لا تُقاس الأخطاء الاستراتيجية الكبرى بحجم الخسائر المباشرة فحسب، بل بما تُحدثه من تحوّلات عميقة في موازين القوى العالمية على مدى عقود. وقد ارتكبت الولايات المتّحدة الأميركية خطأً تاريخيّاً فادحاً حين اختارت معاداة الإسلام والعالم الإسلامي عوضاً عن بناء تحالف معه بعد انهيار الاتّحاد السوڤييتي. أدّى هذا القرار غير المعلن إلى سلسلة متواصلة من الحروب والنزاعات استنزفت موارد واشنطن، وأضعفت مكانتها الأخلاقية، وفتحت الباب واسعاً أمام صعود الصين قوّة عظمى منافسة. وها نحن اليوم على أعتاب القرن الصيني!
يتناول هذا المقال ذلك الخطأ الاستراتيجي بالتحليل النقدي، ويستكشف كيف كان للتاريخ أن يسلك مساراً مختلفاً تماماً لو اختارت واشنطن طريق الشراكة مع العالم الإسلامي بدلاً من مسار العداء والصدام. كما يبحث في النتائج الجيوسياسية بعيدة المدى لهذا الخيار، وما أحدثه من تغيير جذري في النظام الدولي.

مقدّمة
انتهت الحرب الباردة عام 1991 بانهيار الاتّحاد السوڤييتي، وصارت الولايات المتّحدة القوّة الوحيدة المهيمنة على النظام الدولي. كانت تلك لحظة تاريخية فريدة أتاحت لواشنطن فرصة بناء عالم أكثر استقراراً وتعاوناً، لكن النخبة السياسية والعسكرية الأميركية اختارت مساراً مغايراً. فبدلاً من توظيف ذلك الانتصار في إرساء قواعد نظام عالمي عادل، انطلقت في البحث عن عدوّ جديد يملأ الفراغ الذي تركه السوڤييت. وكان الإسلام والعالم الإسلامي – بثقله الجغرافي والبشري والحضاري – هو الهدف الأنسب لإعادة صياغته مصدر خطر جديد.
أطلق هذا التوجه الاستراتيجي الخاطئ سلسلة من التداعيات الكارثية: حروب طويلة في أفغانستان والعراق، تفكّك دول وانتشار الفوضى في الشرق الأوسط، صعود جماعات متطرّفة غُذّيت بالعداء المتبادل، واستنزاف تريليونات الدولارات والآلاف من الأرواح. وفيما كانت واشنطن منهمكة في تلك الحروب، نهضت الصين بهدوء وحكمة، فاستثمرت في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، حتّى صارت القوّة الاقتصادية الثانية عالميّاً، ثم منافساً استراتيجيّاً شاملاً للولايات المتّحدة.
اليوم، تحاول واشنطن تصحيح ذلك الخطأ التاريخي بالتقارب مع دول العالم الإسلامي لمواجهة الصعود الصيني، لكنّ استعادة الثقة المفقودة بعد ثلاث عقود من العداء والحروب ليس بالأمر اليسير.

الفصل الأوّل: من نهاية الحرب الباردة إلى صناعة العدوّ الجديد
الصدمة الاستراتيجية وفقدان العدوّ التقليدي
حين تفكّك الاتّحاد السوڤييتي رسميّاً في كانون أوّل ديسمبر 1991، واجهت المؤسّسة السياسية والعسكرية الأميركية حالة غير مألوفة: غياب العدوّ. إذ بُنيت منظومة الأمن القومي الأميركي طوال عقود على مواجهة الخطر الشيوعي، ابتداءً من عقيدة ترومان عام 1947 مروراً بتأسيس حلف الناتو وحرب ڤييتنام ووصولاً إلى سباق التسلّح النووي. كان الخطر الخارجي هو العامل الأساسي الذي يُبرّر الإنفاق العسكري الضخم، ويُوحّد الصف الداخلي، ويُسوّغ التدخلات الخارجية.
لكن زوال ذلك الخطر خلق فراغاً استراتيجيّاً عميقاً. فالنظام السياسي الأميركي اعتاد التعريف الذاتي بوجود عدوّ واضح، والمجمّع الصناعي العسكري تطلّب استمرار حالة التوتّر لضمان التمويل والنفوذ. لذا بدأ صنّاع القرار في واشنطن البحث عن تهديد بديل يملأ ذلك الفراغ ويُبرّر استمرار الهيمنة الأميركية على النظام الدولي.

التحوّل الفكري: صدام الحضارات وصناعة العدوّ الثقافي
انتقلت الولايات المتّحدة في التسعينيات من منطق “صراع الأيديولوجيات” إلى منطق “صدام الحضارات”. وبرز في هذا السياق صامويل هنتنگتون وأطروحته الشهيرة التي نُشرت عام 1993 في مجلّة “فورين أفّيرز”، ثمّ تحوّلت إلى كتاب عام 1996. صوّر هنتنگتون الإسلام بوصفه الحضارة الوحيدة ذات “الحدود الدموية” مع الآخرين، وقدّم تصنيفاً للعالم قائماً على الهويّات الدينية والحضارية لا على الأيديولوجيات السياسية.
أعطى هذا الطرح الفكري شرعية نظرية لتحويل الصراع الجيوسياسي إلى صراع هويّاتي حضاري، وأثّر بعمق في صنّاع القرار الأميركيّين، وخاصة تيّار المحافظين الجدد الذين سيطروا على الإدارة الأميركية في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين. أمثال پول وولفويتز وريتشارد بيرل ودونالد رامسفيلد ربطوا بين الأمن القومي الأميركي وضرورة إعادة تشكيل العالم الإسلامي بالقوّة.

