وهم التّفوّق الأوروپيّ وتدمير الصّناعة السوريّة
لمّا عشت في سوريا، لطالما ضرب النّاس المثل في تطوّر الألمان والأوروپيّين عموماً، ووجّهوا اللّائمة على الشّعب السّوريّ لـ “تخلّفه” و “ضعف تطوّره” وبـ “حاجته إلى التّطوّر”. ثمّ يضربك المثل القائل “بدّك 100 سنة لتصير متل الألمانيّ” أو “شعب بدّو 500 سنة ليصير ليتطوّر”!. وها أنا عشت في ألمانيا وفي العديد من بلدان غرب أوروپا 15 عاماً، ولم أجد ذلك التّطوّر المجتمعيّ المتفوّق على نظيره السّوريّ.
يضرب النّاس المثل في تطوّر الأوروپيّين بسبب جودة المنتجات، وبسبب طبائع الحياة السّياسيّة. فلماذا لا نجد في سوريا منتجات تضاهي جودة المنتج الأوروپيّ؟
تتطوّر المنتجات بفعل تنافس الشّركات، وحتّى هنا في ألمانيا تجد نفس المنتج يختلف في تصميمه ما بين شركة وأخرى، وهذه شركات لا تصدّر، وتتنافس بكتم أسرار الصّناعة والتّصميم. وفي سوريا، عرفت النّاس منتجات متفوّقة تتفوّق على منافساتها الأوروپيّة، وصناعات تتنافس بكتم أسرار الصّناعة والتّصميم. ثمّ جاءت بريطانيا وفرنسا لحكم سوريا بعد مجزرة 1840 م 1256 هـ، واشتغلت على تدمير الصّناعات السّوريّة.

فرية الدّم والامتيازات الأجنبيّة
اندلعت مجزرة عام 1840 م 1256 هـ في دمشق بتأثير تحريض مباشر من القنصليّة الفرنسيّة ورئيسها {أوليس د غاطي منتون} Ulysse de Ratti-Menton الّتي روّجت اتّهاماً شديد الْخَطَر يزعم قتل يهود دمشق للرّاهب الإيطاليّ {توما الكپّوشيّ} Tomaso de Camangiano وخادمه المسلم {إبراهيم عمارة}.
سعت فرنسا إلى إشعال «فرية الدّم» بهدف تقويض النّفوذ البريطانيّ المتنامي في المنطقة باستهداف شبكة التّجّار العرب اليهود المرتبطين ببريطانيا. إثر ذلك، اعتقلت الشّرطة المحلّيّة بعض اليهود للتّحقيق، مثل {سليمان الحلّاق} و {داود هراري} وأهله، وهاجمت حشود غاضبة من مسيحيّي دمشق الكاثوليك حيّ الشّاغور وقرية جوبر وفتكت باليهود. وأسفرت المذبحة عن خسارة المدينة لنسبة 20% من سكّانها، وهرب معظم يهود جوبر ولم يبقَ فيها سوى 3 عائلات، ودمّرت الغوغاء 19 كنيساً من أصل 22 كنيساً في المدينة، كان من بينها كنيس النّبيّ إلياس التّاريخيّ الّذي نُهبت محتوياته ودُمّرت لفائف التّوراة العتيقة فيه.
ما كانت مذبحة عام 1840 م 1256 هـ إلّا شرارة البداية لسلسلة من المجازر الأهليّة الّتي استمرّت 27 عاماً، ونتجت عن تنافس الإمبراطوريّات الأوروپيّة على احتكار النّفوذ التّجاريّ في المنطقة. فبعد نجاح القنصليّة الفرنسيّة في تحريض كاثوليك دمشق على إبادة يهود المدينة لضرب شبكة التّجّار المرتبطين ببريطانيا، انتقلت عدوى الفتن والاستقطاب الطّائفيّ والاقتصاديّ إلى الشّمال. واندلعت مذبحة مسيحيّي حلب في 17 تشرين الأوّل أكتوبر عام 1850 ميلاديّ 1266 هجريّ، بتحريض من بقايا طبقة انكشارية حلب وبريطانيا، مدّعين تدهور اقتصاد الأهالي المسلمين وتضرّرهم من الكساد، مقابل صعود طبقة تجاريّة مسيحيّة جديدة ربطت مصالحها بالشّركات الأجنبيّة الفرنسية. وأسفرت أحداث حلب عن مهاجمة أحياء الجُدَيدَة والصّليبَة، وتهجير مئات المسيحيّين نحو بيروت وإزمير، وتدمير كنائسهم وممتلكاتهم.
