فتفضّل بكتيريا اللّبن الرّائب البيئة الدّافئة، وتنشط بقوّة في مناخ الشّرق الأوسط الحارّ، لتسرّع التّخمير وتحفظ العجين من الفساد.
يظهر فرق آخر في البنية الفيزيائيّة للرّغيف. إذ يحتوي شَرش اللّبن أنزيمات وپروتينات ودهوناً تفكّك شبكة الگلوتين بطريقة تختلف عن عمل بكتيريا القمح. وينتج عن ذلك خبز بفتات أطرى وقشرة أقلّ قساوةً، ويمنح المخبوزات طراوةً تدوم طويلاً، وهذا يفسّر نجاح بادئة شَرش اللّبن في المخبوزات الّتي تتطلّب نعومةً فائقةً، مثل أصناف الخبز الرقيق العربيّ.
لتعويض افتقار اللّبن الرّائب إلى الخمائر البرّيّة القويّة المسؤولة عن إنتاج غاز ثنائيّ أكسيد الكربون بغزارة لنفش الأرغفة، مزج قدامى خبّازي العرب شَرش اللّبن مع الخَمِيرَة المقتطعة من خبز الأمس، ليحصدوا قوّة الرّفع الكافية من خميرة القمح، وسرعة الحموضة والطّراوة من شَرش اللّبن، صانعين هندسةً ذكيّةً للموارد الغذائيّة المتاحة.

طرائق صناعة بادئة التّخمير التّراثيّة والمعاصرة
تتنوّع طرائق صناعة بادئة التّخمير بين الأساليب المعاصرة والوسائل التّراثيّة العريقة. إذ تعتمد الطّريقة المملّة الشّائعة حديثاً على مزج الطّحين والماء مدّة 5 أيّام مع إطعامها يوميّاً بهدف ضبط المعايير. لكنّ الخبّازين في القرون الوسطى لم يهدروا مواردهم للبدء من الصّفر بهذه الطّريقة كلّما أرادوا إشعال الفرن، بل استعملوا طرائق أخرى أكثر استدامةً وابتكاراً.
وثّقت مخطوطات الطّبخ القديمة طرائق التّخمير العربيّة التّراثيّة بدقّة، واعتمدت على البيئة المحلّيّة لابتكار خمائر فعّالة. إذ انتشرت طريقة العجين البائت، أو الخميرة البلديّة، في الأسواق والمنازل، باقتطاع قطعة من عجين اليوم وتركها تتخمّر لتُستعمل في عجين اليوم التّالي، ما حفظ سلالات الخمائر المحلّيّة حيّةً 100 عام أو أكثر في بعض المخابز.
واستفاد العرب من السّكّريّات والخمائر البرّيّة الموجودة بوفرة على قشرة التّمر والزّبيب، بنقع الثّمار في الماء 3 أو 4 أيّام في جوّ دافئ حتّى يفور الماء وتظهر الرّغوة ليُعجن بها الدّقيق.
وابتكر الخبّازون في بلاد الشّام ومصر خميرة الحِمّص العريقة، بجرش الحِمّص ونقعه في ماء دافئ مع قليل من السّكّر 14 إلى 24 ساعةً، لينتج رغوةً كثيفةً ذات رائحة نفّاذة تُعطي الخبز نكهةً مميّزةً وقواماً هشّاً.
واستُعمل اللّبن الرّائب المتروك خارجاً حتّى تشتدّ حموضته بادئة تخمير، لاحتوائه على بكتيريا حمض اللّبنيك والخمائر النّشطة، ما يُسرّع عمليّة التّخمير ويُضيف نكهةً لاذعةً شهيّةً للخبز.
واستعمل الخبّازون في أيّام الامبراطورية الرومانية نقيع الفواكه المخمّر، بوضع حفنة من الزّبيب أو العنب في وعاء ماء مع قليل من السّكّر (آنذاك التمر) وتركه في مكان دافئ 4 إلى 5 أيّام، لتتغذّى الخمائر البرّيّة الموجودة على قشرة الزّبيب على السّكّر وتنتج ماءً غنيّاً بالخمائر يُعجن به الطّحين ويمنحه نكهةً فاكهيّةً محبّبةً.
واعتمد الخبّازون في أوروپا القرون الوسطى على رغوة التّخمير، الّتي تُسمّى بارم، وهي الرّغوة الطّافية على سطح الجعّة (البيرة) في أثناء تحضيرها. تمتلئ هذه الرّغوة بالخمائر النّشطة وتُنتج خبزاً خفيفاً وهشّاً، وكان الخبّاز يشتريها من صنّاع الجعّة ويضيفها للعجين مباشرةً.
واحتفظوا أيضاً بقطعة صغيرة من عجين الأمس، تُعرف باسم العجينة الأمّ أو ليڤن، يتركونها لتتخمّر وتزيد حموضتها لتُضاف إلى عجين اليوم التّالي، وتتوارثها المخابز سنوات.
