تحليل تاريخي واستقرائي يراجع جذور السؤال الشائع عن كراهية الفرس للعرب عبر الساسانيين والشعوبية واللغة والهوية والتوظيف السياسي المعاصر.
لا تستغرب العنوان. جاء عنوان «لماذا يكره الفرس العرب» بصيغة استفهامية مقصودة لا بوصفه حكماً نهائياً، بل بوصفه مدخلاً إلى سؤالٍ شائعٍ ومتداولٍ في الخطاب الشعبي والإعلامي، كثيراً ما يُطرح في سياقٍ يختلط فيه التاريخ بالسياسة وبالذاكرة الجمعية. وتأتي هذه المادة لتفكيك هذا السؤال لا لتأكيده، عبر مراجعة جذوره التاريخية وتحليل ما تراكم حوله من تصورات ومواقف، ثم اختبار تلك التصورات في ضوء الشواهد والقراءات الأوسع، حتى يتضح للقارئ أن المسألة أعقد من اختزالها في كراهيةٍ ثابتة أو صفةٍ عامة تُنسب إلى شعبٍ بِرُمَّته. ومن هنا، فإن ما بين يدي القارئ ليس جواباً بسيطاً بقدر ما هو محاولة لفهم كيف صيغ هذا السؤال، ولماذا ظلّ يتكرّر، وما الذي تكشفه العودة إلى التاريخ عن حدود دقته ومعناه.
استندت هذه المقالة إلى استبانةٍ إلكترونيةٍ وتحليلٍ ميدانيٍّ للنقاش الذي دار في تعليقات منشورٍ نُشر على فيسبوك في تموز/يوليو 2026 بعنوان: «ما سبب كراهية الفرس العظيمة للعرب؟». وقد جُمعت المادة من 356 رأياً وتعليقاً، ثم صُنّفت الإجابات إلى محاور تفسيرية رئيسة، بهدف فحص أنماط الفهم الشائعة وتصويب ما ظهر فيها من تعميمات وأخطاء تحليلية. ومن ثمّ، فالمقالة لا تكتفي بعرض الآراء المتداولة، بل تعيد قراءتها في ضوءٍ تاريخيٍّ ومنهجيٍّ أدقّ، لتمييز ما هو انطباع شعبي مما هو تفسير قابل للاعتماد العلمي.

تهدف هذه المقالة إلى تصويب التفسيرات الخاطئة والابتلاءات التحليلية التي كشفت عنها الدراسة الميدانية والاستبانة. أظهرت الاستبانة (356 استجابة مميّزة) أن جلّ المجيبِين يفسّرون أسباب العداء عبر عدسة تاريخية مبسّطة — خاصة أحداث الفتوحات وسقوط الساسانيين — في حين تغفل أغلب الردود عن الدور المركب للتوظيف السياسي، والتحوّلات الحضارية الداخلية، وآليات الخطاب القومي التي صيغت عبر قرون.
لذلك، تصوّب هذه الدراسة أربع نتائج عملية:
- أولاً، تفكيك الخلط بين حدث تاريخي واحد ووجود نمط سلوكي دائم عند جماعة بِرُمَّتها؛
- ثانياً، وضع التوظيف السياسي والمذهبي في سياق أطول زمنياً ومؤسسيّاً؛
- ثالثاً، تمييز بين ذاكرةٍ شعبيةٍ متداولةٍ وأدلةٍ تاريخيةٍ موثّقةٍ تعتمدها الأبحاث الأكاديمية؛
- ورابعاً، تقديم توصيات منهجية لقراءة المصادر التاريخية والاجتماعية بعيداً عن التعميمات.
بهذا، تصبح المقالة أداة تصحيح منهجي ومعرفي، تساعد القارئ على الانتقال من أحكامٍ شعوريةٍ وسرديات مبسطة إلى تفسيرٍ نقديٍّ متعدد الطبقات للأسباب الحقيقية لتوترات العلاقات بين الشعوب عبر التاريخ.

تمهيد ضروريّ: تفكيك أسطورة الأقدميّة
يأتي هذا المقال لتفكيك الجذور التّاريخيّة للعلاقات العربيّة بالكيانات الّتي حكمت الهضبة الإيرانيّة، لكن ينبغي التّوضيح بدايةً أنّ استعراض الدّيناميكيّات الإمبراطوريّة السّاسانيّة أو الحركات الشّعوبيّة اللّاحقة لا يحاول الإيحاء بقِدَم الهويّة الفارسيّة، ولا يؤكّد الرّوايات القوميّة الفارسيّة المعاصرة بأيّ شكل من الأشكال. ما يُسمّى بالحضارة الفارسيّة القديمة أسطورة مزعومة لا تدعمها الأدلّة التّاريخيّة. بل تسرق الدّعاية القوميّة الفارسيّة المعاصرة تراث العراق والهضبة الإيرانيّة لصناعة تاريخ يعتمد الأقدميّة المزيّفة.
تكوّنت الهويّة الفارسيّة فعليّاً في رابع قرن بعد انتشار الإسلام، لتكون فرعاً عن الحضارة الإسلاميّة. ونشأت اللّغة الفارسيّة المعاصرة وتطوّرت نتيجة لسلسلة معقّدة من الأحداث السّياسيّة إبّان صعود الدّولتين السّامانيّة والبويهيّة. حين مُزجت لهجة الدّيالمة البويهيّين الپهلويّة بلغة طُخارا السّامانيّة وتأثّرت بشدّة بلهجة شيراز العربيّة، لتشكّل لغة جديدة سُمّيت لاحقاً بالفارسيّة نسبة إلى مملكة فارس الّتي عصمتها شيراز.
تشير الدّراسات اللّغوية الإيرانيّة إلى أنّ 60٪ من مفردات اللّغة الفارسيّة المعاصرة عربيّة الأصل، وتتجاوز النّسبة 75٪ عند إضافة اللّغات العروبيّة الأخرى كالآراميّة، إلى درجة دفعت بعض الدارسين الإيرانيّين والروس إلى تصنيف اللّغة الفارسية المعاصرة لهجة عربية.
تميّزت الهضبة الإيرانيّة دائماً بتعدّد الهويّات الإثنيّة، واستعمال كلمة {پيرسيس} Persis أو {پِيرشَن} Persian في التّاريخ للإشارة إلى المنطقة لا يعني أبداً الهويّة الفارسيّة هويّة قوميّة. حتّى الإمبراطوريّة الأخمينيّة اتّخذت بابل عاصمةً لها والآراميّة لغةً رسميّة ودبلوماسيّة ولم تقدّم هويّة فارسيّة. أمّا السّاسان، فبرغم محاولاتهم فرض الپهلويّة لا يمكن القول بفرضهم هويّة فارسيّة، إذ تعود أصول تلك اللّغة إلى قبائل سكوثيّة تركيّة هي قبال {أپارني} أو {أپارثة}.
بذور كراهيّة العرب الّتي تتبنّاها القوميّة الفارسيّة اليوم وُلدت في سياق الصّراع السّياسيّ على السّلطة إبّان العهدين السّامانيّ والبويهيّ، واستُخدمت أداةً لإزالة التّراث العربيّ من المنطقة.
لذا، يميّز هذا البحث بوضوح تامّ بين الهويّة الفارسيّة المعاصرة وتاريخ الهويّات المتنوّعة في إيران. ويقرأ التّاريخ بعيداً عن الأيديولوجيّات القوميّة المضلّلة، ليفكّك التّداخلات التّاريخيّة الّتي أُعيد تدويرها لاحقاً لهندسة النّفوذ ورسم خرائط الهيمنة في الشّرق الأوسط الرّاهن، واضعاً الأحداث في نصابها التّاريخيّ الدّقيق.

