كثيراً ما نردّد أسماء أجنبيّة لأدوات نستعملها في مطابخنا يوميّاً، مسلّمين بكونها ابتكارات وافدة من الغرب. ومن أشهر هذه الأدوات قدر الطّبخ الحديديّة المكتومة التي يفضّلها الخبّازون والطّهاة اليوم، التي تُعرف عالميّاً باسم {الفرن الهولانديّ}.
يطرح هذا الانتشار الواسع للتّسمية سؤالاً جوهريّاً: هل يُعقل أن ننسب أداة طبخ عريقة، استعملها الشّرق وطوّرها طيلة 13 قرناً، إلى أمم تعرّفت إليها قبل 3 قرون فقط؟
يحمل تتبّع جذور هذه القدر وأسمائها الأصليّة عبر التّاريخ أهمّيّة بالغة لتصحيح هذه المغالطة، ويوضّح خطّ سير انتقال تقنيّات الطّبخ البطيء من مطابخنا القديمة إلى أوروپّا، لنعيد ربط أسمائها المتداولة اليوم بتاريخها الأصيل.

مقدّمة
هذه القدر في الصّورة نستعملها لخبز الخبز الصحّيّ الممتاز. ولو أنّها اختراع شرقيّ، وعرفها العرب طيلة حوالي 1300 سنة، غير أنّ النّاس تسمّيها اليوم {فرن هولانديّ} أو dutch oven!
سمّاها الإنگليز dutch oven لأنّهم تعرّفوا إليها من الهولانديّين، ويسمّيها الألمان اليوم dutch oven لأنّهم تعرّفوا إليها من الإنگليز. غير أنّ الهولانديّين تعرّفوا إليها في العهد العثمانيّ؛ من المصريّين الذين تعلّموها من التّركُمان في عهد مماليك مصر.

البُرمة: جذور القدر المكتومة في الشّرق
عرف العرب فكرة {القدر المكتومة} منذ عصور قديمة، وصنعوها من الفخّار أو الحجر، وسمّوها {البُرمَة}. وما زالت هذه التّسمية حيّة حتّى اليوم في دول المغرب العربيّ مثل المغرب والجزائر لأوعية الطبخ المعدنية والفخّارية. أمّا في اليمن، فاستمرّت صناعة البُرمة من الحجر لطهي اللّحم ببطء شديد، لينتج عنها الطّبق الشّهير {لحمة بُرمة}.
وسمّاها العرب {قدر مكتومة} لأنّها تكتم البخار في جوفها. إذ اعتمد الطّبّاخون العرب على كتم البخار داخل القدر الفخّاريّة بإغلاق حوافّها بقطعة من العجين، وذكرت كتب الطّبخ العربيّة القديمة، مثل كتاب الطّبيخ لـ {ابن سيّار الورّاق}، وصفات عديدة تعتمد على هذه الطّريقة. عاش {ابن سيّار الورّاق} ما بين القرنين 9 و 10 ميلاديّ \ 3 و 4 هجريّ.

أوعية البادية: تقنيّات خشبيّة وفخّاريّة لحفظ الأطعمة
بموازاة ذلك، استمرّ أهل بادية الشّام، وتحديداً في منطقة تدمر، باستعمال القدور الفخّاريّة للطّبخ والأوعية الخشبيّة لتحضير العجين. ولترويب اللّبن، صنعوا وعاءً خشبيّاً أطلقوا عليه اسم {علبة}. كانوا يغطّون العلبة بقطعة قماش قطنيّة، ويضعون فوقها قليلاً من نبات الشّيح، ثمّ يربطونها بحبل صوفيّ أسود وأبيض يُسمّى {مِذيع}.
يفيد هذا الوعاء الخشبيّ في تكثيف اللّبن بامتصاص المصل منه. وبقيت هذه العلب الخشبيّة تُباع في أسواق منطقة القلمون السّوريّة، كمدينة يبرود، حتّى أوائل سنوات 1411 هـ \ 1990 م. وقبل مرحلة التّرويب، كانوا يبرّدون الحليب في إناء خشبيّ كبير يُسمّى {حوض}.

القازان: ابتكار التّرك المتنقّل
تعود الجذور الأولى لقدور القازان إلى أزمنة سحيقة، وتطوّر ظهورها على مرحلتين أساسيّتين؛ ترتبط الأولى بالشّكل الهندسيّ، والثّانية بمادّة الحديد الزّهر. وكانت بدأت فكرة القدر المعدنيّ ذي القاع الدّائريّ قبل الميلاد بقرون عديدة، واستعملت قبائل السّاكا الرّحّل (أسلاف الترك) في سهوب أوراسيا قديماً قدوراً برونزيّة ضخمة تشبه القازان الحاليّ في شكلها، لتلبية احتياجاتهم في طبخ كمّيّات كبيرة من الطّعام فوق النّار المفتوحة في العراء.
ليست صناعة أواني الطّبخ من الحديد الزّهر اختراعاً أوروپّيّاً البتّة. فالصّينيّون هم أوّل من صهر الحديد الزّهر، وانتقلت هذه الصّناعة عبر طرق الحرير إلى آسيا الوسطى. ما بين القرنين 6 و 11 م \ 1 ف.هـ و 5 هـ، واستغلّ الرّحّل التّرك والمغول هذه التّقنيّة لصناعة قدور ثقيلة ومتينة تتحمّل درجات الحرارة العالية وتحتفظ بها فترات طويلة، لتكون الأداة المثاليّة لنمط حياتهم القاسي. وهكذا ابتكر ظعن التّرك قدر {القازان}، وسمّي بهذا الاسم من فعل تركيّ قديم يعني الحفر أو التّجويف، لأنّه كان يستعمل للطبخ في حفرة في الأرض تُملأ بالجمر المشتعل.