تصاعدت هذه التّوتّرات المتراكمة لتصل الأحداث الدّمويّة إلى ذروتها في حرب جبل لبنان ودمشق صيف عام 1860 ميلاديّ 1276 هجريّ. حين قدّمت بريطانيا وعدها لدروز جبل لبنان بتأسيس إمارة لهم في جبل لبنان. فانطلق دروز الجبل المدعومين من بريطانيا في في 27 أيّار مايو في عمليّة استهدفت إبادة مسيحيّي لبنان ودمشق المدعومين من فرنسا، وأُحرقت 380 قرية مسيحيّة في جبل لبنان. وامتدّ لظى الحرب سريعاً إلى دمشق في 9 تمّوز يوليو، فهاجمت حشود درزيّة وقوّات كرديّة مسلّحة شرق دمشق المسيحيّ، ما أودى بحياة آلاف المسيحيّين وشرّد عشرات الآلاف. ليغيّر التّركيبة الدّيموغرافيّة للمنطقة تغييراً جذريّاً، ويمهّد الطّريق لفرض التّدخّل العسكريّ الأوروپيّ المباشر وتقسيم البلاد.
تدخّلت فرنسا بقوّات عسكرية نظامية طردت الدروز عن جبل لبنان إلى جبل حوران، وأعادت السلطة إلى المسيحيّين. وتمكّنت بالتالي من استعادة نفوذ قوي على دمشق العثمانية ينادد بريطانيا بقوّة وجدارة. وقسّمت سوريا (الشام) فاقتطعت منها متصرّفية جبل لبنان، في حين أخذت بريطانيا متصرّفيّة لها في الجنوب باسم القدس. واختفى هكذا اسم الشام من الخريطة السياسيّة.
لم يكن هذا التّدمير وليد الصّدفة أو منافسةً بريئةً، بل سياسةً مقصودةً استعملت سلاح الامتيازات الأجنبيّة الّتي منحت الشّركات غرب الأوروپيّة حقوقاً تجاريّةً واسعةً. وحوّلت هذه الامتيازات البلاد إلى سوق مفتوح، وقضت على أيّ إمكانيّة لحماية الصّناعات المحلّيّة، لتصبح سوريا سوقاً استهلاكيّةً ومصدراً للموادّ الخامّ الرّخيصة الّتي تغذّي مصانع غرب أوروپا.

العائلات الصّناعيّة السّوريّة بين التّدمير والاستقطاب
امتلكت الصّناعة السّوريّة عائلات أرستقراطيّة قديمة تمارس “صنعة العائلة” منذ عام 1400 م 802 هـ على الأقلّ. أغلبها عائلات صناعيّة في الأساس من تغالبة سريان ومسلمين سنّة نزحت عن الموصل وماردين والرّقّة وما حولهنّ من ديار الجزيرة إلى الشّام وحلب هرباً من هجمات المغول المتكرّرة ما بين 1260 و 1400 م 658 و 802 هـ. فَهِيَ عائلات تمارس الصّناعة لأكثر من 1000 عام باستمرار.
هذه العائلات شكّلت الخطر الأكبر على تفوّق صناعات غرب أوروپا في المتوسّط، فحالفتها بريطانيا لنقل صناعاتها إليها، أمّا فرنسا فسلكت فيها مسلكاً آخر مختلفاً شديد الشّرّ.
استوطنت العائلات الصّناعيّة السّوريّة النّازحة في القرن 19 م 13 هـ مدينة مانچستر Manchester الإنگليزيّة بشكل رئيسٍ، وتحديداً في أحيائها الصّناعيّة وتجمّعاتها التّجاريّة المتخصّصة في قطّاع الغزل والنّسيج. وجاء هذا الاستيطان نتيجة التّسهيلات البريطانيّة الممنوحة لتلك العائلات لتنقل أسرار صناعتها المتقدّمة إليها، فاندمجت في ما صار عاصمة صناعة القطن والمنسوجات العالميّة آنذاك، وأسّست فيها شركات كبرى امتدّت أعمالها عبر شبكات تجاريّة واسعة ربطت بريطانيا بغرب أفريقيا وأمريكا اللّاتينيّة وآسيا.
