“العزّ للرزّ والبرغل شنق حاله” – يردّد أهل الشام هذا المثل منذ قرن تقريباً، معبّرين عن تحوّل اجتماعي عميق في علاقتهم بطعامهم. واشتهر هذا المثل حتّى صار مقولة بين العرب ترمز إلى «ترك التراث القديم والانحياز إلى الغريب الحديث»، لكنّ هذا المثل الشهير يحمل في طيّاته أساطير وخرافات تستحقّ أن نكشف عنها، تماماً كما تستحقّ قصّة الأرز الحقيقية في بلادنا أن تُروى.
يسود اعتقاد خاطئ بأنّ الأرز لم يصل إلى البلدان العربية إلا مع فتوحات المسلمين أو خلال “الثورة الزراعية الإسلامية” في القرون الهجرية الأولى. يتجاهل السرد المبسّط أدلة أثرية ونصّية دامغة تثبت أنّ علاقة المنطقة بالأرز تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، وأنّ زراعته واستهلاكه بدآ قبل الإسلام بقرون طويلة.
هذه الرحلة التاريخية – المبنية على أحدث الدراسات الأثرية النباتية والتوثيق التاريخي النصّي – تكشف أنّ الأرز وصل إلى البلاد العربية منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، واستُزرع واستُهلك في ما هو اليوم العراق وإيران ومصر والشام قبل فتح الإسلام بمئات السنين. لكنّه ظلّ طوال هذه الفترة محصولاً إقليمياً مركّزاً في المناطق الغنية بالمياه مثل الأهواز وجنوب العراق والفيّوم، لم ينتشر على نطاق شعبي خارج مناطق زراعته إلّا في العصور الحديثة – وهنا تلعب القوى الاستعمارية غرب الأوروپية دوراً محوريّاً في تدمير الإنتاج المحلي وتحويل مناطق كانت منتِجة ومصدِّرة للأرز إلى مستوردة له.

مقدّمة
انتقل الأرز Oryza sativa من موطنه الأصلي في شرق آسيا إلى غرب آسيا عبر مسارين رئيسين: الطريق البرّي الذي عبر ممرّات الهيمالايا الجنوبية من شمال الهند إلى إيران والعراق، والطريق البحري عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر نحو مصر. تشير الأدلة الأثرية إلى وصوله لحدود غرب آسيا في مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، أي قبل حوالي 4000 عام، في حين يعود أقدم ذكر نصّي له في المنطقة إلى حوالي 1100 قبل الميلاد في سوريا القديمة.
طوال الفترة من وصوله الأوّل وحتّى القرن التاسع عشر الميلادي – أي لما يقارب 3800 عام – ظلّ الأرز محصولاً إقليميّاً محدود الانتشار مقارنة بالقمح والشعير. تركّزت زراعته في المناطق الغنية بالمياه كالأهواز وجنوب العراق والسواحل القزوينية وفلسطين والفيّوم المصري، حيث كان محصولاً مهمّاً ضمن المنظومة الزراعية المحلّية. توسّعت زراعته في عصر الإسلام لكنّه لم يحلّ محلّ القمح غذاء أساسيّاً للسكّان العرب والترك والفرس. يكشف تحليل كتاب الطبيخ لابن سيار الورّاق من القرن الرابع الهجري أنّ وصفات القمح في ذلك العصر فاقت وصفات الأرز بعشرة أضعاف، إذ شكّلت وصفات الأرز 3% فقط مقابل 25% للقمح من إجمالي الوصفات المطبوخة في الكتاب.
جاء التحوّل الحاسم في القرنين التاسع عشر والعشرين، عندما فتحت الإمبراطوريّات غرب الأوروپية – خاصّة البريطانية والهولاندية – الباب أمام استيراد ضخم ورخيص للأرز من جنوب شرق آسيا. حوّلت هذه السياسات مناطق كانت منتِجة ومصدِّرة للأرز مثل العراق إلى مستوردة له، ممّا حوّله إلى مكوّن رئيس في الطبيخ العربي الشعبي. يوثّق المثل الشامي “العزّ للرزّ والبرغل شنق حاله” هذه اللّحظة التاريخية الفارقة، حيث لم يكن عزّ الأرز عزّ جودة أو تفوّق غذائي، بل عزّ الهيمنة الاستعمارية والتبعية الاقتصادية التي دمّرت الإنتاج المحلّي وفرضت الاستيراد.

الجزء الأوّل:
المسارات الجغرافية والزمنية لانتشار الأرز
الأصول شرق الآسيوية والانتشار التدريجي
نشأت زراعة الأرز في شرق آسيا، تحديداً في منطقة ينگتسي السفلى 长江下游 بالصين وحوض الگانگ गंगा का मैदान بشمال الهند. تشير الأدلّة الأثرية إلى تدجينه بين 6000 و4000 قبل الميلاد في الصين، وحوالي 2500 قبل الميلاد شمال الهند. لكنّ انتشاره غرباً نحو غرب آسيا ومصر وأفريقيا لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل عملية بطيئة وتدريجية امتدّت لآلاف السنين، تشبه حركة الأفكار والتقنيات عبر طريق الحرير.
سلك الأرز في رحلته غرباً ثلاثة طرق متوازية: الطريق البرّي عبر جبال الهيمالايا الجنوبية ووادي السند ثمّ آسيا الوسطى (فرغانة وما وراء النهر) وصولاً إلى المشرق، والطريق البحري عبر السواحل الجنوبية لآسيا وبحر العرب والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى طريق ثالث أقلّ شهرة لكنّه بالغ الأهميّة ينطلق من خراسان (خوتان وكاشغر) عابراً بلخ وكابل ووادي السند، ثمّ عبر بحر العرب إلى الجنوب العربي (عدن وحضرموت)، ليتابع على طول الساحل الأفريقي عبر النوبة ودارفور وبحيرة تشاد ومالي وصولاً إلى موريتانيا وغرب أفريقيا. نقل هذا الطريق، الذي يُعرف بطريق الأرز أو طريق التجارة الآسيوية عبر الصحراء الكبرى، الأرز الفرغاني مباشرة من آسيا الوسطى إلى غرب أفريقيا ربّما قبل أن يصل الأرز فعلاً إلى الشرق الأوسط.
تدلّ الكلمات الإيرانية للأرز بلغاتها المتعدّدة (مثل بْرِنْج وگُرِنْج) المشتقّة من أصول آرية عبر اللّغة الصُغدية على انتقال المحصول من آسيا الوسطى غرباً – وهذا التطوّر اللّغوي يروي لنا قصّة التبادل التجاري والحضاري بين الشعوب.
أوّل الوصول: إيران في الألفية الثانية قبل الميلاد
يمثّل موقع پیراک Pirak (في بلوچستان) على حافة الهضبة الإيرانية الشرقية أقدم دليل على وصول الأرز إلى حدود غرب آسيا، ويعود إلى مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد. أمّا أقدم ذكر نصّي فيأتي من النصّ المسماري في موقع تلّ بري في الحسكة في سوريا حوالي 1100 قبل الميلاد، أي قبل نحو 3100 عام، حيث استُعمل المصطلح الأگّدي كُرانگُ 𒆪𒊏𒀭𒄖 للإشارة إلى الأرز في سياق إداري يتعلّق بالريّ والإمدادات الغذائية.
تذكر وثائق أرشيف پرسيپوليس المسمارية الأرز (بالكلمة الإيلامية مِرِزِش 𒈪𒊑𒍣𒅖) في سوسة حوالي 587 و499 قبل الميلاد، مسجّلة وجوده في ليدوما وكورا على الطريق الملكي. هذه من أقدم الإشارات المعروفة للأرز في المشرق العربي. ثمّ أصبح الأرز معروفاً في المناطق المروية بكثافة في قلب آشور (الجزيرة العليا) خلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد (حوالي 1372-1272 قبل الهجرة / 750-650 قبل الميلاد)، لكنّه لم ينافس مكانة الشعير والقمح محاصيل أساسية – وهذا أمر طبيعي، فالأرز يحتاج إلى كمّيات هائلة من المياه لم تكن متوفّرة في معظم المناطق.
تشير الدراسات (مثل دراسات Wouter Henkelman) إلى أن كلمة مِرِزِش في النصوص الإيلامية هي في الواقع استعارة لغوية من الكلمة الآرية القديمة ورِيزِ 𐎺𐎨𐎡𐏀𐎡 (التي تطوّرت لاحقاً إلى برنج في الفارسية)، ممّا يربط بين الأرز والهضبة الإيرانية لغويّاً وزراعيّاً.
الأدلّة الكلاسيكية: الإغريق والرومان
أشار الكتّاب الإغريق والرومان إلى الأرز غذاء نادر وفاخر أكثر منه محصولاً زراعيّاً شائعاً. ذكر ثيوفراستس (350-287 قبل الميلاد) زراعة الأرز في الهند واستهلاكه على شكل عصيدة. وفي حوالي 316 قبل الميلاد، أشار ديودوروس الصقلّي إلى تناول جنود أوميناس من كاردا للأرز، ربّما في منطقة إيران الحديثة.
أفاد سترابو Στράβων في القرن الأوّل الميلادي أنّ الأرز يُزرع في سوسيانا Σουσιανή (الأهواز) وبابل Βαβυλών (أسورإستان) وباكتريا Βακτριανή (آريا) وجوف سوريا Κοίλη Συρία، مستنداً إلى روايات أريستوبولوس الكساندري Ἀριστόβουλος ὁ Κασσανδρεύς، أحد رفاق الإسكندر المقدوني Ἀλέξανδρος ὁ Μέγας.
كما أشارت المصادر الصينية في كتاب شيجي 史记 (السجلّات التاريخية) الذي أُنجز بين 109 و91 قبل الميلاد إلى زراعة الأرز في الإمبراطورية الپارثية الأرساقية (الأشكانية) التي عرفها الصينيون باسم أنشي 安息، وفي منطقة تياوجي 條支 التي يُعتقد أنها تشير إلى بلاد النهرين أو المناطق المحيطة بالخليج العربي. توثّق هذه الإشارات الصينية المبكّرة معرفة الصينيّين بانتشار زراعة الأرز في المناطق البعيدة غرب حدودهم، تلك المناطق التي كانت تربطهم بها طرق التجارة البرّية الطويلة عبر آسيا الوسطى.
تتقاطع هذه الروايات اليونانية والصينية في تأكيد وجود زراعة الأرز في حزام جغرافي واسع يمتدّ من بلاد النهرين غرباً إلى آسيا الوسطى شرقاً، مروراً بالأهواز وفارس، وهو ما يشير إلى أنّ الأرز لم يكن محصولاً جديداً في هذه المناطق بحلول القرن الأوّل قبل الميلاد، بل كان جزءاً راسخاً من المنظومة الزراعية فيها.
لكنّ مثل هذه الإشارات نادرة ومحدودة في التراث الروماني. يذكر أپيسيوس Apicius في كتابه الشهير عن الطبخ الروماني الأرز في وصفة واحدة فقط من 400 وصفة (أقلّ من 1% من الكتاب)، واستعمله مادّة لتثخين الأُدُم “الصلصات” لا مكوّن رئيس. يخبرنا هذا أنّ الأرز ظلّ سلعة نادرة مقتصرة على الطبقات الثرية في العالم الكلاسيكي – تماماً كما كان الزعفران والفلفل الأسود والسكّر في العصور الوسطى الأوروپية.