مقدّمة
تشكّل العلاقات العربيّة الفارسيّة واحدةً من أعقد الظّواهر الجيوسياسيّة والفكريّة في التّاريخ البشريّ الموثّق، إذ تمتدّ جذورها إلى آلاف السّنين من التّفاعل المستمرّ عَبْرَ جغرافيا قاسيّة ومتقاطعة. ولا يمكن فهم التّوتّرات الاستراتيجيّة أو التّحالفات التّكتيكيّة في الشّرق الأوسط المعاصر بمعزل عن التّفكيك العميق للطّبقات التّاريخيّة الّتي أسّست للوعيّ الجمعيّ، وحدّدت مفاهيم الذّات والآخر لدى كلّ من العرب والفرس.
لم يكن هذا التّفاعل يَوماً خطّيّاً أو مقتصراً على الصّراع العسكريّ المباشر، بل كان مزيجاً معقّداً من الاعتماد الاقتصاديّ المتبادل، والتّنافذ المعرفيّ، والهندسة الدّيموغرافيّة القسريّة، وإعادة الإنتاج الأيديولوجيّ المستمرّ.
تظهر الحقبة السّاسانيّة 410 ق.هـ 30 هـ \ 224-651 ميلاديّة فترة تأسيسيّة محوريّة في صياغة السّرديّات الكبرى الّتي لا تزال تلقي بظلالها على العقل السّياسيّ في المنطقة. فهذه الإمبراطوريّة، الّتي عدّت نفسها مركزاً حضاريّاً {إِيرانشَهر} محاطاً بأمم أقلّ تحضّراً {أَنِيران}، شهدت تفاعلات عنيفة مع القبائل العربيّة الّتي كانت تتحرّك بدوافع بيئيّة واقتصاديّة قاهرة على تخومها الجنوبيّة والغربيّة. والقبائل العربيّة الناطقة بالسريانية والآرامية المستقرّة لقرون طويلة في أجزاء مهمّة من جغرافيا {إِيرانشَهر}.
تلا ذلك الانهيار السّاسانيّ المدوّي إثر الفتوحات الإسلاميّة، وهو الحدث الّذي أحدث صدمة أنطولوجيّة عميقة في الوجدان الإيرانيّ، تجلّت في الأدبيّات الزّرادشتيّة المتأخّرة، ثمّ لاحقاً في حركات المقاومة الفكريّة المتمثّلة في الشّعوبيّة وما عُرف باسم {الفاصل الإيرانيّ} الّذي شهد صعود سلالات إيرانيّة إسلاميّة سعت لإحياء المجد الإمبراطوريّ القديم.
تطرح هذه الدّراسة البحثيّة تحليلاً استقصائيّاً وعميقاً للمسار التّاريخيّ لهذه العلاقات، مبتدئة بتشريح الاستراتيجيّات العسكريّة والدّيموغرافيّة للإمبراطوريّة السّاسانيّة، لا سيّما خلال العهد الطّويل للملك {شاپور الثّاني}، مروراً بتحليل البنية التّحتيّة العسكريّة وعقيدة الدّفاع الإمبراطوريّة.
تنتقل الدّراسة بعد ذلك لفحص التّداعيات النّفسيّة والفكريّة للفتح الإسلاميّ عَبْرَ قراءة النّصوص الپهلويّة، وتتبّع تشكّل السّرديّة القوميّة الإيرانيّة خلال عهود السّامانيّين والبويهيّين، وصولاً إلى تفكيك الكيفيّة الّتي تُستدعى بها هذه السّرديّات التّاريخيّة، سواء من قِبل مفكّري القوميّة الإيرانيّة الحديثة في القرن 19 م \ 13 هـ، أو في أروقة صنع القرار السّياسيّ والجيوسياسيّ المعاصر، إذ يتحوّل التّاريخ من سجلّ بسيط للماضي إلى أداة نشطة لهندسة النّفوذ ورسم خرائط الهيمنة في الشّرق الأوسط الرّاهن.

التّخوم المشتعلة: الدّوافع البيئيّة والاقتصاديّة للصّدام المبكّر
اتّسمت بدايات القرن 4 م \ 4 ق.هـ باضطرابات عميقة في الهيكل القياديّ للإمبراطوريّة السّاسانيّة. في عام 323 ق.هـ \ 309 م، أدّى الموت المفاجئ للملك {هُرمُز الثّاني} إلى فراغ سياسيّ حادّ، تعامل معه النّبلاء ورجال الدّين الزّرادشتيّون بطريقة استثنائيّة ذات دلالات رمزيّة عميقة في المنظومة السّياسيّة السّاسانيّة، إذ تُوّج الملك {شاپور الثّاني} وهو لا يزال جنيناً في بطن أمّه {عفراء هُرمُز}، عَبْرَ وضع التّاج الملكيّ على بطنها لضمان استمراريّة السّلالة ودرء الحروب الأهليّة. وأنتج هذا الوضع فترة وصاية طويلة اتّسمت بضعف السّلطة المركزيّة الإمبراطوريّة وتنامي نفوذ الفصائل الأرستقراطيّة المتنافسة.
في هذا السّياق من الضّعف الإمبراطوريّ المؤقّت، وجدت الشّعوب العربيّة القاطنة في شرق شبه الجزيرة العربيّة، وفي محيط سواحل الخليج العربيّ وجزره، فرصةً سانحةً لتغيير ميزان القوى المحلّيّ. فلم تكن هذه الشّعوب قبائل راحلة تبحث عن الكلأ، بل شكّلت مجتمعات زراعيّة وحضريّة مستقرّة تنتمي في أغلبها إلى قبائل الأزد، وضمّت تنوّعاً لغويّاً شمل قبائل ناطقة بالسّريانيّة والآراميّة. في الواقع، كان الخليج محكوماً بمحيطه كلّه بممالك أزدية طائيّة. وأطلق السّاسانيّون على الخليج تسمية بحر الطاژيكان، أي بحر الطائيين العرب، إشارةً إلى سكّان سواحله من العرب على الضّفّتين الشّرقيّة والغربيّة.
تحرّكات هذه المجتمعات الزّراعيّة لم تأتِ استجابة لضغوط بيئيّة أو نقص في الإنتاج، بل ظهرت الدّوافع السّياسيّة والاقتصاديّة الجيو-تجاريّة محرّك أساسيّ للاحتكاك. إذ سعت هذه الممالك العربيّة إلى التحرّر من الاحتكار السّاسانيّ وتوسيع رقعة النّفوذ، والسّيطرة على خطوط التّجارة البحريّة المربحة في الخليج، والّتي كانت تشمل سلعاً استراتيجيّة كالتّوابل، والمنسوجات، واللّؤلؤ.
شكّلت مقاطعات الجنوب السّاسانيّ، ولا سيّما إقليم پِرسيس ذو السّواحل الغنيّة، هدفاً مغرياً لتعزيز السّيطرة العربيّة. فبدأت المجتمعات العربيّة في التّبلور والتّنظيم على أطراف الإمبراطوريّة بطرق هدّدت الأمن الإقليميّ السّاسانيّ. ومن الأمثلة الواضحة على هذا التّبلور الدّيموغرافيّ حركة قبائل الأزد شمالاً نحو البحرين وهناك تحالفت وصاهرت قبائل تنوخ، لتضع البذور الأولى لتأسيس مملكة المناذرة الّتي ستؤدّي لاحقاً دوراً معقّداً في سياسات المنطقة.
هذه التّحرّكات المتشابكة أدّت إلى تآكل السّيطرة السّاسانيّة على التّخوم، واستدعت ردّاً عسكريّاً إمبراطوريّاً استثنائيّاً من {شاپور الثّاني} الّذي بنى لاحقاً جنوب العراق «ور إطاژيكان» أي {سور العرب} لمنعهم من تحرير أوطانهم.