تتنوّع التّطبيقات التّراثيّة المعاصرة في أنحاء متفرّقة من البلدان العربيّة، لتشكّل لوحةً غنيّةً من المعارف البيولوجيّة المتوارثة. ففي السّودان، يصنع العجين المرّ من دقيق الذّرة الرّفيعة والماء، ويستعمل لصناعة الكسرة والعصيدة، وتحضّر خميرة اللّبن بإضافة العدس إلى الحليب وتركه يتخمّر 24 ساعةً لصناعة كعك القرقوش. وفي صعيد مصر، تستعمل خميرة الحمّص أو الفول الممزوج باللّبن الحليب لصناعة الفايش، وتصنع بادئة تسمّى الحدّق من دقيق ولبن حليب فاتر وتترك لتتخمّر طوال ساعات اللّيل لتستعمل في عجن العيش الشّمسيّ.
ونجد في القرى اليمنيّة تقنيّةً متطوّرةً تستعمل فيها ثمار القرع المجفّفة والمفرّغة والّتي تسمّى الجحف، ليحفظ فيها لبن البقر المخضوض المسمّى بالحقين مع الطّحين، ويترك 24 ساعةً ليصبح حامضاً، ويحتفظ بجزء منه يسمّى الرّثاء ليضاف إليه طحين وماء لوجبة أخرى. وتمتدّ هذه المعارف إلى المغرب العربيّ، فالحريرة المغربيّة تعتمد في أساسها التّقليديّ على التّخمير الحامض، وفي ليبيا والجزائر تحضّر الخميرة من البلح المنقوع، وكانت الجارات تتشارك الخميرة للحفاظ على سلالاتها قويّةً ونشطةً.
ابتكرت الأمّهات والجدّات طرائق ذكيّةً لحفظ العجينة الأمّ وحمايتها من الجفاف. ففي بلاد الشّام، تحفظ قطعة العجين بعد تغطيتها بالطّحين داخل قطعة قماش سميكة تعرف باسم التّفال، لتبقى حيّةً ونشطةً 2 أو 3 أيّام حتّى موعد الخبز التّالي. ويلجأ البعض إلى بدء تنشيط الخميرة باستعمال طحين الشّعير لغناه بالأنزيمات والخمائر البرّيّة، قبل تغذيتها لاحقاً بالطّحين الأبيض لبناء شبكة الگلوتين وإعطاء العجين تماسكاً ممتازاً. ولا تزال تقنيات استعمال خميرة الحمّص حيّةً ومستعملةً في صناعة المعروك وكعك نابلس والكعك الشّاميّ، والأرغفة في الأناضول وأوزبكستان حتّى يومنا هذا.
التّقييم الصّحّيّ: مقارنة التّخمير البطيء بالخبز التّجاريّ
يختلف التّأثير الصّحّيّ للخبز باختلاف مسار التّخمير، ولا تتطابق النّتائج بمجرّد خلط الدّقيق والماء. بل يثبت التّحليل البيولوجيّ تفاوتاً هائلاً بين التّخمير البطيء بنوعيه، والخبز التّجاريّ السّريع أو المزيّف.
يحقّق التّخمير البطيء البارد التّوازن المثاليّ لجسم الإنسان. إذ يمنح انخفاض الحرارة إنزيمات الڤيتاز وقتاً طويلاً يمتدّ بين 48 و 72 ساعةً لتكسير حمض الفيتيك وتحرير المعادن، لتصبح جاهزةً للامتصاص في الأمعاء. وينجح التّخمير الدّافئ في إنجاز جزء من هذه المَهمّة، لكنّ سرعة نشاط البكتيريا تجبر الخبّاز على إيقاف العمليّة وخبز العجين مبكّراً، ممّا يحرم الأمعاء من الفائدة القصوى. في حين يكسّر التّخمير البارد الگلوتين بلطف شديد، ليقدّم خبزاً مريحاً للجهاز الهضميّ، ويهبط بالمؤشّر الگلايسيميّ ليمنع الارتفاع المفاجئ لسُكّر الدّم.
يفشل الخبز التّجاريّ السّريع، المعتمد على الخميرة التّجاريّة في 3 أو 4 ساعات، في إحداث أيّ تغيير بيولوجيّ مفيد. فتبقى النّشويّات معقّدةً، ويظلّ حمض الفيتيك سدّاً منيعاً يعيق امتصاص المعادن. ويزداد الوضع سوءاً في خبز العجينة الحامضة المزيّف المنتشر في المتاجر الكبرى؛ إذ يضيف المصنّعون حمض السّيتريك والخلّ لاصطناع النّكهة التّقليديّة، ويزيدون كمّيّة الگلوتين التّجاريّ لتعويض نقص التّخمير، ليحصل المستهلك على رغيف يسبّب النّفخة ويرفع مستوى السّكّر في الدّم فوراً، خالياً من أيّ منفعة بكتيريّة حقيقيّة.
إرث المصطلحات التّراثيّة
يُعرف العجين المُخْتَمِر بعد خروجه من التّنّور ناضجاً باسم {الخُبْز الخَمِير}، ويأتي هذا التّوصيف التّراثيّ الدّقيق تفريقاً له عن {الخُبْز الفَطِير} المخبوز دون بادئة تخمير. وذكره الأطبّاء والعلماء القدامى بهذا الاسم، كابن سينا الّذي فضّل الخبز الخمير لسهولة هضمه. وإلى جانب ذلك، أطلق أجدادنا الأوائل في شمال العربيّة على هذا الرّغيف المخمّر اسماً دالّاً هو {لَحْم}، للتّعبير عن قيمته التّغذويّة العظمى الّتي تبني جسم الإنسان وتقيم صلبه كمثل الپروتين الحيوانيّ.