لكن، لتدمير أسواق هذه العائلات الصّناعيّة، شكّلت فرنسا فئة من السّوريّين الّذين وصموا الطّبقة الصّناعيّة، العريقة في سوريا، بوصمة “البورجوازيّة” (على أنّ كلمة بورجوازية صفة شيء قبيح). ثمّ منحت فرنسا هذه الفئة من السّوريّين منصّات صحفيّة واشتغلوا في تحريض الشّعب السّوريّ على ضرورة هدم هذه “البورجوازيّة” بزعم تحرّر البلد من مشاكلها بهدمها … هذه كانت بداية تكوين اليسار السّوريّ المسموم الّذي نعرفه اليوم.
إذ، هكذا، وُلد يسار سوريّ يمارس التّشاؤم المؤسّسيّ ويرفض أيّ محاولة للعمل الإيجابيّ أو البناء التّدريجيّ. وحوّل هذا التّيّار نفسه من حركة تحرّريّة إلى نخبة إقصائيّة تعادي التّراث والتّقاليد، وتتّخذ من النّقد السّلبيّ الدّائم هُوِيَّةً سياسيّةً بدلاً من تقديم حلول عمليّة نافعة.
إلى جانب هذا الضّغط الشّعبيّ، ضيّقت شركات فرنسا وبريطانيا الخناق على الصّناعات السّوريّة بحماية الامتيازات القانونيّة حتّى بدأ العائلات الصّناعيّة بالهجرة خارج سوريا، بتسهيلات بريطانيّة، ونجحوا فعلاً بتأسيس صناعات وشركات كبرى لم تزل موجودة إلى اليوم، في بريطانيا وغرب أفريقيا والفلپّين وإندونيسيا والأرجنتين وغيرهم … لكن، بهذا النّجاح، كانت سوريا تخلو رويداً رويداً من عائلاتها الصّناعيّة.
تاريخيّاً، أسّس التّجّار السّوريّون (واللّبنانيّون) مجتمعاً تجاريّاً مزدهراً في مانچستر بدءاً من منتصف القرن 19 م 13 هـ، وسيطروا على تصدير المنسوجات القطنيّة إلى الشّرق الأوسط وغرب أفريقيا وأمريكا اللّاتينيّة. ولمعت أسماء عائلات مثل كحلة وحورانيّ وسرسق وشقير، وامتلكوا شركات تصدير ضخمة.
مع انهيار صناعة القطن الإنگليزيّة وتراجع أهمّيّة مانچستر الصّناعيّة في النّصف الثّاني من القرن 20 م 14 هـ، أغلقت أبواب أغلب هذه البيوت التّجاريّة التّاريخيّة، أو صفّت أعمالها التّصنيعيّة وانتقلت إلى مجالات أخرى كالمصارف والعقارات أو العمل الأكاديميّ. لذلك، لم تبقَ الشّركات التّاريخيّة النّاشئة في القرن 19 م 13 هـ حيّةً بصيغتها الصّناعيّة الأولى في مانچستر اليوم.
إلّا أنّ موجات لاحقةً من الصّناعيّين السّوريّين استمرّت بالتّوافد إلى المدينة. ونجد اليوم شركات نسيج أسّسها سوريّون ما زالت تنشط في مانچستر، مثل شركة قبّانيّ للمنسوجات الّتي أُسّست عام 1949 م 1368 هـ وتستمرّ في تزويد الأسواق بالأقمشة حتّى يومنا هذا. إلى جانب ذلك، الشّبكات التّجاريّة الّتي ربطت مانچستر بغرب أفريقيا وأمريكا اللّاتينيّة أنتجت إمبراطوريّات تجاريّة وصناعيّة كبرى ما زالت عائلات سوريّة ولبنانيّة تديرها في تلك الدّول حتّى وقتنا الحاضر، وتمثّل امتداداً مباشراً لتلك الهجرات الصّناعيّة التّاريخيّة.

التّأميم واجتثاث الصّناعة الوطنيّة
لا تبدأ ظّاهرة هجرة الصناعة مع الاستبداد القومي، بل تمتدّ جذورها إلى منتصف القرن 19 م 13 هـ. منذ مذابح دمشق 1840، 1850، 1860 م 1256، 1266، 1276 هـ الّتي أدّت إلى فقدان دمشق 45% من سكّانها، تأسّس نمط تنفير الكفاءات بهجرة قسريّة. كانت المنافسة الاستعماريّة البريطانيّة-الفرنسيّة تؤجّج الصّراعات الطّائفيّة – فرنسا تدعم الكاثوليك والأشوريّين وبريطانيا تدعم الدّروز والأكراد واليهود – ما خلق دورات متكرّرة من العنف والنّزوح.