التقاطع الصهيوني-الإمبريالي
أدّى اللّوبي الصهيوني في واشنطن دوراً مؤثّراً في دفع الإدارة الأميركية نحو معاداة العالم الإسلامي، خاصّة في قرار غزو العراق عام 2003. ألقى بنيامين نتنياهو خطاباً أمام الكونگرس عام 2002 روّج فيه لفكرة أنّ إسقاط صدّام حسين سيحوّل الشرق الأوسط إلى منطقة ديمقراطية مستقرّة تخدم المصالح الإسرائيلية. المحافظون الجدد الذين سيطروا على إدارة بوش – وكثير منهم مرتبطون بمراكز أبحاث صهيونية – صاغوا استراتيجية إعادة تشكيل المنطقة التي خدمت تل أبيب بشكل مباشر.
لكنّ اختزال السياسة الأميركية بالكامل في “الاختطاف الصهيوني” يتجاهل عوامل أخرى جوهرية. فالمجمّع الصناعي العسكري الأميركي استفاد مباشرة من الحروب الطويلة عبر عقود بمئات المليارات، وشركات النفط الكبرى رأت في السيطرة على العراق فرصة للوصول إلى احتياطيات نفطية هائلة، والنخبة السياسية كانت تبحث عن عدوّ جديد بعد انهيار السوڤييت لتبرير الإنفاق العسكري الضخم.
التحالف الاستراتيجي بين المصلحة الصهيونية والمصلحة الإمبريالية الأميركية أنتج تلك السياسات الكارثية، لكنّ المسؤولية تبقى مشتركة بين اللّوبي الصهيوني المؤثّر والنخب الأميركية التي اتّخذت القرارات النهائية وتحمّلت عواقبها.
هكذا تحوّل الإسلام السياسي المتصاعد منذ الثورة الإيرانية عام 1979، والحركات الجهادية التي دعمتها واشنطن نفسها في أفغانستان خلال الثمانينيات، إلى الهدف الأمثل لإعادة توجيه منظومة التهديد الأميركية. ولم تكن تلك مجرّد قراءة استراتيجية للواقع، بل صناعة واعية لخطاب سياسي يُعيد تعريف العدوّ وفق حاجات المرحلة.

الفصل الثاني: من صناعة الخطر إلى الحرب المفتوحة
مرحلة ما قبل 11 أيلول سپتمبر: تهيئة البيئة للصدام
بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، اتّخذت واشنطن سلسلة من القرارات السياسية والعسكرية التي غذّت مشاعر العداء في أوساط واسعة بالعالم الإسلامي. أبقت قوّاتها العسكرية بشكل دائم في شبه الجزيرة العربية برغم وعودها بأنّ الوجود مؤقّت، وفرضت عقوبات اقتصادية قاسية على العراق استمرّت عقداً كاملاً وتسبّبت بكارثة إنسانية، وتجاهلت الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة للحقوق الفلسطينية ودول الجوار.
زرعت هذه السياسات بذور الغضب والإحباط في المجتمعات المسلمة، وخلقت بيئة خصبة لنموّ حركات المقاومة المسلّحة التي وُصفت في الخطاب الغربي بـ”الإرهاب الإسلامي”. أشار الباحث الأميركي تشالمرز جونسون في كتابه “الارتداد” عام 2000 إلى أنّ تلك السياسات أنتجت ردود فعل عنيفة كان يمكن توقّعها، لكنّ المؤسّسة الأميركية فضّلت تجاهل الأسباب الجذرية والتركيز على النتائج فقط.

لم تكن فكرة صناعة الذرائع للتدخّل العسكري أمراً مستحدثاً في التفكير الاستراتيجي الأميركي. ففي عام 1962، وضعت وزارة الدفاع الأميركية خطّة سرية عُرفت لاحقاً باسم “عملية نورثوودز” Operation Northwoods، تضمّنت تنفيذ هجمات إرهابية مزيّفة ضدّ الشعب الأميركي نفسه، ثم إلصاقها بكوبا تحت قيادة فيديل كاسترو لتبرير غزو الجزيرة.
تضمّنت الخطة، التي صادق عليها قادة عسكريّون كبار، سيناريوهات مرعبة: اختطاف طائرات مدنية، تفجيرات في مدن أميركية، نسف سفن أميركية، وربّما قتل مدنيّين أميركيّين. كان الهدف خلق حالة من الغضب الشعبي تُسوّغ شنّ الحرب على كوبا. لحسن الحظ، رفض الرئيس جون كينيدي التوقيع على الخطّة فأُلغيت، لكنّ الوثائق ظلّت سرية حتى رُفعت عنها السرية في التسعينيات.
يكشف هذا المثال التاريخي عن نمط تفكير استراتيجي راسخ في بعض دوائر صنع القرار الأميركية: صناعة الذريعة بدلاً من انتظار حدوثها. وحين ننظر إلى ما جرى بعد أحداث 11 أيلول سپتمبر 2001، نجد أنّ هذا النمط تكرّر، وإن اتّخذ أشكالاً أكثر تعقيداً. فقد استُغلت الهجمات – برغم أنّها حقيقية وليست مُفبركة – لتبرير غزو العراق عام 2003 بحجج ثبت لاحقاً أنّها زائفة تماماً، خاصّة ادّعاء امتلاك صدّام حسين لأسلحة دمار شامل.
الفارق أنّ “عملية نورثوودز” أُحبطت قبل التنفيذ بفضل ضمير رئيس، في حين نُفّذت الحرب على العراق بالفعل بناءً على معلومات مضلّلة، ما أدّى إلى كارثة إنسانية وسياسية لا تزال تداعياتها مستمرّة حتى اليوم. يُظهر هذا التشابه في المنهجية – صناعة الذريعة أو تضخيمها – أنّ استخدام التضليل أداة للسياسة الخارجية لم يكن استثناءً، بل كان جزءاً من ترسانة استراتيجية متاحة للمؤسّسة الأمنية الأميركية عند الحاجة.

أحداث 11 أيلول سپتمبر واستغلال الفرصة
شكّلت هجمات 11 أيلول سپتمبر 2001 نقطة التحوّل الكبرى في السياسة الأميركية تجاه العالم الإسلامي. برغم محدودية حجم المهاجمين – تسعة عشر شخصاً دون دعم من دولة معلنة – تعاملت واشنطن مع الحدث على أنّه هجوم حضاري شامل يتطلّب ردّاً استراتيجيّاً واسع النطاق. أُعلنت “الحرب العالمية على الإرهاب”، وغُزيت أفغانستان في تشرين أوّل أكتوبر 2001، ثم العراق في آذار مارس 2003 بحجج مختلفة تبيّن لاحقاً أنّ معظمها كان زائفاً.
لكن التحليل النقدي يكشف أنّ تلك الحرب مثّلت فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط أكثر منها استجابة أمنية ضرورية. فقد وفّرت الهجمات الذريعة المثالية لتنفيذ أجندة كانت موجودة مسبقاً لدى المحافظين الجدد، وهي السيطرة على موارد النفط في الخليج، وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، وتأمين الهيمنة الأميركية لعقود قادمة.
كانت النتائج العملية كارثية على جميع المستويات. انهارت الدول، وتفكّكت المجتمعات، وانتشرت الفوضى والطائفية، وبرزت جماعات متطرّفة في مختلف الطوائف أكثر خطورة من تنظيم القاعدة نفسه. وبدلاً من القضاء على التطرّف، أنتجت الحرب على الإرهاب بيئة خصبة لتكاثره وانتشاره في مناطق أوسع.

