رسمة أمس السبت خصصت لها القمر، ساعياً بين العروق والوريقات كما النجم بين عريقات الأكوان المبعثرة. والقمر أكثر ما تغازلت به العرب، فهو، كما عند العرب رمز من رموز الجمال كذلك عند الترك والكلت وشعب أوربا الأفريقية.

قدّرت الشعوب مواقيتها بالقمر، وتعبّدت للقمر، واعتبرته عين الخالق تطمئن على المخلوقات من بعيد، فزفّت الأعراس تحت ضوء القمر، واسترشدت على دروب سفراتها بالقمر، وباركت محاصيدها بنور القمر. وسجدت تشكر الخالق للقمر.
قد تكون عبادة القمر أكثر الديانات شيوعاً في العالم القديم، انتشرت في أفريقيا والعربية وآسيا حتى شرقها، كما عبدت الناس القمر في أميركا الشمالية قبل انتشار عبادة الشمس من الجنوب. وكلّ من عبد القمر ربطه بالدورة الأنثوية، فكانت أغلب ديانات القمر خالصة الأنوثة.
من العرب عبدت طيء القمر، وطيء حضر وأهل تمدّن أنشؤوا المعابد من الحجر. وانتشرت ديانة طيء ذاتها من سواحل شرق أفريقيا حتى مونگوليا في آسيا، لكأنّها كانت الديانة الرسمية لطريق الأرز. وفي مدينة بخارى وقبل الإسلام عُبد القمر في معبد موجود إلى اليوم هو ”مسجد العطّارين“ attori masjidi وكان يتمركز سوقاً للعطّارين شغله اليهود العراقيّون وبني طيء الوافدين لتجارة العطورات والبزورات من اليمن… ومسجد العطّارين البخاري في الأساس معبد لسين.
سين، هو الربّ القمر بلغة طيء، سين، تطوير عن فلسفة موريّة قديمة اعتبر فيها الرعاة أنّ عين القمر ترعاهم وتحميهم من الضياع ومن السقوط فرائس للضباع… فنور القمر ساطع كاشف. وبقيت عبادة القمر حية في بعض طيء حتى القرن التاسع، واستمرّ بعدها رمزٌ للجمال والحكمة والعقل الراجح، فكان فيلسوف القبيلة ومفكّرها قمرها، يرشدها عن دروب الضياع والاستهلاك.
ومن القرن الثامن نقرأ عن قمر أبو تمام الطائي الحوراني إذ يقول:
قَمَرٌ تَبسَّمَ عَنْ جُمَانٍ نابتِ فَظَلِلْتُ أَرمُقُه بِعَينِ البَاهِتِ
ما زال يقصر كلُّ حُسنٍ دونه حتَّى تفاوَتَ عَن صِفاتِ النَّاعِتِ
سَجَدَ الجَمالُ لِوَجْهِهِ لمّا رَأَى دَهَشَ العُقُولِ لحُسنِهِ المُتفَاوتِ
إِنيّ لأَرجُو أَنْ أنالَ وِصَالَهُ بالعَطْفِ منهُ وَرَغْمَ أنْفِ الشَّامِتِ





اترك رد