معجم المآكل العربية

معجم المآكل العربية

ما بقي الزعتر والزيتون: عالم الدُقّة والزعتر

تشكّل خلطات التوابل المركّبة إحدى أبرز ملامح المطابخ الإقليمية، فهي لا تمثّل مجرّد مزيج من الأعشاب والبهارات، بل تحمل في طيّاتها ذاكرة جماعية وتاريخاً اجتماعيّاً يمتدّ عبر القرون. وفي هذا السياق، تبرز خلطتا الزعتر والدقّة نموذجين لافتين في منطقة الشام ومصر، حيث تتداخل الأسماء وتتشابك المكوّنات، وتختلط المعاني بين العشبة الطبيعية والخلطة المصنّعة، ممّا يستدعي توضيحاً علمياً وتاريخياً دقيقاً.

المقدّمة: بين العشبة والخلطة

يكتنف مصطلح “الزعتر” غموضاً لغويّاً يستوجب التفريق بين ثلاث معانٍ متداخلة: أوّلها عشبة الزعتر الطبيعية التي تنمو برّياً في مناطق حوض البحر المتوسط، وثانيها خلطة الزعتر المركّبة التي تجمع بين أعشاب وتوابل متعدّدة، وثالثها المنتج النهائي المخبوز المعروف بالمناقيش. هذا التداخل اللّغوي أدّى إلى خلط واضح في الحوارات الشعبية، حيث يتحدّث البعض عن “الزعتر” دون تحديد المقصود منه، فيما يخلط آخرون بين الخلطات المختلفة التي تحمل هذا الاسم.

أمّا الدقّة فهي خلطة تابل أخرى تشترك مع الزعتر في بعض المكوّنات، لكنّها تختلف عنها في التركيب والنكهة والاستخدام. وانتشرت كلتا الخلطتين في بلدان عدّة، مع اختلافات إقليمية واضحة تظهر التنوّع البيئي والتاريخي لكلّ منطقة.

الأصول التاريخية واللّغوية

تعود تسمية “الزعتر” إلى أسطورة رومانية قديمة روّجها الرومان بعد تأسيس محافظة إيليّة في فلسطين، حيث ربطوا الخلطة بمعبود يُدعى “زعتر” كان يُصوَّر برجل ذي قضيب منتصب وأقدام ماعز، رمزاً للخصوبة. ويُعتقد أنّ هذا الاسم منحوت من “ذو عثتَر”، نسبة إلى المعبود الكنعاني “عثتر” الذي ورد في النصوص الأوگاريتية بصيغة 𐎓𐎘𐎚𐎗، وبصيغة التأنيث “عثترت” 𐎓𐎘𐎚𐎗𐎚. وتشير النقوش الآرامية اللّاحقة إلى معبود يُسمّى “بَر عتَّر” 𐡁𐡓𐡏𐡕𐡓، وهو على الأرجح الإله المرتبط بأسطورة الخصوبة وتسمية الخلطة.

تكشف هذه الجذور اللّغوية عن أنّ اسم “الزعتر” انتقل من الخلطة إلى العشبة نفسها، وليس العكس كما يظنّ كثيرون. فالخلطة الفلسطينية الأصلية كانت تحتوي في الأساس على الزعتر الزاحف Thymus serpyllum المعروف اليوم باسم “التيم”، وهو نبات مختلف عن الزعتر السوري Origanum syriacum الذي طوّره المزارعون الفلسطينيّون قبل نحو ألفي سنة، الذي يُستخدم اليوم في معظم خلطات الزعتر الحديثة.

أمّا الزوفا Hyssopus officinalis فهي العشبة القديمة التي كانت معروفة في سوريا منذ القدم، وكانت زاد الصيادين قبل انتشار خلطة الزعتر الفلسطينية. هذا التمييز النباتي مهمّ لفهم التطوّر التاريخي للخلطات، إذ أنّ العشبة الأساسية تغيّرت عبر الزمن بفعل الزراعة والانتقاء.

الجغرافيا والانتشار الإقليمي

فلسطين: مهد الخلطة الأصلية

تُعدّ فلسطين موطن خلطة تابل الزعتر الأولى، حيث نشأت في إمارة القدس خلال العهد الروماني الإيلياني. كما وُصفت مدينة غزّة بـ”أمّ الدُقّة” في إشارة إلى عراقة هذه الخلطة فيها. وتتميّز خلطة الزعتر الفلسطينية التقليدية بتركيبة معقّدة تشمل الزعتر الأخضر المجفّف بنسبة 60%، والسمّاق بنسبة 15%، والسمسم المحمّص بنسبة 7.5%، والملح بنسبة 5%، مع إضافات مميّزة مثل عشبة عين الجرادة (الشبت) بنسبة 3.5%، وحجر الجميد المطحون بنسبة 4%، وزيت الزيتون بنسبة 5%.