الهندسة العسكريّة والإبادة الدّيموغرافيّة: حملات {شاپور الثّاني} 325 م
فور بلوغه سنّ 16 في عام 307 ق.هـ \ 325 م، أمسك {شاپور الثّاني} بزمام السّلطة الفعليّة، وأحدث تحوّلاً استراتيجيّاً في العقيدة العسكريّة الپهلوية، منتقلاً من وضعيّة الدّفاع السّلبيّ إلى الهجوم الاستباقيّ الشّامل وحرب الإبادة. فلم يكن هدف {شاپور} تأمين الحدود فحسب، بل أراد إيصال رسالة ردع سيكولوجيّة عميقة تفكّك البنية القبليّة للمجتمعات العربيّة الّتي استغلّت فترة طفولته طامعة بالتحرّر أو بالسيطرة على السلطة.
بدأ {شاپور} حملته المنهجيّة بضرب المستوطنات العربيّة في إقليم {آسورِستان} (بيت آرَمايى) جنوب العراق الحديث بالقرب من مدينة {الحيرة}، إذ استهدف بشكل خاصّ قبيلة {إياد} المالكة موقعاً في صفوفها خسائر فادحة. ولم يكتفِ {شاپور} بتأمين الجبهة النّهريّة، بل أطلق عمليّة عسكريّة برمائيّة نادرة ومعقّدة في التّكتيك السّاسانيّ، عابراً الخليج العربيّ بأساطيله لضرب المعاقل السّاحليّة العربيّة في منطقة {الخطّ} والّتي كانت تشمل جغرافيّاً مساحات من البحرين وقطر الحاليّتين، ثمّ توغّل بقوّاته البرّيّة نحو جبال {هجر}.
اعتمدت هذه الحملة على الاستفادة القصوى من التّنظيم الهرميّ للجيش السّاسانيّ، ولا سيّما قوّة صدمة سلاح الفرسان الثّقيل المدرّع، الّذي كان ينفّذ عمليّات تطويق سريعة تمنع المقاتلين العرب من استخدام تكتيكات الكرّ والفرّ المعتادة في البيئات المفتوحة.
تميّزت حملات {شاپور الثّاني} برفض قاطع لأيّ تسويات سياسيّة أو رشاوي لإنهاء القتال، بل اتّبعت أسلوب حرب شاملة استهدفت مقوّمات الحياة الأساسيّة. إذ توغّل الجيش السّاسانيّ في عمق شبه الجزيرة العربيّة وصولاً إلى {يثرب} (المدينة المنوّرة لاحقاً)، ثمّ اتّجه شمالاً ليضرب مضارب قبائل {بكر} و {تغلب} في الجزيرة العليا الّتي كانت تحاذي التّخوم الرّومانيّة البيزنطيّة.
في هذه البيئات الصّحراويّة الجافّة وشبه الجافّة، اتّبع {شاپور} سياسة الأرض المحروقة المائيّة؛ إذ ردم آبار المياه وسمّم الينابيع أو ملأها بجثث القتلى، بهدف التّسبّب في معاناة جماعيّة وحرمان السكّان من أهمّ مصادر البقاء.
لضمان عدم قدرة القبائل على استعادة تماسكها، أسّس {شاپور الثّاني} سياسة استراتيجيّة مبتكرة تتمثّل في التّرحيل القسريّ والهندسة الدّيموغرافيّة الواسعة النّطاق. وكان الهدف من هذه السّياسة تفكيك التّحالفات القبليّة ودمج العناصر البشريّة المتبقّية عمالة أو حاميات قسريّة داخل حدود الإمبراطوريّة السّاسانيّة.
استهدف التّوطين القسريّ السّاسانيّ أربع قبائل عربيّة لتحقيق غايات استراتيجيّة متنوّعة:
- قبيلة تغلب: نُقلت من موطنها الأصليّ في {الجزيرة العليا} إلى مناطق {دارين} و {الخطّ} في {البحرين} وإلى عمق الأراضي الإيرانيّة، بغية تفكيك قوّتها الّتي شكّلت تهديداً لقربها من التّخوم الرّومانيّة وتشتيتها جغرافيّاً. ولجأ الكثيرون منهم إلى حماية الرومان في سوريا الرومانية، خصوصاً في المعرّة وما حولها.
- قبيلة عبد القيس وبطون تميم: أُجبرت هذه القبائل الّتي سكنت سواحل الخليج وشرق {الجزيرة السفلى} على الاستقرار في منطقة {هجر}، لإعادة هيكلة التّوزيع السّكّانيّ لضمان السّيطرة الإداريّة الصّارمة على المنافذ البحريّة.
- قبيلة بكر بن وائل: نُفيت من عموم شمال وشرق شبه الجزيرة العربيّة إلى إقليم {كرمان} في العمق الشّرقيّ للإمبراطوريّة، لعزل العنصر المقاتل عن بيئته التقليدية ودمجه في البيئة الأجنبية، وعُرفوا باسم {بكر بن أبان}.
- بنو حنظلة من تميم: أُسكنوا في منطقة {الرّميلة} في أراضي {الأهواز} (خوزستان) إثر نقلهم من مناطق متفرّقة من الجزيرة العربيّة، لاستغلال القوى العاملة في مناطق زراعيّة خصبة وتوفير دروع بشريّة تخضع للرّقابة المباشرة.
توضّح هذه القائمة الإجراءات المؤسّسيّة الّتي حوّلت الصّراع من صدام حدوديّ إلى إعادة هندسة اجتماعيّة استمرّت آثارها الدّيموغرافيّة قروناً، وتفسّر جزءاً كبيراً من الوجود العربيّ التّاريخيّ المتجذّر في جنوب وجنوب غرب إيران الحديثة.

الأثر العكسيّ: التّحالفات العربيّة الرّومانيّة وصعود تدمر
برغم النّجاح التّكتيكيّ القاسي لـ{شاپور الثّاني}، إلّا أنّ سياسة الإبادة خلقت حقداً تاريخيّاً دفيناً أدّى إلى نتائج جيوسياسيّة عكسيّة أضرّت بالأمن السّاسانيّ على المدى الطّويل. إذ أدركت القبائل العربيّة أنّ البقاء يتطلّب الانخراط في تحالفات القوى العظمى، وبدأت تدريجيّاً في مساندة الإمبراطوريّة الرّومانيّة في حروبها الممتدّة ضدّ السّاسانيّين. ولم يكن هذا الاحتكاك الأوّل من نوعه بين السّاسانيّين والعرب المدعومين أو المتحالفين مع قوى أخرى.
تاريخيّاً، لم تتوقّف الطّموحات الإمبراطوريّة السّاسانيّة عند حدود الخليج، وكانت تُقابل دائماً بمحاولات عربيّة لإثبات الوجود والمقاومة. فقبل عهد {شاپور الثّاني}، وتحديداً إبّان حكم {شاپور الأوّل}، تجلّت قدرة الكيانات العربيّة على الرّدع في مملكة تدمر، إذ استطاع الملك {أُذَينَة} Odaenathus شنّ هجوم كاسح على الجيش السّاسانيّ في أثناء عودته منتصراً من حروبه ضدّ الإمبراطور الرّومانيّ، وألحق به هزيمة نكراء.
ظلّت هذه الذّاكرة من المقاومة والتّحالف مع الرّوم حيّة، حتّى أنّ القرآن الكريم بشّر في سورة الرّوم بانتصار الرّوم على الفرس، وهو ما قوبل بابتهاج عربيّ، ليس فقط للتّقارب الدّينيّ؛ أهل كتاب مقابل زرادشتيّين، بل أيضاً نكاية في الوحشيّة الّتي مارستها الإمبراطوريّة الساسانيّة ضدّ المكوّن العربيّ.
تركّزت الجغرافيا السّياسيّة للصّراع الرّومانيّ الفارسيّ حول مناطق حيويّة مثل أرمينيا والجزيرة العليا وسوريا الرومانية (سوريا الغربية) ومسارات نهري دجلة والفرات وواحات استراتيجيّة مثل تدمر والحضر. وفي هذه المسارح المعقّدة، كان العرب يمثّلون القوّة البشريّة واللّوجستيّة الّتي ترجّح كفّة إحدى الأطراف، ممّا جعل احتواءهم أو قمعهم ضرورة وجوديّة لكلا الإمبراطوريّتين. فهم أهل المنطقة.