الجزء الثاني:
الأدلّة الأثرية النباتية
سوسة: أكبر اكتشاف أثري نباتي
يمثّل موقع سوسة في الأهواز أكبر وأهمّ اكتشاف للأرز في المشرق العربي القديم. اكتشفت عالمة الآثار النباتية ناعومي ميلر Naomi Miller من جامعة پنسلڤانيا 373 حبّة أرز متفحّمة قصيرة الحبّة على أرضية غرفة تخزين في المستوى 3A، مرتبطة بجرار تخزين من العصر الپارثي (القرن الأوّل الميلادي / القرن الثاني الهجري). يشير سياق القصر إلى أنّ الأرز كان سلعة نخبوية، ربّما استُعمل قرابين أو مؤن مخزّنة. وكانت نُشرت هذه النتائج في مجلّة Cahiers de la Délégation Archéologique Française en Iran سنة 1981 – اكتشاف بالغ الأهمية يضع حدّاً للكثير من التكهّنات حول تاريخ الأرز.
قلعة كش: أقدم أرز على الساحل القزويني
في اكتشاف حديث (1444 هجرية / 2022-2023 ميلادية) بالتعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم، عُثر على حبوب أرز متفحّمة من نوع يابونيقا japonica في موقع قلعة كش Qale-Kesh قرب مدينة آمل بمازندران، مؤرّخة بالكربون المشعّ إلى حوالي 120 قبل الميلاد. يُعدّ هذا أقدم دليل مؤكّد على زراعة الأرز على الساحل القزويني الطبري، ويدفع التوثيق المبكر لأرز يابونيقا في غرب آسيا إلى فترة أبكر ممّا كان معروفاً. يغيّر هذا الاكتشاف فهمنا لانتشار أنواع الأرز المختلفة، ويثبت أنّ التبادل التجاري بين الصين وإيران كان أنشط ممّا تصوّرنا.
سهل ديز الجنوبي ومواقع أخرى
عُثر على طبعات قشور الأرز في طوب اللِّبن من مواقع متعدّدة في سهل ديز الجنوبي بالأهواز، مؤرّخة إلى الفترة بين 25 قبل الميلاد و250 ميلادية (تقريباً من 597 إلى 372 قبل الهجرة). تشير هذه الطبعات إلى زراعة محلّية لا استيراد، إذ استُعملت قشور الأرز مادّة خلط في صناعة الطوب – ممارسة ذكية تدلّ على معالجة محلّية للمحصول وتوفّر كمّيات كافية منه لاستعمالها في البناء.
أبلغ توسي Tosi سنة 1395 هجرية / 1975 ميلادية عن حبّة أرز متفحّمة واحدة من موقع حسنلو Hasanlu (گيلزانو Gilzanu القديمة) في شمال غرب إيران، مؤرّخة إلى 750-590 قبل الميلاد. لكنّ ڤان در ڤين van der Veen (1432 هجرية / 2011 ميلادية) يشكّك في هذا التعريف، مشيراً إلى احتمال الخلط مع قمح وحيد الحبّة Triticum monococcum بسبب التشابه المورفولوجي – تذكير مهمّ بأنّ العلم الأثري يتطوّر باستمرار ويصحّح نفسه.

الجزء الثالث:
الأرز في بلاد النهرين
الفترة الساسانية والتلمود البابلي
يقدّم التلمود البابلي (القرن الخامس-السادس الميلادي / القرن السابق للهجرة تقريباً) شهادة مهمّة على زراعة الأرز واستهلاكه في بلاد النهرين (أسورإستان وعرب إستان) تحت الحكم الساساني، إذ كان الأرز عنصراً مهمّاً في مطبخ يهود بابل. وفي إصلاحات خسرو الأوّل الضريبية، أُدرج الأرز ضمن المحاصيل الخاضعة لضريبة الأرض بمعدّل خمسة أسداس الدرهم لكلّ جريب (حوالي 1600 متر مربّع)، كما وثّق الطبري. هذا الإدراج الضريبي يشير إلى أنّ الأرز أصبح محصولاً مهمّاً اقتصاديّاً، لكن ليس بالضرورة أنّه كان واسع الانتشار بين عموم الناس.
في العصر الساساني كان الأرز (بالپهلوية برِنج) محصولاً مهمّاً في المناطق الغنية بالمياه من الأهواز وجنوب بلاد النهرين، حيث استمرّت زراعته واستهلاكه المحلي. أدرجته الدولة الساسانية ضمن نظام الضرائب الزراعية، ممّا يدلّ على أهميّته الاقتصادية في مناطق إنتاجه.
منظومات الريّ في السواد العراقي
مثّل نظام قناة النهروان أعظم مشاريع الريّ في العصر الساساني-العباسي، إذ امتدّ 225 كيلومتراً من سامرّاء إلى ما دون الكوت، وروى الأراضي شرق دجلة حتّى السفوح الإيرانية. بلغ ذروة تشغيله في العصر العباسي المبكّر (القرن الثاني-الرابع الهجري / الثامن-العاشر الميلادي) قبل أن يُدمّر خلال ثورة سنة 326 هجرية / 937 ميلادية. كان هذا الدمار كارثة اقتصادية حقيقية – إذ أدّى إلى تراجع حادّ في الإنتاج الزراعي وساهم في ضعف الدولة العباسية.
شملت قنوات الفرات الرئيسة نهر الدجيل ونهر عيسى ونهر صرصر ونهر الملك ونهر كوثى، مع بنية تحتية متطوّرة تضمّنت سدوداً (شاذروان) وبوّابات ونواعير (سواقي) وقنوات توزيع. سمحت هذه المنظومات بزراعة محدودة للأرز في مناطق معيّنة، لكنّها لم تحوّله إلى محصول أساسي ينافس القمح والشعير – ببساطة لأنّ الريّ الكثيف الذي يحتاجه الأرز لم يكن متاحاً لغالبية الفلّاحين.

الجزء الرابع:
مصر والشام من الاستيراد إلى الزراعة المحدودة
موانئ البحر الأحمر: أدلّة التجارة
في موقع القصير القديم (ميناء ميوس هورموس Myos Hormos الروماني)، اكتُشفت 33 حبّة أرز متفحّمة من الطبقات الرومانية (القرن الثاني الميلادي)، مرتبطة بفول المونگ وقشور جوز الهند – دليل واضح على سلع تجارة المحيط الهندي. نشرت مارييكه ڤان دير ڤين Marijke van der Veen هذه النتائج سنة 1432 هجرية / 2011 ميلادية في كتابها Consumption, Trade and Innovation.
عُثر أيضاً على كمّيات صغيرة من الأرز في موقعي بئر النيس Berenike و القصير القديم من القرن الأوّل إلى الثالث الميلادي، مؤكّدة أنّ الأرز كان سلعة تجارية مستوردة لا محصولاً محلّياً في مصر الرومانية. يشير كَپرز Cappers (1427 هجرية / 2006 ميلادية) إلى وجود 4 إشارات فقط للأرز من بين 34,230 بردية قديمة من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثامن الميلادي – رقم مذهل يكشف ندرة الأرز الشديدة في مصر ما قبل الإسلام.
منخفض الفيّوم: مركز الإنتاج المسلم
تحوّلت الفيّوم إلى منطقة إنتاج رئيسية للأرز خلال عصر الإسلام. أفاد ابن حوقل والمقدسي (القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي) أنّ الأرز أصبح الحبوب الأساسية في الفيّوم – تحوّل ملحوظ يدلّ على تطوّر تقنيات الريّ والاستثمار في البنية التحتية الزراعية. وثّق مسح النابلسي الكادسترالي (641-643 هجرية / 1243-1245 ميلادية) أكثر من 100 قرية، مسجّلاً الأرز ضمن المحاصيل النقدية إلى جانب القطن والكتّان وقصب السكّر.
اعتمد نظام الريّ على قناة بحر يوسف، وهي فرع من النيل يُدخل الماء إلى المنخفض بالجاذبية الطبيعية. كان أصحاب الإقطاعات والقبائل يديرون هذا النظام بشكل غير مركزي. وفي العصر الأموي المبكّر، خلال القرن الثاني الهجري الموافق للثامن الميلادي، دخلت الساقية أو الناعورة التي تديرها الحيوانات إلى المنطقة، وكان هذا التطوّر التقني مهمّاً لأنّه مكّن من ريّ مساحات أوسع من الأراضي.
الشام الرومانية: زراعة محدودة
تذكر المصادر اليهودية القديمة، ومنها المشناه משנה من القرن الثاني الميلادي، أنّ الأرز كان يُزرَع محليّاً في فلسطين الرومانية، وتفرّق هذه المصادر بين الأرز المزروع داخل أرض فلسطين والأرز الآتي من خارجها. كما ذكرت التوسفت א תוספתא والتلمود الأورشليمي תלמוד ירושלמי الأرزّ الأحمر من سهل أنطاكيّة والأرز الأبيض من فلسطين، ويدلّ هذا التمييز الدقيق على معرفة بأصناف الأرز المختلفة.
أمّا مناطق زراعة الأرز التاريخية في الشام فشملت بانياس (پانيَس Panias) ومنطقة بحيرة طبريّا ووادي الأردنّ الأعلى ووادي بيسان. لكنّ الأرز لم يصبح غذاءً أساسيّاً في الشام إلّا في القرن العشرين، وهنا جاء دور الاستعمار الأوروپي ليغيّر هذه المعادلة تغييراً جذريّاً.

الجزء الخامس:
آسيا الوسطى وطريق الحرير
موقع خالشايان: أقدم دليل أثري نباتي موثّق
في اكتشاف بقيادة جوانغهوي تشن 陳光輝 من الأكاديمية الصينية للعلوم سنة 1441 هجرية / 2020 ميلادية، عُثر على حبّتي أرز من نوع يابونيقا japonica في موقع خالچايان Khalchayan على نهر سورخان Surkhan بجنوب شرق أوزبكستان، مؤرّختين مباشرة بالكربون المشعّ إلى 230-416 ميلادية في العصر الكوشاني. هذا أقدم دليل أثري نباتي مؤكّد للأرز في آسيا الوسطى. نُشرت النتائج في مجلّة Science China: Earth Sciences.
مواقع إضافية ونظام الكاريز
عُثر على كمّيات صغيرة من الأرز في مواقع متفرّقة بآسيا الوسطى: كاراسپان-توبي Karaspantobe (Karaspan) بوادي نهر آريس بقازاقستان من القرن الرابع-الخامس الميلادي، دجوڤان-توبي Djuvantepe بنفس المنطقة من القرن السابع الميلادي، كونير-توبي Kunir-tepe بواحة أوترار بقازاقستان من القرن السابع الميلادي، تيشيك-كالا Teshik-kala بواحة خوارزم بأوزبكستان من القرن السابع-الثامن الميلادي، پيقند Paykand بواحة بخارى حوالي 493 هجرية / 1100 ميلادية في العهد القراخاني، وأفراسياب Afrasiyab سمرقند القديمة حوالي 390 هجرية / 1000 ميلادية.
انتشرت تقنية القنوات أو الكاريزات من العراق إلى آسيا الوسطى خلال التوسّع الأخميني من 550-330 قبل الميلاد، ثمّ امتدّت غرباً مع فتوحات المسلمين بعد حوالي ألف عام. يضمّ نظام قنوات تورپان Turpan بشينجيانگ (كاشغر) أكثر من 1,100 بئر قناة و5,000 كيلومتر من القنوات. كما استثمر الحكّام القراخانيّون من 389-608 هجرية / 999-1211 ميلادية بكثافة في البنية التحتية للريّ حول سمرقند وبخارى، ممّا سمح بتوسّع نسبي في زراعة الأرز.