الفصل الثالث: التطرّف صناعة لا ظاهرة طبيعية
الجذور التاريخية للتطرّف المُوظَّف
تُظهر القراءة الموضوعية للتاريخ أنّ التطرّف المسلّح لم ينشأ من فراغ عقائدي، بل كان نتاجاً مباشراً للتوظيف السياسي والصراعات الجيوسياسية. ففي الحرب الأفغانية ضدّ السوڤييت (1979-1989)، سلّحت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية المجاهدين ودرّبتهم عبر پاكستان، وضخّت مليارات الدولارات لتحويل أفغانستان إلى مستنقع يستنزف القوّة السوڤييتية.
حين انسحب الجيش السوڤييتي، تُركت أفغانستان في فراغ سياسي تام. لم تهتم واشنطن بإعادة الإعمار أو بناء دولة مستقرّة، فتحوّلت تلك القوى المسلّحة من مقاتلي مقاومة إلى جماعات تائهة بلا مشروع وطني واضح. بعضها انخرط في حروب أهلية داخلية، وبعضها انتقل إلى نزاعات إقليمية أخرى، وبعضها تحوّل إلى تنظيمات عابرة للحدود مثل القاعدة. كان ذلك مثالاً واضحاً على ما أسماه تشالمرز جونسون “الارتداد” – أي العواقب غير المقصودة للتدخلات الأميركية.
الجذور الاستعمارية لمفهوم “الإرهاب”
لم تبدأ الحرب على الإرهاب عام 2001 حين أعلنها جورج بوش الابن، بل تعود جذورها الحقيقية إلى أكثر من قرن مضى في الهند الاستعمارية البريطانية. مع مطلع القرن العشرين، بدأت قبضة الإمبراطورية البريطانية على شبه القارة الهندية بالتراخي، فاستغلّ الثوّار الهنود انشغال لندن بالحرب العالمية الأولى لمحاولة الإطاحة بالحكم الاستعماري، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل.
ردّت بريطانيا عام 1919 بإصدار “قانون الجرائم الفوضوية والثورية” Anarchical and Revolutionary Crimes Act، منحت بموجبه القوّات الاستعمارية البريطانية سلطة اعتقال الهنود دون توجيه اتّهام واحتجازهم دون محاكمة لمدّة تصل إلى عامين. هذا النموذج التشريعي القمعي لم يبقَ حبيس الهند، بل نُقل حرفيّاً إلى أيرلاندا عام 1920 عبر “قانون استعادة النظام في أيرلاندا” Restoration of Order in Ireland Act، لقمع حركة شين فين والجيش الجمهوري الأيرلندي.
استخدمت بريطانيا القوّات شبه العسكرية المعروفة باسم “البلاكس آند تانز” Blacks and Tans لفرض سيطرتها على أيرلاندا، وهي القوّات نفسها التي نشرها ونستون تشرشل لاحقاً في فلسطين تحت الانتداب البريطاني. هكذا صارت تقنيات القمع الاستعماري تُختبَر أوّلاً في المستعمرات، ثمّ تُستورَد إلى الداخل البريطاني نفسه.
أوّل قانون بريطاني يذكر صراحة مصطلح “الإرهاب” terrorism كان “قانون منع الإرهاب” Prevention of Terrorism Act عام 1974، الذي صدر ردّاً على تفجيرات الجيش الجمهوري الأيرلاندي. أنشأ هذا القانون قائمة بـ”المنظّمات الإرهابية المحظورة”، وظلّت سنوات تحمل اسماً واحداً فقط: الجيش الجمهوري الأيرلندي.
بحلول عام 2000، أصدرت بريطانيا “قانون الإرهاب” Terrorism Act ليُطبَّق على سكّان إنگلترا وويلز، لكنّ التركيز انتقل تدريجيّاً إلى “العدوّ الداخلي الجديد”: الإسلام السياسي. برغم حظر بريطانيا لبعض المنظّمات النازية الجديدة، بقيت جهود مكافحة الإرهاب مركّزة بشكل أساسي على ما وُصف بـ”التطرّف الإسلامي”، حتّى وصل الأمر إلى شمول أشخاص بعيدين كلّ البعد عن العنف، بل وصل إلى شيوخ في الثمانينيات من العمر.
توسّع مفهوم “مكافحة الإرهاب” لاحقاً ليشمل حركات الدفاع عن فلسطين، مدفوعاً بالخلط المتعمّد بين حماس والفلسطينيّين جميعاً، وبالإسلاموفوبيا المتجذّرة في المؤسّسة الأمنية البريطانية. هكذا ظلّت حملة مكافحة الإرهاب البريطانية على مدى أكثر من قرن مشروعاً استعماريّاً عميقاً يهدف لاحتواء “الحشد المُعرقَن” racialized horde الذي يحاول التمرّد على الدولة البريطانية، سواء في الخارج أو الداخل.
ورثت الولايات المتّحدة هذا النموذج الاستعماري وطوّرته بعد عام 2001، فصارت الحرب على الإرهاب امتداداً حديثاً لتقاليد قمعية استعمارية عريقة، لا استجابة عفوية لأحداث استثنائية. الفارق أنّ واشنطن طبّقت هذا النموذج على نطاق عالمي واسع، فأنتجت تداعيات كارثية لم تكن بريطانيا قادرة على إنتاجها في عصر الإمبراطوريات الاستعمارية الكلاسيكية.

الإعلام والتضخيم المنهجي للتهديد
ساهم الإعلام الغربي – وخاصة الأميركي – في تضخيم ظاهرة الإرهاب الإسلامي وتحويلها إلى خطر حضاري شامل. منذ التسعينيات، صوّرت أفلام هوليوود العرب والمسلمين إرهابيّين أو متعصّبين في الغالب الأعم، ونشرت وسائل الإعلام تقارير مبالغاً فيها حول “التهديد الإسلامي”، وأُطلقت حملات منظّمة لربط الإسلام بالعنف والتخلّف.
أنتج هذا التضخيم المنهجي ما يُسمى “الإسلاموفوبيا المؤسّساتية”، أي تحويل الخوف من الإسلام إلى جزء من السياسات الرسمية والخطاب العام. أصبحت الشكوك تلاحق المسلمين في المطارات، وصارت القوانين الاستثنائية تُطبَّق باسم مكافحة الإرهاب، وتحوّلت صورة المسلم في الوعي الجمعي الغربي إلى صورة نمطية سلبية.
لو لم يحدث ذلك التضخيم الإعلامي والسياسي، لظلّ التطرّف ظاهرة هامشية محصورة في أطراف بعض النزاعات المحلّية كما حصل في الجزائر أو الشيشان. لكنّ السياسة الأميركية حوّلته إلى قضية عالمية مركزية، فأعطته بذلك أهمّية وحضوراً أكبر بكثير ممّا كان يستحق.