تضمّ مصطلحات التّخمير التّراثيّة مفردات دقيقةً تصف كلّ مرحلة بيولوجيّة، فالخَمِيرَة هي قطعة العجين المقتطعة من عجين خبيز الأمس والمتروكة لتتخمّر، وتُستعمل بادئةً لتخمير العجين الجديد. ويُقصد بالخَمِير العجين النّهائيّ المجهّز للخبز بعد تفاعله مع الخميرة وانتفاخه. أمّا العَجِين الحَامِض فهو العجين الّذي طال تخميره حتّى اشتدّت حموضته، ويُستعمل لتسريع عمليّة التّخمير في الأيّام الباردة. ويأتي الفَطِير ليدلّ على العجين الخالي من أيّ بادئة تخمير، ويُذكر دائماً نقيضاً للخمير لتوضيح أثر التّفاعل البيولوجيّ، وصولاً إلى المُخْتَمِر وهو وصف دقيق لحالة العجين عند وصوله إلى ذروة التّفاعل قبل إدخاله إلى التّنّور.
تضمّ مصطلحات التّخمير التّراثيّة المفردات التّالية:
- الخَمِيرَة: قطعة العجين المقتطعة من عجين الأمس والمتروكة لتتخمّر، وتُستعمل بادئةً لتخمير العجين الجديد.
- الخَمِير: العجين النّهائيّ المجهّز للخبز بعد تفاعله مع الخميرة وانتفاخه.
- العَجِين الحَامِض: العجين الّذي طال تخميره حتّى اشتدّت حموضته، ويُستعمل لتسريع عمليّة التّخمير في الأيّام الباردة.
- الفَطِير: العجين الخالي من أيّ بادئة تخمير، ويُذكر دائماً نقيضاً للخمير لتوضيح أثر التّفاعل البيولوجيّ.
- المُخْتَمِر: وصف لحالة العجين عند وصوله إلى ذروة التّفاعل قبل إدخاله إلى التّنّور.

الفصل 5: أسباب تخلّينا عن الطّريقة التّقليديّة وقصّة الخميرة المجفّفة
يشتدّ الگلوتين ليجعل العجين متماسكاً عند 4 درجات مئويّة، فتلك الكتلة الرّخوة واللّزجة الّتي انتشرت على طاولتك في أثناء التّخمير الدّافئ ستحافظ على شكلها تماماً بعد 24 ساعةً داخل البرّاد. وتُشرّط هذه الكتلة المتماسكة بنظافة وسهولة، وتُنقل إلى قِدْر مَكْتُومَة أو بُرْمَة من الحديد الزّهر دون أن تلتصق أو تهبط. ويطلق الخبّازون المحترفون على هذا التّماسك اسم قوّة البرودة، وهو السّرّ وراء إنتاج المخابز لأفضل أرغفة الخبز التّجاريّ في العالم. فلم تفشل الطّريقة القديمة، بل استُبدلت بشيء أسرع وأكثر ربحيّةً.
قصّة الخميرة المضغوطة
غيّرت الخميرة التّجاريّة المشهد جذريّاً، فبدأ الأخوان فلايشمان Fleischmann بيع الخميرة المضغوطة الموحّدة في الولايات المتّحدة سنة 1868 م \ 1285 هـ. وبحلول بدايات القرن 20 م \ 14 هـ، انتشرت هذه الخميرة في جميع أنحاء أوروپا وأمريكا الشّماليّة لتصنع ثورةً حقيقيّةً في عالم المخابز.
يشيع التباس تاريخيّ شائع حول هويّة چارلز Charles وماكس فلايشمان Max Fleischmann ومكان عملهما. فلم يبع هذان الأخوان الخميرة المضغوطة في ألمانيا أو أوروپا أبداً، ولم يكونا ألمانيّين، بل انحدرا من عائلة عاشت في الإمپراطوريّة النّمساويّة المجريّة Österreichisch-Ungarische Monarchie، وتحديداً في مناطق تتبع اليوم لجمهوريّة التّشيك وسلوڤاكيا.
تبدأ القصّة الحقيقيّة في أوروپا قبل ظهور چارلز وماكس بعقود. إذ ظهرت فكرة الخميرة المضغوطة بدايةً سنة 1825 م \ 1240 هـ على يد منتج ألمانيّ هولنديّ يدعى تيبنهوف Tebbenhoff، وابتكر طريقةً لسحب الماء من الخميرة السّائلة وضغطها في قوالب صلبة. ثمّ تطوّرت الصّناعة سنة 1867 م \ 1284 هـ إثر تطوير رايمنگهاوس Reininghaus مكبس التّصفية، ليُعرف هذا التّطوّر لاحقاً بالطّريقة الڤيينّيّة Wiener Verfahren.
