تضرب جذور التوابل في الشرق الأدنى والمغرب العربي عميقاً في التاريخ. عرف سكّان المنطقة أهمية البهارات والعطور في حياتهم اليومية منذ آلاف السنين، حتّى أنّها كانت المبدأ الذي انطلقت منه فكرة التحنيط القديمة في مصر واليمن، حتّى أنّ كلمة تحنيط نفسها معناها تعطير وتتبيل، بسبب سلوك تغليف جسد المتوفّى بالمساحيق العطرية.
استخدم الفينيقيّون طرق التجارة البحرية لنقل التوابل من الهند وجنوب شرق آسيا والصين إلى موانئ البحر المتوسط، وصارت عماد اقتصاد نشيط. وبرع التجّار العرب في تطوير شبكات تجاريّة واسعة امتدّت من جنوب شرق آسيا حتى شمال إفريقيا. وأتقن أهل اليمن زراعة البن والهيل والزعفران. وطور أهل عُمان مهارات خاصّة في تجارة القرنفل والفلفل الأسود. ونقل البحّارة المغاربة التوابل عبر البحر المتوسط إلى أوروپا.
حفظ التجّار أسرار الطرق التجارية وأماكن إنتاج التوابل النادرة. وصنع العطاّرون في دمشق وبغداد والقاهرة مُزُج (خلطات) فريدة من البهارات. وأضاف الطهاة المغاربة نكهات مميّزة إلى أطباقهم باستخدام الكمّون والزنجبيل والكركم. كما دخلت التوابل في صناعة العطور والبخور. فاستعمل سكّان شبه الجزيرة العربية العود والمسك والعنبر في مناسباتهم. وطوّرت مدن فاس ومراكش تقاليد خاصّة في صناعة العطور الطبيعية.

شكّلت تجارة التوابل مصدراً مهمّاً للثروة في المنطقة. وساهمت في نموّ المدن التجارية على طول طرق القوافل. وأسّست العائلات التجارية شبكات واسعة للتبادل التجاري. واستمرّ تراث التوابل والعطور حيّاً في المنطقة حتّى يومنا هذا. وارتبطت صناعة التوابل والعطور في الشرق الأدنى والمغرب العربي ارتباطاً وثيقاً منذ العصور القديمة. فجمع العطّارون بين مهارات تحضير البهارات وصناعة العطور في دكاكينهم. واستخدم صنّاع العطور مكوّنات مشتركة مثل الهيل والقرنفل والزعفران في خلطاتهم.
برزت مدينة گرناطة (غرناطة) كمركز مهم لصناعة العطور والبهارات. وطوّر العطّارون فيها تقنيات متقدّمة لاستخلاص الزيوت العطرية. وأنتج الحرفيّون مزيجاً فريداً من العطور والتوابل المميزة للمدينة. وعرف أهل اليمن أسرار تجفيف وتخزين التوابل والأعشاب العطريّة. وصنعوا خلطات خاصّة للبخور والعطور باستخدام اللّبان والمرّ. وأتقنوا فنّ مزج الروائح والنكهات في منتج واحد.
نقل التجّار المغاربة تقاليد صناعة العطور والتوابل عبر شمال إفريقيا. أسّسوا مدارس حرفيّة متخصّصة في المدن الكبرى. وعلّموا أجيالاً متعاقبة أسرار المهنة وتقنياتها. وظهرت في دمشق وحلب مراكز متخصّصة في تصنيع العطور والبهارات. فطور العطّارون فيها وصفات سرّية توارثتها العائلات. واستخدموا مكوّنات نادرة مثل المسك والعنبر والزباد. وتطوّر عن هذه الصنعة علم الصيدلة كما نعرفه اليوم.
استمرّ تداخل صناعتي التوابل والعطور في التراث العربي حتّى يومنا. وتميّزت كلّ مدينة بخلطاتها الخاصّة وأسرارها المتوارثة. وحافظت العائلات على تقاليد المهنة ونقلتها للأجيال الجديدة. ولنتحدّث الآن في تطوّر المصطلحات الخاصّة بهذه الصناعات في اللّغة العربية بلهجاتها المتنوّعة.