عقيدة السِّپاهبِد الرّباعيّة والبنية التّحتيّة العسكريّة السّاسانيّة
لفهم الطّبيعة المنهجيّة للسّياسات السّاسانيّة، يجب النّظر إلى عقيدتهم العسكريّة المعقّدة الّتي لم تعتمد فقط على الرّدع البشريّ، بل ارتكزت بشدّة على العمارة العسكريّة المتقدّمة والتّقسيم الإداريّ الاستراتيجيّ. إذ استندت استراتيجيّة الدّفاع السّاسانيّة إلى نظام عسكريّ متطوّر قُسّمت فيه الإمبراطوريّة إلى أربع مناطق جغرافيّة كبرى، يقود كلّ منطقة قائد أعلى يحمل لقب {سِپاهبِد} 𐭮𐭯𐭠𐭧𐭯𐭲 يتمتّع بصلاحيّات عسكريّة وإداريّة واسعة النّطاق.
- منطقة الشّمال والشّمال الغربيّ: يتولّى قيادتها القائد الأعلى {آذُربادَگان سِپاهبِد} 𐭠𐭲𐭥𐭥𐭯𐭠𐭲𐭪𐭠𐭭 𐭮𐭯𐭠𐭧𐭯𐭲، وتشمل مسؤوليّته أذربايجان التّاريخيّة ومسيرات القوقاز وشرق الأناضول. ولحماية هذه المنطقة، بُني جدار {دَربَند} 𐭣𐭫𐭡𐭭𐭣 العظيم في القوقاز لصدّ الغزوات الرّومانيّة البيزنطيّة وغارات قبائل القوقاز المقاومة.
- منطقة الشّرق وآسيا الوسطى: يتولّى قيادتها القائد الأعلى {خوَراسان سِپاهبِد} 𐭧𐭥𐭫𐭠𐭮𐭠𐭭 𐭮𐭯𐭠𐭧𐭯𐭲، وتشمل مسؤوليّته خراسان الكبرى وتخوم آسيا الوسطى. ولحماية هذه المنطقة، بُنيت أنظمة جدران {تَميشَة} 𐭲𐭬𐭩𐭱 و{جُرجان} 𐭢𐭥𐭫𐭢𐭠𐭭 لردع قبائل الظعن المحاربة القادمة من آسيا الوسطى مثل قبائل {الهياطلة} 𐭧𐭩𐭯𐭲𐭠𐭫.
- منطقة الغرب: يتولّى قيادتها القائد الأعلى {خوَرباران سِپاهبِد} 𐭧𐭥𐭫𐭡𐭠𐭫𐭠𐭭 𐭮𐭯𐭠𐭧𐭯𐭲، وتشمل مسؤوليّته الحدود الرّومانيّة البيزنطيّة المباشرة. وزُوّدت هذه المنطقة بتّحصينات عسكريّة متينة على الحدود الغربيّة لمواجهة جيوش الرّوم والبيزنطيّين من الفيالق العربية.
- منطقة الجنوب والجنوب الغربيّ: يتولّى قيادتها القائد الأعلى {نيمروز سِپاهبِد} 𐭭𐭩𐭬𐭫𐭥𐭰 𐭮𐭯𐭠𐭧𐭯𐭲، وتشمل مسؤوليّته سواد العراق (جنوبّ العراق المعاصر) والحدود العربيّة. ولحماية هذه المنطقة، حُفر {وَر إي طاژيگان} 𐭥𐭫 𐭩 𐭲𐭠𐭰𐭩𐭢𐭠𐭭 (سور العرب) وشُيّدت حصون الحيرة لإيقاف غارات المقاومة القادمة من الجزيرة العربيّة والقبائل الظاعنة في العراق.
شكّل {نيمروز سِپاهبِد} حجر الزّاوية في السّياسة السّاسانيّة تجاه العرب. وتجسيداً لهذه العقيدة، أمر {شاپور الثّاني} بتنفيذ واحد من أضخم المشاريع الهندسيّة العسكريّة في وقته، وهو {خَندَق شاپور} حسب الوثائق العربية أو ما عُرف باسم «سور العرب» {وَر إي طاژيگان} 𐭥𐭫 𐭩 𐭲𐭠𐭰𐭩𐭢𐭠𐭭. وامتدّ هذا الخندق والخطّ الدّفاعيّ الخطّيّ لمسافة تقارب 150 كيلومتراً جنوب مدينة {الحيرة} في العراق.
كانت العمارة العسكريّة السّاسانيّة، سواء في سور العرب أو سور جُرجان، تؤدّي اثنتين من الوظائف الاستراتيجيّة المتكاملة. الوظيفة الأولى كانت احتواء الغارات والهجمات، إذ تمركزت وحدات عسكريّة في المدن الحدوديّة المحصّنة لصدّ محاولات الاختراق، وتثبيت قوّات العدوّ في وضعيّة الدّفاع الاستراتيجيّ لحين وصول التّعزيزات من القيادة العليا للجيش (السِّپاه). والوظيفة الثانية كانت هجوميّة، إذ عملت هذه الخنادق والجدران مناطق تجميع وانطلاق للقوّات السّاسانيّة المهاجمة، لتمكين الملك والقيادة العليا من التّشاور وشنّ هجمات مضادّة عميقة في أراضي العدوّ (الشعب المحتَلّ) متى ما اقتضت الضّرورة.
على الرّغم من هذه الاستثمارات الهائلة في البنية التّحتيّة، واجهت العقيدة العسكريّة السّاسانيّة إخفاقات كارثيّة عندما تخلّت القيادة عن الحذر وانجرّت خارج نطاق تحصيناتها، كما حدث لاحقاً في عهد الملك {پيروز} الّذي قاد حملة متهوّرة ضدّ الهياطلة في الشّرق، فوقع جيشه المتمركز حول سلاح الفرسان الثّقيل في فخاخ الخنادق الّتي نصبها الأعداء، ممّا شكّل تحدّياً كبيراً للتّقاليد العسكريّة السّاسانيّة وكشف عن ضعف في الاستطلاع والتّكيّف التّكتيكيّ، كما وثّقت ذلك روايات المؤرّخ البيزنطيّ {پروكوپيوس} Προκόπιος. إلّا أنّ الجبهة العربيّة، بفضل خندق شاپور والتّحالف اللّاحق مع المناذرة، بقيت تحت السّيطرة النّسبيّة حتّى الانهيار الكبير.

الفتح الإسلاميّ والصّدمة الأنطولوجيّة الزّرادشتيّة
شكّلت الفتوحات الإسلاميّة في القرن 1 هـ \ 7 م وسقوط الإمبراطوريّة السّاسانيّة منعطفاً حاسماً لم يقتصر على تغيير خرائط النّفوذ السّياسيّ، بل أحدث زلزالاً حضاريّاً ونفسيّاً لدى النّخب الإيرانيّة ورجال الدّين الزّرادشتيّين. إذ كانت الإمبراطوريّة السّاسانيّة تقوم على أيديولوجيّة دينيّة متينة ترى في شخص {شاهَنشاه} 𐭱𐭠𐭧𐭠𐭭 𐭱𐭠𐭧 (ملك الملوك) امتداداً للشّرعيّة الإلهيّة، وكان لقبه {شاهَنشاه إِيران أُود أَنِيران} 𐭠𐭩𐭥𐭠𐭭 𐭥𐭣 𐭠𐭭𐭩𐭥𐭠𐭭 يؤكّد سيادته على الأراضي الإيرانيّة والمجالات غير الإيرانيّة. لكنّ الانهيار أمام العرب، الّذين طالما نُظر إليهم على أنّهم همج أقلّ شأناً وحضارة، كسر هذا النّظام الكونيّ.
تتجلّى هذه الصّدمة العميقة بوضوح استثنائيّ في الأدبيّات والنّصوص الپهلويّة الّتي جُمعت وحُرّرت بشكلها النّهائيّ خلال القرنين 9 و 11 م \ 3 و 5 هـ، في ظلّ الحكم الإسلاميّ، وبرغم أنّ أصول هذه الرّوايات تعود إلى نصوص أقدم مشتقّة من كتب {أڤِستا} الّتي يُعتقد أنّها مكوّنة من 21 كتاباً أو نسك خلقها الإله {أَهورا مَزدا}.
من أهمّ هذه الكتب نصّ {بُندَهِشن} 𐭡𐭭𐭣𐭧𐭱𐭭، الّذي يعني الخلق الأساسيّ أو الخلق الأوّليّ، وكان يُعرف أصلاً باسم {زَند آكاسيه} 𐭦𐭭𐭣 𐭠𐭪𐭠𐭮𐭩𐭧 أي معرفة الزّند، ونُقّح للمرّة الأخيرة في القرن 3 هـ \ 9 م على يد الكاتب {فَارنَبَاگ} 𐭯𐭫𐭭𐭡𐭢. بالإضافة إلى ذلك، نجد كتاب {جاماسپ نامَگ} 𐭩𐭠𐭬𐭠𐭮𐭯 𐭭𐭠𐭬𐭪، المنسوب إلى الحكيم {جاماسپ} 𐭩𐭠𐭬𐭠𐭮𐭯 من عائلة {هيوغو} 𐭧𐭥𐭢𐭥 المذكورة في الـ {أڤِستا} 𐭠𐭯𐭮𐭲𐭠𐭪، والّذي يحوي تنبّؤات وأجوبة عرضها الحكيم للملك {ڤيشتاسپا} 𐭥𐭩𐭱𐭲𐭠𐭮𐭯. وتشمل هذه المظلّة الأدبيّة أيضاً أعمالاً مثل {أردا ڤِيراف} 𐭠𐭫𐭲𐭠𐭩 𐭥𐭩𐭫𐭠𐭯، رسائل {مانوشچِهر} 𐭬𐭭𐭥𐭱𐭰𐭩𐭧𐭫، والرّوايات {رِڤايَتس}، و{دادِستان إي دينيگ} 𐭣𐭠𐭲𐭮𐭲𐭠𐭭 𐭩 𐭣𐭩𐭭𐭩𐭪.
أدّت هذه النّصوص دوراً محوريّاً في صياغة أدب رؤيويّ ذي طابع دفاعيّ متشائم. وتحوّلت الهزيمة العسكريّة إلى أسطورة مظلوميّة دينيّة، إذ وُصف دخول العرب المسلمين على أنّه نهاية حقبة النّور وبداية فوضى كونيّة. ففي كتاب {جاماسپ نامَگ}، يُشار بحسرة إلى أنّ الملك {يزدجرد} حكم لِـ 20 عاماً قبل أن يغزو العرب إيران بأعداد هائلة، دون أن يتمكّن {يزدجرد} من الصّمود أمامهم، ممّا أدّى إلى تدمير الإرث الحضاريّ.
عانى نقل وتوارث النّصوص الزّرادشتيّة القديمة من صعوبات جمّة، ولم ينجُ منها تقريباً أيّ شيء سليم تماماً من إيران ما قبل الإسلام، ممّا يفسّر لجوء المحرّرين المتأخّرين إلى صياغة نصوص تبيّن كراهيتهم ومشاعرهم اللّاعربيّة المناهضة للعرب، وتصوير “الغزو العربيّ” عقاباً أو ابتلاءً يجب احتماله حتّى يظهر المخلّص الموعود، برغم أنّ العرب سكّان أصليّون في إيران ووسط آسيا وجزء من التكوين الديموغرافي المتنوّع للهضبة الإيرانية. وشكّلت هذه النّصوص الإرث المعرفيّ الّذي استُمدّت منه لاحقاً الأيديولوجيّات القوميّة الرّافضة للعرب، مثل القومية الفارسيّة والقومية الكرديّة.
تبنّت القوميّة الفارسيّة المعاصرة، الّتي ظهرت معالمها في القرن 14 هـ \ 20 م، هذه السّرديّة الكارثيّة، ووظّفتها لبناء هويّة متطرّفة. واستبدل منظّروها، مثل {ميرزا فتعلِي آخوندوڤ}، البعد الدّينيّ الزّرادشتيّ ببعد آريّ، جاعلين الفتح الإسلاميّ سبباً أوحداً لسقوط حضارتهم المزعومة. وصوّرت هذه الحركة العرب محتلّين أساؤوا إلى أمّة متفوّقة، واستثمرت هذه المظلوميّة لتهميش المكوّن العربيّ المتجذّر في الهضبة الإيرانيّة، ومحاولة طمس لغته ووجوده.
وعلى النّسق ذاته، استلهمت القوميّة الكرديّة الحديثة أبعاد هذه المظلوميّة التّاريخيّة لصياغة هويّة تعادي المحيط العربيّ. ونسج مفكّروها خطابات تربط أصولهم بإمبراطوريّات غابرة كالميديّين، مستحضرين الدّيانة الزّرادشتيّة رمزاً للنّقاء السّابق لدخول الإسلام. وحمّلت هذه الأيديولوجيّا العرب مسؤوليّة ضياع الحلم القوميّ وتدمير الإرث الكرديّ، ممّا ولّد نزعات تستبطن حقداً لكلّ ما هو عربيّ لتسويغ مظاهر العنف والرّفض السّياسيّ.
استُعيرت هذه السّرديّة وتفرّعت لتغذّي أيديولوجيّات وقوميّات أخرى في المنطقة، استندت إلى البنية المعرفيّة ذاتها المبنيّة على المظلوميّة التّاريخيّة والتّفوّق العرقيّ المزعوم قبل دخول الإسلام.
فظهرت القوميّة الطّاجيكيّة بوضوح إبّان انهيار الاتّحاد السّوڤييتيّ، واستند منظّروها إلى الإرث السّامانيّ والجذور الآريّة والزّرادشتيّة لبناء هويّة وطنيّة مستقلّة. وتُصوّر بعض سرديّاتها الفتح الإسلاميّ قطيعةً حضاريّةً دمّرت مجد الأسلاف الآريّين، في استنساخ للمظلوميّة المَصُوغَة في الأدبيّات الپهلويّة المتأخّرة.
تنشط الحركات الزّرادشتيّة الجديدة {نو زرتشتىگرى} أيديولوجيّا سياسيّة واجتماعيّة بدلاً من كونها عقيدة دينيّة روحيّة، وتنتشر بين مجموعات في الدّاخل الإيرانيّ والمهجر. وتتّخذ هذه الحركات من الرّفض المطلق للمكوّن العربيّ ركيزةً أساسيّةً لها، وتدعو للعودة إلى الدّين القديم لتطهير الهويّة من أيّ تأثّر خارجيّ.
في منتصف القرن 20 م \ 14 هـ، روّجت النّخب السّياسيّة في أفغانستان لسرديّة {آريانا} لربط البلاد بماضٍ آريّ عريق يسبق التّاريخ الإسلاميّ. وبرغم قلّة حدّة الخطاب العدائيّ تجاه العرب مقارنةً بالقوميّة الفارسيّة، استعارت هذه القوميّة أدبيّات التّمايز العرقيّ لتهميش الإرث العربيّ في التّاريخ المحلّيّ، مع التركيز على تفوّق أفغاني مزعوم.
برغم التّناقض القومي مع الفرس، تبنّت تيّارات علمانيّة متطرّفة في بعض القوميّات المجاورة فكرة الغزو المدمّر. إذ يُلام الوجود العربيّ والإسلاميّ على طمس الهويّات الأصليّة، وتُستدعى مظلوميّات مشابهة لتلك المَصُوغَة في النّصوص الزّرادشتيّة لتبرير سلخ المجتمعات عن تاريخها الإقليميّ المشترك.