تُعرف الخلطة الفلسطينية بإضافة البزورات المطحونة قبل الاستهلاك مباشرة، مثل القضامة الصفراء الحلوة (الحمّص المحمّص) وجوز القلب (عين الجمل)، ممّا يمنحها قواماً ونكهة فريدة. وتُؤكل تقليدياً مع خبز التنّور (الطابون) وزيت الزيتون، حيث تُغمس لقمة الخبز في الزيت ثمّ في الخلطة، وتُقدّم عادة مع الشاي الحلو المضاف إليه النعناع أو الميرمية، وحبّات الزيتون المخلّل.

تُعدّ الدُقّة من الغَمْسَات الشعبية المعروفة في غزة، حيث يكون القمح المُحَمّص المطحون العنصر الأساسي فيها إلى جانب عدّة توابل أخرى مثل الكزبرة وبذور الشبت (عين الجرادة). وتتكوّن الدُقّة الغزاوية من القمح المحمص (القليّة)، السمّاق البلدي، السمسم، الكراوية، عين الجراده، الكمّون، الكزبرة، البابريكا الحارّة والحلوة، وقليل من الملح وحامض اللّيمون. وهي إحدى مكوّنات وجبات الإفطار. أو قد تُؤكل تصبيرة بغمسها مع زيت الزيتون أو عملها على طريقة مناقيش الزعتر المعروفة.

وكتب المؤرّخ ف. روبرت هانتر عن كيفية اعتماد الفلسطينيّين على الخبز والدُقّة للبقاء خلال الحصار في السنوات الأولى من الانتفاضة الأولى، ممّا يظهر الأهمّية الغذائية والرمزية لهذه الخلطة في الثقافة الفلسطينية. كما تُحضّر في غزة نسخة أخرى من الدُقّة سلطة طازجة، حيث تُدقّ مكوّنات طازجة مثل الثوم والفلفل الحار والملح في الزبدية الفخارية الغزاوية التقليدية، ثم تُضاف البندورة المقطّعة والشبت المفروم وزيت الزيتون، ممّا يمنح الدُقّة طابعاً مختلفاً عن الخلطة الجافّة التقليدية.

سوريا: تنوّع إقليمي في الخلطات

تتميّز سوريا بتنوّع واضح في خلطات الزعتر بين مناطقها المختلفة. ففي حلب، تحتوي الخلطة على أكثر من عشرة مكوّنات، منها بذور الشمر المطحونة بنسبة 3-5%، وبذور الينسون المطحونة بنسبة 2-3%، وبذور الكزبرة المطحونة بنسبة 2-3%، وبذور الكمّون المطحونة بنسبة 1-2%، إضافة إلى حبّ الرمان المجفّف المطحون بنسبة 2-3%، وبذور البطّيخ المجفّفة المطحونة بنسبة 1-2%، وبذور الشمّام المجفّفة المطحونة بنسبة 1-2%، والفستق (الفول السوداني) المحمّص المطحون بنسبة 2-3%. يمنح هذا التعقيد الزعتر الحلبي نكهة “فاكهية مع لمسات من الكمّون”، كما وُصفت في المصادر التقليدية.

أمّا في دير الزور، فتشمل الخلطة القضامة (البطم)، والسمّاق، والشعيريّة المحمّصة، وبزر الجبس المحمّص، والخبز المحمّص، والقمح المحمّص، وبزر الشمّام المحمّص، مع جميع التوابل وورق الزعتر المنخول بعد الطحن لإزالة الخشونة، ثمّ يُضاف السمسم. يظهر هذا التنوّع الإقليمي غنى الموارد الزراعية في كلّ منطقة وتفضيلات السكّان المحلّيّين.

تتميز دمشق وبعض المناطق السورية الأخرى بخلطة الزعتر البنّي المعروفة بإضافة دبس الرمّان، التي تمنح الخلطة لوناً بنّيّاً غامقاً ونكهة حامضة مميّزة. تشمل المكوّنات ورق الزعتر، دبس الرمان، الكزبرة، اليانسون، الشمر، السمّاق، الكمّون، الملح، الفستق السوداني، القضامة، حامض اللّيمون، السمسم، الكراوية، وبذر دوار الشمس. وتُعدّ هذه الخلطة نسخة مطوّرة من الزعتر التقليدي، حيث يضفي دبس الرمان طابعاً حمضيّاً يميّزها عن الخلطات الأخرى، وتحظى بشعبية خاصة في دمشق والمناطق المحيطة بها.