التطوّر التاريخي للمصطلح:
- قبل 3000 سنة: حنوط\حناط\حنوت\حُنُت
- قبل 2000 سنة: بزور وعطور
- قبل 1000 سنة: مرميّات
- قبل 500 سنة: توابل
- حالياً: بهارات
اليوم
بناء على استبانة أجريتها في مجموعة معجم اللّهجات العربية على فيٓسبوك
- أفّاحات\افاح: تونس. حدود تونس-الجزائر. محصورة في المنطقة التونسيّة والمناطق المتاخمة لها من الجزائر وليبيا.
- بزار: العراق (استخدام قديم). مصطلح تراثي محدود الاستخدام حاليّاً.
- بهارات: مصر. سوريا (حمص، دمشق، اللاذقية، الفرات). العراق (بغداد، شمال العراق). السودان. اليمن (بعض المناطق). ليبيا (غرب). فلسطين. وتمتدّ على نطاق واسع من المشرق العربي والقرن الأفريقي.
- توابل: مصر. سوريا. الجزائر. ليبيا. العراق (بشكل محدود). منتشرة في المغرب العربي والمشرق لكن بدرجات متفاوتة.
- حنوط: شمال المغرب. بعض مناطق اليمن. توزيع محدود في مناطق متباعدة.
- حرور: تقصد الفلفل الأسود في المملكة المغربية وبعض الجزائر (مناطق محدّدة). وكل أصناف التوابل في موريتانيا. استخدام محلّي محدود.
- حوايج: اليمن (صنعاء وغيرها). سوريا (الرقّة). الجزائر (جنوب شرق). مصطلح يمني بالأساس.
- دواوات\دويات\دواء: الجزائر (بعض المناطق). السودان. منتشرة في شرق وشمال أفريقيا.
- عطريّة\العطور: تتركّز في المملكة المغربية والمناطق المتاخمة لها.
- عقاقير\عقاقر: وسط الجزائر وبعض شرقها. محصورة في منطقة جغرافية محدّدة.

هذا التوزيع يظهر نمطاً مثيراً للاهتمام:
- المصطلحات الأكثر انتشاراً هي “بهارات” و”توابل”.
- كلمة بهارات مستعارة من اسم الهند الرسمي وترتبط تاريخياً بعهد دولة مماليك الهند.
- المصطلحات المحلّية تميل إلى التركّز في مناطق جغرافية محدّدة.
- بعض المناطق تستخدم أكثر من مصطلح.
- هناك تداخل في استخدام المصطلحات بين المناطق المتجاورة.
- المصطلحات تعكس التأثيرات الثقافية والتاريخية للمناطق المختلفة.
- في بعض المناطق هناك تمييز بين “البهارات” (الخلطة المشكّلة) و”التوابل” (المفردة)
- كلمة “حانوتي” مشتقّة من “حنوط” وترتبط تاريخياً بتحنيط الموتى وتجميلهم.
- في بعض المناطق مثل المملكة المغربية ولبنان، تطوّر معنى “الحانوت” ليصبح معناه الدكّان أو البقّال العام.

ترتيب حسب سعة الانتشار:
- بهارات.
- توابل.
- عطريّة\عطور.
- دواوات\دويّات\دواء.
- حوايج.
- حنوط.
- أفّاحات\افاح.
- عقاقير.
- حرور.
- بزار.
المصطلحات الأوسع انتشاراً (“بهارات” و”توابل”) هي الأحدث تاريخياً، وليست الأقدم.
المصطلحات الأكثر محلّية غالباً ما تكون أقدم وأكثر ارتباطاً بالتراث المحلّي.

تكشف قصّة التوابل في المنطقة العربية تراثاً عريقاً تجاوز المطبخ والطعام. بدأت رحلة التوابل في الموانئ القديمة، وانطلقت مع القوافل عبر الصحراء، وامتدّت على طول سواحل البحر المتوسط، وأوصلت سفن قدامى العرب عبر المحيطات حتّى جنوب شرق آسيا.
أتقن التجّار العرب فنون المزج والتركيب، فابتكروا خلطات فريدة جمعت بين الشرق والغرب. واستفاد العطّارون من معرفتهم العميقة بالتوابل، فطوّروا صناعة العطور والبخور. وصنع الحرفيّون في گرناطة والقاهرة ودمشق روائح مميّزة حملت عبق المدن العربية القديمة.
نشأت حول التوابل تقاليد اجتماعية راسخة، وظلّت دكاكين العطّارين مراكز نشطة للتواصل والتبادل. وورث الأبناء عن آبائهم أسرار المهنة وفنونها، فحافظوا على هذا التراث العريق. وتشهد المصطلحات المتنوّعة للتوابل في اللّهجات العربية على غنى هذا التراث وتنوّعه. ويستمرّ هذا التراث حيّاً في المدن العربية، ويتطوّر مع كلّ جيل جديد يضيف إليه لمساته الخاصّة.





اترك رد