الفاصل الإيرانيّ وحركة الشّعوبيّة: استرداد السّيادة وإعادة بناء الذّات
مع استقرار الخلافة العبّاسيّة في {بغداد}، القريبة من حاضرة السّاسانيّين القديمة {المدائن}، اتّسع اعتماد خلفاء الإسلام على كوادر البيروقراطيّة المحلّيّة العارفة بأسرار الإدارة، بسبب ريبة آل عبّاس من زعماء القبائل العربية، والخوف من عودة الحرب القيسية اليمانية. ومهّد هذا النّفوذ الإداريّ لظهور سلالات مستقلّة في حقبة تمتدّ من القرن 3 حتّى 5 هـ \ 9 حتّى 11 م، تتوسّط استقرار الحكم العربيّ والصّعود التّركمانيّ اللّاحق.
أطلق المؤرّخ {ڤلاديمير مينورسكي} Владимир Фёдорович Минорский على هذه الحقبة تسمية «الفاصل الإيرانيّ» بتعميم تاريخيّ قاصر؛ فأنا هنا لا أتّفق مع مينورسكي لأنّ هذا التّصنيف يدمج تعسّفاً بين سلالات عربيّة صريحة كـ الطّاهريّين والصّفّاريّين في الشّرق، وبين سلالات أخرى كالسّامانيّين والبويهيّين، ويسحب هويّة فارسيّة لم تكن متبلورة بعد على كامل المشهد السّياسيّ. إذ يثبت الواقع التّاريخيّ اصطناع هذه الهويّة السّياسيّة في مرحلة متأخّرة، ولم تتشكّل معالمها الفعليّة إلّا مع الدّولة السّامانيّة، وتجسّدها التّامّ مع دولة بني بويه في الغرب، لاستثمارها في ضرب المركزيّة العبّاسيّة والتخلّص من الهيمنة العربية.
ترافق هذا الصّعود الجيوسياسيّ المتأخّر لبني بويه والسّامانيّين مع توظيف سياسيّ لحركة فكريّة وأدبيّة واسعة النّطاق عُرفت باسم الشّعوبيّة السياسيّة. واستندت هذه الحركة في بداياتها إلى الآية القرآنيّة ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13) للمطالبة بالمساواة السّياسيّة والاجتماعيّة بين المسلمين العرب وغير العرب الموالي. لكنّها سرعان ما تجذّرت حركة مقاومة فكريّة تسعى لاصطناع تفوّق حضاريّ وإثنيّ للـ “فرس”، لتشكّل النّواة الأيديولوجيّة الّتي بُنيت عليها الهويّة الفارسيّة اللّاحقة.
استخدم البيروقراطيّون والأدباء الإيرانيّون في البلاط العبّاسيّ الأدب الشّعوبيّ لإجراء مقارنات لاذعة؛ فمجّدوا التّنظيم الإمبراطوريّ المعقّد والعمارة والموسيقى وأساليب الحكم في إيران السّاسانيّة ما قبل الإسلام، وسخروا بشدّة ممّا أسموه “النّمط البدائيّ” للمجتمعات العربيّة، واصفين إيّاهم بأكلة الضّباب والفئران وشاربي حليب الإبل، في مسعى واضح لتجريد العرب من جدارة القيادة الرّوحيّة والزّمنيّة للعالم الإسلاميّ.