الدقة الشامية خلطة رطبة تشبه الصلصة أو الغموس أكثر من كونها خلطة توابل جافّة، وتتكوّن من: بقسماط (كعك) مطحون، ماء، بصل مبشور، طحينية، دبس رمان، دبس فليفلة (الفلفل الأحمر)، معجون بندورة، زيت زيتون، جوز مفروم، سكّر، فلفل أسود، وملح. يُخلط البقسماط مع الماء، ثمّ تُضاف الطحينية والتوابل ودبس الفليفلة ودبس الرمان، ويُقلّى البصل المبشور في زيت الزيتون ويُضاف للخليط، ثم يُزيّن بالجوز ودبس الرمان وزيت الزيتون، وتُقدّم إلى جانب الخبز المحمص والمشاوي.

الدقة الشامية/السورية تختلف كلّياً عن الدقّة المصرية التي تعتمد البزورات والبذور الجافّة المحمّصة. وعن الدقّة الفلسطينية/الغزّاوية التي تعتمد القمح المحمّص المطحون والتوابل الجافّة. الدقة الشامية هي في الأساس غموس رطب يُقدّم مع المشاوي والمقبّلات، وليست خلطة توابل جافّة كما في مصر وفلسطين. لذا فهي أقرب إلى المتبّل أو البابا غنّوج من حيث القوام والاستخدام.

لبنان: التشابه مع الخلطة الفلسطينية

تتطابق الخلطة اللّبنانية إلى حدّ بعيد مع الفلسطينية، حيث تتكوّن من أوراق الزعتر المجفّفة مع السمسم والسمّاق. ويتميّز الزعتر اللّبناني، مثل الحلبي، بلونه الأحمر الغامق الناتج عن كمّية السمّاق المضافة. وينتشر الزعتر في جنوب لبنان بشكل خاصّ، حيث تُزرع عشبة الزعتر برّياً في المناطق الجبلية.

تتشابه الدُقّة اللبنانية مع نظيرتها المصرية في التركيز على البزورات والبذور، لكنّها تختلف في النسب والتوابل المستخدمة. تتكوّن الدُقّة اللّبنانية عادة من اللّوز والجوز المحمّص، بذور السمسم الأبيض والأسود، بذور اليقطين، الكمّون، الكزبرة، والملح. وتُستخدم اللّبنة والدُقّة معاً في المطبخ اللّبناني ثنائي مثالي على مائدة الفطور، حيث تُرش الدُقّة فوق اللّبنة المدهونة على الخبز أو تُقدّم طبق جانبي مع زيت الزيتون.

وتتميّز الدُقّة اللّبنانية بكونها خليطاً غنيّاً من النكهات العطرية المقرمشة، حيث تحمّص البزورات والبذور بعناية لإبراز نكهاتها. ويمكن استخدامها أيضاً طبقة مقرمشة للحوم والأسماك، أو إضافة لذيذة للسلطات والخضروات المشوية، ممّا يجعلها أكثر تنوّعاً في الاستخدام مقارنة بخلطة الزعتر التقليدية.

الأردن: الزعتر في قلب المائدة

يحتلّ الزعتر مكانة خاصّة في الأردن، حيث يُعدّ سيّد مائدة الفطور. وتُصنع الخلطة الأردنية بطرق متعدّدة، لكنّ النكهة الأصلية تعتمد على الزعتر والسمسم مع قليل من السمّاق. وتنتشر في عمّان محلّات متخصّصة متوارثة على عدّة أجيال، ممّا يشير إلى عراقة هذا المنتج في المجتمع الأردني.

مصر: الدقّة المصرية وتمايزها

تختلف الدقّة المصرية جذريّاً عن خلطة الزعتر الشامية، برغم تشابه الاسم مع الدقّة الفلسطينية. فالدقّة المصرية التقليدية تتكوّن من لبّ نوى المشمش المجفّف المطحون مكوّن رئيس، مع البزورات والسمسم والكزبرة والكمّون والملح، ولا تحتوي على عشبة الزعتر. وتُؤكل الدقّة المصرية عادة مع السميط (الخبز المملّح) في المناطق الشعبية، ولا تُستخدم مع زيت الزيتون كما في بلاد الشام.