الجزء السادس:
دور المسلمين في توسيع زراعة الأرز
نقد نظرية “الثورة الزراعية المسلمة”
اقترح المؤرّخ أندرو واتسون Andrew Watson (1394 و1403 هجرية / 1974 و1983 ميلادية) أنّ الأرز كان من المحاصيل الثمانية عشر التي انتشرت خلال “الثورة الزراعية المسلمة” (القرن الأوّل-الخامس الهجري / السابع-الحادي عشر الميلادي). لكنّ مايكل ديكر Michael Decker (1430 هجرية / 2009 ميلادية) وباحثين آخرين عارضوا هذه الأطروحة، مشيرين إلى وجود زراعة الأرز قبل فترة الإسلام وأنّها ظلّت محدودة.
يُظهر الإجماع الحالي أنّ الزراعة توسّعت خلال فترة الإسلام لكنّها لم تحلّ محلّ القمح والشعير حبوب أساسية. صحيح أنّ المسلمين نقلوا معارف زراعية وأنظمة ريّ متقدّمة، وأنّ بعض المحاصيل الجديدة (مثل السكّر والقطن والباذنجان) انتشرت بشكل فعلي، لكنّ الأرز ظلّ محصولاً هامشيّاً معظم الوقت – لا لأسباب تقنية فقط، بل أيضاً لأسباب اقتصادية واجتماعية.
التوسّع المملوكي والدور الفلسطيني
نشط العرب باستيراد الأرز من العراق وخراسان في العهد العبّاسي. لمّا حصلت القطيعة بين إلخان فارس المغولي ومماليك مصر في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي، شرعت حكومة القاهرة بمشروع طموح لتنمية زراعة الأرز في مصر لاستبدال الاستيراد – قرار استراتيجي ذكي يربط بين الاستقلال الاقتصادي والسياسي. صدّر المماليك الأرز بنشاط لبيعه في الشام وحلب وعموم السلطنة ونشأت بالتالي سوق “الأرز المصري” متعدّد الأنواع.
كانت فلسطين، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي، الممرّ الطبيعي لتسهيل هذه الصادرات من مصر نحو المراكز الحضرية الكبرى في الشام والحجاز. كانت المدن الفلسطينية مثل يافّا وعسقلان وغزّة موانئ تجارية مهمّة، في حين شكّلت المدن الداخلية مثل القدس والخليل والرملة محطّات تجارية حيوية على طرق القوافل. ولم ينقطع الأرز عن فلسطين يوماً منذ بدأت صادرات مصر المملوكية – حقيقة تاريخية تُفنّد كثيراً من الأساطير حول “حداثة” وجود الأرز في المنطقة.

الجزء السابع:
الأرز محصول نخبوي لا شعبي
التوزيع الجغرافي المحدود
زُرع الأرز في المناطق الرطبة والمروية حيث توفّرت المياه الكافية. في إيران، كان الأرز يُزرع في إقليم الأهواز وطبرإستان (مازندران وگيلان) حيث توفّرت المياه من الأنهار والينابيع، وكان محصولاً أساسيّاً في هذه المناطق. في المناطق الأخرى الأكثر جفافاً، ظلّ القمح والشعير هما المحصولان الأساسيّان لأنّهما يحتاجان إلى كمّيات أقلّ من المياه.
في مصر، تحوّلت الفيّوم إلى مركز إنتاج رئيس للأرز في العصر المسلم، حيث أصبح محصولاً أساسياً في المنطقة. وفي الشام، كان الأرز معروفاً منذ ما قبل القرن الثاني الميلادي، لكنّه ظلّ محصولاً محدود الانتشار مقارنة بالقمح حتّى العصور الحديثة – حين جاءت القوى الاستعمارية وغيّرت المعادلة بتدمير الإنتاج المحلّي في مناطق مثل العراق.
“العزّ للرزّ والبرغل شنق حاله”: أثر الهيمنة الاستعمارية على الغذاء
تروي الحكاية الشعبية المتداولة في الشام أنّ المثل نشأ من قصّة رجل له زوجتان تتنافسان على كسب ودّه. في يوم من الأيام، أرادت كلّ واحدة منهنّ إغاظة الأخرى بما تقدّمه من طعام، فطبخت الأولى الأرز، والثانية طبخت البرغل. عندما قُدّم الطعام، مدّ الزوج يده إلى طبق الأرز أوّلاً لأنّه كان يميل إلى الزوجة الأولى أكثر، فقالت الزوجة الأولى متباهية “العزّ للرزّ والبرغل شنق حاله”.
يحمل هذا المثل الشامي الشهير في طيّاته قصّة أعمق بكثير من مجرّد تفضيل حبوب على أخرى. فهو توثيق لحظة تاريخية فارقة شهدت فيها الشام تحوّلاً جذرياً في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية، تحوّل ارتبط مباشرة بتصاعد التدخل الأوروپي، وخاصّة البريطاني والفرنسي، في المنطقة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
رواية رمزية أخرى، أقلّ شهرة لكن أكثر قرباً من الواقع التاريخي، تربط مثل “العزّ للرزّ والبرغل شنق حاله” مباشرة بالسياق الاقتصادي الاستعماري في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتروي هذه النسخة قصّة تاجرين من بلاد الشام.
التاجر الأوّل، من “بيت الرز”، كان تاجراً ذكيّاً أدرك مبكّراً اتّجاه الرياح الاقتصادية. وتحالف مع القوى غرب الأوروپية، خاصّة التجّار البريطانيّين والفرنسيّين، وصار وكيلاً معتمداً لاستيراد الأرز من المستعمرات شرق الآسيوية. استفاد من شبكة العلاقات بالقوى التي تدير الأسواق وتفرض القواعد التجارية، فثرى ثراءً فاحشاً. صار “من بيت الرز” ليس فقط لأنّه يتّجر بالأرز، بل لأنّ الأرز المستورد كان مفتاح ثروته ومكانته الاجتماعية الجديدة. عزّه ارتبط مباشرة بتبعيّته للقوى الاستعمارية.
التاجر الثاني، من “بيت البرغل”، كان تاجراً تقليديّاً يعمل في تجارة البرغل والقمح المحلّي. عائلته تعمل في هذه التجارة منذ أجيال، وكانت تخدم السوق الشامية بأمانة. لكن مع تزايد الواردات الأوروپية وانفتاح الأسواق قسراً أمام السلع المستوردة بموجب معاهدات التجارة الحرّة التي فُرضت على الدولة العثمانية، صار البرغل المحلّي غير قادر على المنافسة، ليس لأنّه أقلّ جودة، بل لأنّ البنية الاقتصادية بِرُمَّتها تغيّرت لمصلحة المستوردات. تكدّس البرغل في مستودعاته، وتراكمت الديون، وأفلس تماماً. في نهاية المطاف، لم يحتمل الخزي والإفلاس، فشنق نفسه في مستودعه بين أكوام البرغل المتكدّسة التي لم يعد أحد يريد شراءها.
في هذه الرواية، عبارة “البرغل شنق حاله” ليست مجرّد استعارة عن الانهزام أو الخيبة، بل إشارة حرفية إلى انتحار تاجر البرغل شنقاً. لا يحكي المثل، إذاً، قصّة اختيار بين طعامين، بل يوثّق مأساة اقتصادية حقيقية: إفلاس التجّار المحلّيّين وانتحار بعضهم بسبب السياسات الاستعمارية التي دمّرت الاقتصاد المحلّي.
برغم عدم توثيق هذه الرواية في المصادر المكتوبة المتاحة على نطاق واسع، تتّسق تماماً مع الواقع التاريخي. فالسجلّات العثمانية والاستعمارية تحفل بقصص إفلاس التجّار العرب والأتراك في القرن التاسع عشر بسبب المنافسة غير العادلة من الواردات الأوروپية. كانت حالات الانتحار بين التجّار المفلسين ظاهرة معروفة في تلك الفترة، وإن لم تُسجّل بتفاصيل دقيقة. فعلاً، ظهرت طبقة جديدة من التجّار الذين أثروا من طريق الوساطة بين القوى الأوروپية والأسواق المحلّية. الشنق الحرفي يفسّر اختيار هذا التعبير بالتحديد، بدلاً من “انهزم” أو “خسر” أو أيّ تعبير آخر.
لا يحكي المثل، في جوهره، قصّة اختيار فردي بين طعامين، بل يوثّق تحوّلاً اقتصاديّاً واجتماعيّاً عميقاً فرضته القوى الاستعمارية على حلب والشام. عزّ الأرز كان عزّ الهيمنة الاستعمارية، وشنق البرغل كان انتحاراً اقتصاديّاً – وربّما حرفيّاً – للاقتصاد المحلّي وتجّاره.
التبعية الاقتصادية وتحوّل أنماط الاستهلاك
في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، كانت حلب والشام، مثل الأناضول اليوم، لا تزال تعتمد على منتجاتها المحلّية الأساسية. البرغل، المصنوع من القمح المحلّي المُعالج بتقنيات تقليدية، شكّل العماد الغذائي للسكّان عبر مختلف الطبقات الاجتماعية. لكنّ هذا الاستقلال الغذائي النسبي بدأ يتآكل مع تعمّق الاختراق الأوروپي للاقتصاد العثماني، وتحديداً بعد معاهدات التجارة الحرّة التي فُرضت على الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.
أدّت هذه المعاهدات إلى إغراق الأسواق الشامية بالسلع الأوروپية المُصنّعة، وبالتزامن، خلقت طلباً متزايداً على السلع المستوردة علامة على التحضّر والرقي الاجتماعي. تحوّل الأرز، المستورد بشكل أساسي من المستعمرات البريطانية في الهند وجنوب شرق آسيا، من سلعة نادرة ومحصورة بالنخب إلى رمز للطموح الاجتماعي. وخلال الفترة من 1840 إلى 1913، تضاعفت الواردات العثمانية بنحو عشرة إلى ستّة عشر ضعفاً، وشملت هذه الواردات كمّيات متزايدة من الأرز شرق الآسيوي.
الانتداب الفرنسي وترسيخ التبعية الغذائية
بلغت هذه العملية ذروتها مع الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان بين 1920 و1946. في هذه الفترة، عملت السلطات الفرنسية على إعادة هيكلة الاقتصاد المحلّي بما يخدم المصالح الفرنسية والاستعمارية الأوسع. استُثمرت الأموال في تطوير القطاع الزراعي، لكن ليس بهدف تعزيز الأمن الغذائي المحلّي، بل لإنتاج محاصيل نقدية كالقطن والحرير للتصدير إلى الأسواق الأوروپية، خاصّة مدينة ليون الفرنسية التي كانت مركزاً لصناعة الحرير.
في المقابل، أُهملت زراعة الحبوب المحلّية الأساسية كالقمح والشعير. وصارت المنطقة تعتمد بشكل متزايد على الواردات الغذائية، بما فيها الأرز من المستعمرات الفرنسية والبريطانية في جنوب شرق آسيا. لم يكن هذا التحوّل مجرّد تغيير في الأنماط الغذائية، بل كان سياسة مقصودة لخلق تبعية اقتصادية دائمة تربط الشام بالإمبراطوريّتين البريطانية والفرنسية.
الأرز رمز للخضوع السياسي والثقافي
في هذا السياق التاريخي، يكتسب المثل “العزّ للرزّ والبرغل شنق حاله” معنى أعمق بكثير من مجرّد تفضيل غذائي. لم يكن الأرز فقط سلعة مستوردة، بل كان رمزاً للتحوّل الذي فرضته القوى الاستعمارية على بنية المجتمع. عزّ الأرز كان عزّ الاستيراد والتبعية للإمبراطوريّات غرب الأوروپية، وليس عزّ الجودة أو التفوّق الغذائي.
البرغل، في المقابل، مثّل الاستقلال الغذائي والاكتفاء الذاتي، وهو ما لم تعد النخب الشامية في منتصف القرن العشرين تطمح إليه. التحديث، في المنطق الاستعماري، كان يعني الانخراط في شبكة التجارة العالمية التي تسيطر عليها القوى غرب الأوروپية، حتّى لو كان ثمن ذلك هو التخلّي عن الأمن الغذائي المحلّي.
المثل، إذاً، لا يظهر فقط تحيّزاً اجتماعيّاً ضدّ البرغل، بل يوثّق لحظة تاريخية تمّ فيها استبطان الهيمنة الثقافية والاقتصادية الأوروپية في الوعي الشعبي. شنق البرغل لم يكن انتحاراً، بل كان قتلاً بطيئاً نفّذته سياسات الاستعمار التي حوّلت بلاد الشام من منطقة منتجة لغذائها إلى سوق استهلاكية تابعة للواردات الأوروپية.
المحاصيل الأساسية في المناطق غير المروية بوفرة
في المناطق التي لم تتوفّر فيها مياه ريّ كافية لزراعة الأرز، اعتمد السكّان في العالم المسلم في العصور الوسطى على القمح محصول الخبز الأساسي في مصر والشام والمغرب، والشعير في المناطق الجافّة والهامشية طعام للفقراء والحيوانات، والدخن في آسيا الوسطى وأجزاء من الشام محصول صيفي موسمي، والنخيل والتمر في الجزيرة العربية والمغرب العربي ووادي النيل غذاء شعبي في المناطق الصحراوية.
في موقع قصر قشتيرة Castillo de Valtierra (القرن الثالث-السادس الهجري / التاسع-الثاني عشر الميلادي) في إسپانيا المسلمة، لم يُعثر على أيّ بقايا أرز (ولو أنّ الأندلسيّين عرفنه بوفرة) في حين كان القمح والشعير والدخن موجودين بكثرة – دليل أثري واضح على أولوية المحاصيل المحلّية.