ظهرت كلمة {قازان} مكتوبة أوّل مرّة في القرن 11 م \ 5 هـ، ودوّنها العالم اللّغويّ {محمود الكاشغري} في عام 465 هـ \ 1073 م في معجم {ديوان لغات التّرك}. ثمّ مع انتشار أعمال السلاجقة، ومع التّوسّع المغوليّ، ثمّ صعود الدّولتين المملوكيّة والعثمانيّة، عبرت قدور القازان المصنوعة من الحديد الزّهر إلى الشّرق الأوسط. واستعمل مماليك مصر والعثمانيّون قدوراً ضخمة ومكتومة لطبخ اللّحوم والولائم والأطباق التّقليديّة المشهورة مثل {الپلو}، وتضمّ المتاحف في أوزبكستان وسوريا ومصر نماذج رائعة لهذه الأواني التّاريخيّة.
انتشرت هذه التّسمية واستقرّت في بلدان عربيّة عديدة. ففي الجزائر استمرّ النّاس في إطلاق تسمية {قازان} على قدر الطّبخ الكبير. وفي مصر، لا يزال الطّبّاخون يستعملون الكلمة ذاتها للإشارة إلى قدور الطّبخ النّحاسيّة أو المعدنيّة الضّخمة في المناسبات، مع إبدال حرف القاف بالهمزة لتصبح {آزان}. أمّا في بلاد الشّام، فتغيّرت دلالة الكلمة لتشير إلى خزّان الماء المعدنيّ الكبير المخصّص لتسخين مياه الاستحمام.

البُرمة الحديديّة وانتقالها إلى أوروپّا
حين تعرّف العرب بالقازان شبّهوه لبُرمتهم وأطلقوا عليه اسم {بُرمة زهر} أو {قزل}. وشاعت {البُرمة الحديديّة} بين العرب بكثرة في العصرين المملوكيّ والعثمانيّ، وكانت الأساس لتقنيات الطّبخ البطيء. ثمّ نقل التّجّار الهولانديّون الذين نشطوا في موانئ الدّولة العثمانيّة وبلاد الشّام فكرة صناعة هذه القدور المكتومة إلى بلادهم.
الشّخص الذي نقل تطبيق هذه البُرمة إلى إنگلترا هو الصّانع الإنگليزيّ {إيبراهام داربي} Abraham Darby. وليس له دور في اختراع التّقنيّة. سافر {داربي} إلى هولاندا في عام 1116 هجريّ \ 1704 ميلاديّ ليتعلّم تقنيّة صبّ المعادن في قوالب رمليّة، وبمجرّد عودته إلى إنگلترا طبّق التّقنيّة ليصنع أوّل {قدر مكتومة} من الحديد الزّهر التي تعرف اليوم باسم {داچ أوڤن} dutch oven، وسجّل براءة اختراعها في عام 1120 هجريّ \ 1708 ميلاديّ.
يحصل الخلط اليوم نتيجة عدم التّفريق بين ابتكار أواني الطّبخ المصنوعة من الحديد الزّهر، وابتكار تقنيّة الصّبّ الرّمليّ التّجاريّة. ويعود الفضل في فكرة القدر المعدنيّ الثّقيل والمكتوم كما أسلفنا إلى آسيا الوسطى والعالم العربي، أمّا أوروپّا فابتكرت فقط طريقة القوالب الرّمليّة لتصنيعها بكمّيّات تجاريّة. فلم يخترع {إيبراهام داربي} قدر الحديد الزّهر، بل ابتكر تقنيّة صبّ الحديد المصهور داخل قوالب رمليّة بدلاً من قوالب الطّين أو الشّمع. وسمحت هذه التّقنيّة بإنتاج قدور أخفّ وزناً، وذات سطح أملس، مع أغطية محكمة الإغلاق بتكلفة رخيصة، فانتشرت تجاريّاً تحت اسم {داچ أوڤن} dutch oven، وطغت على التّاريخ الأصليّ للأواني الشّرقيّة الأقدم.