أمّا خلطة الزعتر الشامية في مصر فقد دخلت حديثاً نسبيّاً (عدّة قرون)، وانتشرت في المناطق الشمالية مثل سيناء والإسماعيلية والشرقية، حيث توجد زراعات الزيتون وعلاقات تجارية تاريخية بالشام. وتتوفّر اليوم خلطات الزعتر في أسواق القاهرة والإسكندرية، ممّا يؤكّد وجود مصنّعين مصريّين يلبّون طلباً متزايداً على هذا المنتج.

تركيا: الإرث العربي في الجنوب

تُنتج تركيا كمّيات كبيرة من الزعتر، وتُعدّ المصدر الرئيس لأوروپا وعربها. وينتشر استخدام خلطة الزعتر في المناطق الجنوبية ذات الأغلبية العربية، مثل خطاي وعينتاب وأورفا. ويُطلق الأتراك أحياناً على الخلطة اسم “خليط الأوريگانو” Kekik karışımı أي المردقوش، في حين يستخدمون مصطلح “الزعتر السوري” Suriye zahteru للتمييز بين الخلطة الحلبية والأعشاب الطبيعية الأخرى.

في ماردين، كان السكّان يدهنون زيت الزيتون على الخبز ويرشّون عليه الزعتر ويخبزونه في فرن التنّور، كما كانوا يشربون شاي الزعتر في المقاهي. لكن تراجعت هذه الممارسات مع تغيّر الأجيال والعادات الغذائية، ممّا يعكس التحوّلات الاجتماعية في المناطق التركية ذات الأصول العربية.

من المهمّ التنويه إلى أنّ المناطق الجنوبية من تركيا، وخاصّة لواء إسكندرون (خطاي)، كانت تاريخياً جزءاً من الولايات العربية حتّى أعوام 1924 و 1939، ولا يزال سكّانها يتحدّثون العربية ويحتفظون بعاداتهم الغذائية الحلبية والجزيرية. لذا فإنّ وجود خلطة الزعتر في هذه المناطق ليس دخيلاً، بل امتداد طبيعي للموروث المحلّي.

السعودية: بين الدقّة والزعتر

تشتهر السعودية بـ”دقّة المدينة” التي تختلف عن نظيرتها الشامية والمصرية. فهي تعتمد على ورد المدينة المجفّف أو نعناع المدينة المجفّف بدلاً من عشبة الزعتر، مع إضافة السمسم المحمّص، وتتميّز بطعم الكمّون وبذور الكزبرة القوي. وتُستهلك بكثرة في شهر رمضان.

أمّا الزعتر البرّي فيُشرب مشروب ساخن من المدينة إلى تبوك، في حين انتشرت خلطة الزعتر الشامية في العقود الأخيرة، خاصّة في الرياض، حيث تُستخدم في وجبة الفطور وجلسات الشاي.

اليمن والعراق: العشبة دون الخلطة

أمّا في اليمن، فيُستخدم الزعتر البرّي منكّه للّبن والسلطات، على غرار الاستخدامات الإيطالية للعشبة. وفي العراق، لم تكن هناك تقاليد زعترية راسخة، لكنّ السنوات الأخيرة شهدت دخول خلطة الزعتر الشامية إلى المائدة العراقية بفعل التبادل التجاري والهجرات، بدأت تنمو فيه شعبية.

المغرب العربي: استخدامات مبتكرة

في المغرب العربي، تُعرف عشبة الزعتر البرّي وتُستخدم مشروب ساخن أو توابل تُضاف للّحوم والطواجن، لكن لا وجود لخلطة الزعتر الشامية المركّبة. ويضيف بعض المغاربة عشبة تُسمّى “جرتيل” إلى القهوة السوداء لإعطائها نكهة مميّزة، وهي نوع من أنواع الزعتر البرّي.

يجب التفريق بوضوح بين الزعتر اللّيبي عشبة برّية والخلطة الشامية. فالزعتر في ليبيا نبات عشبي جبلي شديد الرائحة وقويّ العود والورق، يُستخدم طبّياً وفي المطبخ تابل، لكنّه ليس الخلطة المركّبة المعروفة في بلاد الشام. أمّا المردقوش (الأوريگانو) فينمو أيضاً في ليبيا عشبة عطرية ليّنة وناعمة الورق والعود، لكن لا توجد تقاليد راسخة لصناعة خلطة الزعتر المركّبة كما في المشرق.