استمرّت هذه الدّورة مع انهيار السّلطنة العثمانيّة وتفكيك ولاياتها الشّام وحلب والزّور إلى كيانات هشّة خاضعة للانتداب الفرنسي والتّسلّط البريطانيّ 1920-1946 م 1338-1365 هـ، ثم تلتها موجات الانقلابات العسكريّة المتتاليّة في النّصف الثّاني من القرن 20 م 14 هـ 1958، 1964، 1969 م 1377، 1383، 1388 هـ. كلّ هذه المحطّات السّياسيّة أخفقت في إنتاج مؤسّسة واحدة مستدامة ترعى الصّناعة والمبدعين.
في المرحلة الأخيرة، ما بين 1950-1970 م 1369-1390 هـ، تلك الفئة المسمومة الّتي أسّستها فرنسا؛ تفشّت في العسكر حتّى وصلت أخيراً السّلطة. واشتغلت بسلاحها على طرد ما تبقّى من العائلات الصّناعيّة من سوريا بحجّة هدم “البورجوازيّة الشّاميّة” الضّارّة، مستعملة سلاح التّأميم.
من أهمّ الشّركات الّتي خسرتها سوريا في تلك المرحلة الأخيرة؛ شركة خطّ حديد دمشق حماة وتمديداتها الّتي كانت تصنّع الخطوط الحديديّة في حماة، وورشات القدم العملاقة لصناعة وتجميع القطارات، والشّركة السّوريّة لصناعة المعادن، وشركة مواصلات نيرن وصناعة الحافلات في دمشق. وتأتي بعدها الشّركة التّجاريّة الصّناعيّة المتّحدة الخماسيّة، والشّركة الحديثة للتّبريد، والشّركة العربيّة لصناعة الأخشاب، تليها الشّركة العربيّة المتّحدة الدّبس، والشّركة السّوريّة للغزل والنّسيج، والشّركة الأهليّة للغزل والنّسيج، وشركة المغازل والمناسج، وشركة الشّهباء. وتندرج بعدها مؤسّسة بشارة عبجي للسّجّاد، وشركة بعلبكي وصمادي، ومعمل غراوي لصناعة الشّوكولاتة والمعلّبات، وشركة الجوارب السّوريّة، ومؤسّسة جوارب الفتاة.
بذلك، في حقبة التّأميم خسرت سوريا صناعة الحافلات والقطارات. صناعة الخطوط الحديديّة. صناعة المعادن. صناعة الغزل والنّسيج. صناعة الأخشاب. صناعة التّبريد. صناعة الملابس. الصّناعات الغذائيّة. صناعة السّجّاد! وبقيت صناعة البيرة والدّخّان.
بإبادة هذه الشّركات في سوريا انتهت الصّناعة السّوريّة العريقة، تلك الّتي عاشت أكثر من 6 قرون تتطوّر باستمرار، وتوقّف التّصنيع السّوريّ بطرد العائلات الّتي حملت هذه الصّناعة وعبء تطويرها. لهذا، لا ترى اليوم منتجات سوريّة تضاهي تلك القادمة من غرب أوروپا. لأنّ عائلات غرب أوروپا الصّناعيّة استثمرت 130 سنة في القضاء على عائلات سوريا ولبنان الصّناعيّة، ولأنّ تلك العائلات الأوروپيّة نفسها استثمرت 6 عقود تالية في منع عودة الصّناعة إلى سوريا.
واللّافت للنّظر رفض الدّول غرب الأوروپيّة نفسها، مثل ألمانيا، وكذلك الولايات المتّحدة، الانصياع لنصائح التّجارة الحرّة وفتح الأسواق الّتي فرضتها بريطانيا على الشّرق. بل طبّقت هذه الدّول سياسات حمائيّةً صارمةً، وفرضت رسوماً جمركيّةً عاليةً لحماية صناعاتها النّاشئة من الإغراق الأجنبيّ حتّى اشتدّ عودها وأضحت قادرةً على المنافسة العالميّة.