الجزء الثامن:
تقنيات الزراعة والطبخ التقليدية
أساليب الزراعة في منطقة قزوين
استندت زراعة الأرز التقليدية في گيلان ومازندران إلى ثلاثة مصادر مائية: الأنهار والجداول، والأمطار (1,200-1,900 ملّيمتر سنوياً)، والينابيع. واستُعملت سدود الفروع والأوتاد لتوجيه المياه إلى شبكات قنوات متفرّعة، مع تقسيم معقّد إلى قنوات أصغر. يتطلّب كلّ هكتار من حقول الأرز حوالي 9,000 متر مكعّب من المياه في منطقة فومن Fuman – كمّية ضخمة تفسّر محدودية زراعة الأرز.
شملت المعدّات التقليدية المحراث القصير الخفيف (کاول أو گاجمه) الذي تجرّه الثيران، مع حرث ثلاثي يمتدّ من الشتاء إلى أوائل الربيع. لمعالجة الأرز، استُعملت مطرقة الهاون المشغّلة بالقدم (پادنگ) للتقشير والصقل، مع تخزين في مخازن على ركائز (كوروج أو تلمبار) للحماية من الرطوبة والآفات – تقنيات تقليدية بسيطة لكنّها فعّالة.
تحدّيات الزراعة في المناطق الجافّة
تحتاج زراعة الأرز في غرب آسيا إلى جهد بشري كثيف حسب الدراسات الإثنوتاريخية، يتبعها احتمال كبير لخطر تملّح التربة. بقيت حقول الأرز صغيرة على مدى التاريخ وكان المزارعون يتركونها بوراً لثلاث سنوات، ولم تنجح الزراعة إلا في الأراضي الغنية التي تتوفّر فيها مياه ريّ وفيرة. تفسّر هذه العوائق الطبيعية جزئيّاً لماذا بقي القمح والشعير سيّدا موائد المنطقة.

طنجرة الأرز التايلاندية: مور دِن
يطبخ العرب المشرقيّون الأرز بتقنية طريفة تعتمد معايرة مقدار الماء إلى الأرز وترك الأرز على حرارة منخفضة ليمتصّ الماء وينضج. هذه التقنية تايلاندية الأصل واسمها تقنية “تبخير الأرز” – تسمية مضلّلة قليلاً لأنّها لا تعتمد طبخ الأرز على البخار مباشرة، لكنّها تعتمد على تعريق باطن الوعاء فيمتصّ الأرز الماء بشكل بخار بدلاً عن التشريب.
عرفت التقاليد التايلاندية وعاءً تقليديّاً لطبخ الأرز يسمّى مور دِن หม้อดิน (أي الوعاء الأرضي، الطيني، من مور + دِن). يُصنع هذا الوعاء الفخّاري من الطين المحروق، ويمتاز بقاعدة مستديرة وجدران سميكة تساعد على توزيع الحرارة بشكل متساوٍ – تصميم بسيط لكنّه عبقري.
يرجع تاريخ استعمال هذا الوعاء إلى العصور القديمة في تايلاند. تعرّف التاي إلى الدِن منذ العصر البرونزي قبل حوالي 5000-6000 سنة، واستعملوه بشكل أساسي لحفظ الماء وتخمير الأطعمة، كمثل أهل العراق القديم. تعرّف التاي إلى الأرز قبل حوالي 4000 سنة، وصعد إلى مكانة الغذاء الأساسي في قرون قليلة بعدها. ثمّ بدأ أهل تايلاند باستعمال المور دِن لطبخ الأرز قبل حوالي 3500 سنة.
انتقلت تقنية تبخير الأرز التايلاندية هذه إلى العرب مع الوعاء الخاصّ (الموردِن) مع بداية تعرّف العرب بالأرز قبل حوالي 2700 سنة، في سلطنة عُمان واليمن والعراق. لكنّ وفرة الأوعية المعدنية في أسواق عرب المشرق وخفّة وزنها وسهولة معاملتها طغت على شعبية الدِن التايلاندي. في المقابل، فضّل عرب المغرب تقنية التصعيد لطبخ الأرز بالبخار مباشرة بدلاً عن التطجين – تنوّع ثقافي جميل في التعامل مع نفس المادّة الخام.