في الجزائر، تُستخدم عشبة الزعتر بهارات في الطبخ، خاصّة مع الدجاج، ومشروب مستحلب. كما يوجد نوع مميّز من الكسكس يُفتل بالزعتر حتّى يكتسب اللّون الأخضر، وقد فاز مؤخّراً بجائزة ألذّ كسكس، ممّا يُظهر الإبداع المغاربي في استخدام هذه العشبة بطرق مختلفة عن المشرق. وفي تونس، الزعتر عشبة تُستخدم بهارات في الطبخ، خاصّة مع الدجاج، ومشروب مستحلب، دون وجود تقاليد لصناعة الخلطة المركّبة الشامية.

الصومال: تشابهات لغوية مثيرة

يلفت الاهتمام التشابه اللّغوي بين “الدُقّة” العربية و”دُقُس” duqus الصومالية، وهو تشابه يمتدّ ليشمل عدّة مصطلحات مرتبطة في المنطقة، لكن مع اختلافات جوهرية في الطبيعة والاستخدام.
الدُقس الصومالية Duqus، كما ورد في المقال الأصلي، هي نوع من البهارات ذي رائحة نفّاذة زكية يُنثر على اللّحم الطازج المطبوخ والمرق، وتشبه في طبيعتها خلطة “حواش” Xawaash الصومالية الأوسع انتشاراً. و”حواش” Xawaash مصطلح مشتقّ من الكلمة العربية “حوائج” التي تعني “المتطلّبات” أو “الأساسيات”، ويُعتقد أنّ خلطة الحوائج نشأت في اليمن ثم انتقلت إلى الصومال عبر طرق التجارة البحرية التاريخية. هذا مع الإشارة إلى تتبيلة (حواش) اللّحم المصرية التي كانت سبباً في ابتكار أكلة الحواوشي التجارية.

من الملاحظ أنّ مصطلح “الدقّة” و”الدقّوس” يشير في بعض المناطق العربية إلى خلطات رطبة وليست جافّة:

  • الدقّة السورية (الشامية): هي خلطة رطبة تشبه الصلصة، وتُقدّم غموس مع الخبز المحمّص والمشاوي.
  • الدقّوس اليمنية-السعودية: صلصة حارّة رطبة تُقدّم بجانب الكبسة والمندي والبرياني، وتتكوّن أساساً من البندورة والثوم والفلفل الأخضر الحار مع التوابل، وتُعرف أيضاً باسم “السحاوق” في اليمن.

أوجه التشابه والاختلاف:

الخلطةالطبيعةالمكوّنات الأساسيةالاستخدام
الدُقس الصوماليةجافّةبهارات مطحونةتُنثر على اللّحم والمرق
الدقّة السوريةرطبةبقسماط، طحينية، دبس رمانغموس مع الخبز والمشاوي
الدقّوس اليمنية-السعوديةرطبةبندورة، فلفل حار، ثومصلصة مرافقة للأرز واللّحوم
الدقّة المصرية/الفلسطينيةجافّةبزورات، بذور، توابلتُؤكل مع الخبز والزيت

يظهر هذا التنوّع اللّافت في استخدام المصطلحات المشتقّة من الجذر “د-ق-ق” (الذي يعني السحق بالدقّ) كيف تطوّرت الكلمات بشكل مستقلّ في السياقات المحلّية المختلفة، حيث اشتُقّت أسماء لمنتجات مختلفة تماماً (جافّة ورطبة) من نفس الجذر اللّغوي.

وتؤكّد هذه التشابهات اللّغوية والتأثيرات المتبادلة عمق الروابط التاريخية بين منطقة شرق أفريقيا (الصومال) والجزيرة العربية (اليمن والحجاز) والشام، عبر طرق التجارة البحرية والبرية التي نقلت ليس فقط السلع والتوابل، بل أيضاً المصطلحات والممارسات الغذائية.

التركيب الكيميائي والفوائد الصحّية

المركّبات النشطة في الزعتر

تحتوي عشبة الزعتر على زيوت طيّارة بنسبة 0.5-3.8% من كتلة النبات، أهمّها الثيمول بنسبة 37-55% من الزيت الطيّار، وهو مركّب فينولي أحادي التربين يتمتّع بخصائص مضادّة للأكسدة والميكروبات. كما يحتوي الزعتر على الكارفاكرول بنسبة تتراوح بين 0.5-5.5% في معظم الأنواع، وقد تصل إلى 45.5% في بعض الأصناف، إضافة إلى p-Cymene وγ-Terpinene وα-Terpineol وendo-Borneol.