هندسة التّشاؤم والآثار النّفسيّة للاستبداد
هذا الدّمار الاقتصاديّ الّذي طال الصّناعة السّوريّة لم يقف عند حدود المصانع والآلات، بل امتدّ ليعيد صياغة سيكولوجيا الإنسان السّوريّ وطبيعة تفاعله مع بيئته. النّظام السّياسيّ الّذي استولى على السّلطة، متسلّحاً بأيديولوجيا يساريّة مسمومة، لم يكتفِ بتأميم الشّركات، بل أمّم العقول والآمال أيضاً.
تحوّلت الحياة السّياسيّة إلى آلة لسحق المبادرة الفرديّة. ففي ظلّ هذا النّظام العسكريّ، صُوِّر النّجاح الاقتصاديّ أو التّفوّق الصّناعيّ جريمةً توصف بالبورجوازيّة. وخلق هذا التّصنيف بيئةً تطرد كلّ من يحاول تقديم رؤى عمليّة أو إيجابيّة. وتعلّم الإنسان السّوريّ مع الزّمن التّشاؤم، وصار النّقد السّلبيّ والتّشاؤم هُوِيَّةً سياسيّةً ومجتمعيّةً راسخةً. وغابت الدّيمقراطيّة وغابت فرص المشاركة في السّلطة أو التّأثير في القرار، فولد نوع من التّفكير المقيّد بعقليّة المحاصرة، كما لو كان الفرد يعيش في سجن نفسيّ دائم.
طبيعة نظام الحكم الشّموليّ تفرض على الإنسان الانعزال عن محيطه وعدم الثّقة به. فغاب الشّعور بالمُلكيّة العامّة والانتماء للمكان، فالمكان وما فيه مِلك للسّلطة الّتي تقمع وتصادر، ومُلك لأمراء حرب هذه السّلطة. هذا الانفصال الوجدانيّ عن البيئة يفسّر سبب تراجع الاهتمام بالفضاء العامّ أو تطويره. صار الفرد يرى في أيّ محاولة للعمل الإيجابيّ مخاطرةً غير محسوبة، وأصبح التّشاؤم يعفي من مسؤوليّة المحاولة والمخاطرة. أسهل أن يقتنع الشّخص بضعف قدراته من أن يحاول ويخاطر بالفشل أو بخسارة مكتسباته على يد نظام استبداديّ.
يترك هذا النّمط النّفسيّ أثراً مدمّراً في سلوك الإنسان، وليس هذا التّأثّر السّيئ حِكر على المواطن السّوريّ، بل استجابةً بشريّةً حتميّةً ومطّردةً في مواجهة أيّ نظام حكم شموليّ يحكم قبضته على حياة النّاس 50 أو 60 عاماً متواصلة.
متى عاش الفرد تحت وطأة سلطة تحتكر القرار والموارد وتصادر الحرّيّات، يتحوّل تلقائيّاً من شخص مبادر إلى كائن بالغ الحذر يمارس الرّقابة الذّاتيّة على أفكاره وأفعاله خوفاً من العواقب الوخيمة. فيغتال هذا الخوف المتراكم روح الابتكار، ويصنع حالةً عميقةً من العجز المكتسب تجعل الإنسان يائساً من جدوى أيّ محاولة للإصلاح أو الإنتاج.
رأينا هذا التّشوّه السّلوكيّ جليّاً في شعوب أوروپا الشّرقية عقب عقود طويلة من هيمنة المعسكر الشّيوعيّ، ونلحظه بوضوح تامّ في أيّ بلد تسحق فيه الدّولة قيمة الفرد لمصلحة أيديولوجيا الحزب الحاكم. الاستبداد يوحّد ردود أفعال البشر أينما وجدوا، فتصبح سلوكيّات التّهرّب من المسؤوليّة، والشّكّ المستمرّ بالآخرين، والسّعي الدّائم إلى الانعزال، آليّاتٍ دفاعيّةً غايتها البقاء على قيد الحياة، وليست أبداً نقصاً أو سماتٍ متأصّلةً في جينات الشّعوب الّتي ابتُليت بتلك الأنظمة.