الجزء التاسع:
التمّن العراقي – شاهد على أربعة آلاف عام من الاستمرارية
كُرَنگُ الآشوري وتمّن اليوم
حين تمتلئ بيوت بغداد والبصرة برائحة الأرز المطبوخ مع سمن الغنم والزعفران، تتجسّد أمامنا حضارة زراعية امتدّت منذ القرن الثامن قبل الميلاد قبل أكثر من 2800 عام. سمّاه العراقيّون القدماء كُرَنگُ 𒆳𒊏𒉋𒂵 وكُرُگُّ 𒆳𒊏𒂵𒂵، وسمّوا حقول الأرز مُشَرُ 𒈬𒊭𒊒 في السجلّات المسمارية الآشورية. ما زال العراقيّون يميّزونه عن بقية العرب بتسميته “تمّن” بدلاً من “رز”، تسمية تعود جذورها إلى المكان الذي استورد منه العراقيّون الأرزّ أوّل مرّة جنوب شرق آسيا.
هذه الاستمرارية اللّغوية ليست مصادفة، بل شاهد على علاقة متجذّرة بين العراقيّين والأرز تمتدّ آلاف السنين. في سنة 1283 هجرية / 1866 ميلادية نشر المستكشف الإيطالي كارلو گوَرماني Carlo Guarmani كتاباً عن رحلته إلى نجد الشمالية سمّاه Il Neged settentrionale، وثّق فيه تسمية أهل المنطقة للأرز “تمّن” – نفس التسمية التي عرفها البابليّون قبل 2500 عام، كما سجّل سفر حزقيال من كتاب اليهود.
جغرافيا الأصناف العراقية
اليوم، تمتدّ حقول الأرز العراقي من أهوار الجنوب إلى سهول الوسط وجبال الشمال، وتشهد على تكيّف المحصول مع بيئات متنوّعة بدرجة ملحوظة. يتصدّر العنبر – أو الشلب كما يُعرف محلّياً – قائمة الأصناف بحبوبه الطويلة الرفيعة ورائحته الزكية التي تميّزه عن كلّ أرز آخر. ينمو في مياه الأهوار الوفيرة بمحافظات القادسية وذي قار وميسان، وتؤكّد الدراسات الزراعية أنّه صنف متأصّل في الزراعة العراقية منذ أمد طويل، متكيّف تماماً مع التربة الطينية ومياه الفرات.
تأتي بعده النعيمة بحبوبها الأقصر والأعرض، الغذاء الرئيس لسكّان الجنوب، ثمّ المولاني بحبوبه الصلبة البيضاء ذات الرائحة الجيّدة. في الشمال يسود النكازة بحبوبه القصيرة العريضة، إضافة إلى بازيان والعقراوي والصدرى المتميّز برفاعة حبوبه وقوّة نكهته في محافظة السليمانية. هذا التنوّع في الأصناف يظهر تنوّع البيئات الزراعية العراقية – من المناطق المروية بكثافة إلى الحقول المطرية.
التمّن في مطبخ العراق
يحتلّ الأرز مكانة مركزية في المطبخ العراقي بمستوى يفوق معظم المطابخ العربية الأخرى. كلّ طبق رئيس تقريباً يقوم عليه أو يُقدّم معه، لكن ليس بالطريقة التي نعرفها اليوم.
- في القوزي ينضج الأرز بماء سلق الخروف والزعفران فيمتصّ كلّ نكهة، ليشكّل سريراً ذهبيّاً يحمل اللّحم المشوي.
- في المسكوف يُقدّم التمّن الأبيض البسيط ليوازن نكهة السمك الدخّانية القويّة.
- في التشريب يُطبخ الأرز في مَرَق اللّحم الغني مع الخضروات حتّى يتشرّب كلّ قطرة من الإدام.
- في الدولمة يُحشى داخل الخضروات مع اللّحم المفروم والبهارات ليصنع حشوة متماسكة نافذة النكهة.
لكنّ هذا الحضور الكثيف للأرز في المطبخ العراقي اليوم يطرح سؤالاً مهمّاً: متى أصبح الأرز بهذه المركزية؟
تشير المصادر التاريخية إلى أنّ الأرز كان حاضراً في مطبخ العراق منذ العصر العبّاسي على الأقل (ونقول على الأقل لأنّنا لا نملك وثائق طبيخ تسبق العصر العبّاسي)، حيث وثّقت كتب الطبيخ العبّاسية عشرات الوصفات القائمة على التمّن.
كانت زراعة الأرز مركّزة في المناطق الجنوبية الغنيّة بالمياه، خاصّة الأهواز والبصرة وما حولهما، وكان العراق ينتج ما يكفي حاجته بل ويصدّر الفائض. ثمّ جاء التحوّل الحقيقي في القرن التاسع عشر مع التدخّل البريطاني الذي أغرق الأسواق العراقية بالأرز الهندي الأرخص عبر ميناء البصرة، ممّا حوّل العراق من بلد منتِج ومصدِّر إلى بلد مستورِد، وأضعف الإنتاج المحلّي لمصلحة الاستيراد الاستعماري.
طرق التحضير والمناسبات
تتنوّع طرق تحضير الأرز بتنوّع المناسبات والمناطق. التمّن الأبيض البسيط للوجبات اليومية، يُطبخ بالماء والملح والسمن ثمّ يُغطّى ليختنق على نار هادئة حتّى تنفصل كلّ حبّة عن أختها – هذه التقنية شائعة في كلّ العراق. التمّن الأحمر بمَرَق الطماطم والدجاج لوجبات مبهرجة أكثر، إذ يكتسب لوناً ذهبيّاً محمرّاً ونكهة غنية. المقلوبة – أو المقلّبة كما تُنطق بالعراقية – حيث يُطبخ الأرز فوق طبقة من البصل المقلو أو الخضار المشوية ثمّ يُقلب على صحن التقديم ليكشف عن قاعدة ذهبية مقرمشة.
التمّن بالسمن مع البزورات المحمّصة والزبيب للأعراس والأعياد، طبق يُظهر الكرم ويعلن المناسبة السعيدة. ليست خلطة البهارات العراقية التي تُضاف للأرز عشوائية، الكمّون والقرفة والقرنفل والهيل والكركم – نتاج تجارب متراكمة عبر أجيال عرفت كيف تُبرز حلاوة الأرز الطبيعية دون طمسها. يمنح اللّومي الأسود الذي يُضاف أحياناً لماء طبخ الأرز عمقاً خفيّاً من الحموضة المخمّرة. يُسكب السمن الحرّ – سواء سمن الغنم أو سمن البقر – بسخاء على الأرز المطبوخ فيمنحه لمعاناً ونكهة لا يمكن تحقيقها بالزيوت النباتية.
معنى الاستمرارية
التمّن العراقي شاهد على استمرارية حضارية نادرة، خيط يربط بين حقول كُرَنگُ الآشورية وحقول العنبر اليوم. لكن يجب أن نفهم هذه الاستمرارية بدقّة: ليست استمرارية في الاستهلاك الجماهيري، بل في المعرفة والزراعة والاستعمال النخبوي. عرف العراقيّون الأرز منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وزرعوه في مناطق محدّدة غنية بالمياه مثل خوزستان وبابل، واستعملوه في موائد القصور والمعابد – لكنّه لم يحلّ محلّ القمح والشعير غذاء أساسي لعوام الناس إلّا حديثاً.
هذا الفهم الدقيق للاستمرارية مهمّ لأنّه يضع تاريخ الأرز في سياقه الصحيح: نعم، الأرز موجود في العراق منذ آلاف السنين، لكنّ حضوره الكثيف الذي نعرفه اليوم هو ظاهرة حديثة نسبيّاً، نتاج التحوّلات الاقتصادية والاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين. يروي التمّن العراقي قصّتين متوازيّتين: قصّة الجذور العميقة في التاريخ القديم، وقصّة التحوّل الحديث إلى غذاء شعبي أساسي.
شواهد كتب الطبيخ من القرن الرابع إلى الثامن الهجري
تقدّم كتب الطبيخ العربية المحفوظة من القرن الرابع إلى الثامن الهجري (العاشر إلى الرابع عشر الميلادي) شهادة ملموسة على استمرارية محدودية الأرز في مطبخ النخبة المسلمة عبر العصور والأقاليم. تظهر هذه المصادر ذوق المائدة الأرستقراطية في أوج ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، من قصور بغداد العبّاسية إلى بلاطات الأندلس ومصر المملوكية. تكشف المقارنة بين أربعة من أهمّ هذه الكتب حقيقة صادمة: ظلّ الأرز ضيفاً خفيفاً على موائد الملوك والخلفاء، في حين سيطر القمح على المائدة سيطرة شبه مطلقة.
يمثّل كتاب الطبيخ لابن سيار الورّاق، المنشور في بغداد حوالي 300 هجرية / 912 ميلادية، أقدم كتاب طبخ عربي مكتمل وصل إلينا (وهو أقدم كتاب گاسترونومي في العالم). يضمّ الكتاب أكثر من 600 وصفة مطبوخة تصوّر ذوق المائدة العبّاسية في ذروة قوّة الدولة وثرائها. عند استبعاد أرغفة الخبز – التي خُصّص لها باب مستقلّ يضمّ 15 نوعاً – والتركيز على الأطباق المطبوخة، تظهر حقيقة مذهلة: وصفات الأرز لا تتجاوز 20 وصفة من أصل 600، أي حوالي 3% فقط من إجمالي الكتاب. تندرج معظم هذه الوصفات تحت باب مخصّص للأرز، مثل الأرز المفلفل والأرز باللّبن، أو إضافة نادرة في بعض أطباق الجواذيب – حيث تذكر المصادر أنّ وصفة واحدة فقط من أصل 19 وصفة للجواذيب احتوت على الأرز.
في المقابل، تسيطر وصفات القمح ومشتقّاته على الكتاب سيطرة شبه مطلقة. برغم استبعاد الخبز المجرّد من المقارنة، فإنّ القمح يظهر في أكثر من 150 وصفة مطبوخة، أي حوالي 25% من محتوى الكتاب. يتجلّى هذا في عدّة أشكال: الثريد الذي يُعدّ من أهمّ الأطباق الرئيسية ويعتمد كلّيّاً على الخبز المفتّت والمَرَق وله باب كبير في الكتاب؛ الهريسة والعصيدة التي تستند إلى حبوب القمح المهروسة أو دقيقها؛ المعجنات المحشوّة مثل السمبوسج والمعكرونة؛ والحلويات التي تشكّل الغالبية العظمى من أبواب الحلويات – أكثر من 50 وصفة – وتعتمد على دقيق القمح أو النشا أو فتات الخبز، مثل الفالوذج واللّوزينج والقطائف.
تكشف هذه الأرقام نسبة مذهلة: مقابل كلّ وصفة واحدة تعتمد على الأرز، توجد عشر وصفات تعتمد على القمح. النسبة ليست قريبة حتّى، فالفارق يبلغ عشرة أضعاف. حتّى طريقة تناول الأرز تشير إلى هذا الوضع الهامشي. في كتاب الطبيخ، يُطبخ الأرز غالباً مع اللّبن الحليب أو الرائب، أو يُستعمل مادّة لتحضير حلوى خاصّة، دون أن يكون قاعدة لوجبة رئيسة كاملة. لا نجد في الكتاب ما يشبه الكبسة أو المندي أو البرياني التي نعرفها اليوم – تلك الأطباق الضخمة التي يكون الأرز فيها النجم الأوّل والأساس الذي تُبنى عليه الوجبة. بدلاً من ذلك، يظهر الأرز مكوّناً مساعداً أو طبقاً جانبيّاً صغيراً.
بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون، يقدّم كتاب الطبيخ لمحمّد بن الحسن البغدادي – المكتوب سنة 623 هجرية / 1226 ميلادية – شهادة على استمرار هذا الواقع دون تغيير جوهري. يضمّ الكتاب حوالي 160 وصفة رئيسة، لكنّ الأرز لا يظهر مكوّن رئيس إلا في 4 إلى 6 وصفات فقط، أي حوالي 3% إلى 4% من إجمالي الوصفات. تشمل هذه الوصفات الأرزية – طبق مطبوخ باللّحم والأرز، والرخامية – طبق حلو يُصنع من الأرز واللّبن يشبه الأرز بالحليب اليوم، والمفلفلة وهي طريقة طبخ الأرز نثرياً لكنّها نادرة في الكتاب مقارنة بالمروق. يستمرّ القمح في المقابل بالهيمنة على المائدة البغدادية، إذ يدخل في أكثر من 50 إلى 60 وصفة بشكل مباشر – حوالي 35% إلى 40% من الكتاب – عبر الهريسة المعتمدة كلّيّاً على القمح المهروس واللّحم، والحلويات التي تعتمد بغالبيّتها العظمى على الدقيق مثل القطائف واللّوزينج والخشكنانج والسمبوسج الحلو والكعك والخبيص، والجواذب التي تستند إلى خبز الرقاق أو العجين المخبوز تحت اللّحم، والمعجنات مثل الرشتة والإطرية. تبقى النسبة نفسها: مقابل كلّ وصفة أرز، عشر وصفات قمح.
يكشف التحوّل الجغرافي نحو الغرب عن تباين أكثر صرامة. في كتاب فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان لابن رزين التجيبي من القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي، يصل غياب الأرز إلى مستوى يكاد يكون مطلقاً.
يمثّل هذا الكتاب المطبخ الأندلسي والمغربي، ويضمّ حوالي 475 وصفة، لكنّ الأرز لا يظهر إلّا في عدد من الوصفات يُعدّ على أصابع اليد الواحدة – أقلّ من 2% من إجمالي الكتاب. كان الأرز في الأندلس يُعامَل غالباً نوع من البقول أو الخضروات يُزرع في الحدائق لا الحقول الشاسعة، ويُستعمل في أطباق محدّدة مثل بعض أنواع الحساء أو الحلويّات، ولم يكن طعاماً أساسيّاً كما القمح. في المقابل، يكتسح القمح الكتاب عبر أشكال متعدّدة تتجاوز 60% من محتواه. خصّص ابن رزين أبواباً كاملة للثريد – الطبق الرئيس للأندلسيّين – المعتمد على الخبز المفتّت المسقيّ بالمَرَق، كما احتوى الكتاب على وصفات للإطرية والفداوش والكسكس المصنوع من سميد القمح، وتعتمد الغالبية العظمى من ألوان اللّحوم والمروق على الدقيق أو فتات الخبز لتخثير الإدام، ومعظم الحلويات المذكورة مثل الكعك المحشوّ والمورّقة تستند إلى الدقيق والسميد. المطبخ الأندلسي، كما يوثّقه ابن رزين، هو مطبخ قمح بامتياز.
يأتي التحوّل الوحيد – وإن كان محدوداً – في كتاب كنز الفوائد في تنويع الموائد من العصر المملوكي. يضمّ هذا الكتاب مئات الوصفات – أكثر من 1500 في بعض الفهارس – ويمثّل المطبخ العبّاسي-المملوكي في مصر والشام. عند التركيز على الأطباق المطبوخة واستبعاد الخبز، تظهر زيادة طفيفة في حضور الأرز مقارنة بالكتب السابقة. يظهر الأرز في حوالي 10 إلى 15 وصفة صريحة مثل الأرزية والأرز الأصفر والمفلفل والأرزية باللّحم أو الدجاج أو اللّبن ونُشارة الأرز وسُبيّة الأرز، بالإضافة إلى ذكره في 20 وصفة إضافية مكوّن مساعد. تشكّل هذه الوصفات حوالي 8% إلى 12% من وصفات الحبوب في الكتاب – تحسّن ملحوظ مقارنة بالقرون السابقة، لكنّه يبقى متواضعاً.
يستمرّ القمح ومشتقّاته في الهيمنة بحوالي 40 إلى 50 وصفة – 60% إلى 70% من وصفات الحبوب – عبر الهريسة والممحية والأفريسة والفريكة والسميدية والثريد القمحي والقمح المقشور مع اللّحم والكُرنوب والحنطة. النسبة هنا تتحسّن قليلاً لتصبح خمسة وصفات قمح مقابل كلّ وصفة أرز، بدلاً من عشرة.
تروي هذه الكتب الأربعة، الممتدّة عبر أربعة قرون وثلاثة أقاليم جغرافية، قصّة واحدة متّسقة: ظلّ الأرز طوال العصور الوسطى الإسلامية محصولاً ثانويّاً ونخبويّاً عند العرب حتّى في قصور الخلفاء والملوك، في حين سيطر القمح على المائدة سيطرة شبه مطلقة مصدر رئيس للطاقة والغذاء. حتّى في أغنى البلاطات وأكثرها ترفاً، حيث كانت الموارد المالية تسمح باستيراد أيّ سلعة نادرة، لم يتحوّل الأرز إلى غذاء أساسي ينافس القمح. هذا الواقع الموثّق في أقدم وأهمّ كتب الطبخ العربية يؤكّد ما أثبتته الأدلّة الأثرية والنصّية: ظلّ الأرز لأكثر من ثلاثة آلاف عام محصولاً محدود الانتشار في الشرق الأوسط، ولم يتحوّل إلى غذاء شعبي أساسي إلا في العصور الحديثة.