خلاصة زمنيّة
- ما بين القرنين ق.هـ قبل الهجرة \ 6 م و 5 هـ \ 11 م: ابتكر ظعن التّرك في وسط آسيا قدر {القازان} المصنوعة من الحديد الزّهر لتلائم حياة التّنقّل القاسية.
- خلال 4 قرون تالية: انتشر استعمال القدر المعدنيّة بين العرب، وأطلقوا عليها اسم {بُرمة زهر}، لتصبح أساس تقنيّات الطّبخ البطيء الشّائعة في مطابخ العصرين المملوكيّ والعثمانيّ.
- بعد 7 قرون من استقرارها في الشّرق: نقل التّجّار الهولانديّون فكرة القدور المكتومة إلى هولاندا بعد مشاهدتها في موانئ الدّولة العثمانيّة وبلاد الشّام.
- في عام 1120 هـ \ 1708 م: طبّق الصّانع الإنگليزيّ {إيبراهام داربي} تقنيّة الصّبّ الرّمليّ لإنتاج القدور، وسجّل براءة اختراع لطريقة التّصنيع التّجاريّة في إنگلترا وأطلق عليها اسم {داچ أوڤن} dutch oven.
فلماذا نسمّي أداة طبخ نستعملها ونطوّرها طيلة 13 قرناً باسم أمم تعرّفت إليها منّا قبل 3 قرون فقط؟

لماذا ننهزم أمام التّسميات الأجنبيّة؟
يرتبط التّخلّي عن أسمائنا الأصليّة لمصلحة التّسميات المستوردة بعوامل مجتمعيّة ونفسيّة متجذّرة. إذ يميل البشر عادة إلى محاكاة الأمم الغالبة صناعيّاً وتجاريّاً، ويربطون منتجاتها ولغتها بالتّطوّر والحداثة. وحين بدأت المصانع الأوروپّيّة تصدّر هذه القدور إلينا بكمّيّات ضخمة، حملت معها الأسماء التّجاريّة الغربيّة، فتلقّاها المستهلك المحلّيّ بانبهار، وظنّها ابتكاراً حديثاً لا علاقة له بماضيه.
يصاحب هذا الانبهار تراجع ملحوظ في الذّاكرة الجمعيّة، ونوع من الدّونيّة المجتمعيّة والتّقليل من قيمة الذّات. فتركنا كلمتي {بُرمة} و {قازان} لاعتقادنا بارتباطهما بالماضي البسيط والأساليب القديمة، وتبنّينا اسم {داچ أوڤن} لكونه يمنح شعوراً بالمعاصرة والاحترافيّة في مطابخنا اليوم. ويوضّح هذا السّلوك كيف ينجح التّسويق وتفوّق الصّناعة الآليّة في مسح التّاريخ الأصيل، لنجد أنفسنا نشتري أدوات أجدادنا وننسبها إلى غيرنا.
مصادر ومراجع
- Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyār al-Warrāq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook. مرجع أكاديميّ لترجمة ودراسة كتاب الطّبيخ لابن سيّار الورّاق، يوثّق وصفات القدور المكتومة. https://brill.com/display/title/14299
- An Etymological Dictionary of Pre-Thirteenth-Century Turkish. قاموس تأثيليّ تاريخيّ للباحث جيرارد كلاوسون، يوثّق أصل كلمة قازان وتاريخ استعمالها في آسيا الوسطى. https://archive.org/details/clauson-an-etymological-dictionary-of-pre-thirteenth-century-turkish
- Iron and Steel in Ancient China. دراسة أكاديميّة للباحث دونالد واگنر توثّق أصول صهر الحديد الزّهر في الصّين وانتقاله عبر طرق الحرير. https://brill.com/display/title/1544
- Compendium of the Turkic Dialects (Dīwān Lughāt at-Turk). ترجمة وتحقيق أكاديميّ لديوان لغات التّرك لمحمود الكاشغري، يوثّق الظّهور الأوّل المكتوب لكلمة قازان.. https://archive.org/details/compendiumofturk0001mahm
- Abraham Darby and the beginnings of the coke-iron industry. كتاب للمؤرّخ آرثر رايستريك يوثّق رحلة إيبراهام داربي وتطويره لتقنيّة الصّبّ الرّمليّ للحصول على براءة اختراع القدور المكتومة والتّسويق لها. https://archive.org/details/abrahamdarbybegi0000rais
- A History of Metallurgy. مرجع تاريخيّ شامل للباحث ر. ف. تايلكوت، يغطّي تطوّر تقنيّات صبّ المعادن وتشكيل القدور والأواني عبر العصور التّاريخيّة. https://archive.org/details/historyofmetallu0000tyle
- Food in the Middle East. دراسات عن تقاليد الطّبخ التّاريخيّة واستعمال القدور الفخّاريّة والمعدنيّة في أرجاء الشّرق الأوسط، من تحرير سامي زبيدة. https://archive.org/details/culinarycultures0000unse
- Yemen: Travels in Dictionary Land. كتاب يوثّق التّقاليد اليمنيّة، ويشمل تفاصيل عن أساليب الطّبخ المحلّيّة واستمرار استعمال البُرمة الحجريّة حتّى اليوم. https://archive.org/details/yementravelsindi0000mack





اترك رد