تعلّم چارلز فلايشمان هذه التّقنيّة الأوروپيّة في أثناء عمله في معامل التّقطير في مدينتي پراگ وڤيينا. وسافر لاحقاً إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ولاحظ رداءة الخبز الأمريكيّ مقارنةً بالمخبوزات الأوروپيّة، فقرّر نقل هذه المعرفة التّقنيّة إلى العالم الجديد. وأسّس چارلز وماكس شركتهما في مدينة سينسيناتي Cincinnati بولاية أوهايو Ohio سنة 1868 م \ 1285 هـ، وبدآ بإنتاج الخميرة المضغوطة وبيعها في أمريكا حصراً.
وعلى هذا، لم يخترع چارلز وماكس فلايشمان الخميرة المضغوطة، ولم يبيعاها في أوروپا، بل نقلا المعرفة الأوروپيّة المتراكمة واستثمراها لبناء إمپراطوريّة تجاريّة ضخمة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة. غير أنّ شركة فلايشمان (الأميركية) طوّرت اختراعاً جديداً هو الخميرة المجفّفة، ونشراها في أنحاء العالم. أمّا شركة فلايشمان Fleischmann الألمانية، فهي شركة ألمانية مُصنِّعة لمنتجات نماذج السكك الحديدية تأسّست عام 1887 م \ 1304 هـ ولم تغيّر تخصّصها حتّى اليوم.
قصّة الخميرة المجفّفة
تبدأ قصّة الخميرة المجفّفة النّشطة في أربعينيّات القرن 20 م \ 14 هـ، وتحديداً إبّان الحرب العالميّة الثّانية. إذ طوّرت مختبرات شركة فلايشمان في الولايات المتّحدة الأمريكيّة هذا النّوع الجديد لتلبية حاجة الجيش الأمريكيّ إلى خميرة تتحمّل النّقل والتّخزين في ساحات القتال دون الحاجة إلى تبريد، على العكس من الخميرة المضغوطة الّتي تفسد بسرعة.
انتقلت هذه الخميرة المجفّفة إلى أوروپا ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسّط في أواخر الأربعينيّات وخمسينيّات القرن 20 م \ 14 هـ، تزامناً مع نهاية الحرب ومشاريع إعادة الإعمار. وساهمت خطّة مارشال وبرامج المساعدات الغذائيّة الأمريكيّة في إدخال هذا المنتج التّجاريّ إلى الأسواق الأوروپيّة والمتوسّطيّة.
استقبلت المخابز التّجاريّة في هذه الدّول الخميرة المجفّفة بحفاوة بالغة، لكونها وفّرت حلّاً مثاليّاً لمشاكل التّخزين، ومنحت الخبّازين منتجاً بفاعليّة ثابتة تمتدّ أشهراً طويلةً. ثمّ شهدت القارّة الأوروپيّة ثورتها الخاصّة في هذا المجال سنة 1973 م \ 1393 هـ، حين ابتكرت شركة لوسافر Lesaffre الفرنسيّة الخميرة المجفّفة الفوريّة.
تميّز هذا الابتكار بحبيبات أصغر حجماً لا تتطلّب التّذويب في الماء الدّافئ قبل الاستعمال، بل تُمزج مباشرةً مع الدّقيق. وسيطرت هذه الخميرة الفوريّة بسرعة هائلة على الأسواق التّجاريّة في أوروپا والشّرق الأوسط، وأزاحت الخميرة المجفّفة النّشطة العاديّة والخميرة المضغوطة الطّازجة من صدارة المشهد، لتصيغ الشّكل النّهائيّ لصناعة المخبوزات التّجاريّة الحديثة في المنطقة.
تتميّز الخميرة التّجاريّة بسرعتها ونتائجها المتوقّعة الّتي لا تتطلّب أيّ مهارة، ليتحوّل الرّغيف الّذي استغرق تحضيره مدّةً تتراوح بين 24 و 36 ساعةً في القرون الوسطى إلى منتج جاهز خلال 3 أو 4 ساعات. ويمثّل هذا الفارق الزّمنيّ بالنّسبة للمخبز التّجاريّ نقلةً نوعيّةً من خبز دفعة واحدة يوميّاً إلى خبز 6 دفعات متتالية.
ثاني أسباب تخلّينا عن الطّريقة التّقليديّة
تتمثّل القوّة الثّانية في التّدفئة المركزيّة. إذ غابت البيئة الباردة اللّازمة للتّخمير بمجرّد تدفئة المخابز إلى 21 درجةً مئويّةً وما فوق طوال العام، ليزول الإيقاع الموسميّ الّذي اعتمده خبّازو القرون الوسطى بالكامل.
في الماضي، أُنتجت أرغفة سريعة صيفاً وأرغفة بطيئة التّخمير شتاءً، لتصبح الأيّام كلّها دافئةً اليوم، ممّا يفرض تخميراً سريعاً ينتج خبزاً أقلّ نكهةً وتغذيّةً وأقصر عمراً، مقابل زيادة عدد الأرغفة المنتجة في كلّ ساعة.