الجزء العاشر:
تاريخ تسميات الأرز في اللّغات
التنوّعات العربية
من استبانة أُجريت في مجموعة معجم اللّهجات العربية على فيسبوك، وُجد أنّ أغلب العرب تلفظ اسم الأرز: روز (52٪) بالإضافة إلى رُز، رَوز، رِز، رِيز، رِنز، أروز، أرُز، غز، وكذلك تمّن حول الخليج العربي ومارو في غرب أفريقيا – تنوّع لغوي جميل يظهر تاريخ انتقال الكلمة عبر طرق تجارية مختلفة.
هذه التنوّعات في أسماء الأرز قديمة وأقدم من الفصحى بقرون عديدة، وسببها أنّ تسمية الأرز تطوّرت من لغات عروبية قديمة متعدّدة. اختارت الفصحى من هذه التنويعات صيغة الأَرُزّ. قال فيها الفراهيدي: إنّ فلاناً لأَروزٌ، أي ضيّقٌ بخيلٌ شُحّاً، قال رؤبة: فذاك بَخّالٌ أَروزُ الأَرزِ. يعني أنّه يبخل حتّى بالأرز – مثل شعري قديم يؤكّد مكانة الأرز سلعة ثمينة. تضرب العرب إلى اليوم الأمثال بالوفرة والكثرة بالتشبيه بالأَرُزّ.
أَرُزّ وروز: الأصول الآرية
في الواقع تسمية الأَرُزّ باسمها هذا تطوّرت إلى العربية الحديثة عن طريق عربية العهد الآرامي أُروزا ܐܪܘܙܐ حوالي القرنين الثامن-السابع قبل الميلاد، متطوّرة من لغات خراسان حين كانت وريژې، عن الآرية ۉرنجِش 𐎺𐎼𐎡𐎵𐎩𐎡𐏁 نسبة إلى مكان اسمه ور، أو نسبة إلى طريقة زراعة الأَرُزّ في مدرّجات ذات أحواض تحبس الماء. كلمة ور تعني جدار، قاطع، فاصل، عن المصدر القديم وريق (وريگ) أي قَطْعٌ – اشتقاق لغوي منطقي جدّاً.
من الآرامية انتقلت الكلمة إلى عربية العهد الفينيقي بشكل أورزون 𐤀𐤓𐤆𐤍، ثمّ في حوالي القرنين الرابع-الثالث قبل الميلاد دخلت الإغريقية القديمة كلمة أوروزا ὄρυζα (أورُزه). صيغة أورزون ὄρυζον موجودة كذلك في الإغريقية القديمة.
أمّا تسمية الرِز فهي متطوّرة إلى العربية الحديثة من اللّغة الصُغدية القديمة ريزگ رِسه 𐽀𐼷𐼼𐼸 ومعناها قُوت ورزق – ربط جميل بين الطعام والرزق.
تمّن: الأصل شرق الآسيوي
أمّا تسمية تمّن فأصلها شرق آسيوي، من بلاد الأرز الأصلية. في البورمية (ميانمار) ထမင်း أتَمَنّ تعني أرز مسلوق. حيث أتَ تعني مسلوق، مطهو، ومَنّ تعني أرز. تُلفظ كذلك همّين وتمّين. في الصين الأرز هو مِي 米، ويسمّى الأرز المطبوخ في الصينية القديمة تسُ مِه أن (تسُمِن). في الصينية المعاصرة شو مِه ڤان (شُومِڤَانْ) 熟米飯 – تنوّع لغوي يظهر أهمّية الأرز في شرق آسيا.
أقدم سجلّ معروف للأرز في العراق يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، في عهد الإمبراطورية الآشورية. سمّاه العراقي آنذاك عدّة أسماء، منها كُرَنگُ 𒆳𒊏𒉋𒂵 وكُرُگُّ 𒆳𒊏𒂵𒂵. سمّى العراقي حقول زراعة الأرز مُشَرُ 𒈬𒊭𒊒.
في سفر حزقيال 27:17 المكتوب في بابل في القرن السادس قبل الميلاد نجد كلمة تمِنِّيث מנית فسّرها التقليد الحاخامي على أنّها تعني “الأرز”. سنة 1283 هجرية / 1866 ميلادية نشر مستكشف إيطالي اسمه كارلو گوَرماني Carlo Guarmani في القدس كتاباً عن رحلته إلى نجد الشمالية، سمّاه Il Neged settentrionale. وفي الصفحة 71 من الكتاب نجده يتحدّث عن تسمية أهل المنطقة للأرزّ تمّن – وهذه استمرارية لغوية لافتة عبر آلاف السنين.
مارو: اللّقاء الفرنسي-السنگالي
في موريتانيا، يُطلق على الأرز اسم مارو، وأصل التسمية طريف نوعاً ما. إذ دخل استهلاك الأرز إلى موريتانيا في فترة الاستعمار الفرنسي في النصف الأوّل من القرن العشرين، حيث جلبه الفرنسيّون معهم جزء من التحوّل الزراعي الذي شمل عدّة محاصيل جديدة على المنطقة. لم يكن الأرز جزءاً من النظام الغذائي التقليدي للشعب الموريتاني، الذي اعتمد أساساً على الحبوب المحلّية مثل الذرة والدخن، لكنّ الفرنسيّين أدخلنه لتصريف منتجات استثماراتهم في السنگال.
في تلك الحقبة استوردت السلطات الاستعمارية الفرنسية الأرز إلى موريتانيا في البداية من السنگال، حيث كانت زراعته شائعة في مناطق الوُلوف. في بعض لهجات الوُلوف تُستعمل كلمة مبارو Mbaaru تسمية لصنف سيريري Céré من الأزر الأبيض، وهي مصدر تسمية الموريتانيّين اليوم للأرز بكلمة مارو – لقاء حضاري استعماري خلّف أثراً لغوياً.

