رسمة أمس السبت عن صورة كنت التقطتها لمجنونة في دمشق القديمة سنة 2009.

قبل التقاط تلك الصورة ببضع سنوات زارني في دمشق صديق نمساوي، فجلت به أقدّم له مدينتي بجديدها وعتيقها، وكنّا نتجوّل مرّة في شارع القيمرية شرق باب جيرون؛ فمررنا بجانب جدار من قطعة صخر أبيض واحدة. سألني صديقي عن الجدار وهائل حجمه مستغرباً، وكان بالنسبة لي مشهد عاديّ أمرّ حوله كلّ يوم تقريباً، فقلت له مستبسطاً “قد يكون هذا هنا منذ سبعة آلاف سنة، لا أدري من بناه”.
ما استبسطته أنا استعظمه صديقي النمساوي، وجمد في مكانه جاحظاً يتأمّل الجدار وقطعة الصخر العملاقة ويردّد من بعدي “سبعة آلاف سنة!”، ثمّ فاجأني أن مال واحتضن الجدار!
دمعت عيني في قلبي لحظتها وتظاهرت بالضحك على طرافة المشهد، “it’s so cool… yeah? It’s really old” فعقّب صديقي، كم يداً لمست هذه الصخرة قبلي ومن نفس هذا الموضع؟ طوال السنين الآلاف الماضية!
قد لا تكون دمشق أقدم مدن الأرض، ولا قد تكون شيئاً هامّاً على مسار تطوّر البشرية والحضارة الإنسانية، لكنّها بكلّ تأكيد من أقدم مقابر الناس التي لم تزل على قيد الحياة. أنفس عاشت فيها وعلى أرضها بالملايين طوال الألفيات الغابرة، وأرواح شتّى تطوف في أجوائها على الأجساد المجبولة بتربة أرض دمشق ذاتها.
دمشق كائن حيّ يتنفّس، مسقيّ بدماء مئات ملايين العابرين وذوي الأثر، تجري في عروقه مياه من عرق الحضارات والأفكار المتنوّعة من مشارب شتّى، وبلا حدود.
ما بين نزار قبّاني وابن عساكر تعلّمت في صِغري وجود حقيقة ثابتة، أنّ دمشق تذبل وتنكمش متى ادّعت هويّة، متى استقذرت أمطار سحاب من غير سماء، فتعاقب سكّانها أرواح من في أرضها تحت التراب، وتضنّ على أهلها بالخير.
دمشق المجنونة خير ما رأت من أمطار غيرها خير، وعذاب ما استعظمت على غيرها بكِبر، فالكِبر يذهب بالخير.





اترك رد