أمّا المركّبات الفينولية فتشمل حمض الروزمارينيك مركّب بوليفينولي رئيس، ومشتقّات حمض الكافيين بتراكيز عالية، ومختلف الفلافونويدات من مشتقّات الكوارسيتين والكايمبفيرول. ويحتوي الزعتر على ڤيتامينات C وE وB، بالإضافة إلى معادن مهمّة مثل البوتاسيوم والكالسيوم والمگنيسيوم والحديد والمنگنيز.

السمّاق وغناه بالمركّبات الحيوية

يتميّز السمّاق بغناه بالمركّبات الفينولية، حيث يحتوي على حمض الگاليك بتركيز 197,489.19 ملغ/كغ في الخلاصة الجافّة، والعفصات بنسبة 52.00-189.80 ملغ معادل حمض گاليك/غ وزن جاف. وتتراوح الأنثوسيانينات بين 3.57-66.14 ملغ معادل سيانيدين-3-گلوكوسيد/غ، أهمّها السيانيدين-3-گلوكوسيد بتركيز 20,889.81 ملغ/كغ.

تشمل الفلافونويدات في السمّاق الإيزوكوارسيترين بتركيز 20,342.82 ملغ/كغ، والكوارسيتين والكايمبفيرول بتراكيز معتدلة. أمّا التركيب الغذائي فيشمل الكربوهيدرات بنسبة ~71%، والدهون بنسبة ~19% (منها حمض الأوليك 37.5% وحمض اللّينوليك 34.84%)، والبروتين بنسبة ~5%، والألياف بنسبة >14%. ويحتوي السمّاق على ڤيتامين C بكمّيّات كبيرة تفوق العديد من الفواكه، وڤيتامين A بمستويات معتدلة، ممّا يفسّر الطعم الحمضي المميّز الذي يضفيه على خلطة الزعتر.

السمسم واللّجنانات النشطة

يحتوي السمسم على لجنانات بتراكيز 405-1178 ملغ/100غ إجمالي، أهمّها السيسامين بمتوسّط 163±141 ملغ/100غ، والسيسامولين بمتوسّط 101±58 ملغ/100غ. ويتراوح محتوى الزيت في السمسم بين 48-55%، مع تركيبة أحماض دهنية تشمل حمض اللّينوليك (ω-6) 35-50% وحمض الأوليك 35-50%.

يحتوي السمسم على بروتين بنسبة 20-25% غنيّ بالميثيونين والڤالين والتريبتوفان، وڤيتامين E بمحتوى عالٍ يهيمن عليه γ-توكوفيرول بنسبة 90.5% وبتركيز 46.8-51.7 ملغ/100غ. أمّا المعادن فتشمل الكالسيوم بمحتوى ممتاز يصل إلى 975 ملغ/100غ، والمگنيسيوم 351 ملغ/100غ، والحديد والزنك والنحاس والمنگنيز بكمّيات مهمّة.

التأثيرات الصحّية

تُظهر الدراسات الحديثة أنّ خلطة الزعتر تحتوي على أكثر من 200 مركّب حيوي نشط، ممّا يجعلها غذاء وظيفياً متكاملاً. فالثيمول والكارفاكرول معترف بهما آمنين عموماً من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وتُظهر التجارِب السريرية أماناً وتحمّلاً جيّداً بجرعة 1-2 ملغ/كغ/يوم للكارفاكرول.

تشمل الفوائد الصحّية نشاطاً مضادّاً للأكسدة تآزرياً فائقاً على المكوّنات الفردية، مع حماية خلوية مثبتة ضدّ كسر خيوط DNA في الخلايا اللّمفية البشرية. كما تُثبّط المكوّنات مسارات الالتهاب عبر تثبيط COX/LOX ومسار NF-κB، مع تعديل مسار PI3K/AKT/mTOR لبقاء الخلايا والتكاثر. وتُظهر الدراسات البشرية انخفاضاً في العلامات الحيوية الالتهابية بعد الاستهلاك.

الخلافات والادّعاءات التاريخية

يثير موضوع الزعتر جدلاً واسعاً حول أصله التاريخي، حيث يدّعي البعض أنّ “الزعتر من اختراع مدينة حلب من على زمان العصر العبّاسي”، وأنّ “أهل الأردن وفلسطين كانوا يأخذون الزعتر من حلب”. لكنّ هذه الادّعاءات تفتقر إلى الأساس التاريخي والأركيولوجي، فالأدلّة تشير بوضوح إلى أنّ خلطة الزعتر نشأت في إمارة القدس خلال العهد الروماني الإيليّاني Aelia gens، أي قبل الإسلام بخمسة قرون، وقبل العصر العبّاسي بثمانية قرون على أقلّ تقدير.