الفصل الرابع: الفرص الاستراتيجية الضائعة
العدالة الغائبة في القضية الفلسطينية
لو انتهجت الولايات المتّحدة موقفاً متوازناً في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لكان بإمكانها بناء علاقات ثقة راسخة بالشعوب العربية والمسلمة. لكنّ الانحياز المطلق لإسرائيل منذ التسعينيات – برغم انتهاكاتها المستمرّة للقانون الدولي – حرم واشنطن من دور الوسيط المقبول وأفقدها المصداقية الدبلوماسية.
كان اتّفاق أوسلو عام 1993 فرصة تاريخية لإحلال السلام العادل، لكنّ الإدارات الأميركية المتعاقبة أخفقت في الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، في حين ظلّت تضغط على الفلسطينيّين بلا توازن. فتحت هذه السياسة الباب أمام الصين وروسيا لتقديم نفسيهما بديل أكثر إنصافاً، وكسب ودّ الشارع العربي والمسلم.
استمرّ هذا الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل حتّى وصل إلى مرحلة جديدة من الخطورة: تجريم الدفاع عن الحقوق الفلسطينية نفسه بوصفه “إرهاباً”. توسّع مفهوم مكافحة الإرهاب في الغرب، وخاصّة في بريطانيا والولايات المتّحدة، ليشمل حركات التضامن مع فلسطين، مدفوعاً بالخلط المتعمّد بين حماس والشعب الفلسطيني بأسره.
هكذا صار الدفاع عن حقوق شعب محتلّ “تطرّفاً”، والمطالبة بالعدالة “دعماً للإرهاب”، في مفارقة صارخة تكشف كيف يُوظَّف مصطلح الإرهاب أداة سياسية لقمع المعارضة وحماية الظلم بدلاً من مواجهة العنف الحقيقي. أفقدت هذه السياسة واشنطن ولندن أيّ مصداقية أخلاقية في الحديث عن حقوق الإنسان أو مكافحة التطرّف، وعمّقت الهوّة بين الغرب والعالم الإسلامي بشكل يصعب ترميمه.
الاستثمار في التنمية بدلاً من الحرب
أنفقت الولايات المتّحدة بين عامي 2001 و2021 نحو ثمانية تريليونات دولار على حروب مكافحة الإرهاب، وفق تقرير مشروع تكاليف الحرب الصادر عن جامعة براون. لو وُجّه نصف هذا المبلغ فقط نحو مشاريع تنمية حقيقية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لتغيّر وجه المنطقة بالكامل.
كانت البنية الاقتصادية والاجتماعية المتينة ستمتص أسباب التطرّف الجذرية: الفقر والبطالة والتهميش واليأس. وكانت واشنطن ستبني صورة إيجابية شريك حقيقي للتنمية، لا قوّة احتلال تزرع الدمار أينما حلّت. لكن منطق الهيمنة العسكرية طغى على منطق الاستثمار التنموي، فكانت النتيجة عكسية تماماً.

الشراكات التكنولوجية الضائعة
في التسعينيات والعقد الأوّل من الألفية الجديدة، كانت هناك فرص تاريخية لبناء شبكات تعاون تكنولوجي وصناعي مع دول مسلمة صاعدة مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا وپاكستان. لكن واشنطن آثرت التعامل معها من منظور أمني ضيّق، أو ربط التعاون بشروط سياسية مُذلّة، أو تجاهلها لمصلحة شركاء آخرين.
النتيجة كانت تحوّل پاكستان – الدولة النووية الوحيدة في العالم المسلم – إلى حليف استراتيجي للصين. فبنت بكّين معها شراكة متعدّدة الأبعاد تشمل التعاون النووي والعسكري والبنية التحتية الضخمة مثل الممر الاقتصادي الصيني-الپاكستاني. وصارت إسلام آباد نقطة ارتكاز أساسية للنفوذ الصيني في جنوب آسيا، في حين خسرت واشنطن حليفاً كان يمكن أن يكون جسراً استراتيجيّاً بين الشرق الأوسط وجنوب وشرق آسيا.
الأدهى أنّ الهند التي دعمتها الولايات المتّحدة لموازنة الصين، انتهت إلى الانضمام لتحالفات تضمّ موسكو وبكّين كمثل تجمع البريكس ومنظمة شنگهاي للتعاون. فوجدت واشنطن نفسها بعد عقود من الاستثمار السياسي أمام حليف متردّد منفتح على خصومها. يتخلّى عن صفّها بسهولة.
روسيا: حليف محتمل تحوّل إلى خصم
لم يقتصر الخطأ الاستراتيجي الأميركي على العالم الإسلامي، بل امتدّ إلى روسيا أيضاً. ففي بداية حكم ڤلاديمير پوتن، أبدت موسكو استعداداً للتقارب مع الغرب، وناقشت إمكانية انضمام روسيا لحلف الناتو في لقاءات مع قادة غربيّين. لكنّ الغرب رفض هذا التقارب لأسباب جيوسياسية عميقة: بُني الناتو أساساً لمواجهة الخطر السوڤييتي ثمّ الروسي، وقبول روسيا عضواً كان سيفقد الحلف مبرّر وجوده (متجاهلين ضرورة الحلف لمواجهة الصين).
لاحقاً دفع التوسّع الأطلسي شرقاً نحو حدود روسيا موسكو تدريجيّاً نحو التحالف مع بكّين، وهذا خطأ استراتيجي أميركي آخر يشبه خطأ معاداة العالم الإسلامي: صناعة عدوّ كان يمكن تحويله إلى شريك أو على الأقلّ إلى محايد. يشكّل التحالف الروسي-الصيني اليوم تحدّياً جيوسياسيّاً ضخماً لواشنطن، وكان يمكن تجنّبه بسياسة أذكى في التسعينيات.
دروس التاريخ المُهملة: من ڤييتنام إلى العراق
لم تكن حروب الشرق الأوسط أوّل تجربة أميركية بمنطق الهيمنة العسكرية الفاشل. ڤييتنام قدّمت الدرس نفسه قبل عقود: حرب طويلة مدمّرة استمرّت عشرين عاماً (1955-1975)، خسرت فيها واشنطن عشرات الآلاف من جنودها وأنفقت مئات المليارات، وقتلت ملايين الڤييتناميّين، ثمّ انسحبت مهزومة. اليوم، ڤييتنام دولة مستقلّة ذات سيادة تتعاون اقتصاديّاً مع الصين وأميركا معاً، وكان يمكن الوصول لهذه النتيجة دون عشرين عاماً من الحرب المدمّرة.
كان على واشنطن أن تتعلّم الدرس بعد انهيار السوڤييت وتختار منطقاً مختلفاً قائماً على الشراكة الاقتصادية، لكنّها كرّرت الخطأ نفسه في أفغانستان والعراق وسوريا. الصين تعلّمت من أخطاء السوڤييت وتجنّبت الحروب المكلفة، في حين أنّ واشنطن لم تتعلّم من أخطائها وكرّرتها حتّى استنزفت قوّتها وفتحت الباب أمام منافسيها.