الدّولة السّامانيّة والسّرديّة الأنطولوجيّة الإيرانيّة النّهضة الفارسيّة
شكّلت السّلالة السّامانيّة 204 – 389 هـ \ 819 – 999 م، الّتي استولت على دولة الطاهريّين وتمركزت في بلاد ما وراء النّهر وخراسان الكبرى واتّخذت من بخارى عاصمةً لها، الحاضنة الأهمّ لما يُعرف باسم “النّهضة الفارسيّة”، وهي الدولة التي اخترعت مفهوم القومية الفارسية دون تسميتها (ستأتي التسمية لاحقاً نسبة لاسم دولة بني بويه؛ فارس).
يعود أصل السّلالة إلى {سامان خُدا}، وهو أمير أفغاني (دهقان) من أصول نبيلة وزرادشتيّة من قرية سامان في بلاد بلخ شمال أفغانستان الحديثة، واعتنق الإسلام السنّيّ. ولترسيخ شرعيّتهم السّياسيّة، ادّعى السّامانيّون صلة نسب تاريخيّة مباشرة بالقائد السّاسانيّ {بَهرام چوبين} المنحدر من بيت مهران، إحدى العائلات السبع العظيمة في الإمبراطوريّة الساسانيّة السّابقة.
استنسخ السّامانيّون البنية الإداريّة السّاسانيّة وكيّفوها لتلائم العبّاسيّة. وكان الأمير على رأس الدّولة، وأداروا الشّؤون الإداريّة والسّياسيّة والاقتصاديّة عبر الدّيوان، وتولّى المُستَوفِي إدارة الاقتصاد، ونهض صاحب الشّرطة بالجوانب العسكريّة. واستعانوا بالعبيد والمماليك التّرك في جيوشهم، وأمكنهم التّرقّي لمناصب رفيعة لقيادة الجيش {إسپَهسالار}.
وبرغم التزامهم بالإسلام السّنّيّ وقمعهم للشّيعة الإسماعيليّة مع إظهارهم التّسامح للمذهب الإثني عشريّ، رعى السّامانيّون نشأة لغة إدارة جديدة مبنيّة على لغة إقليم طخارا المحلّيّة، ولا يصحّ القول بإحيائهم للغة الفارسيّة الّتي لم تكن موجودة سلفاً لتُحيى. فاللّغة الّتي سبقتها هي اللّغة الپهلويّة (لغة الپارثيّين)، ولم تكن لغةً رسميّةً لإيران إلّا إبّان فترة حكم السّاسان. وتؤكّد الأدبيّات التّراثيّة نشأة اللّغة الفارسيّة المعاصرة لغةً جديدةً بعد القرن 4 الهجريّ \ 10 الميلاديّ في ظلّ المملكة البويهيّة، إثر مزج الدّيالمة البويهيّين لهجتهم الپهلويّة بلغة مملكة شيراز العربيّة.
ونجد في مقدّمة ترجمة تفسير الطّبريّ، برّرت السّلطات السّامانيّة اعتماد اللّغة المحلّيّة بعبارة: «وفي هذه النّاحية اللّغة هي الپارسيّة (الپهلوية)، وملوك هذه الولاية هم ملوك العجم»، في توظيف سياسيّ صريح لتبرير الانفصال الإداريّ. وتحوّلت بخارى إلى مركز سياسيّ وإداريّ نبغ فيه شعراء أسّسوا لتلك اللّغة النّاشئة كالرّودكيّ، في وقت حافظت فيه اللّغة العربيّة على سيادتها الرّاسخة، وهو ما يثبته علماء بخارى الأصليّون من طراز ابن سينا الّذي نشأ فيها وكتب مؤلّفاته بالعربيّة الخالصة.
الأهمّ من ذلك، رعى السّامانيّون بدايات تدوين ملحمة {الشّاهنامه} (كتاب الملوك) للشّاعر الفردوسيّ، وهي الملحمة الّتي تمثّل سرديّة أنطولوجيّة حَسَبَ تعبير المنظّرة {مارگريت سومرز} Margaret Somers. لم تكن {الشّاهنامه} سجلّاً تاريخيّاً بسيطاً، بل أداةً لدمج الأساطير الزّرادشتيّة بالتّاريخ السّاسانيّ، ذي الأصول الپُنجابيّة، لاختلاق هويّة قوميّة فارسيّة متماسكة. وساعدت هذه الملحمة السّلالات في الهضبة الإيرانيّة، كالسّامانيّين والبويهيّين، على اصطناع فهم لذواتهم وتقمّص هويّة فارسيّة مصطنعة في عالم إسلاميّ، موفّرةً لهم إطاراً معرفيّاً للاحتفاظ بتميّز مختلق دون التّمرّد الصّريح على المظلّة الدّينيّة الإسلاميّة الواسعة. وعزّز هذا التّوجّه تمكين المجموعات القوميّة كالطّاجيك للجمع بين الافتخار بإرثهم المعرفيّ وانتمائهم للأمّة الإسلاميّة.

السّلالة البويهيّة: الهيمنة الشّيعيّة وإعادة إحياء رمزيّة شاهَنشاه
على النّقيض من السّامانيّين في الشّرق الّذين التزموا المذهب السّنّيّ، ظهرت الأسرة البويهيّة 322 – 454 هـ \ 934 – 1062 م ذات الأصول الدّيلميّة من شمال الهضبة الإيرانيّة، لتسيطر على الغرب (العراق الشرقي)، والجبال، والعراق الغربي. وأسّس السّلالة ثلاث إخوة: {عليّ}، و{حسن}، و{أحمد}، أبناء بويه الّذي كان صيّاد سمك من {لاهيجان} اعتنق الإسلام بعد ماضٍ زرادشتيّ. ولتعزيز نفوذهم السّياسيّ، ادّعوا الانحدار من سلالة الملك السّاسانيّ {بهرام الخامس}.
بلغ هذا الصّعود ذروته السّياسيّة عام 334 هـ \ 945 م، إبّان الحقبة الّتي وسمها المؤرّخ {مينورسكي} بتعميم قاصر باسم «الفاصل الإيرانيّ»، لمّا دخل البويهيّون العاصمة {بغداد} وأخضعوا الخلافة العبّاسيّة لسيطرتهم الكاملة. مثّل هذا الحدث انقلاباً جذريّاً؛ فأصبح الخليفة العبّاسيّ خاضعاً لأمراء ديالمة ينتمون إلى المذهب الشّيعيّ، الّذي تحوّل في تلك الحقبة من الزّيديّة إلى الاثني عشريّة. ولا يصحّ تاريخيّاً وصفهم بأمراء فرس؛ فالهويّة الفارسيّة المعاصرة لم تكن سوى صنيعة بويهيّة متأخّرة. لكنّهم حكموا دولة حملت اسم فارس، كما كان اسمها قبلهم، حين كانت تحت حكم أسرة عربية من أقارب بني العبّاس.
سعى البويهيّون إلى توظيف التّقاليد والرّموز الإمبراطوريّة السّاسانيّة لترسيخ شرعيّتهم. فاتّخذ قادتهم ألقاباً كـ {عماد الدّولة} و {عضد الدّولة}، واستعادوا اللّقب السّاسانيّ الأكبر {شاهَنشاه} (ملك الملوك). وفي عهد عضد الدّولة 338 – 372 هـ \ 949 – 983 م، امتدّت دولتهم من الحدود البيزنطيّة في سوريا غرباً إلى حدود خراسان شرقاً. وللتّأكيد على استمراريّتهم الحضاريّة، نقش البويهيّون نصوصهم على أطلال {تخت جمشيد} (پارسه) الأخمينيّة، ظنّاً منهم أنّها بُنيت على يد الملك الأسطوريّ {جمشيد}، في خطوة تبتغي تقديس الماضي وإحياءه.
وبرغم تشيّعهم، أداروا بتسامح بالغ فئات ديموغرافيّة متنوّعة شملت أغلبيّة سنّيّة، ومجتمعات مسيحيّة تتبع كنيسة المشرق، وزرادشتيّة. وفي الجانب اللّغويّ، دمج الدّيالمة البويهيّون لهجتهم الپهلويّة بلغة مملكة شيراز العربيّة، لتنبثق من هذا المزيج اللّغة الفارسيّة المعاصرة، والّتي أدرجوها إلى جانب اللّغتين العربيّة والسّريانيّة لغة ثالثة في وثائقهم وإدارتهم. لم يعتمدوها ولا حتّى لغة أولى.