أوجدت الخميرة التّجاريّة حلولاً لمشاكل حقيقيّةً بتوفير نتائج متّسقة للخبّازين الّذين افتقروا إلى مهارة الحفاظ على الخَمِيرَة الطّبيعيّة، وأطعمت المدن المتناميّة الّتي احتاجت إلى الخبز بسرعة فاقت قدرة الطّرق التّقليديّة. ولم يحدث هذا التّحوّل لسوء الطّريقة القديمة، بل لسرعة الطّريقة الجديدة، والسّرعة تربح دائماً في اقتصاد السّوق.
برغم ذلك، لم تتلاشَ المعرفة من كلّ مكان، فاستمرّ خبّازو القرى في أجزاء من الرّيف الفرنسيّ والألمانيّ والإسكندنافيّ في استعمال التّخمير البارد حتّى القرن 20 م \ 14 هـ. وفي أميركا؛ بنى چاد روبرتسون Chad Robertson، مؤسّس مخبز تارتين Tartine في سان فرانسيسكو، طريقته بالكامل على التّخمير البارد الممتدّ بعد دراسته مع خبّازين تقليديّين في الرّيف الفرنسيّ، وساهم كتابه الأوّل المنشور سنة 2010 م \ 1431 هـ في إطلاق حركة جديدة.
تعود اليوم مخابز تجاريّة، مثل تارتين Tartine وپوالان Poilâne في پاريس العاملة منذ سنة 1932 م \ 1351 هـ، إلى جانب عشرات المخابز الصّغيرة في جميع أنحاء أوروپا، إلى تطبيق ما عدّه خبّازو القرون الوسطى أمراً طبيعيّاً.

الفصل 6: الوصفة التّطبيقيّة وإدارة التّخمير البارد
لتطبيق التّقنيّة المصريّة والجزيريّة القديمة لا يلزمك الكثير من المكوّنات أو الأدوات. فقط دقيق حبّة القمح الكاملة وماء وبعض الملح وبرّادك (ثلّاجتك)، وستصنع من الدّقيق مع الماء خَمِيرَة طبيعيّة. ويلزمك قِدْر مَكْتُومَة أو بُرْمَة من الحديد الزّهر ذي غطاء… تشتريه مرّةً واحدة ويبقى في أسرتك لأجيال. ويمكنك تطبيق هذه التّقنيّة بنفسك في مطبخك نهاية هذا الأسبوع. لا تحتاج إلى حجرة تخمير، ولا إلى أدوات معقّدة.

يحتوي العجين النّهائيّ على مكوّنين فقط: الدّقيق والماء. خَمِيرَتك دقيق وماء إضافيّين استوطنتهما الخميرة البرّيّة والبكتيريا، لذا تعتمد العمليّة كُلََّها على الحبوب والسّائل. وإليك نسب الخبّاز التّطبيقيّة للوصفة الشّاملة:
تصل نسبة الرّطوبة الفعليّة في هذا العجين إلى 78.18% بعد احتساب رطوبة الخَمِيرَة الطّبيعيّة المغذّاة بنسبة متساوية. ويتخمّر القمح الكامل أسرع لأنّه يحتوي على إنزيمات وسكّريّات طبيعيّة أكثر.
مساران لتخمير الرّغيف: المسار التّطويريّ والمسار المباشر
توجد طريقتان رئيستان لإدارة العجين، تختلفان في الجهد المطلوب وتكامل النّكهة:
1. الطّريقة التّطويريّة (المزج مع الطّيّ): تعتمد على تطوير بنية العجين يدوياً بالتخمير الدافئ 3 ساعات مع تطبيق تقنيّة «الطّيّ والشّدّ» ثلاث مرّات بفاصل 30-45 دقيقةً، قبل النقل إلى البرّاد. هذه الطّريقة تمنح العجين هيكلاً أقوى وفتاتاً أكثر انفتاحاً بفضل تطوير الگلوتين يدوياً.
2. الطّريقة المباشرة (الخَبز البسيط): وهي الطّريقة الأبسط الّتي لا تتطلّب تقليب العجين، أو تركه في المطبخ، أو القيام بعمليّات الطّيّ والشّدّ. بعد مزج المكوّنات الأوّليّ لمدّة دقيقتين، اترك العجينة تتضاعف في وعاء العجينة المغطّى، ثم انقل العجين مباشرةً بوعائه المغطّىً وضعه في البرّاد. يعتمد هذا المسار على الوقت الطّويل داخل البرّاد ليقوم بعمليّة تطوير الگلوتين وتفكيك المكوّنات ذاتيّاً.
تتفوّق الطّريقة الأولى في إنتاج أرغفة ذات قوّة أكبر وبنية فتات هشّة، في حين توفّر الطّريقة الثّانية أقصى درجات الرّاحة للخبّاز المنزليّ مع نكهة لا تختلف في العمق، وهي خيار مثاليّ لمن يفتقر للوقت ويرغب بقوام داخلي يشبه قوام عجينة الپيتزا.

الخطوات التّالية (التّخمير والخَبز)
تبدأ خطوات العمل بمرحلة المزج الأوّليّ، فاخلط الدّقيق الأبيض والكامل مع الماء والخَمِيرَة والملح داخل وعاء كبير حتّى يختفي الدّقيق الجافّ تماماً، والّذي يستغرق نحو دقيقتين. وسيبدو العجين خشناً وأشعث، وهذا سليم تماماً.