الفصل الخامس: النتائج بعيدة المدى والتحوّلات الجيوسياسية
الصعود الصيني نتيجة حتمية
حين استنزفت الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق الموارد المالية والبشرية والمعنوية، كانت الصين تنفّذ استراتيجية طويلة المدى قائمة على التنمية الاقتصادية والتقدّم التكنولوجي والاندماج في النظام التجاري العالمي. انضمّت بكّين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، واستثمرت مئات المليارات في البنية التحتية الداخلية والخارجية، وركّزت على التعليم والبحث العلمي والابتكار.
تحوّلت الصين من “مصنع العالم” الرخيص إلى قوّة تكنولوجية رائدة في مجالات الاتّصالات والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي. وبحلول عام 2010 صارت ثاني أكبر اقتصاد عالمي، ثم منافساً استراتيجيّاً شاملاً للولايات المتّحدة في العقد الثاني من القرن. لم يكن هذا الصعود ممكناً لو كانت واشنطن منتبهة ومركّزة على المنافسة الحقيقية، لكنّ انشغالها بحروب صنعتها في الشرق الأوسط أتاح لبكّين هامشاً زمنيّاً ثميناً.
أطلقت الصين مشروع “الحزام والطريق” الذي يربط آسيا بأوروپا وأفريقيا، واستثمرت في موانئ وطرق وسكك حديد عابرة للقارّات. وبنت علاقات اقتصادية متينة بدول الشرق الأوسط عبر شراء النفط والاستثمار في البنية التحتية، ففازت بثقة حكومات وشعوب كانت محبطة من السياسات الأميركية.
الخطأ المزدوج: الحرب هنا والاستثمار هناك
المفارقة الكبرى أنّ واشنطن لم تكتفِ بالانشغال عن الصين بحروب الشرق الأوسط، بل سهّلت صعودها بنقل الصناعات والتكنولوجيا إليها. نقلت الشركات الأميركية والأوروپية مصانعها إلى الصين طوال تسعينيات القرن العشرين والعقد الأوّل من الألفية الجديدة، ظنّاً منها أنّ الصين ستبقى مجرّد “مصنع رخيص” للعالم ولن تتحوّل إلى منافس تكنولوجي.
كلّف هذا الغرور الغرب غالياً: استوعبت الصين التكنولوجيا وطوّرتها، وبنت قاعدة صناعية ضخمة، وحوّلت الاعتماد الغربي عليها سلاحاً اقتصاديّاً استراتيجيّاً. وظنّت واشنطن أنّ الانفتاح الاقتصادي الصيني سيؤدّي تلقائيّاً إلى الانفتاح السياسي والديمقراطية، لكنّ الحزب الشيوعي الصيني أثبت أنّ النموّ الاقتصادي الرأسمالي يمكن أن يتعايش مع الاستبداد السياسي.
فيما كانت واشنطن تنفق التريليونات في حروب عقيمة، كانت شركاتها نفسها تبني القوّة الاقتصادية والتكنولوجية لأكبر منافس استراتيجي لها. هذا التناقض الفادح بين السياسة الخارجية العسكرية والسياسة الاقتصادية التجارية كان إحدى أكبر الأخطاء الاستراتيجية في التاريخ الأميركي الحديث.

تراجع الهيمنة الأميركية وتآكل الشرعية
فقدت الولايات المتّحدة خلال العقدين الأخيرين كثيراً من الأدوات التي كانت تملكها لبسط نفوذها. الحروب الطويلة والفشل في إعادة الإعمار، والأزمة المالية العالمية عام 2008، وصعود التيارات الشعبوية الداخلية، كل ذلك أدّى إلى تآكل الثقة في القيادة الأميركية بوصفها قوّة خير في العالم.
دخلت روسيا إلى الساحة شرق الأوسطية عسكريّاً عام 2015 في سوريا، وأثبتت قدرتها على تغيير موازين القوى بتكلفة أقل بكثير ممّا أنفقته واشنطن في حروبها. ثم جاء التدخل الروسي في أوكرانيا عام 2022 ليؤكّد أنّ النظام أحادي القطبية انتهى، وأنّ واشنطن لم تعد قادرة على فرض إرادتها بسهولة كما كانت في التسعينيات.
النموذج اللّاتيني: تكرار الخطأ في قارّة أخرى
لم تكن السياسة الأميركية تجاه العالم الإسلامي استثناءً بل امتداداً لنمط راسخ. في أميركا اللّاتينية، دمّرت واشنطن حكومات منتخبة ديمقراطيّاً في چيلي والأرجنتين وگواتيمالا والبرازيل طوال النصف الثاني من القرن العشرين، ودعمت ديكتاتوريّات عسكرية قمعت شعوبها لعقود، ونهبت ثروات القارّة عبر شركات أميركية ضخمة.
النتيجة بعد عقود من هذه السياسة؟ أميركا اللّاتينية تتحوّل اليوم تدريجيّاً إلى ساحة نفوذ صينية. البرازيل والأرجنتين وچيلي وڤنزويلا وبوليڤيا كلّها تعزّز علاقاتها بالصين وتقلّل اعتمادها على واشنطن. تستثمر الصين مئات المليارات في البنية التحتية والموانئ والطاقة والتعدين، وتبني علاقات اقتصادية متينة بحكومات يسارية صعدت للسلطة ردّ فعل طبيعي على عقود من الهيمنة الأميركية القمعية.
هذا التحوّل في أميركا اللّاتينية يعيد المشهد نفسه الذي حدث في الشرق الأوسط وآسيا: خسرت واشنطن نفوذها لأنّها اختارت الهيمنة والاستغلال بدلاً من الشراكة المتوازنة، فملأت الصين الفراغ بذكاء وصبر. المشكلة الأساسية لم تكن في معاداة الإسلام وحده، بل في منطق الهيمنة العسكرية والاقتصادية الذي طُبّق على قارّات متعدّدة، وأخفق في كلّ مكان لمصلحة نموذج الشراكة الاقتصادية الصينية.
وجدت الولايات المتّحدة نفسها مضطرّة للبحث عن تحالفات جديدة مع أطراف كانت تعاديها سابقاً، ومن بينها دول العالم المسلم، لمواجهة التوسّع الصيني والروسي. لكن، جاء هذا التحوّل الاستراتيجي متأخّراً بعدما فُقدت سنوات ثمينة وضاعت فرص كثيرة.
التحوّلات في علاقات العالم المسلم بواشنطن
في عام 2025، تسعى واشنطن لاستعادة نفوذها في العالم المسلم عبر استراتيجيّات ناعمة تشمل الاتّفاقات الاقتصادية والتعاون الأمني والاستثمار في الطاقة والتكنولوجيا. غير أنّ هذه الجهود تصطدم بعنصر مفقود جوهري: المصداقية.
بعد ثلاث عقود من الحروب والعقوبات والانحياز الفاضح لإسرائيل، لم تعد الشعوب المسلمة – ولا حتّى حكوماتها – تنظر إلى واشنطن بوصفها شريكاً موثوقاً، بل قوّة متقلّبة تحاول تصحيح خطأ تاريخي كلّف الجميع غالياً. قدّمت الصين وروسيا بالمقابل نفسيهما بدائل أقل إملاءً وأكثر احتراماً للسيادة الوطنية.