غرب أوروپا بيئة للمشاركة لا التّفوّق الجينيّ
لمّا ننظر إلى المجتمع الألمانيّ أو غرب الأوروپيّ عموماً، لا نرى شعباً متفوّقاً جينيّاً، ولا نرى مجتمعاً متطوّراً مذ وُجدت الخليقة، بل نرى إنساناً يعيش في ظلّ نظام سياسيّ يحمي حقوقه، ويوفّر له بيئةً ديمقراطيّةً تتيح المشاركة بدلاً من المعارضة العدميّة. في أوروپا، ومن بعد الحرب العالمية الثانية، اليسار نفسه تحوّل إلى يسار مشاركة يتنافس على السّلطة ويطرح حلولاً عمليّةً لمشاكل النّاس.
هذه البيئة السّياسيّة تخلق إنساناً متفائلاً، يثق بقدرته على التّغيير والتّأثير في محيطه، ويملك إرادة الاستثمار في المستقبل دون خوف من تأميم أو مصادرة.
الخلاصة المُرّة تكمن في إدراكنا لتفاصيل هذا الخراب. المقولة الشّائعة الّتي تطلب 100 سنة لنصبح مثل الألمان، تخفي وراءها جهلاً بطبيعة الدّمار النّفسيّ والسّياسيّ الّذي أُلحق بنا. نحن لا نحتاج 100 سنة من التّطوّر البيولوجيّ، بل نحتاج إرادةً سياسيّةً تكسر أقفاص التّشاؤم، وتبني بيئةً تحترم المبادرة والتّصنيع والتّطوير المحلّيّ. نحتاج نظاماً سياسيّاً يعيد للإنسان السّوريّ ثقته بنفسه وبقدرته على الإنتاج والتّفاعل الإيجابيّ مع العالم، ليعود فاعلاً في صياغة مستقبله كما كان أجداده قبل حقبة التّأميم والتّدمير الممنهج.
مصادر ومراجع
وهم التّفوّق الأوروپيّ وتدمير الصّناعة المحلّيّة:
- Leila Tarazi Fawaz, An Occasion for War: Civil Conflict in Lebanon and Damascus in 1860 https://www.ucpress.edu/book/9780520087828/an-occasion-for-war
- Volker Perthes, The Political Economy of Syria under Asad https://www.ibtauris.com/en-gb/book/9781850438786/the-political-economy-of-syria-under-asad
- Syria’s Economic History: Bumpy Road from Economic Nationalism to Neoliberalism https://academic.oup.com/edited-volume/34445/chapter/292275419?redirectedFrom=fulltext
- Textile industry and trade in Damascus in the eighteenth century https://aabu.edu.jo/EN/collegesandinstitutes/arts/pages/researchesdetails.aspx?itemid=3659
- From Workshops to Sweatshops: Damascus Textiles and the Changing Structure of the Textile Industry https://www.jstor.org/stable/40241254
فرية الدّم والامتيازات الأجنبيّة
- Jonathan Frankel, The Damascus Affair: “Ritual Murder”, Politics, and the Jews in 1840 https://www.cambridge.org/core/books/damascus-affair/
- Encyclopaedia Britannica – Damascus Affair (1840) https://www.britannica.com/event/Damascus-Affair
- Eugene Rogan, The Damascus Events: The 1860 Massacre and the Destruction of the Old Ottoman World https://newbooksnetwork.com/the-damascus-events
- The Aleppo incidents of 1850: a study in the form and impetus of urban violence during the early Ottoman tanzimat https://ostour.dohainstitute.org/en/issue001/pages/art07.aspx
- Leila Tarazi Fawaz, An Occasion for War: Civil Conflict in Lebanon and Damascus in 1860 https://www.ucpress.edu/book/9780520087828/an-occasion-for-war
- Christian Compensation Claims After the 1860 Massacres https://www.zmo.de/en/events/material-life-in-mid-nineteenth-century-damascus-christian-compensation-claims-after-the-1860-massacres
- The massacre in Damascus, July 1860 https://www.academia.edu/63354557/_The_massacre_in_Damascus_July_1860_In_David_Thomas_and_John_A_Chesworth_eds_Christian_Muslim_Relations_A_Bibliographical_History_Volume_18_The_Ottoman_Empire_1800_1914_Leiden_Brill_2021_pp_351_366
- Roger Owen, The Middle East in the World Economy 1800–1914 https://www.ibtauris.com/en-gb/book/9781850431589/the-middle-east-in-the-world-economy-1800-1914
- الامتيازات الأجنبية وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية على سورية https://www.albayan.ae/paths/books/2010-10-09-1.291560
- Charles Issawi, The Economic History of the Middle East and North Africa https://cup.columbia.edu/book/the-economic-history-of-the-middle-east-and-north-africa/9780231084161
العائلات الصّناعيّة السّوريّة بين التّدمير والاستقطاب
- Textile industry and trade in Damascus in the eighteenth century https://aabu.edu.jo/EN/collegesandinstitutes/arts/pages/researchesdetails.aspx?itemid=3659