الجزء الحادي عشر:
دور الإمبراطوريات غرب الأوروپية في نشر استيراد الأرز
السياق التاريخي: التجارة العربية قبل غرب الأوروپيّين
قبل وصول غرب الأوروپيين إلى المحيط الهندي، كان التجار العرب والفرس والترك يسيطرون على تجارة الأرز من جنوب شرق آسيا. وكانت هذه التجارة منظّمة عبر شبكة من الموانئ العربية مثل عدن وجدة والبصرة، وتتدفّق من طريقها السلع الهندية وشرق الآسيوية نحو البحر المتوسّط والأسواق العربية. لكنّ هذه التجارة، برغم وجودها، لم تكن تتعامل مع أحجام ضخمة من الأرز. كان الأرز سلعة موجودة لكن ليس بالأولوية القصوى للتجّار العرب الذين ركّزوا أساساً على التوابل والحرير والقطن والأصباغ – السلع الأعلى قيمة والأسهل نقلاً والأكثر طلباً.
المرحلة الأولى:
التدخّل الپرتغالي (886-927 هجرية / 1507-1520 ميلادية)
بدأ التحوّل الجذري مع وصول الپرتغاليين إلى المحيط الهندي في أوائل القرن السادس عشر. في سنة 913 هجرية / 1507 ميلادية، استولى الپرتغالي أفونسو دي ألبوكيرك Afonso de Albuquerque على جزيرة هرمز الاستراتيجية، التي كانت تسيطر على كامل التجارة البحرية بين الهند والخليج العربي والبحر الأحمر. ولم يكن استهداف الپرتغاليّين هو الأرز تحديداً، بل كان الهدف الأساسي هو التوابل الثمينة والفلفل والقرنفل وجوزة الطيب – لكنّ هذا الاستيلاء أثّر بشكل مباشر على حركة الأرز.
حاول الپرتغاليون فرض حصار على البحر الأحمر لقطع وصول السلع الآسيوية إلى الأسواق العربية. وفي سنة 909 هجرية / 1503 ميلادية، شنّوا هجمات مسلّحة على السفن العربية في الموانئ الهندية، حيث دمّروا 17 سفينة عربية في ميناء بانيان وحده. أدّى هذا إلى انقطاع حادّ في إمدادات التوابل والأرز: فقد ذكرت المصادر أنّه في سنة 909 هجرية / 1503 ميلادية انعدمت كمّيات الفلفل تماماً في أسواق مصر للبيع، ممّا اضطرّ التجار الڤينيسيّين (البنديقيّين) إلى عدم إرسال أساطيلهم السنوية في سنوات 911 و912 هجرية / 1505 و1506 ميلادية وهذه أزمة اقتصادية حقيقية.
الفراغ المؤقّت والتكيّف
برغم محاولات الپرتغاليّين فرض الحصار، لم يتمكّنوا من منع التجارة الشرقية بالكامل. كانت موانئ البحر الأحمر بعيدة عن معاقل الپرتغاليّين الأساسية في الساحل الهندي وملقا، ممّا سمح للتجّار العرب بمتابعة تجارتهم، لكن بأحجام أقلّ وأسعار أعلى. استمرّ التجّار العرب في نقل الأرز من الموانئ الهندية عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، لكن بكمّيات محدودة مقارنة بما سيأتي لاحقاً وهذا تكيّف ضروري لكنّه مكلف.
المرحلة الثانية:
الهولانديّون والاحتكار المنظّم (1011-1215 هجرية / 1602-1800 ميلادية)
أحدثت شركة الهند الشرقية الهولاندية VOC تحوّلاً جذريّاً عند تأسيسها سنة 1011 هجرية / 1602 ميلادية. لم تكن الشركة الهولاندية، مثل الپرتغاليّين، معنية بالسيطرة العسكرية فقط، بل كانت تنظيماً تجارياً متطوّراً يهدف إلى احتكار التجارة بِرُمَّتها وتحقيق أرباح ضخمة – نموذج رأسمالي مبكّر بامتياز. اختارت الهولانديّون جزر إندونيسيا (خاصّة جزر “مينهاسا”) مصدر رئيس للأرز، بدلاً من الاعتماد على الوسطاء العرب.
توثّق الأرقام والكمّيات التوسّعية ارتفاعاً حادّاً في كمّيات الأرز المُشتراة: 1060-1080 هجرية / 1650-1670 ميلادية: أقلّ من 100 طنّ سنوياً من الأرز المقشور؛ 1153-1183 هجرية / 1740-1770 ميلادية: 200-300 طنّ سنوياً؛ 1218 هجرية / 1803 ميلادية: ارتفعت الكمّيات إلى حوالي 1,300 طنّ سنوياً – تضخّم هائل يشهد على نجاح النموذج التجاري الهولاندي.
استعملت الشركة الهولاندية هذه الكمّيات الضخمة من الأرز على ثلاثة محاور: إطعام موظّفيها والمستوطنين الهولانديّين في مراكزها شرق الآسيوية، والتصدير إلى الأسواق الأوروپية، وإعادة التصدير إلى أسواق شرق آسيا. نجح الهولانديّون في توسيع حجم التجارة بفضل ثلاث آليّات متكاملة: فرضوا احتكاراً رسميّاً يمنع أيّ تاجر غير الشركة من شراء الأرز مباشرةً من زعماء المقاطعات المحلّيّين، ومنحوا تراخيص لتجّار خاصّين يعملون تحت إشراف الشركة ممّا ضاعف الكمّيّات المتداولة، وبنَوا شبكة معلومات متطوّرة تنسّق الشحنات والأسعار عبر مئات الموانئ في آسيا وأوروپا.
المرحلة الثالثة:
البريطانيّون والتوسّع الهائل (1008-1215 هجرية / 1600-1800 ميلادية)
بدأت شركة الهند الشرقية البريطانية EIC عمليّاتها مبكّراً لكن لم تصل إلى قوّتها الحقيقية إلا بعد حصولها على امتيازات من الإمبراطور المغولي. بحلول أوائل القرن السابع عشر، كانت الشركة البريطانية تستورد كمّيات ضخمة من الأرز والسكّر والحرير من الهند – منافسة شرسة مع الهولانديّين.
وفقاً للوثائق العثمانية والبريطانية، كانت البصرة (الميناء الرئيس العراقي) تستقبل حوالي 15 سفينة قادمة من البنگال وبومباي سنويّاً، متوسّط حمولة كلّ سفينة: 300-400 طنّ من الأرز والسكّر والحرير والأصباغ. كمّيات كبيرة من هذه الواردات كان يُعاد تصديرها إلى الكويت وموانئ الخليج الأخرى فاشتغلت البصرة هكذا مركز توزيع إقليمي.
كانت البصرة بمنزلة مركز التوزيع الرئيس للسلع الهندية في الدول العربية، وكان تجّار مصر والشام يشترون الأرز من هناك أو يستوردونه مباشرة من موانئ الهند. جعل هذا النظام التجاري الجديد الأرز أرخص وأكثر توفّراً من أيّ وقت مضى.
التأثير على مصر والدول العربية
أصبحت مصر خلال العصر العثماني السوق المركزية لتصريف السلع الهندية والآسيوية، بما فيها الأرز. في القرن الثامن عشر، كانت كمّيات كبيرة من الأرز تُستورد إلى مصر ويُعاد تصديرها إلى الحجاز: حوالي 500 أردبّ (وحدة قياس عثمانية) سنويّاً من مصر إلى الحجاز.
مع تولّي محمّد علي باشا السلطة في مصر (1220 هجرية / 1805 ميلادية)، زادت واردات الأرز بشكل متسارع. إذ وقّع اتّفاقات مع التجّار غرب الأوروپيّين لاستيراد كمّيات ضخمة من الأرز والقطن والسكّر من الهند. يظهر هذا أنّ الأرز لم يكن متاحاً بهذه الكمّيات الضخمة قبل السيطرة الأوروپية على طرق التجارة وهذه نقطة تحوّل تاريخية.
الآلية: كيف غيّر غرب الأوروپيّون التجارة
قبل غرب الأوروپيّين:
كان يجب على الأرز من جنوب شرق آسيا أن يسلك طريقاً معقّدة: من جاوة إلى البنگال، ثمّ عبر التجّار الفرس والتركمان إلى إيران، ثمّ إلى العراق وفلسطين. أنتج هذا أسعاراً عالية جدّاً ولم يشجّع على الاستهلاك الجماهيري.
بعد غرب الأوروپيّين:
فتح الهولانديّون والبريطانيّون خطوطاً تجارية مباشرة تربط إندونيسيا والبنگال بموانئ الخليج والبحر الأحمر. اعتمدوا على أساطيل ضخمة تنقل البضائع مباشرةً دون وسطاء محلّيّين، وحوّلوا موانئ الإسكندرية والبصرة وجدّة إلى مراكز توزيع إقليمية تُغذّي الأسواق المحيطة. أدّت المنافسة بين الشركتين الاستعماريتين إلى تخفيض أسعار الأرز المستورد بشكل كبير، في حين ضمنت سيطرتهما العسكرية على الطرق البحرية استقراراً في حركة الشحن وانتظاماً في وصول الإمدادات.

