تنساب طبيعة الحياة في مجراها كنهر دافق يروي ضفافه بالمعرفة والتجارب. وفي حين تمتدّ جذورها في أعماق النفس البشرية باحثة عن جوهر الحقيقة والمعرفة، تنمو شجرة الوعي على ضفاف هذا النهر الدافق.
وهنا، مع الأيّام، تتفتّح براعم الأحلام والتطلّعات، تشرب من عصارة التجارب، فتنضج ثماراً يانعة من الخبرات المعارف. محمّلة برائعة المغامرة، تهبّ نسمات فتداعب أوراق هذه الشجرة هامسة بأسرار جديدة، تنتظر من يكتشفها.

يقول الروائي الأميركي بوكّنيري Bucchianeri أنّ الحبّ، كأيّ شيء آخر في الحياة، يجب أن يكون اكتشافاً ومجازفة، وكأغلب المجازفات، لا تعرف أنّك على حبّ إلّا وأنت في قلبها… المجازفة.
من جهتي أعتبر الحبّ تجرِبة، واحدة من تجارِب الحياة الكثيرة. هذي الحياة التي لا نعيشها إلا بواسطة تجرِبة تجاربها كلّها. وطالما أنّ تجرِبة المجهول تحتاج إلى شجاعة، فالحبّ يحتاج كذلك إلى شجاعة. والشجاعة لا نستجمعها بامتلاك الأجوبة، إنّما نجدها حين نكون مستعدّين لمواجهة الأسئلة التي كنّا نتحاشاها على الدوام.
ولأنّ الحبّ تجرِبة، فمن وجهة نظري، كلّ الحياة تجارِب حبّ، كل التجارِب المكوّنة لهذه الحياة هي في الواقع حبّ، حتّى تجرِبة الفشل والهزيمة وخيبات الأمل، هي في نظري تجارِب حبّ. وقعت فيها لأنّني أحبّ الحياة ولأنّني أحبّ خوض كلّ تجرِبة. فالحياة مغامرة، كما الحبّ تماماً، وكما قال بوكّنيري: الحبّ اكتشاف ومجازفة.

قبل عشر سنوات وبينما كنت في سهرة صحفيّين وصحفيّات في بيروت، دار بيننا نقاش عن الحجاب، وانبريت كعادتي أدافع عن حقّ المرأة المسلمة باختيار الحجاب أو خلعه، فأسكتتني فتاة محجّبة وسألتني بأيّ صفة تدافع عن حقّي أنا المرأة؟ أنت رجل، لا تعرف معنى الحجاب، لم تقم بتجربته مرّة. فأسكتتني وأنا المدافع إلى صفّها.
بقيت هذي الحادثة تدور في عقلي أشهراً بعدها، وحين انتقلت للحياة في عمّان قرّرت إحقاق حقّ هذه الصحفية اللّبنانية وارتديت الحجاب فترة شهر. أردت خوض المجازفة، أن أكتشف تفاصيلها وأدرك تماماً ما تتبادلنه النساء حين تخضن حواراً حول الحجاب. أردت أن أفهم بشكل فيزيائي آراء من تدافعن عن الحجاب ومن تنتقدنه. أثره على الشعر وعلى الجلد وعلى النفس وعلى قلب الوتد.

في ألمانيا، ولكثرة أسفاري في تلك الفترة، قرأت على الطائرات الكثير من القصص والحكايات التي تتحدّث فيها البطلات عن الريح تلعب بشعورهنّ. وسمعت الكثير من تذمّر زميلاتي وصديقاتي عن طول الشعر وحاجاته ومتاعبه. ولفهم كلّ هذه الأفكار والتفاصيل قرّرت إطالة شعري، وقرّرت كذلك أن يصل طول شعري حتى أسفل ظهري… أريد أن أفهم كلّ تلك العبارات العاطفية في تلك الروايات الأنثوية.
وبدأت فعلاً تجربتي، مجازفة جديدة واكتشافات لم تخطر في بالي. تجاوزت مسألة الأنوثة ودخلت كذلك في إطار تنمّر الذكور على ذوي الشعر الطويل. وتحمّلت، أسجّل تفاصيل كلّ تلك التجارِب، إلى أن وصل طول شعري مطلع هذا العام فعلاً إلى أسفل ظهري، وسجّلت علامات التجربة، ثمّ قصصت أغلبه منتصف العام. فلم تكن الغاية طويل الشعر. لكنّ التجربة علّمتني مثلاً أن تقصير الشعر استبطار بالخلق الأوّل.

في صغري اعتاد أهلي اعتبار تجاربي إضاعة وقت. وهدر للطاقات والموارد. لكنّني على قناعة أنّني أظلم أيّ حال إن حكمت فيها بغير تجرِبة. يجب أن أجرّب بنفسي لأفهم تماماً مقاصد الآخرين ومشاعرهم إزاء أيّ حال. نحن، لا نستطيع فهم الآخرين بغير عيش تجاربهم. لا يحقّ لنا إطلاق الأحكام في حياة الناس بغير عيش تلك الحياة أوّلاً، ثمّ، من بعدها، يحقّ لنا إبداء الرأي عن علم وتجربة.
إن كنت تحبّ الحياة وتحترم دقائقها مثلي، فستدرك سريعاً أنّ كلّ الحياة تجارِب حبّ، فكلّ التجارِب المكوّنة لهذه الحياة هي في الواقع تجرِبة حبّ، فلا تحرم نفسك دفئ هذا الحبّ وجمال تفاصيله، واستغرق في عيش الاكتشافات والمجازفة لأجله.

تستمرّ رحلة الاكتشاف ما دامت النفس تتوق للمعرفة. وفي رحاب التجارب تتفتّح براعم الفهم العميق. وعلى أجنحة الشغف نحلّق نحو آفاق جديدة. ومن ثنايا المجازفات تتشكّل ملامح شخصيّتنا. ثمّ بين ثنايا الأيّام تنضج تجاربنا وتكتمل. وعلى دروب المعرفة نمضي متسلّحين بالشغف والإرادة. وفي نهاية المطاف تتحوّل كلّ خطوة درساً ثميناً.






اترك رد