كما أنّ الاسم اللّاتيني لعشبة الزعتر الشائعة اليوم Origanum syriacum (المردقوش السوري) لا يعني بالضرورة أنّ الخلطة نشأت في سوريا الحديثة، فالمصطلح اللّاتيني “سوريا” كان يشمل منطقة جغرافية واسعة تضمّ فلسطين والأردن ولبنان وأجزاء من تركيا الحالية بالإضافة إلى العراق برمّته. والأهمّ من ذلك أنّ العشبة شيء والخلطة شيء آخر، فالعشبة قد تكون منتشرة في مناطق متعدّدة، لكنّ تطوير الخلطة المركّبة منها حدث في موضع محدّد.

يجب التنبّه إلى أنّ بعض الروايات في الحوارات الشعبية تحمل دوافع سياسية أو قومية، وتفتقر إلى الدقّة العلمية.

الخاتمة

تمثّل خلطتا الزعتر والدقّة نموذجاً حيّاً على التراث الغذائي المشترك في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحدود الجغرافية والتاريخية، وتتشابك الموروثات الاجتماعية. وبرغم الاختلافات الإقليمية في التركيب والنكهة، تبقى هاتان الخلطتان شاهداً على الإبداع الإنساني في تطوير منتجات غذائية معقّدة من مكوّنات طبيعية بسيطة.

ومن المهمّ التفريق بين العشبة الطبيعية والخلطة المركّبة، وبين التقاليد الموثّقة والادّعاءات السياسية، وبين الانتشار الحديث والأصول التاريخية. فالبحث العلمي الرصين يستند إلى الأدلّة الأركيولوجية والنصوص التاريخية واللّغوية، وليس إلى الحماسات القومية أو الخلافات الإقليمية.

أخيراً، تستحقّ هذه الخلطات التقليدية مزيداً من الدراسة العلمية، سواء من الناحية الكيميائية والصحّية، أو من الناحية التاريخية والاجتماعية، لأنّها تحمل في طيّاتها ذاكرة جماعية وتراثاً إنسانياً يستحقّ الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.