رعاية الإلخانات: مأسسة الهويّة الفارسيّة وتهميش المركزيّة العربيّة
أحدث سقوط بغداد عام 656 هـ \ 1258 م زلزالاً سياسيّاً أنهى سيطرة الخلافة العبّاسيّة، ونقل مركز الثّقل السّياسيّ إلى الهضبة الإيرانيّة تحت حكم المغول الإلخانات. وأسّس هؤلاء الحكّام الجدد عواصمهم في {مراغة} و {تبريز} و {سلطانيّة}، واعتمدوا بوضوح على طبقة البيروقراطيّين الديالمة لإدارة شؤون دولتهم الشّاسعة. وشكّل هذا الانتقال الجغرافيّ والإداريّ نقطة تحوّل جذريّة في مسار اللّغات والهويّات في المنطقة؛ فبدلاً من إبقاء اللّغة العربيّة لغةً رسميّةً وحيدةً للدّولة كما درجت العادة في العهود السّابقة، تبنّى الإلخانات اللّغة الفارسيّة النّاشئة لتكون أداة الإدارة الرّسميّة ولغة التّدوين التّاريخيّ.
وجد الغزاة المغول في طبقة البيروقراطيّين الديالمة أداة حكم ناجعة لإحكام قبضتهم على بلاد إيران. ولتفكيك أيّ مقاومة محتملة، استثمر الإلخانات پروپاگندا «المظلمة الفارسيّة»، الّتي نسجتها الحركات الشّعوبيّة السامانيّة، لتكون سلاحاً أيديولوجيّاً فعّالاً يشرعن ضرب المركزيّة العربيّة. وتلاقت مصالح الطّرفين بتوافق تامّ؛ فالمغول سعوا لاجتثاث النّفوذ العربيّ الدّينيّ والسّياسيّ المتمثّل في مؤسّسة الخلافة، والنفوذ العربيّ الصناعي والعلمي المتمثّل في عواصم الصناعة العربية في خراسان والجزيرة العليا، ووجدوا في هؤلاء الموظّفين والكتّاب حلفاء طامحين لتسويغ قمع العرب، وتهجيرهم، وإبادتهم، لسلبهم السّلطة نهائيّاً.
أثمر هذا التّخادم السّياسيّ عن تمكين طبقة إداريّة تدين بالولاء المطلق للغازي الأجنبيّ، وتستغلّ آلة بطشه العسكريّة لتصفية خصومات مختلقة، ممّا وفّر الغطاء السّياسيّ والمادّيّ اللّازمين لترسيخ الهويّة الفارسيّة المصطنعة وبسط هيمنتها الشّاملة على أنقاض الوجود العربيّ التّاريخيّ.
رعى بلاط الإلخانات في القرنين 7 و 8 هـ \ 13 و 14 م حركة تأليف أدبيّة وتاريخيّة واسعة باللّغة الفارسيّة البويهيّة، استهدفت بالأساس شرعنة حكمهم وربطه بالتّاريخ المحلّيّ. وظهرت في تلك الحقبة مؤلّفات ضخمة مثل كتاب «تاريخ جهانگشاي» لـ {عطاء الملك الجوينيّ}، وكتاب «جامع التّواريخ» لـ {رشيد الدّين الهمذانيّ}. وأسّست هذه المدوّنات المدعومة من الدّولة لسرديّة سياسيّة جديدة أعادت إحياء مفهوم «إيرانشهر» (دولة إيران) فكرةً جغرافيّةً وسياسيّةً مصطنعةً، لتسويغ سيطرة المغول الإلخانات على هذه الرّقعة وتفريقهم عن خصومهم من مماليك مصر والأيّوبيّين النّاطقين بالعربيّة في الغرب، وعن أبناء عمومتهم في القبيلة الذّهبيّة في الشّمال.
أدّى هذا الدّعم الحكوميّ المباشر إلى إقصاء اللّغة العربيّة عن دواوين السّياسة والحكم، وحصرها في نطاق ضيّق يتعلّق بالنّصوص الدّينيّة والفقهيّة الخالصة. وفي المقابل، احتكرت اللّغة الفارسيّة مجالات السّياسة والأدب والدّبلوماسيّة، واستفادت من الرّعاية المغوليّة لاختلاق استمراريّة متخيّلة تربط الحاضر المغوليّ بالماضي السّاسانيّ. وأسهمت هذه الحقبة في ترسيخ الهويّة الفارسيّة وإعلائها على حساب المكوّنات العربيّة والتّركيّة الأخرى الّتي شاركت في صياغة المشهد الدّيموغرافيّ والسّياسيّ للمنطقة، لتؤسّس أرضيّة صلبة لتبلور هذه الهويّة اللّغويّة مشروعاً سياسيّاً متكاملاً.

الاستدعاء السّياسيّ المعاصر: من القوميّة العلمانيّة إلى الجيوسياسة
لم تبقَ هذه السّرديّات الغنيّة حبيسة المخطوطات والقرون الوسطى، بل جرى إعادة تدويرها وتحديثها مع دخول المنطقة في حقبة الحداثة والتّشكّل القوميّ، لتصبح أدوات حيّة في الصّراع السّياسيّ والعقائديّ المعاصر.
الجذور العلمانيّة للقوميّة الإيرانيّة الحديثة: {ميرزا فَتَعلِي آخوندوف}
في القرن 13 الهجريّ \ 19 الميلاديّ، ووسط تحدّيات التّخلّف والهيمنة الغربيّة، بحث المثقّفون في الهضبة الإيرانيّة عن أسباب الانحطاط الحضاريّ لبلادهم مقارنةً بالتّقدّم الأوروپّيّ. وظهر الكاتب والمفكّر {ميرزا فَتَعلِي آخوندوف} ليكون واحداً من أهمّ منظّري القوميّة الفارسيّة الحديثة. فصاغ {آخوندوف} المظلوميّة الزّرادشتيّة القديمة، الواردة في النّصوص الپهلويّة المتأخّرة، بصيغة علمانيّة وأفرغها في قالب قوميّ إثنيّ فارسيّ. وطرح صراحةً ادّعاءً باطلاً يحمّل العرب والدّين الإسلاميّ المسؤوليّة المباشرة والوحيدة عن تدهور ما أسماه زيفاً «الحضارة الفارسيّة».
دعا آخوندوف إلى قطيعة تامّة مع الإرث العربيّ؛ ففي مراسلاته مع شخصيّات مؤثّرة كـ {جلال الدّين ميرزا القاجاريّ}، طالب بإلغاء الكلمات العربيّة الدّخيلة على الفارسيّة، وتغيير الأبجديّة العربيّة، بل والتّخلّي عن الإسلام شرط لعودة إيران إلى حالتها المجيدة السّابقة. وفي نصوصه، وجّه انتقادات لاذعة لمن أسماهم سلاطين الإسلام، متّهماً إيّاهم بدعم العرب الّذين هم أعداؤهم الّذين دمّروا بلادهم، بدلاً من دعم الزّرادشتيّين الّذين عدّهم إخوتهم، ويتحدّثون نفس لغتهم، وهم مواطنوهم، والذّكرى الحيّة لأسلافهم المجيدين.
شكّل هذا الخطاب الإطار الفكريّ العميق الّذي قامت عليه لاحقاً الأيديولوجيّة الپهلويّة في القرن 14 هـ \ 20 م، والّتي احتفلت بمرور 2500 عام على «الإمبراطوريّة الفارسيّة» المفترضة، مؤسّسةً بذلك لثنائيّة حادّة تضع القوميّة الفارسيّة (الآريّة) في تناقض جوهريّ ووجوديّ مع المحيط العربيّ (الساميّ).

التّوظيف الجيوسياسيّ وعسكرة الذّاكرة التّاريخيّة
في المشهد الجيوسياسيّ الرّاهن للشّرق الأوسط، تتشابك السّرديّات السّاسانيّة والشّعوبيّة مع السّياسات الخارجيّة والأمنيّة للدّول بشكل براغماتيّ ومعقّد، ويمكن رصد هذا التّوظيف في عدّة محاور استراتيجيّة:
المحور الأوّل يتعلّق بعقيدة {نيمروز سِپاهبِد} الجديدة والخنادق الجيوسياسيّة. فالعقليّة الاستراتيجيّة الإيرانيّة المعاصرة لا تزال مسكونة بهاجس التّهديد القادم من الجبهة الغربيّة والجنوبيّة؛ الجوار العربيّ. وبدلاً من بناء «ور إطاژيكان» مادّيّ جديد، تعتمد العقيدة العسكريّة الإيرانيّة الحديثة على بناء جدران جيوسياسيّة وخنادق غير متماثلة تتمثّل في شبكة الميليشيات وحلفاء المحور في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن.
هذا التّكتيك هو استنساخ حديث لعقيدة {السِّپاهبِد} السّاسانيّة، إذ تُستخدم هذه الأقاليم قواعد متقدّمة لاحتواء التّهديدات ومناطق انطلاق لإبقاء المعارك خارج الهضبة الإيرانيّة، وتأمين العمق الإيرانيّ من أيّ غارات محتملة.
المحور الثاني يتناول استنساخ النّموذج البويهيّ والنّفوذ الشّيعيّ. فكما استخدم البويهيّون التّشيّع لاختراق بنية الخلافة العبّاسيّة والسّيطرة عليها مع إبقاء الواجهة السنّيّة، تعتمد سياسة تصدير الثّورة الإيرانيّة المعاصرة على الرّوابط المذهبيّة لتجاوز الحدود الوطنيّة العربيّة. وفي المقابل، تستدعي المؤسّسات والمنابر العربيّة المناهضة لإيران مفردات حقبة الشّعوبيّة، فتصف السّياسات الإيرانيّة المعاصرة على أنّها استمرار للمشروع المجوسيّ والسّاسانيّ لتدمير العرب.
ظهر هذا التّوظيف جليّاً إبّان الحرب العراقيّة الإيرانيّة، إذ أطلقت بغداد على الحرب اسم قادسيّة صدّام استحضاراً لمعركة القادسيّة التّاريخيّة الّتي أسقطت السّاسانيّين، في حين حشدت طهران قوّاتها بسرديّات كربلائيّة تمتزج فيها المظلوميّة الشّيعيّة بروح المقاومة الملحميّة المستلهمة من الشّاهنامه.
المحور الثالث يُعنى بالذّاكرة الدّيموغرافيّة وجغرافيا التّوطين القسريّ. إذ تستمرّ ارتدادات حملات {شاپور الثّاني} الدّيموغرافيّة حتّى اليوم. فالتّواجد العربيّ الكثيف في مناطق جنوب وجنوب غرب إيران، كإقليم “خوزستان” الأهواز التّاريخيّة الّتي هُجّرت إليها فيها قبائل حنظلة وبطون تميم منذ القرن 4 ق.هـ \ 4 م، يمثّل نقطة تجاذب مستمرّة. إذ تُلغي إيران وحلفائها تاريخ الوجود العربي في الأهواز السابق للتهجير الشاپوري، وتصرّ على “فارسية” المنطقة قبل التهجير.
بالنّسبة للقوميّين العرب، يمثّل هذا الوجود دليلاً حيّاً على عروبة المنطقة وحقّها في الانفصال أو التّمتّع بالحكم الذّاتيّ وتصحيح مظالم التّاريخ. في المقابل، تنظر الدّولة المركزيّة الإيرانيّة إلى هذا المكوّن تهديد حدوديّ دائم يستلزم سياسات تذويب هويّاتيّ وأمنيّ، في استمرار لهواجس الإمبراطوريّة السّاسانيّة من اختراقات التّخوم.