غطّ الوعاء دون أيّ عجن. ويسمّى هذا التّفاعل باللّغة الإنگليزيّة أوتوليز (عن Autolysis) أي التّحلّل الذّاتيّ، وخلال 30 دقيقةً يمتصّ الدّقيق الماء ويبدأ الگلوتين بالتّشكّل وحده. وسيبدو العجين ناعماً ومتماسكاً بعد عودتك لأنّ الپروتينات ترطّبت دون أيّ جهد منك.
تتفرّع إدارة العجين في هذه المرحلة إلى مسارين؛ مسار تطويريّ يعتمد على تقوية العجين، ومسار مباشر يختصر الجهد بالكامل.
في المسار التّطويريّ، الّذي يهدف إلى بناء هيكل أقوى للرّغيف، اترك الوعاء في المطبخ مدّة 1 إلى 3 ساعات لتطوير الگلوتين، وطبّق تقنيّة الطّيّ والشّدّ بمقدار 3 مرّات بفاصل 45 دقيقةً. أمسك جانباً واحداً من العجين، وشُدّه للأعلى، واطوه فوق الجزء العلويّ، وأدر الوعاء 90 درجةً، وكرّر ذلك على جميع الجوانب الأربعة. هذه هي الحيلة الذّهبيّة للتّخمير البارد، فأنت تستبدل العجن بالوقت. وتمنح مجموعة أو مجموعتان من الطّيّ اللّطيف العجين كلّ البنية اللّازمة لأنّ الرّاحة الباردة مدّة 16 إلى 20 ساعةً ستطوّر الگلوتين بدلاً منك.
أمّا الطّريقة الثّانية أو المسار المباشر، فلا تتضمّن أيّ تقليب، ولا ترك العجين في المطبخ مدّة 1 إلى 3 ساعات، ولا طيّاً أو شدّاً. إذ تعتمد هذه الطّريقة على ترك العجين يتضاعف في علبة العجين بحرارة المطبخ، ثم نقل وعاء العجين مباشرةً إلى البرّاد فور الانتهاء من مرحلة الأوتوليز.
يكمن السّبب وراء وجود هاتين الوصفتين في تلبية احتياجات الخبّاز المنزليّ؛ فالطّريقة الأولى تناسب مَن يبحث عن بنية فتات مفتوحة وهيكل مطّاطيّ أقوى، والطّريقة الثّانية تناسب مَن يبحث عن بنية تشبه قوام عجينة الپيتزا، وتوفّر أقصى درجات الرّاحة لمَن لا يملك الوقت، تاركةً عمليّة تفكيك المكوّنات وتطوير الشّبكة للوقت الطّويل داخل البيئة الباردة.
تجنّب إضافة الملح مباشرةً إلى الخَمِيرَة قبل المزج في كلتا الطّريقتين، لأنّ الملح يبطئ التّخمير ويضعف الخميرة قبل دخولها إلى العجين. أضفهما إلى العجين في الوقت عينه ولكن على جانبين متقابلين من الوعاء.
يستمرّ التّخمير الطّويل أو البطيء مدّة بين 16 إلى 72 ساعةً (البعض يفضّل نكهة 48 ساعة حصراً) داخل البرّاد بدرجة حرارة تتراوح بين 4 و 5 درجات مئويّة. فبرودة البرّاد تبطئ التّخمير الكحوليّ للخميرة وتمنع انهيار الشّبكة، وتترك بكتيريا حمض اللّبنيك وإنزيمات الأميلاز والپروتياز تواصل عملها الدّؤوب. لذا، انقل الوعاء مغطّىً إلى البرّاد وتجاهله. كلّما كانت البيئة أدفأ، قصرت مدّة التّخمير، وكلّما كانت أبرد، طالت المدّة.
لتشكيل العجين المباشر في صباح الخَبز، اقلب العجين البارد برفق فوق سطح مرشوش بقليل من الدّقيق ولملم أطرافه لتشكيل كرة عن طريق طيّ الحوافّ نحو المركز. ثمّ اقلبه ليصبح الجانب النّاعم للأعلى واسحبه بلطف نحوك على الطّاولة لخلق توتّر سطحيّ. وضعه في وعاء مرشوش بدقيق الأرزّ مع توجيه جهة اللّحام للأعلى، وغطّه وأعده إلى البرّاد مدّة 1 إلى 2 ساعة لترسيخ الشّكل وتسهيل التّشريط.

ابدأ التّسخين المسبق بتسخين قِدْر مَكْتُومَة أو بُرْمَة من الحديد الزّهر ذي غطاء داخل الفرن على حرارة 230 درجةً مئويّةً مدّة 45 دقيقةً كاملةً. وأخرج العجين مباشرةً من البرّاد دون إبقائه في حرارة الغرفة، واقلبه على ورق خبز.