الفصل السادس: لو اختارت واشنطن حلف الإسلام
سيناريو بديل – المسار المحتمل للشراكة
لو أنّ الولايات المتّحدة بعد عام 1991 تبنّت سياسة شراكة استراتيجية مع العالم المسلم على أسس تنموية وثقافية، لتغيّر مجرى التاريخ المعاصر. كان بإمكانها تخفيف أسباب الصراع المسلح عبر مشاريع اقتصادية ضخمة، وتحويل الحركات الإسلامية السياسية إلى قوى ديمقراطية معتدلة شريكة للغرب، وبناء شبكة تحالفات ممتدّة من تركيا إلى ماليزيا عبر العالم العربي.
كان ذلك ليؤسّس نطاق نفوذ عالمي قادر على موازنة الصين وروسيا في أوراسيا، ولحوّل “الهوية الدينية” من أداة تخويف إلى أداة تكامل حضاري. كان ذلك ليفتح قرناً من التعاون بدلاً من قرن الحروب العقيمة التي نعيش تداعياتها اليوم.
الإمكانات الاقتصادية والبشرية الهائلة
يُقدّر البنك الإسلامي للتنمية في إحصائية 2023 أنّ الناتج الإجمالي المحلّي لدول العالم المسلم يتجاوز تسعة تريليونات دولار، وعدد سكّانها يفوق المليار وثمانمئة مليون نسمة، وأغلبها دول فتية ذات تركيبة سكّانية شابّة تحتاج إلى فرص تعليمية وتقنية واستثمارية.
كانت هذه الكتلة البشرية والجغرافية الضخمة لتشكّل سوقاً مثاليّاً للتحالف الأميركي لو وُظّفت خلال التسعينيات والعقد الأوّل من القرن الجديد في إطار تنموي تعاوني لا في إطار عسكري عدائي. لكنّ واشنطن فضّلت أن ترى الشرق الأوسط ساحة تهديد لا فرصة نهوض، فخسرت إمكانات هائلة كان يمكن أن تعزّز موقعها الاستراتيجي لعقود قادمة.

الفصل السابع: الحالة السورية نموذجاً للفشل والفرصة
سوريا مرآة للتردّد الاستراتيجي
مثّلت سوريا منذ 2011 نموذجاً معقّداً لفشل السياسات الأميركية السابقة وفرصة محتملة لولادة مقاربة جديدة. حين اندلعت الانتفاضة السورية، بدت واشنطن متردّدة في اتّخاذ موقف واضح. دعمت بعض فصائل المعارضة بشكل محدود ثم انسحبت تدريجيّاً، فتركت المجال مفتوحاً لتدخّلات إيرانية وروسية حاسمة غيّرت مسار الصراع بالكامل.
مثّل هذا التردّد تخلّياً جيوسياسياً عن سوريا لمصلحة محور طهران-موسكو، على غرار ما حصل في العراق بعد 2003. لكنّ المشهد السوري شهد تحوّلات مهمّة في النصف الثاني من العقد الثالث من القرن، حيث برزت تغيّرات غير مسبوقة في خريطة التحالفات الإقليمية.
فرصة التفاهم الإقليمي الجديد
مع تصاعد النفوذ الإيراني في المشرق العربي، وجدت واشنطن مصالحها تتقارب مؤقّتاً مع أنقرة والرياض اللّتين تتقاطعان في رفض التمدد الإيراني والروسي. أتاح الواقع الميداني في شمال سوريا مجالاً لتفاهم غير معلن بين واشنطن وتركيا والسعودية، لحصر الصراع في مناطق محدّدة ومنع اتّساع النفوذ الإيراني.
ملف “هيئة تحرير الشام” – التنظيم المنبثق من انقسام “جبهة النصرة” ذات الجذور العائدة إلى القاعدة – صار مجالاً اختباريّاً لهذا التفاهم. تمثّل إدارة هذا الملف الحسّاس لحظة تكتيكية لواشنطن، لكنّها قد تتحوّل إلى فرصة استراتيجية أوسع: بناء شراكة أمنية-سياسية مشروطة مع الفاعلين المحلّيّين، تُدمج البعدين الأمني والتنموي، وتعيد إدماج القوى الإسلامية المعتدلة في بنية سياسية وطنية بدلاً من دفعها نحو السرّية أو التحالف مع الجماعات المتطرّفة.
بهذا المعنى، واشنطن أمام اختبار نادر لتصحيح خطئها التاريخي في التعامل مع المسلمين. نجاحها أو إخفاقها في هذا الاختبار سيحدّد مصداقيّتها في المنطقة للعقود القادمة.

الفصل الثامن: نحو نموذج شراكة جديد
مراجعة إرث العقود الثلاث الماضية
بحلول عام 2025، تواجه الولايات المتّحدة واقعاً دوليّاً مختلفاً جذريّاً. النظام أحادي القطبية انتهى فعليّاً، وصعدت الصين قوّة مهيمنة اقتصاديّاً وتكنولوجيّاً، واستعادت روسيا نفوذها العسكري والجيوسياسي، وصار العالم الإسلامي ساحة تنافس متعدّدة الأقطاب.
تمدّ الصين نفوذها الاقتصادي من پاكستان إلى الخليج عبر مبادرة الحزام والطريق، ورسّخت روسيا وجودها العسكري في سوريا والبحر المتوسط، وتعيد تركيا تعريف دورها الإقليمي بين واشنطن وموسكو وطهران، فيما باتت إيران تمتلك عمقاً إقليميّاً واسعاً من العراق إلى اليمن ولبنان.
تضع هذه التحوّلات واشنطن أمام خيارين: إمّا الاستمرار في إدارة المنطقة من منظور أمني ضيّق قائم على الردع والسيطرة، أو تبنّي نموذج جديد يقوم على الشراكة الحضارية والتنموية مع العالم الإسلامي بوصفه شريكاً مساوياً لا تابعاً.