المراجع والمصادر

  1. Unraveling the beneficial effects of herbal Lebanese mixture “Za’atar”: History, studies, and properties of a potential healthy food ingredient. Nasr, S., Jaafar, M., Habchi, R., et al. (2021). Journal of Ethnopharmacology, 280, 114456. https://doi.org/10.1016/j.jep.2021.114456
  2. Phytochemical characterization of some sumac (Rhus coriaria L.) genotypes from southern part of Turkey. Koşar, M., Bozan, B., Temelli, F., & Başer, K. H. C. (2007). Zeitschrift für Naturforschung C, 62(7-8), 531-536
  3. Phytochemical and nutritional properties of sumac (Rhus coriaria): a potential ingredient for developing functional foods. Pourreza, N. (2013). Journal of Medicinal Plants Research, 7(20), 1526-1528
  4. Biological activity of plant-based carvacrol and thymol and their impact on human health and food quality. Marchese, A., Barbieri, R., Sanches-Silva, A., et al. (2016). Trends in Food Science & Technology, 57, 76-92. https://doi.org/10.1016/j.tifs.2016.09.006
  5. Origanum syriacum L. (Za’atar), from Raw to Go: A Review. Abu-Lafi, S., Rayan, M., Khasib, S., et al. (2019). Plants, 8(11), 489. https://doi.org/10.3390/plants8110489
  6. Identification of CYP isoforms involved in the metabolism of thymol and carvacrol in human liver microsomes. Yamazaki, H., Takemoto, K., Hamada, A., & Shimada, T. (2001). Xenobiotica, 31(8-9), 589-599
  7. Pharmacokinetics and safety of the sesame lignans, sesamin and episesamin, in healthy subjects. Sugiyama, M., Sakaki, K., Goto, M., et al. (2018). Biological & Pharmaceutical Bulletin, 41(4), 504-510. https://doi.org/10.1248/bpb.b17-00816
  8. The Impact of Za’atar Antioxidant Compounds on the Gut Microbiota and Gastrointestinal Disorders: Insights for Future Clinical Applications. Meccariello, R., D’Angelo, S. (2021). Antioxidants, 10(7), 1072. https://doi.org/10.3390/antiox10071072
  9. Rhus coriaria L. (Sumac), a Versatile and Resourceful Food Spice with Cornucopia of Polyphenols. Abu-Reidah, I. M., Arráez-Román, D., Segura-Carretero, A., & Fernández-Gutiérrez, A. (2013). Phytochemistry Reviews, 12(4), 877-896. https://doi.org/10.1007/s11101-013-9303-3
  10. Pharmacological and Antioxidant Activities of Rhus coriaria L. (Sumac). Rayne, S., & Mazza, G. (2007). Phytotherapy Research, 21(10), 909-915. https://doi.org/10.1002/ptr.2230
  11. Lignans of Sesame (Sesamum indicum L.): A Comprehensive Review. Moazzami, A. A., Andersson, R. E., & Kamal-Eldin, A. (2007). Journal of Agricultural and Food Chemistry, 55(22), 9242-9247. https://doi.org/10.1021/jf0712629
  12. Essential Oils’ Chemical Characterization and Investigation of Some Biological Activities: A Critical Review. Chouhan, S., Sharma, K., & Guleria, S. (2017). Medicines, 4(3), 58. https://doi.org/10.3390/medicines4030058
  13. Carvacrol—A Natural Phenolic Compound with Antimicrobial Properties. Marchese, A., Arciola, C. R., Barbieri, R., et al. (2017). Molecules, 22(12), 2127. https://doi.org/10.3390/molecules22122127
  14. الأساطير الكنعانية والأوگاريتية. Gibson, J. C. L. (1978). Canaanite Myths and Legends. Edinburgh: T&T Clark
  15. النقوش الآرامية والأصول اللغوية. Drijvers, H. J. W., & Healey, J. F. (1999). The Old Syriac Inscriptions of Edessa and Osrhoene. Leiden: Brill
  16. Official Methods of Analysis, 22nd Edition (2023). AOAC INTERNATIONAL. https://www.aoac.org/official-methods-of-analysis/
  17. Microbiological criteria for foodstuffs. European Commission Regulation (EC) No 2073/2005. https://food.ec.europa.eu/safety/biological-safety/food-hygiene/microbiological-criteria_en
  18. Classification and authentication of spices and aromatic herbs by means of HPLC-UV and chemometrics. Huck, C. W., Guggenbichler, W., & Bonn, G. K. (2005). Journal of Chromatography A, 1062(2), 189-193
  19. Assessing Analytical Methods for the Rapid Detection of Lead Adulteration in the Global Spice Market. Forsyth, J. E., Weaver, K. L., Maher, K., et al. (2019). Environmental Research, 174, 7-14. https://doi.org/10.1016/j.envres.2019.04.004
  20. Assessment of the Microbiological Safety of Dried Spices and Herbs Commercialized in Spain. Jiménez, S. M., Salmerón, J., Albertos, I., et al. (2018). Food Microbiology, 71, 12-17. https://doi.org/10.1016/j.fm.2017.03.014
  21. Processes to Preserve Spice and Herb Quality and Sensory Integrity During Pathogen Inactivation. Grinstead, D., & Reminick, B. (2008). In: Microbiology and Technology of Fermented Foods. IFT Press/Blackwell Publishing
  22. 22 The Art of Spice Storage: Making the Most of Your Spices. Canadian Spice Association Guidelines. https://www.canadianspiceassociation.com/
  23. Za’atar – Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/Za%27atar
  24. Sumac: Benefits, Uses, and Forms. Healthline Medical Review (2023). https://www.healthline.com/nutrition/sumac
  25. Sesame Seeds: Benefits, risks, meal ideas, and more. Medical News Today (2023). https://www.medicalnewstoday.com/articles/263405
  26. Taste of Beirut – Zaatar, Aleppo or Lebanese-style. Haddad, J. (2015). https://www.tasteofbeirut.com/
  27. Za’atar Recipe & Nutrition. Precision Nutrition’s Encyclopedia of Food. https://www.precisionnutrition.com/

تاريخ النشر

آخر تحرير

عودة إلى …

اترك رد

مدوّنة البخاري تُدار بقدرة شخص واحد، دون مورد مالي عائد منها. لذلك فإنّ دعمنا بالتبرّع هو رافد عظيم لمنحنا القدرة على الاستمرار.

مرة واحدة
شهري
سنوي

دعمك يعيننا على الاستمرار

إنشاء تبرع شهري

إنشاء تبرع سنوي

اختيار مبلغ

€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00
€5.00
€15.00
€100.00

أو إدخال مبلغ مخصص


تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تحظى إسهاماتك بالتقدير.

تبرعالتبرع شهريًاالتبرع سنويًا

اكتشاف المزيد من مدوّنة البخاري

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading