تتبّع تاريخيّ وفيلولوجيّ يوثّق الأصل العربيّ لطبق المسقّعة بدءاً من المطبخ العبّاسيّ وصولاً إلى تنويعاته العالميّة، مع دحض ادّعاءات نسبته إلى اليونان
في سهرة برلينيّة جمعتني بمعارف من اليونان وإيطاليا وألمانيا وروسيا، أصرّ شاب يوناني على أنّ المُسَقَّعَة أكلة يونانية الأصل تعلّمها العرب، ومضى يشرح تراثها وعاداتها العريقة في بلاده، متجاهلاً أنّ أهله لم يعرفوا المُسَقَّعَة قبل القرن 19 م، ولم تصل بلادهم إلّا بعد أن نشرها العثمانيون. وحين أخبرته أنّها أكلة عربية، واسمها عربي واضح العروبة، سخر منّي، ووافقه الطليان والألمان والروس وسط ضحكاتهم، مردّدين عبارتهم الباهتة: “أنتم العرب تحبّون تعريب كل شيء!”. وأنّ اليونان أصل الحضارة، لا تستعير من غيرها.
وأنا أستغرب عنادهم جميعاً وسلبهم هوية مُسَقَّعَتي العربية العريقة لنسبتها إلى اليونان، برغم أنّ قواميس الدنيا، ومنها قاموس {راندوم هاوس} Random House الصادر سنة 2008 للميلاد، تؤكّد أنّ الكلمة اليونانية {موساكاس} μουσακάς حديثة ومستعارة من التركية {مُسَقّى} musakka، المأخوذة بدورها من العربية المصرية {مُسَقَّعَة}، التي تعود أساساً إلى أصلها العربي {مُصَقَّعَة}.

المسقّعة: ثريد مصقوع
يُلفظ اسمها في مصر مُسَأَّعَة أو مُسَگَّعَة، وتتشارك بلاد الشام الأسماء ذاتها. وتتفرّع منها وصفات شاميّة عديدة؛ فإذا أُضيفت إليها الخضار سُمّيت مغموراً، وإذا استُبدل الباذنجان باليقطين غدت مكموراً، ويُضاف الحمّص إلى المغمور والمكمور معاً. وهي في عراق اليوم {تپسي باذنجان} ويُسمّى اختصاراً «التّپسي». وتُحضَّر هذه الأكلة بصفّ شرائح الباذنجان المقليّة مع اللّحم المفروم أو قطع اللّحم، مضافاً إليها شرائح الطّماطم والبصل والبطاطا، وتُطبَخ في صينيّة واسعة داخل الفرن. وتعود أصول كلمة {تپسي} إلى اللّغة التّركيّة وتعني الصّينيّة أو الوعاء المسطّح، الأمر الّذي يتوافق تماماً مع فكرة تسطيح المكوّنات المذكورة في تفسير {ابن منظور} لمعنى المُصقّعة.
المُصَقَّعَة هي ثريدة باذنجان مع لحم الغنم أو العجل. وبرغم شيوع الاعتقاد بأنّ اسمها مأخوذ من التبريد لأنّها تُقدّم باردة (مْسَأَّعَة)، يوضّح {ابن منظور} في معجمه {لسان العرب} العائد إلى القرن 13 للميلاد حقيقة الأمر بقوله: «صَوْقَعةُ الثرِيد: أَعلاه. وصَوْقَعَ الثريدةَ إِذا سطَحَها، قال: وصَوْمَعَها وصَعْنَبَها إِذا طَوَّلها. وصَقَعَ الثرِيدَ يَصْقَعُه صَقْعاً: أَكَله من صَوْقَعتِه». فالسبب الحقيقي لتسمية المُصَقَّعَة يعود إلى هندسة تحضيرها؛ فاللّحم والباذنجان يُسطّحان في طبقات مسطّحة (مصقوعة) فوق بعضها عقب تشريح الباذنجان رقائق، ثم تُطهى مطجّنة في الفرن. فهي في الأصل ثريدة مسطوحة، أي مُصَوْقَعَة.
تبعث المراجعات المنشورة في بعض المواقع الرّقميّة على العجب، فعلى سبيل المثال تنسبُ بعض الصّفحات العربيّة أصل الأكلة إلى اليونان، في حين تعترف الصّفحات المحرّرة باللّغة الإنگليزيّة بأصلها العربيّ الثّابت. ويمثّل هذا التّناقض العجيب تشويهاً وتخليطاً غير مقبولٍ في حقّ تراثنا الغذائيّ وتاريخنا المطبخيّ الموثّق.

من بيض الجان إلى زفاف بوران: التّاريخ العبّاسيّ للباذنجان
لا يكتمل فهم تاريخ المسقّعة وتطوّرها دون الغوص في حكاية مكوّنها الأساسيّ، وهو الباذنجان الذي قطع رحلةً طويلةً وشاقّةً من ثمرةٍ منبوذةٍ ومخيفةٍ إلى سيّد الموائد الشّرقيّة. إذ نُحتت تسمية الباذنجان في اللّسان العربيّ من تركيب كلمتي بيض وجان، أي بيض الشّيطان، وتُخطئ التّأصيلات اللّغويّة التي تردّ هذه الكلمة إلى أصولٍ فارسيّةٍ؛ فلا لفظة بيض فارسيّةٌ ولا كلمة جان كذلك، حتّى إنّ التّركيب ذاته لا يوافق الأوزان الفارسيّة. لا اعتاد عرب العراق قديماً إمالة الألف بدلاً من المدّ الصّريح، فتحوّلت كلمة بيض في نطقهم إلى أصلها باض، ثمّ تدرّجت الكلمة عبر تحوّرات أحرف الإطباق اللّسانيّة من باضنجان إلى باظنجان، حتّى استقرّت في النّهاية على لفظ باذنجان.
عرف العرب نبتة الباذنجان وافدةً إليهم من بلاد الهند، وتحاشوا أكلها في البدايات لظنّهم أنّها تسبّب أمراضاً مستعصيةً مثل السّوداء أي الاكتئاب والسّرطان والجنون، وتؤجّج غريزة العنف لدى الإنسان، متأثّرين بأساطير قديمةٍ ربطت شكلها بالسّحر الأسود والشّؤم. وأشار {ابن سينا} في مدوّناته الطّبّيّة إلى تسبّب الباذنجان بمرض الاكتئاب، وذكر {الرّازيّ} أنّه يُحدث بثوراً في الفم والتهاباً في الأوعية الدّمويّة، حتّى شبّهه العرب في القديم ببطن العقرب في لونه وبلدغته في مذاقه المرّ اللّاذع.
وانتهى هذا التّخوّف عند العرب في القرن 2 للهجرة / 8 للميلاد مع «الخليفة الأسود» {إبراهيم بن المهديّ} الّذي بادر إلى طبخ الباذنجان وكسر النّظرة السّطحيّة تجاهه. أمّا أهل حوض البحر الأبيض المتوسّط وأوروپا فاستمرّ خوفهم منه حتّى القرن 7 للهجرة / 13 للميلاد، وانتقل هذا الموروث الخائف عبر العرب إلى إيطاليا، ومنها شاع في عموم أوروپا اعتقادٌ جازمٌ بأنّ تناول الباذنجان يذهب بالعقل ويسبّب الجنون.
يستند هذا التّخوّف التّاريخيّ إلى حقيقةٍ علميّةٍ وكيميائيّةٍ ملموسةٍ؛ إذ تحتوي ثمار الفصيلة الباذنجانيّة {سولاناسي} Solanaceae، ولا سيّما الثّمار النّيّئة أو غير النّاضجة أو المعرّضة طويلاً لأشعّة الشّمس والضّوء الأخضر، على مركّب {السّولانين} Solanine، وهو گليكوسيدٌ ستيرويديٌّ سامٌّ تفرزه النّبتة خطَّ دفاعٍ طبيعيّاً ضدّ الحشرات والفطريّات والآفات. ويتكوّن هذا المركّب كيميائيّاً من جزءٍ ستيرويديٍّ يُسمّى {سولانيدين} Solanidine يرتبط بسكّريّاتٍ مثل الگلوكوز والگالكتوز وأحماضٍ دهنيّةٍ.
يؤدّي تناول كمّيّاتٍ كبيرةٍ من السّولانين إلى اضطراباتٍ هضميّةٍ حادّةٍ تشمل الغثيان والقيء والإسهال، إلى جانب أعراضٍ عصبيّةٍ كالصّداع والدّوار والهلوسة، فضلاً عن ضيق التّنفس واضطراب ضربات القلب، وتُحدث الكمّيّات القليلة منه تقرّحاتٍ فمويّةً والتهاباً في الأوعية الدّمويّة.
استطاع المطبخ العربيّ التّغلّب على سمّيّة السّولانين ومرارة المركّبات الفينوليّة والصّابونين عبر التّجربة العمليّة والذّكاء المطبخيّ. إذ تفكّك درجات الحرارة العالية في أثناء الغلي أو القلي أو الشّوي جزيئات السّولانين، ويسهم نقع الباذنجان في محاليل حمضيّةٍ كالخلّ وعصير اللّيمون، أو قلويّةٍ مثل إضافة بيكربونات الصّودا المعروفة بالنّطرون، في إذابة هذا المركّب السّامّ وسحبه من الأنسجة النّباتيّة. أمّا النّقع في الماء والملح فوظيفته فيزيائيّةٌ تعتمد على الخاصّيّة الأسموزيّة لسحب السّوائل الزّائدة ومركّبات المرارة، وتقليص مساميّة الباذنجان لئلّا يمتصّ كمّيّاتٍ مفرطةً من الدّهون والزّيوت عند قليه.
شهدت سنة 825 للميلاد / 210 للهجرة نقطة التّحوّل التّاريخيّة الكبرى التي نقلت الباذنجان من ثمرةٍ منبوذةٍ إلى لؤلؤة الموائد، وذلك في حفل زفاف الخليفة العبّاسيّ {المأمون} على {خديجة بنت الوزير الحسن بن سهل}، الشّهيرة بلقب «بوران» التركي (أي النقيّة).
عمدت {بوران} إلى معالجة الباذنجان بنقعه في ماء البحر المالح لإزالة مرارته، ثمّ كدسته تحت ثقلٍ للتّخلّص من مائه الزّائد، وشطفته بالماء العذب وقدّمته مطبوخاً في وليمة زفافها الأسطوريّة في بغداد. ولاقت هذه التّقنيّة المبتكرة استحسان النّاس، فانتشرت زراعة الباذنجان وأطباقه من العراق إلى سائر بلاد العرب، وخُلّد اسم {بوران} في تاريخ الطّهي العربيّ بإطلاق لقب البورانيّات على طيفٍ واسعٍ من أطباق الباذنجان المطبوخة.
تطوّرت تقنيّات حفظ الباذنجان ومعالجته في أسواق الهلال الخصيب شمال جزيرة العرب ما بين القرنين 13 و 15 للميلاد / 7 و 9 للهجرة، فظهر منتجٌ تجاريٌّ جاهزٌ للطّبخ سُمّي «الباذنجان المكدوس»، وهو باذنجانٌ مقمّعٌ ومغليٌّ ومكبوسٌ بين طبقات الملح الصّخريّ للتّخلّص من مرارته وسمّيّته. وانبثقت عن هذا المنتج أطباقٌ شاميّةٌ عريقةٌ مثل سلطة المكدوس وفتّة المكدوس، وصولاً في منتصف القرن 19 للميلاد / 13 للهجرة إلى المكدوس السّوريّ المحشوّ بالجوز والفليفلة والثّوم والمنقوع في زيت الزّيتون البكر، حيث تحلّ فينولات الزّيتون الطّيّبة محلّ فينولات الباذنجان المرّة وتذيب بقايا المركّبات القلويديّة في قشرته.

الجذور العبّاسيّة والمطجّنات: من بغداد إلى قصر السّلطان
يوثّق التّاريخ أقدم ذكر مدوّن لوصفات الباذنجان في المشرق في كتاب {الطّبيخ} العبّاسيّ العائد إلى القرن 4 للهجرة / 10 للميلاد، وهو {كتاب الطّبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيّبات الأطعمة المصنوعات} الّذي ألّفه ونشره {ابن سيّار الورّاق} في مدينة بغداد سنة 328 للهجرة / 940 للميلاد.
ويذكر الورّاق في كتابه أنّ أوّل من طبخ الباذنجان من العرب هو الأمير العبّاسيّ {إبراهيم بن المهديّ} المتوفّى سنة 224 للهجرة / 839 للميلاد. ويضمّ هذا الكتاب التّأسيسيّ 9 وصفات للباذنجان، تعتمد في مكوّناتها الرّئيسة على لحم الضّأن والبصل، إلى جانب الجوز واللّوز والكرّاث والكرفس وخلّ الخمر والجزر والقرع. وتتنوّع مطيّباتها وعطورها لتشمل الكرويا والدّارصينيّ أي القرفة، والبُنّ والزّعفران والفلفل والسّذاب والخولنجان والكزبرة الرّطبة واليابسة والكمّون.
أسّست هذه الوصفات البغداديّة لتقنيّةٍ مطبخيّةٍ عريقةٍ عُرفت باسم «المطجّنات». واستعمل العبّاسيّون لطهو هذه الأطباق وعاءً مسطّحاً وقليل العمق عُرف باسم الطّاجن أو المقلى. وصُنع هذا الطّاجن البغداديّ من الفخّار أو من معادن صلبةٍ كالنّحاس والحديد، وخُصّص حصراً للقلي المباشر والسّريع في الشّيرج أي زيت السّمسم، أو زيت الزّيتون على نارٍ مكشوفةٍ وعاليةٍ. وتتيح هذه التّقنيّة التّقليب المستمرّ للمكوّنات والتّبخير السّريع للسّوائل، بغية بناء قشرة نكهةٍ غنيّةٍ ناتجةٍ عن تفاعلات التّحميص أو ما يُعرف بتفاعل مايار كيميائيّاً.
انتقلت هذه المعارف المطبخيّة التّأسيسيّة إلى المطبخ السّلطانيّ العثمانيّ في القرن 9 للهجرة / 15 للميلاد. وبأمر من السلطان؛ نهل طهاة القصر العثمانيّ من وصفات الباذنجان البغداديّة إبّان تولّي الطّبيب {محمود بن رمضان}، المعروف باسم {الطّبيب رمزي}، ترجمة كتاب {الطّبيخ} البغداديّ إلى اللّغة التّركيّة في عهد السّلطان {مراد الثّاني} بين سنتي 824 و 856 للهجرة / 1421 و 1451 للميلاد. وصار هذا الكتاب المترجم مرجعاً أساسيّاً في مطابخ السّلاطين، ومهّد الطّريق لانتشار أطباق الباذنجان والمطجّنات في أرجاء الدّولة العثمانيّة.

أمّا أقدم توثيق لطبق المسقّعة بمكوّناته الأساسيّة المؤلّفة من الباذنجان واللّحم والبصل فتظهر في كتاب {الطبيخ} لـ {محمّد بن الحسن البغداديّ} المدوّن في القرن 7 للهجرة / 13 للميلاد، وأطلق عليها {البغداديّ} اسم {المغمومة} لأنّها تُغمّ وتُغطّى لتنضج، ولم يستعمل اسم {المسقّعة}. بل انتقل الاسم العربيّ المسقّعة لاحقاً إلى المطابخ المتوسّطيّة المجاورة مع انتقال الوصفة نفسها.
تطرح الباحثة {نوال نصر اللّه} في ورقتها البحثيّة المنشورة أواخر سنة 1431 للهجرة / 2010 للميلاد، مجادلة متماسكة حول التّطوّر التّاريخيّ لطبق المسقّعة. إذ تبني {نصر الله} حجّتها على التّتبّع الفيلولوجيّ والأرشيفيّ للمصطلح في النّصوص العربيّة القديمة لتثبت غياب هذا الاسم كلّيّاً في كتب الطّبخ الرّسميّة دلالة على طبق الباذنجان واللّحم المتعارف عليه اليوم.
تشير الباحثة إلى خلوّ كتب الطّبخ التّراثيّة من تخصيص كلمة {مسقّعة} لطبق بعينه. بل وردت الكلمة قديماً في تلك الكتب صفة تعني التّبريد حصراً، مشتقّة من «الصّقيع»، كما يظهر جليّاً في نصّ «مخلّل مسقّع» ضمن مخطوط {كنز الفوائد في تنويع الموائد} العائد إلى القرن 8 للهجرة / 14 للميلاد. أمّا الوصفة التّقليديّة نفسها المكوّنة من طبقات الباذنجان واللّحم والبصل فعُرفت بأسماء ارتبطت بآليّة الطّبخ الفعليّة، مثل «المغمومة» الّتي دوّنها {محمّد بن الحسن البغداديّ} سنة 623 للهجرة / 1226 للميلاد دلالة على تغطية القِدر وغمّها لتنضج بهدوء.
لا ينفي غياب الكلمة عن كتب الطّبخ التّراثيّة وجودها في التّداول اللّغويّ، إذ وثّق {ابن منظور} كلمة {مُصقّعة} في معجم {لسان العرب} منذ القرن 7 للهجرة / 13 للميلاد دلالةً على تسطيح المكوّنات وصقعها فوق بعضها.
توضّح دّراسة {نصر الله} آليّة التّطوّر التّاريخيّ للاسم، وتبيّن رسوخ مصطلح مسقّعة أواخر القرن 13 للهجرة / 19 للميلاد اسماً رسميّاً جامعاً لمجموعة من التّنويعات المطهوّة في صوانٍ واسعة قليلة العمق. وترى {نصر الله} هذا التّحوّل الاصطلاحيّ بمنزلة انسلاخ لغويّ تخلّى فيه النّاس عن الأسماء التّراثيّة المرتبطة بآليّة الطّبخ المغطّى مثل «المدفونة» و«المغمومة»، واعتمدوا اسماً شاع ربّما مع مطاعم البدو المستقرّين حديثاً أو الجوّالة، وارتبط باسم اختبأ قروناً في معجم {لسان العرب} قبل عودة انتشاره في الحواضر ليصير دلالة على شكل الصّينيّة الواسعة.
انتقل لاحقاً باسمه العربيّ وتصميمه المطبخيّ إلى مطابخ الحوض المتوسّطيّ المجاورة عبر شبكة العلاقات والرّوابط العثمانيّة. أمّا الاعتقاد بارتباطه قديماً بدرجة حرارة التّقديم الباردة، فاعتقاد شعبيّ تأويليّ لا يرتبط بالأصل التّاريخيّ.

التّنويعات الإقليميّة للمسقّعة: من العراق إلى إيطاليا
شاعت هذه الأكلة العريقة بمرور الزّمن واستقرّت بوصفها طبقاً محلّيّاً في مطابخ سوريا والدّول العربيّة المجاورة وتركيا ومصر واليونان وبلغاريا وصربيا والبوسنة وكرواتيا ورومانيا وألبانيا وإيطاليا. وتنظر كلّ هذه الدّول إلى الأكلة بوصفها إرثاً محلّيّاً أصيلاً، وتطلق عليها الاسم ذاته musakka أو moussaka. ويُستثنى من هذه التّسمية مطبخان؛ مطبخ جنوب إيطاليا حيث تُعرَف باسم melanzane alla parmigiana أو parmigiana di melanzane لتمييزها عن أكلة {الپارميجانا} الأصليّة الّتي تتضمّن كدس الباذنجان قبل الطّبخ وإضافة الجبنة، والمطبخ العراقيّ الّذي يُطلق عليها اسم {تپسي باذنجان} أو «التّپسي» اختصاراً كما أسلفنا.
تطوّرت طرق التّقديم والمكوّنات تبعاً لجغرافيّة المكان، ففي تركيا تُقدّم المسقّعة إلى جانب الأرزّ. وراجت في دول البلقان الطّريقة اليونانيّة المعتمدة على إضافة البطاطا، وانتقلت إليهم كذلك عادة تقديمها مع الأرزّ على الطّريقة التّركيّة. وشاعت الطّريقة السّوريّة في جنوب إيطاليا، وراجت الطّريقة المصريّة في وسطها. وتُطبخ المسقّعة في جزيرة صقلّيّة وتُقدّم متطابقةً تماماً مع الطّريقة السّوريّة، وتحمل هناك اسم {گاپوناتا} caponata، وتُضاف إليها أحياناً حبّات الحمّص المسلوق لتُصنّف ضمن قائمة المازات.
تُطبخ الأكلة في وسط إيطاليا وفقاً للطّريقة المصريّة، وتُرتّب في طبقاتٍ داخل طاجنٍ يُخبز في الفرن عقب قلي شرحات الباذنجان. وتُترك عمداً يوماً كاملاً قبل تقديمها، لضمان تفاعل النّكهات وامتزاجها التّامّ بين المكوّنات.
ابتكر النّاس في اليونان وصفاتٍ متعدّدةً للمسقّعة بمرور السّنين. فاستبدلت إحدى الوصفات البندورة بالجبنة وصلصة البشاميل، ودمجت وصفةٌ أخرى شرحات البطاطا مع التسوكيني zucchini، واستعملت وصفةٌ ثالثةٌ لحم الدّجاج عوضاً عن اللّحوم الحمراء، فضلاً عن وجود نسخةٍ صياميّةٍ خاليةٍ من اللّحوم تماماً.
استبدل النّاس في رومانيا المعاصرة البطاطا بالباذنجان استبدالاً كلّيّاً، واستغنوا عن الباذنجان فيها مع احتفاظهم باسم الأكلة. واستعان سكّان البلقان بالفطر بديلاً عن اللّحم لتلائم مطبخهم الصّياميّ، وصاروا يقدّمونها مع الأرزّ أسوةً بتركيا.

خاتمة: في صون الإرث المطبخيّ
لا تقف غايتنا من تتبّع جذور المُسقّعة عند حدود الانحياز العاطفيّ، بل تتجاوز ذلك إلى صون الإرث التّاريخيّ وتوثيق مسار التّبادل الإنسانيّ بين الأمم. إذ يمحو سلب الأصول العربيّة لهذه الأكلة العريقة، ونسبتها تعسّفاً إلى اليونان، قروناً من الابتكار العربيّ الّذي انطلق من بغداد العبّاسيّة وتشكّل في مطابخ بلاد الشّام ومصر.
ولئن أتاحت الحقبة العثمانيّة نشر هذا الطّبق وإيصاله إلى البلقان وأوروپا، فمن واجبنا التّمسّك بالأمانة التّاريخيّة، والإقرار بالهويّة العربيّة الصّريحة للمُسقّعة اسماً وتقنيّةً ومساراً.
حريٌّ بنا التّسلّح بالمعرفة والبحث الفيلولوجيّ لدحض المغالطات وتصويب السّرديّات المضلّلة. فالمائدة العربيّة ليست مساحةً لاستعارة النّتائج جاهزةً، بل حضارةٌ متجذّرةٌ صدّرت فنون الطّهي إلى أرجاء الأرض، وتستحقّ أن تُقرأ فصولها بعين الإنصاف والتّقدير.
مصادر ومراجع
- معجم Dictionary.com المعتمد على طبعة قاموس Random House لعام 2008، مادة Moussaka وتأصيل الكلمة العربيّ https://www.dictionary.com/browse/moussaka
- لسان العرب، ابن منظور، مادة (صقع) وتوضيح معنى صوقعة الثّريد https://www.islamweb.net/ar/library/content/122/4634/%D8%B5%D9%82%D8%B9
- دراسة علميّة منشورة في المركز الوطنيّ لمعلومات التّكنولوجيا الحيويّة NCBI حول سميّة مركّبات Glycoalkaloids في العائلة الباذنجانيّة Solanaceae https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9579588/
- بحث علميّ طبّيّ في NCBI يتناول مادّة السّولانين Solanine والسّولانيدين Solanidine في الباذنجانيّات وتأثيراتها https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9574566/
- كتاب الطّبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيّبات الأطعمة المصنوعات، أبو محمّد المظفّر بن نصر بن سيّار الورّاق https://www.dig-doc.org/index.php?page=Ym9vaw==&op=ZGlzcGxheV9ib29rX2RldGFpbHNfdQ==&book_id=Njcz&lan=YXI=
- كتاب Delights from the Garden of Eden: A Cookbook and History of the Iraqi Cuisine للباحثة نوال نصر الله، يتتبّع أصول أطباق الباذنجان التّاريخيّة https://dokumen.pub/delights-from-the-garden-of-eden-a-cookbook-and-history-of-the-iraqi-cuisine-second-edition-9781845534578-1845534573.html
- كتاب الطّبيخ، محمّد بن الحسن البغداديّ، توثيق لوصفة المغمومة https://www.scribd.com/document/606538635/A-Baghdad-Cookery-Book
- مقالة بحثيّة عن المطبخ العبّاسيّ وتطوّر المغمومة والمسقّعة Himmas Kassa: The Mother of all Hummus للباحثة نوال نصر الله https://nawalcooking.blogspot.com/2015/05/hummus-kisa-mother-of-all-hummus-oldest.html
- دراسة تاريخيّة حول كتاب Annals of the Caliphs’ Kitchens وتوثيق وصفات الباذنجان البورانيّة في المطبخ العبّاسيّ https://unipub.uni-graz.at/obvugruniver/content/titleinfo/4903539/full.pdf
- مقالة Meals for Mamelukes توثّق كتاب كنز الفوائد في تنويع الموائد وذكر وصفات التّخليل والتّبريد (المسقّع) https://english.ahram.org.eg/NewsContentP/50/518503/AlAhram-Weekly/Meals-for-Mamelukes.aspx
- توثيق تاريخيّ حول آراء ابن سينا والرّازيّ الطّبّيّة التّراثيّة في الباذنجان والسّوداء https://ashab.hawahome.com/play.php?catsmktba=620





اترك تعليقاً