هدم خرافتين شائعتين
الخرافة الأولى: لم يعرف العرب الأرز قبل الإسلام
يسود اعتقاد خاطئ بأنّ الأرز لم يصل إلى البلدان العربية إلا مع فتوحات المسلمين أو خلال “الثورة الزراعية الإسلامية” في القرون الهجرية الأولى. تدحض الأدلة الأثرية والنصّية هذه الخرافة تماماً: وصل الأرز إلى حدود غرب آسيا قبل حوالي 4000 عام، وأقدم نص يذكره في سوريا القديمة يعود إلى 1100 قبل الميلاد، أي قبل الإسلام بنحو 1800 عام.
اكتُشفت 373 حبّة أرز متفحّمة في سوسة بالأهواز من القرن الأوّل الميلادي، وعُثر على أرز في قلعة كش بمازندران من سنة 120 قبل الميلاد، وطبعات قشور أرز في طوب اللِّبن بسهل ديز من القرن الأوّل الميلادي. وتذكر المصادر اليهودية القديمة من بابل، ومنها المشناه من القرن الثاني الميلادي، زراعة الأرز محليّاً في فلسطين الرومانية. وثّقت المصادر الإغريقية والصينية والعراقية المسمارية زراعة الأرز في بلاد النهرين والأهواز وإيران وآسيا الوسطى قبل الإسلام بقرون.
صحيح أنّ المسلمين وسّعوا زراعة الأرز في مناطق مثل الفيّوم والعراق، لكنّهم لم يُدخلوه إلى المنطقة. ظلّ الأرز طوال هذه الفترة – من القرن الثامن قبل الميلاد حتّى القرن التاسع عشر الميلادي – محصولاً إقليميّاً محدود الانتشار (لعدم ارتباه بديانة محلّية)، وتركّز في المناطق الغنية بالمياه، ولم يحلّ محلّ القمح والشعير غذاء أساسيّاً. يثبت كتاب الطبيخ للورّاق من القرن الرابع الهجري هذا الواقع: وصفات القمح فاقت وصفات الأرز بعشرة أضعاف في مطبخ بغداد العبّاسية.
الخرافة الثانية: لم يعرف العراق الأرز قبل الاستعمار البريطاني
يعتقد كثيرون أنّ الأرز لم يصل إلى البلدان العربية إلا مع الاستعمار البريطاني والأوروپي. هذا خطأ فادح آخر. كان الأرز معروفاً ومزروعاً في الأهواز والعراق وفلسطين والفيّوم قبل وصول البريطانيّين بآلاف السنين. نشط التجّار العرب في كلّ البلدان العربية في استيراده من خراسان والعراق منذ العصر العبّاسي، وصدّر المماليك الأرز المصري بنشاط إلى الشام وحلب والمغرب العربي منذ القرن الثامن الهجري. ولم ينقطع الأرز عن فلسطين يوماً منذ بدأت صادرات مصر المملوكية.
لكنّ دور القوى الاستعمارية غرب الأوروپية كان مختلفاً تماماً: لم تُدخل الأرز، بل دمّرت الإنتاج المحلّي وحوّلت مناطق كانت منتِجة ومصدِّرة إلى مستوردة. فتح البريطانيّون والهولانديّون والفرنسيّون الباب أمام استيراد ضخم ورخيص من جنوب شرق آسيا، فتحوّل الأرز من سلعة نخبوية نادرة إلى طعام يومي متاح. وحوّل البريطانيّون العراق من منتِج ومصدِّر للأرز إلى مستورد له عبر إغراق الأسواق بالأرز الهندي الأرخص عبر ميناء البصرة. تكرار لنفس التصرّف حيال البن اليمني، حين أغرقت بريطانيا اليمن بالبن الإثيوپي الرخيص ورديء الجودة لإفلاس تجّار البنّ اليمني.
يوثّق المثل الشامي “العزّ للرزّ والبرغل شنق حاله” هذا التحوّل الاقتصادي والاجتماعي العميق في القرن العشرين. لم يكن عزّ الأرز عزّ جودة أو تفوّق غذائي – فالبرغل يتفوّق على الأرز في البروتين والألياف والمعادن – بل عزّ الهيمنة الاستعمارية والتبعية الاقتصادية التي دمّرت الإنتاج المحلّي وأفلست التجّار التقليديّين لمصلحة الوكلاء المتحالفين مع القوى الاستعمارية.
الحقيقة: عرف العرب الأرز منذ أكثر من 3000 عام، وزرعوه واستهلكوه قبل الإسلام بقرون، لكنّه ظلّ محصولاً محدوداً جغرافيّاً واجتماعيّاً حتّى القرنين التاسع عشر والعشرين، حين حوّلته السياسات الاستعمارية إلى غذاء شعبي أساسي عبر تدمير الإنتاج المحلّي وفرض الاستيراد الضخم.
المراجع والمصادر
- Spengler, Robert N. III, Sören Stark, Xinying Zhou, Daniel Fuks, Li Tang, Basira Mir-Makhamad, Rasmus Bjørn, Hongen Jiang, Luca M. Olivieri, Alisher Begmatov, and Nicole Boivin (2021). “A Journey to the West: The Ancient Dispersal of Rice Out of East Asia”. Rice 14:83. https://doi.org/10.1186/s12284-021-00518-4. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8464642/
- Spengler, Robert N. III (2019). Fruit from the Sands: The Silk Road Origins of the Foods We Eat. University of California Press. https://www.ucpress.edu/book/9780520379596/fruit-from-the-sands
- Chen, Juanhan, Zhou, Xinying and Spengler, Robert N. III et al. (2020) ”Kushan Period rice in the Amu Darya Basin: Evidence for prehistoric exchange along the southern Himalaya”. Science China Earth Sciences 63. https://doi.org/10.1007/s11430-019-9585-2
- Watson, Andrew M. (1983). Agricultural Innovation in the Early Islamic World: The Diffusion of Crops and Farming Techniques, 700-1100 Cambridge Studies in Islamic Civilization. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511563683
- Miller, Naomi F. (2003). “The Use of Plants at Anau North”. The Bronze Age and Early Iron Age Peoples of Eastern Central Asia (ed. C. E. Lamberg-Karlovsky), vol. 2, pp. 127-151
- Nesbitt, Mark (1993). “Archaeobotanical Evidence for Early Dilmun Diet at Saar, Bahrain”. Arabian Archaeology and Epigraphy 4: 20-47
- Miller, Naomi F. (1985). “Paleoethnobotanical Evidence for Deforestation in Ancient Iran: A Case Study of Urban Malyan”. Journal of Ethnobiology 5(1): 1-19
- ابن سيار الوراق، محمد بن الحسن (القرن 4 هجري / 10 ميلادي). كتاب الطبيخ. تحقيق: كاي اوهرنبرگ Kai Öhrnberg وصحتا زهيدا Sahban Mroueh. هلسنكي: دار النشر Finnish Oriental Society, 1987
- البغدادي، محمد بن الحسن (623 هجرية / 1226 ميلادية). كتاب الطبيخ. تحقيق: نوال نصر الله. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006
- ابن رزين التجيبي، محمد بن محمد (القرن 7 هجري / 13 ميلادي). فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان. تحقيق: محمد بن شقرون. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1984
- مؤلف مجهول (القرن 8 هجري / 14 ميلادي). كنز الفوائد في تنويع الموائد. تحقيق: مانويلا مارين Manuela Marín وديفيد واينز David Waines. Beiruter Texte und Studien vol. 40. Beirut: Franz Steiner Verlag, 1993
- Nasrallah, Nawal (2007). Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyar al-Warraq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook. English translation of Kitab al-Tabikh. Leiden: Brill. https://doi.org/10.1163/ej.9789004158672.i-788
- Nasrallah, Nawal (2018). Treasure Trove of Benefits and Variety at the Table: A Fourteenth-Century Egyptian Cookbook. English translation of Kanz al-Fawa’id. Leiden: Brill
- Strabo (7 ق.م – 23 م). Geography. Loeb Classical Library. https://www.loebclassics.com
- Pliny the Elder (77-79 م). Natural History, Book 18, Chapter 13. Loeb Classical Library
- Apicius (القرن 1 م). De Re Coquinaria (On the Subject of Cooking), Book 2, Chapter 2
- The Mishnah (القرن 2 م). English translation: Herbert Danby (1933). Oxford University Press
- Babylonian Talmud. Various tractates mentioning rice cultivation
- Muthukumaran, Sureshkumar (2014). “Between Archaeology and Text: The Origins of Rice Consumption and Cultivation in the Middle East and the Mediterranean” .Papers from the Institute of Archaeology 24(1): 1-7. https://doi.org/10.5334/pia.465
- Kennedy, Philip F. and Jeremy Johns (2015). “Testing the applicability of Watson’s Green Revolution concept in first millennium CE Central Asia” Vegetation History and Archaeobotany. https://doi.org/10.1007/s00334-023-00924-2
- Ouerfelli, Mohamed (2008). Le sucre: production, commercialisation et usages dans la Méditerranée médiévale. Leiden: Brill
- Borsch, Stuart J. (2005). The Black Death in Egypt and England: A Comparative Study. Austin: University of Texas Press
- Chaudhuri, K.N. (1985). Trade and Civilisation in the Indian Ocean: An Economic History from the Rise of Islam to 1750. Cambridge University Press
- Prakash, Om (1998). European Commercial Enterprise in Pre-Colonial India. Cambridge University Press
- Glamann, Kristof (1958). Dutch-Asiatic Trade, 1620-1740. Copenhagen and The Hague: Danish Science Press and Martinus Nijhoff
- Richards, John F. (1993). The Mughal Empire. Cambridge University Press
- Guarmani, Carlo (1866). Il Neged settentrionale: Itinerario da Gerusalemme a ‘Anéyza in Gasìm. Jerusalem: Tipografia del convento di Terra Santa. [يوثّق تسمية الأرز بـ “تمّن” في نجد]
- Haj, Samira (1997). The Making of Iraq, 1900-1963: Capital, Power, and Ideology. Albany: State University of New York Press
- Saleh, Zuhair Ahmed (1986). “Rice Cultivation in Iraq”. Journal of Economic and Administrative Sciences 2(2). Baghdad: University of Baghdad
- Al-Maqrizi, Taqi al-Din Ahmad (القرن 9 هجري / 15 ميلادي). Al-Mawa’iz wa-l-i’tibar bi-dhikr al-khitat wa-l-athar. Cairo: Bulaq Press, 1853-1854
- Shoshan, Boaz (1983). “Grain Riots and the ‘Moral Economy’: Cairo, 1350-1517”. Journal of Interdisciplinary History 10(3): 459-478
- Ashtor, Eliyahu (1983). Levant Trade in the Later Middle Ages Princeton: Princeton University Press
- Masters, Bruce (1988). The Origins of Western Economic Dominance in the Middle East: Mercantilism and the Islamic Economy in Aleppo, 1600-1750. New York: New York University Press
- Quataert, Donald (1994). “The Age of Reforms, 1812-1914”. In Halil İnalcık and Donald Quataert (eds.), An Economic and Social History of the Ottoman Empire, 1300-1914, pp. 759-943. Cambridge University Press
- الفراهيدي، الخليل بن أحمد (القرن 2 هجري / 8 ميلادي). كتاب العين. تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. بغداد: دار الرشيد للنشر، 1980
- Lane, Edward William (1863-1893). An Arabic-English Lexicon. 8 volumes. London: Williams & Norgate
- Koehler, Ludwig and Walter Baumgartner (2001). The Hebrew and Aramaic Lexicon of the Old Testament. Leiden: Brill
- Leslau, Wolf (1991). Comparative Dictionary of Ge’ez (Classical Ethiopic). Wiesbaden: Otto Harrassowitz Verlag
- Muss-Arnolt, William (1905). A Concise Dictionary of the Assyrian Language. Berlin: Reuther & Reichard
- Watson, Wilfred G.E. (2007). “Lexical Studies in Ugaritic”. Alter Orient und Altes Testament Band 340. Münster: Ugarit-Verlag
- Steingass, Francis (1892). A Comprehensive Persian-English Dictionary. London: Routledge & K. Paul
- Ciancaglini, Claudia A. (2008). Iranian Loanwords in Syriac. Beiträge zur Iranistik Band 28. Wiesbaden: Reichert Verlag
- Jeffery, Arthur (2007). The Foreign Vocabulary of the Qur’ān. Leiden: Brill. [طبعة جديدة من الأصل 1938]
- Beekes, Robert S.P. (2010). Etymological Dictionary of Greek. 2 volumes. Leiden: Brill
- Tengberg, Margareta (1999). “Crop Husbandry at Miri Qalat, Makran, SW Pakistan (4000-2000 BC)”. Vegetation History and Archaeobotany 8: 3-12
- Willcox, George (1991). “Exploitation des espèces ligneuses au Proche-Orient: données anthracologiques”. Paléorient 17(2): 117-126
- Tengberg, Margareta and Naomi F. Miller (2019). “The Earliest Evidence for Rice (Oryza sativa L.) in the Middle East”. Archaeological Research in Asia 19: 100144
- Spengler, Robert N. III, Claudia Chang, and Perry A. Tourtellotte (2013). “Agricultural Production in the Central Asian Mountains: Tuzusai, Kazakhstan (410-150 b.c.)”. Journal of Field Archaeology 38(1): 68-85
- Frachetti, Michael D. (2008). Pastoralist Landscapes and Social Interaction in Bronze Age Eurasia. Berkeley: University of California Press
- Spengler, Robert N. III et al. (2014). “Early agriculture and crop transmission among Bronze Age mobile pastoralists of Central Eurasia” Proceedings of the Royal Society B 281: 20133382
- Glick, Thomas F. (1979). Islamic and Christian Spain in the Early Middle Ages. Princeton: Princeton University Press
- Bolens, Lucie (1981). “L’Andalousie du quotidien au sacré (XIe-XIIIe siècles)”. Aldershot: Variorum
- Carabaza Bravo, Julia María (1994). Ahmad b. Muhammad b. Hajjaj al-Saybari: Kitab fi tartib awqat al-girasa wa-l-magrusaat (Libro sobre la ordenación de las épocas de plantación y de lo plantado). Madrid: CSIC
- Issawi, Charles (1982). An Economic History of the Middle East and North Africa. New York: Columbia University Press
- Owen, Roger (1981). The Middle East in the World Economy, 1800-1914 London: Methuen
- Pamuk, Şevket (1987). The Ottoman Empire and European Capitalism, 1820-1913: Trade, Investment and Production. Cambridge University Press
- Johns, Jeremy (1984). “Comment on Paper by Watson”. The Journal of Economic History 44(2): 584-585
- Decker, Michael (2009). “Plants and Progress: Rethinking the Islamic Agricultural Revolution”. Journal of World History 20(2): 187-206
- Squatriti, Paolo (2014). “Of Seeds, Seasons, and Seas: Andrew Watson’s Medieval Agrarian Revolution Forty Years Later”. The Journal of Economic History 74(4): 1205-1220
- Encyclopedia of Islam, Second Edition (EI2). Leiden: Brill, 1960-2005 مقالات: “Ruzz” (أرز), “Zira’a” (زراعة), “Ghidha’” (غذاء)
- Cambridge History of Islam. Cambridge University Press, 1970. Volume 2: Islamic Society and Civilization
- Food in the Ancient World from A to Z. Andrew Dalby (2003). London: Routledge




اترك رد