خاتمة
تكشف هذه الدّراسة أنّ العلاقات العربيّة الفارسيّة لا يمكن اختزالها في تباينات جيوسياسيّة راهنة، بل هي استمرار لعمليّة تفاعل تاريخيّة وديموغرافيّة معقّدة امتدّت لأكثر من 1500 عام. من الصّدامات البيئيّة الّتي استدعت حملات الإبادة السّاسانيّة بقيادة {شاپور الثّاني} وعقيدة التّوطين القسريّ، إلى العمارة العسكريّة للخنادق والأسوار الّتي فصلت بين عالمين، وصولاً إلى الزّلزال الأنطولوجيّ الّذي أحدثته الفتوحات الإسلاميّة في الوجدان الزّرادشتيّ.
تمكّن العقل الإيرانيّ، عَبْرَ محطّات الفاصل الإيرانيّ كالدّولة السّامانيّة والبويهيّة والمغوليّة وحركة الشّعوبيّة، من تحويل الهزيمة العسكريّة إلى انتصار فكريّ واختراق سياسيّ، منتجاً سرديّة قوميّة متينة تحصّنت بها الأجيال اللّاحقة. واليوم، يُستدعى هذا الإرث بكامل تناقضاته من قبل المنظّرين العلمانيّين والسّاسة العمليّين على حدّ سواء. فالصّراع الحاليّ في الشّرق الأوسط بين المحورين العربيّ والإيرانيّ ليس سوى إعادة إنتاج لمتلازمة الخندق السّاسانيّ والمقاومة العربيّة، إذ تستمرّ الجغرافيا السّياسيّة الحديثة في العمل صدى معاصر لأصوات سنابك خيل {شاپور ذو المنكبين} وسيوف البويهيّين ومراثي الكهنة الزّرادشتيّين.
لا يمكن معالجة الاستعصاء الأمنيّ والسّياسيّ في هذه البقعة الحيويّة من العالم دون إدراك أنّ الفاعلين السّياسيّين لا يتحرّكون بناءً على خرائط مصالح اقتصاديّة فحسب، بل وفق بوصلة تاريخيّة عميقة وذاكرة جمعيّة لا تزال ترى في الماضي محرّكاً حتميّاً للمستقبل.
المراجع والمصادر
- Encyclopaedia Iranica, ŠĀPUR II — https://www.iranicaonline.org/articles/shapur-ii/
- Shapur II – Grokipedia — https://grokipedia.com/page/Shapur_II
- EBSCO Research Starters, Shāpūr II — https://www.ebsco.com/research-starters/history/shapur-ii
- World History Encyclopedia, Shapur II — https://www.worldhistory.org/Shapur_II/
- Shapur II and Arabia – Rome and Persia at War: Imperial Competition and Contact, 193–363 CE — https://ebrary.net/277554/history/shapur_arabia
- Shapur II’s Arab campaign – Grokipedia — https://grokipedia.com/page/Shapur_II’s_Arab_campaign
- Shapur II’s campaign – حبر أبيض — https://whiteink.info/shapur-iis-campaign/?lang=en
- Research Review Online, First Golden Era (309–379) (Shapur II) — https://www.researchreviewonline.com/upload/articles/paper/RRJ220203.pdf
- Encyclopaedia Iranica, AVESTA i. Survey of the history and contents of the book — https://www.iranicaonline.org/articles/avesta-holy-book/
- University of Oxford, Avestan — https://www.ames.ox.ac.uk/avestan
- Seeing Islam as Others Saw It- A Survey and Evaluation of Christian Jewish and Zoroastrian Writings on Early Islam — https://www.academia.edu/31005715/Seeing_Islam_as_Others_Saw_It_A_Survey_and_Evaluation_of_Christian_Jewish_and_Zoroastrian_Writings_on_Early_Islam
- The Expansion of Christianity in the Pre-Islamic Middle East: from Edessa to ‘Uman — https://search.proquest.com/openview/7d9211950b38d8b8eda90774e8bb47c2/1?pq-origsite=gscholar&cbl=51922&diss=y
- the expansion of christianity in the pre-islamic middle east: from edessa to ‘uman – The University of Arizona — https://repository.arizona.edu/bitstream/handle/10150/641710/azu_etd_17899_sip1_m.pdf?sequence=1&isAllowed=y
- Military Architecture and the Four-Spāhbed System for Defense of the Sasanian Empire (224-651 CE) — https://www.researchgate.net/publication/355644096_Military_Architecture_and_the_Four-Spahbed_System_for_Defense_of_the_Sasanian_Empire_224-651_CE
- IRANIAN IDENTITY ii. PRE-ISLAMIC PERIOD — https://www.iranicaonline.org/articles/iranian-identity-ii-pre-islamic-period/
- IRANIAN IDENTITY iii. MEDIEVAL ISLAMIC PERIOD — https://www.iranicaonline.org/articles/iranian-identity-iii-medieval-islamic-period/
- Factors Affecting Iranian Identities From Early Islamic Era To C16th — https://www.torch.ox.ac.uk/factors-affecting-iranian-identities-from-early-islamic-era-to-c16th
- The Emergence of a Pre-National Iranian Identity in the Eighteenth Century — https://associationforiranianstudies.org/content/emergence-pre-national-iranian-identity-eighteenth-century
- The Resurrection of Persian language and literature in the Samanid period — https://isnac.ir/SA/XYFF-BBFKB
- The Process of Iranian Cultural Identity — https://journal.uny.ac.id/index.php/istoria/article/download/49671/22039
- Samanid dynasty – New World Encyclopedia — https://www.newworldencyclopedia.org/entry/Samanid_dynasty
- SAMANID DYNASTY DEVELOPMENT, GOVERNMENT ADMINISTRATION, RACE AND SCIENCE — https://repository.iainponorogo.ac.id/1429/
- Narrative and Iranian Identity in the New Persian Renaissance and the Later Perso-Islamicate World — https://scispace.com/pdf/narrative-and-iranian-identity-in-the-new-persian-h36pk7zjei.pdf
- Iranian Intermezzo – Grokipedia — https://grokipedia.com/page/Iranian_Intermezzo
- (PDF) HISTORIA I ŚWIAT 10/2021 (ISSN 2299-2464) — https://www.academia.edu/94415225/HISTORIA_I_%C5%9AWIAT_10_2021_ISSN_2299_2464_
- An Anthropological Study of Melmedas in Iran and Siren in Greece — http://krepublishers.com/02-Journals/T-Anth/Anth-18-0-000-14-Web/Anth-18-3-000-14-Abst-PDF/T-ANTH-18-3-981-14-1102-Shahbazi-M/T-ANTH-18-3-981-14-1102-Shahbazi-M-Tx%2036.pdf
- Zoroastrianism Faith, Sacred Texts and Ritual Practices — https://muhammadencyclopedia.com/article/en/zoroastrianism-faith-sacred-texts-and-ritual-practices
- ميرزا فتحعلي آخوندزاده – المعرفة — https://www.marefa.org/%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%B2%D8%A7_%D9%81%D8%AA%D8%AD%E2%80%8C%D8%B9%D9%84%D9%8A_%D8%A2%D8%AE%D9%88%D9%86%D8%AF%D8%B2%D8%A7%D8%AF%D9%87





اترك رد