يحافظ العجين البارد على تماسكه لتسهيل التّشريط، فاصنع شقّاً طوليّاً بشفرة حادّة أو سكّين بعمق بين سنتيمتر إلى 2 سنتيمتر للتّحكّم في جهة انفجار العجينة، وأنزله فوراً داخل الوعاء الحديديّ السّاخن. سيواجه العجين صدمةً حراريّةً داخل الفرن تسبّب تمدّداً سريعاً للغازات وتمنحه انتفاخاً ممتازاً وقشرةً مقرمشةً. أغلق الغطاء وأعده إلى الفرن واخبز العجين مغطّىً مدّة 30 دقيقةً، ثمّ ارفع الغطاء وواصل الخبز مدّة 15 إلى 20 دقيقةً حتّى تتلوّن القشرة بلون بنّيّ ذهبيّ عميق.
أخرج الخبز وضعه فوق شبك معدنيّ ليرتاح مدّة 120 دقيقةً على الأقلّ قبل تقطيعه. وانتبه إلى أنّ تقطيع الخبز مبكّراً جدّاً يحرّر البخار الدّاخليّ ويترك لك فتاتاً صمغيّاً. ستسمع طقطقةً يسمّيها الخبّازون غناءً في أثناء تبريد الرّغيف، ويدلّ ذلك على تحطّم القشرة وتسرّب البخار.


تطبيق عمليّ سهل جدّاً: خبز صحّيّ سهل الهضم وغنيّ بالمغذّيات
لنجاح هذه الوصفة، نحتاج إلى 380 ملّيلتراً من شَرش اللّبن الدّافئ، وهو مكوّن يسرّع التّحلّل المائيّ، و 10 غرامات من الملح البحريّ لضبط التّخمير وتقوية العجين. أمّا الدّقيق، فنستعمل 350 غراماً من دقيق القمح الكامل لتوفير الألياف والمعادن، مع 150 غراماً من الدّقيق الأبيض القويّ Type 550 لدعم تماسك شبكة الگلوتين. ونضيف 100 غرام من الخَمِيرَة الطّبيعيّة، ويمكن استبدالها بغرام من الخميرة المجفّفة، أو بملعقة من اللّبن الرّائب أو اللّبنة.
تبدأ العمليّة بالمزج الأوّليّ أو التّحلّل الذّاتيّ، فاخلط الدّقيق الأبيض والكامل مع شَرش اللّبن والخَمِيرَة والملح داخل وعاء كبير باستعمال ملعقة خشبيّة أو باليد، حتّى يختفي الدّقيق الجافّ كُلّيّاً. احذر من عجن الخليط أبداً، بل غطّ الوعاء واتركه ليرتاح.
تأتي تالياً مرحلة تطوير الگلوتين. اترك الوعاء في المطبخ مدّةً تتراوح بين 1 إلى 3 ساعات، وطبّق تقنيّة الطّيّ والشّدّ 3 مرّات بفاصل 45 دقيقةً. أمسك طرف العجين، ومطّه بلطف نحو الأعلى، ثمّ اطوه فوق المركز؛ فهذه الحركة ترتّب سلاسل الگلوتين دون مجهود. وشخصيّاً في فصل الصّيف، أترك العجين ساعةً واحدة فقط، وأطبّق تقنيّة الطّيّ والشّدّ مرّةً واحدة في منتصف السّاعة، ثمّ أنقله مباشرةً إلى الثّلّاجة (البرّاد) بعد تمام الساعة (حين يتضاعف حجم العجينة).
انقل الوعاء مغطّىً إلى الثّلّاجة بدرجة حرارة 4 درجات مئويّة، ودعه يستقرّ هناك 48 ساعةً كاملةً. تستهلك البكتيريا في هذه المرحلة معظم السّكّريّات وتفكّك حمض الفيتيك. وقبل انتهاء مدّة التّخمير، ضع قِدْراً مَكْتُومَةً من الحديد الزّهر مع غطائها داخل الفرن، وسخّنهما معاً على حرارة 230 درجةً مئويّةً، وأنا أكتفي بتسخين القِدْر المَكْتُومَة 20 دقيقةً فقط بسبب قوّة الفرن وصغر حجمه.
أخرج العجين البارد من الثّلّاجة، واقلبه برفق فوق ورق خَبز مرشوش بدقيق القمح أو دقيق الأرزّ. لملم أطرافه بلطف لتشكيل كرة متماسكة دون إفراغ الغازات الدّاخليّة. اصنع شقّاً طوليّاً على سطح العجين البارد بشفرة حادّة، لتشكيل صدمة حراريّة محكمة. وأفضّل هنا وضع العجين البارد مع ورقة الخَبز في قالب دائريّ من الحديد الخفيف، ثمّ أضع القالب داخل القِدْر المَكْتُومَة المسخّنة سلفاً، وأغلق الغطاء فوراً لإعادتها إلى الفرن.
اخبز العجين وهو مغطّىً مدّةً تتراوح بين 20 إلى 30 دقيقةً لاحتباس البخار وتمدّد الأرغفة. ارفع الغطاء لاحقاً، وواصل الخَبز 15 إلى 20 دقيقةً إضافيّةً حتّى تتلوّن القشرة بلون بنّيّ غامق ومقرمش. وأخيراً، أخرج الخبز من الوعاء، وضعه فوق شبك معدنيّ ليرتاح 120 دقيقةً على الأقلّ قبل تقطيعه، لتكتمل عمليّة طبخ اللّبّ الدّاخليّ بالبخار المحتبس وتتوزّع الرّطوبة.
لن يكون رغيفك الأوّل مثاليّاً، وربّما يظهر بشّكل غير متساوٍ، لكنّ النّكهة ستكون مختلفةً عن أيّ شيء صنعته بطريقة التّخمير الدّافئ، بقشرة أرقّ وأكثر قرمشةً، وفتات متجانس، ونكهة معتدلة لكنّها أعمق مع حموضة خلّيّة أقلّ وغنى أكبر. ويمكنك دائماً التّحكّم بشكل الرّغيف النّهائيّ بتغيير قالب الحديد الزّهر، أو اختيار قالب معدنيّ أصغر يمكن وضعه داخل القِدْر المَكْتُومَة أو البُرْمَة ذات الغطاء المصنوعة من الحديد الزّهر.
ستبدأ في ضبط التّوقيت بعد رغيفك الثّالث، فتختار 24 ساعةً لخبز حلو معتدل، أو 48 ساعةً لخبز ذي طابع خاصّ، أو 72 ساعةً لرغيف حامض بعمق ونكهة متطوّرة للحدّ الأقصى. ولن تعود إلى التّخمير الدّافئ بعد شهر، لأنّ الجدول الزّمنيّ أسهل، والنّتائج أفضل، والخُبز يدوم 4 إلى 5 أيّام على الطّاولة بدلاً من 2 يومين.

تكلّف صناعة هذا الرّغيف في المنزل داخل ألمانيا ومنطقة اليورو أقلّ من 2 يورو ثمن 550 غراماً من الدّقيق الجيّد والماء والملح، وأقلّ من 2 دولار في الولايات المتّحدة وكندا. وتنخفض هذه الكلفة في دول شرق البحر الأبيض المتوسّط وجنوبه لتصل إلى ما يقارب دولار أو أقلّ حَسَبَ أسعار الحبوب المحلّيّة، بلا حجرة تخمير، وبلا أيّ معدّات خاصّة باستثناء وعاء حديديّ تشتريه مرّةً وتحتفظ به لعقود.
الحسبة بسيطة جدّاً، فخبّاز القرون الوسطى بقبوه الحجريّ وكيس الدّقيق لم يكن بدائيّاً، بل مهندساً أدرك حاجة الخبز إلى الوقت، وليس التّكنولوجيا. وكذلك كان خبّاز نينوى والإسكندريّة وبابل قبل آلاف السنين. نسينا ذلك وبادلنا الصّبر بالسّرعة، لننتهي بخبز يصعب صنعه ويسوء أكله. ولا تحتاج إلى حجرة تخمير، أو مقياس حرارة، أو جدول تغذية مطبوع على بطاقة مغلّفة، بل تحتاج إلى الدّقيق والماء، والرّغبة في الابتعاد وترك الوقت يفعل ما دأب على فعله مدّة ألف عام.
مراجع ومصادر
- Microbial ecology of sourdough fermentations (International Journal of Food Microbiology), 2003 م 1424 هـ https://doi.org/10.1016/S0168-1605(03)00261-X
- Lactic metabolism revisited: metabolism of lactic acid bacteria in food fermentations (Current Opinion in Food Science), 2015 م 1436 هـ https://doi.org/10.1016/j.cofs.2015.02.013
- Effects of sourdough fermentation on phytic acid reduction and in vitro mineral extractability (Food Chemistry), 2017 م 1438 هـ https://doi.org/10.1016/j.foodchem.2017.03.018
- Sourdough and cereal fermentation in a nutritional perspective (Food Microbiology), 2009 م 1430 هـ https://doi.org/10.1016/j.fm.2008.07.011
- A Dictionary of the Ugaritic Language in the Alphabetic Tradition (Brill), 2015 م 1436 هـ https://brill.com/view/title/11494
- Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyar al-Warraq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook (Brill), 2007 م 1428 هـ https://brill.com/view/title/14282
- فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان، ابن رزين التّجيبيّ، دار الغرب الإسلاميّ، 1984 م 1404 هـ https://archive.org/details/fidalat_al-khiwan
- القانون في الطب، ابن سينا، مكتبة قطر الرّقميّة https://www.qdl.qa/archive/81055/vdc_100022588383.0x000001
- The Taste of Bread, Raymond Calvel (Springer), 2001 م 1422 هـ https://link.springer.com/book/10.1007/978-1-4757-6809-1
- Tartine Bread, Chad Robertson (Chronicle Books), 2010 م 1431 هـ https://www.chroniclebooks.com/products/tartine-bread
- Industrial Manufacture of Bakers’ Yeast (Springer), 1990 م 1410 هـ https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-1-4615-7074-4_10
- Lesaffre Group: Our History، الموقع الرّسميّ لشركة لوسافر https://www.lesaffre.com/group/our-history/
- The History of the Fleischmann Malting Company and Fleischmann’s Yeast, Cincinnati History Library and Archives https://chpl.org/services/genealogy-local-history/





اترك رد