المحاور الأساسية للنموذج الجديد
يتطلّب بناء شراكة حقيقية بين الولايات المتّحدة والعالم الإسلامي التحوّل من الخطاب الأمني إلى الخطاب التنموي. فالفقر والبطالة والتهميش هي المغذّيات الرئيسية للتطرّف، لا العقيدة الدينية بذاتها. يجب إعادة تعريف “الأمن” ليشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي، لا الأمن العسكري فقط.
استعادة التوازن في ملفّ فلسطين ضرورة مطلقة، فالموقف الأميركي من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هو المعيار الأهمّ في بناء الثقة مع الشعوب المسلمة. ودعم حل عادل ومستدام سيبني أساساً أخلاقيّاً لمصداقية واشنطن يصعب بناؤه بأي طريق آخر.
بناء تحالفات اقتصادية تكنولوجية لا عسكرية هو المسار الصحيح. يجب تحويل العلاقات الثنائية إلى منصّات شراكة في الطاقة المتجدّدة والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي مع دول مثل تركيا والسعودية وإندونيسيا وماليزيا.
إعادة دمج القوى الإسلامية المعتدلة في العملية السياسية ضرورة استراتيجية. الدعم الانتقائي أو الإقصاء الكامل يؤدّيان إلى نتائج متطرّفة. والتجربة التونسية والمغربية توفّران نماذج على إمكانية التعايش بين الإسلام السياسي والديمقراطية إذا توفّر الدعم الدولي المتوازن.
السيناريوهات المستقبلية الممكنة
يفترض السيناريو الإصلاحي الإيجابي تبنّي واشنطن لسياسة شراكات تنموية متكاملة، ما قد يؤدّي إلى تراجع النفوذ الصيني في الشرق الأوسط وتثبيت الدور الأميركي عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية.
السيناريو الترميمي المحدود يفترض استمرار الإدارة بأدوات تقليدية من عقوبات وتدخّلات أمنية محدودة وتحالفات ظرفية، ما قد يبقي العلاقة بالعالم الإسلامي في حالة توتّر دائم دون انفجار كبير.
السيناريو الانحداري يفترض فشل واشنطن في تعديل سلوكها الاستراتيجي، فيتحوّل العالم الإسلامي بشكل متزايد إلى دائرة نفوذ صيني-روسي، وتنكمش القدرة الأميركية برمّتها عن التأثير في نصف الكرة الشرقي بحلول عام 2040.