- From Workshops to Sweatshops: Damascus Textiles and the Changing Structure of the Textile Industry https://www.jstor.org/stable/40241254
- The Syrian Private Industrial and Commercial Sectors and the State https://www.cambridge.org/core/journals/international-journal-of-middle-east-studies/article/syrian-private-industrial-and-commercial-sectors-and-the-state/0E0B0D3D7D0D6A7A1B36B4B8B7A4D0A1
- The Bourgeoisie and the Baath https://merip.org/1991/05/the-bourgeoisie-and-the-baath/
- Syria’s Economic History: Bumpy Road from Economic Nationalism to Neoliberalism https://academic.oup.com/edited-volume/34445/chapter/292275419?redirectedFrom=fulltext
- Steven Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946–1970 https://www.cornellpress.cornell.edu/book/9780801487507/authoritarianism-in-syria/
- Manchester Archives https://www.manchester.gov.uk/info/448/archives_and_local_history
- Andrew Arsan, Interlopers of Empire: The Lebanese Diaspora in Colonial French West Africa https://global.oup.com/academic/product/interlopers-of-empire-9780198723403
- Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920–1945 https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691001135/syria-and-the-french-mandate
- Albert Hourani, A History of the Arab Peoples https://www.hup.harvard.edu/books/9780674395657
التّأميم واجتثاث الصّناعة الوطنيّة
- Trade and Money in Syria 1957-1966 https://jtuh.org/index.php/jtuh/article/view/1327
- Al-Khumasiya: Syria’s Industrial Complex and Nationalization https://www.jstor.org/stable/10.13169/arabstudquar.43.1.0038
- Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920–1945 https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691001135/syria-and-the-french-mandate
- Volker Perthes, The Political Economy of Syria under Asad https://www.ibtauris.com/en-gb/book/9781850438786/the-political-economy-of-syria-under-asad
- Syria’s Economic History: Bumpy Road from Economic Nationalism to Neoliberalism https://academic.oup.com/edited-volume/34445/chapter/292275419?redirectedFrom=fulltext
- The Bourgeoisie and the Baath https://merip.org/1991/05/the-bourgeoisie-and-the-baath/
- Ha-Joon Chang, Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective https://anthempress.com/kicking-away-the-ladder
- Daron Acemoglu & James A. Robinson, Why Nations Fail https://www.crownpublishing.com/archives/9780307719218/why-nations-fail/
- Timur Kuran, The Long Divergence: How Islamic Law Held Back the Middle East https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691156415/the-long-divergence
- Donald Quataert, The Ottoman Empire, 1700–1922 https://www.cambridge.org/core/books/ottoman-empire-17001922/
هندسة التّشاؤم والآثار النّفسيّة للاستبداد
- Martin Seligman, Learned Helplessness https://psycnet.apa.org/record/1975-29172-000
- Mancur Olson, Dictatorship, Democracy, and Development https://www.jstor.org/stable/2946696
- Steven Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946–1970 https://www.cornellpress.cornell.edu/book/9780801487507/authoritarianism-in-syria/
- Volker Perthes, The Political Economy of Syria under Asad https://www.ibtauris.com/en-gb/book/9781850438786/the-political-economy-of-syria-under-asad
غرب أوروپا بيئة للمشاركة لا التّفوّق الجينيّ
- Daron Acemoglu & James A. Robinson, Why Nations Fail https://www.crownpublishing.com/archives/9780307719218/why-nations-fail/
- Mancur Olson, Dictatorship, Democracy, and Development https://www.jstor.org/stable/2946696
- Ha-Joon Chang, Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective https://anthempress.com/kicking-away-the-ladder
- Steven Heydemann, Authoritarianism in Syria: Institutions and Social Conflict, 1946–1970 https://www.cornellpress.cornell.edu/book/9780801487507/authoritarianism-in-syria/
- Martin Seligman, Learned Helplessness https://psycnet.apa.org/record/1975-29172-000





اترك رد