خاتمة: دروس التاريخ وفرص المستقبل
لم تكن معاداة الإسلام بعد الحرب الباردة مجرّد خطأ تكتيكي في إدارة أزمة محدودة، بل كانت خطأً استراتيجيّاً جوهريّاً أعاد تشكيل ميزان القوّة العالمي ضدّ الولايات المتّحدة نفسها. فبدلاً من إنهاء الصراعات وبناء نظام تعاون اقتصادي عالمي، أشعلت واشنطن سلسلة من الحروب استنزفت مواردها المادية والمعنوية.
صنعت واشنطن عدوّاً رمزياً في الإسلام كي تبرّر استمرار هيمنتها، لكنّها في النهاية أطلقت سلسلة من التفاعلات الجيوسياسية غذّت خصومها الحقيقيّين. واليوم تواجه الولايات المتّحدة عالماً متعدّد الأقطاب تتقدّمه الصين قوّة واقتصاداً، في حين تحاول هي العودة إلى تحالفات مع من دمّرتهم وجعلتهم أعداء الأمس.
يُعلّمنا التاريخ أنّ القوّة لا تُدار بالهيمنة بل بالشراكة، وأنّ العدوّ الحقيقي لأيّ إمبراطورية ليس الخارج بل الإصرار على تكرار الأخطاء ذاتها تحت أسماء جديدة. التجربتان السورية والعراقية تُظهر أنّ الفراغ الأميركي لا يبقى فراغاً طويلاً، بل تملؤه قوى إقليمية ودولية ذات طموحات مغايرة.
إعادة بناء العلاقة الأميركية-الإسلامية تتطلّب مراجعة فكرية جذرية داخل المؤسّسة السياسية الأميركية نفسها، تشبه ثورة على منطق الحرب الباردة ومركزيّة الغرب. فالتحالفات القادمة يجب أن تقوم على المنفعة المتبادلة لا التبعية الأبدية، وعلى الاحترام المتبادل لا الإملاءات والشروط المُذلّة.
واشنطن أمام فرصة أخيرة لتحويل الأخطاء الماضية إلى دروس مستقبلية، ولتستعيد دورها قوّة مبدعة لا مهيمنة. لكن نافذة الفرصة تضيق سريعاً، والتاريخ لا ينتظر المتردّدين. الدرس الأبرز أنّ استعداء الإسلام لم يُنتج إلا عالماً أكثر انقساماً وفوضى، في حين قد يكون التحالف معه آخر فرصة لقيام نظام عالمي مستقرّ يقوم على التعاون لا الصراع بين الحضارات.
المراجع والمصادر
- Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1996. المقال الأصلي: “The Clash of Civilizations?” في Foreign Affairs, المجلد 72، العدد 3 (صيف 1993)، الصفحات 22-49. الرابط: https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/1993-06-01/clash-civilizations
- Kennan, George F. “The Sources of Soviet Conduct” (نُشر تحت اسم مستعار “X”). Foreign Affairs, المجلد 25، العدد 4 (يوليو 1947)، الصفحات 566-582. الرابط: https://www.foreignaffairs.com/articles/russian-federation/1947-07-01/sources-soviet-conduct
- Johnson, Chalmers. Blowback: The Costs and Consequences of American Empire. New York: Metropolitan Books/Henry Holt and Company, 2000. الطبعة المحدثة 2004. الرابط: https://americanempireproject.com/blowback/
- Coll, Steve. Ghost Wars: The Secret History of the CIA, Afghanistan, and Bin Laden, from the Soviet Invasion to September 10, 2001. New York: Penguin Press, 2004. حائز على جائزة بوليتزر للأدب غير الروائي العام 2005. الرابط: https://www.penguinrandomhouse.com/books/292947/ghost-wars-by-steve-coll/
- Zakaria, Fareed. The Post-American World. New York: W. W. Norton & Company, 2008. الطبعة المحدثة 2011. الرابط: https://wwnorton.com/books/The-Post-American-World/
- Small, Andrew. The China-Pakistan Axis: Asia’s New Geopolitics. London: Hurst & Company Publishers Ltd., 2015. الرابط: https://www.hurstpublishers.com/book/the-china-pakistan-axis/
- Costs of War Project, Brown University. “20 Years of War: A Costs of War Research Series.” Watson Institute for International and Public Affairs, سپتمبر 2021. التقرير الرئيسي: Crawford, Neta C. and Catherine Lutz. “The U.S. Budgetary Costs of the Post-9/11 Wars” (1 سپتمبر 2021). الموقع الرسمي: https://watson.brown.edu/costsofwar/. الرابط المباشر للتقرير: https://www.brown.edu/news/2021-09-01/costsofwar
- Costs of War Project. “Human Cost of Post-9/11 Wars: Direct War Deaths in Major War Zones.” تحديث مايو 2023. الرابط: https://watson.brown.edu/costsofwar/costs/human
- Chossudovsky, Michel. America’s War on Terrorism. 2nd edition. Montreal: Global Research Publishers, 2005.
- Scott, Peter Dale. The Road to 9/11: Wealth, Empire, and the Future of America. Berkeley: University of California Press, 2007. الرابط: https://www.ucpress.edu/book/9780520258716/the-road-to-9-11
- Richardson, John E. Misrepresenting Islam: The Racism and Rhetoric of British Broadsheet Newspapers. Amsterdam: John Benjamins Publishing Company, 2004. الرابط: https://benjamins.com/catalog/dapsac.9
- Lister, Charles. The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgency. London: Hurst & Company Publishers Ltd., 2016. الرابط: https://www.hurstpublishers.com/book/the-syrian-jihad/
- Lister, Charles. “The Realities of U.S. Counterterrorism Policy in Syria after ISIS.” Brookings Institution, مايو 2022. الرابط: https://www.brookings.edu/research/
- Lund, Aron. “Into the Shadows: The Future of Hay’at Tahrir al-Sham.” The Century Foundation, نوفمبر 2019. الرابط: https://tcf.org/content/report/shadows-future-hayat-tahrir-al-sham/
- Lund, Aron. “The Fragmented Syrian Opposition and the U.S.-Turkey Nexus.” Carnegie Middle East Center, 2021. الرابط: https://carnegie-mec.org/
- Phillips, Christopher. The Battle for Syria: International Rivalry in the New Middle East. New Haven: Yale University Press, 2016. الرابط: https://yalebooks.yale.edu/book/9780300228748/the-battle-for-syria/
- Hokayem, Emile. Syria’s Uprising and the Fracturing of the Levant. Abingdon: Routledge/IISS, 2013. الرابط: https://www.routledge.com/Syrias-Uprising-and-the-Fracturing-of-the-Levant/Hokayem/p/book/9781138838079
- Wehrey, Frederic, and Charles Lister. “Rebuilding U.S.-Saudi Relations in a Changing Middle East.” Brookings Doha Center, 2021.
- Gause III, F. Gregory. “Beyond Sectarianism: The New Middle East Cold War.” Brookings Doha Center Analysis Paper, رقم 11، يوليو 2014. الرابط: https://www.brookings.edu/research/beyond-sectarianism-the-new-middle-east-cold-war/
- Stein, Aaron. “Turkey, the United States, and the Re-Emergence of the Kurdish Question.” Atlantic Council, 2017.
- Kechichian, Joseph A. Saudi Arabia’s Foreign Policy: The Search for Security. Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2015.
- السعيد، عادل. السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بعد الربيع العربي. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2020. الرابط: https://studies.aljazeera.net/
- الحسن، سامر. “تحولات العلاقة الأميركية-التركية في سوريا.” مجلة أكاديمية الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، 2021.
- الوعري، أحمد. إيران وسوريا: بناء النفوذ الاستراتيجي بعد 2011. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022. الرابط: https://www.dohainstitute.org/
- Balanche, Fabrice. “From Idlib to the Euphrates: The New Geography of Power in Syria.” Middle East Institute Papers, 2020. الرابط: https://www.mei.edu/
- Balanche, Fabrice. Sectarianism in Syria’s Civil War. Washington: The Washington Institute for Near East Policy, 2018. الرابط: https://www.washingtoninstitute.org/
- Poznansky, Michael. In the Shadow of International Law: Secrecy and Regime Change in the Postwar World. Oxford: Oxford University Press, 2020. الرابط: https://global.oup.com/academic/product/in-the-shadow-of-international-law-9780190672881
- Shaikh, Salman, and Maha Ezzat. “After the Storm: U.S.-Gulf Rapprochement and Regional Realignment.” Brookings Doha Center Policy Brief، 2023.
- Bush, George H. W. “Address Before a Joint Session of the Congress on the Persian Gulf Crisis and the Federal Budget Deficit.” خطاب أمام الكونغرس الأميركي، 11 سپتمبر 1990. الرابط: https://www.presidency.ucsb.edu/documents/address-before-joint-session-the-congress-the-persian-gulf-crisis-and-the-federal-budget
- Biden, Joseph R. “Remarks by President Biden on the End of the War in Afghanistan.” البيت الأبيض، 31 أغسطس 2021. الرابط: https://www.whitehouse.gov/briefing-room/speeches-remarks/2021/08/31/remarks-by-president-biden-on-the-end-of-the-war-in-afghanistan/
- البنك الإسلامي للتنمية. التقرير السنوي 2023. جدة: البنك الإسلامي للتنمية، 2023. الرابط: https://www.isdb.org/publications/islamic-development-bank-group-annual-report
- Bamford, James. Body of Secrets: Anatomy of the Ultra-Secret National Security Agency. New York: Anchor Books, 2002. يحتوي على تفاصيل موثقة عن عملية نورثوودز. الرابط: ~https://nsarchive2.gwu.edu/news/20010430/northwoods.pdf~ (الوثائق الأصلية المرفوعة عنها السرية)
- National Security Archive. “Pentagon Proposed Pretexts for Cuba Invasion in 1962.” George Washington University, 30 أبريل 2001. الرابط: ~https://nsarchive.gwu.edu/briefing-book/cuba/2018-04-30/pentagon-proposed-pretexts-cuba-invasion-1962~
- Sedition Committee Report. Report of the Committee Appointed by the Government of India to Investigate Revolutionary Conspiracies Connected with the War. الهند: 1918. الرابط: https://ia601406.us.archive.org/16/items/in.ernet.dli.2015.47485/2015.47485.Sedition-Committee-Report-1918_text.pdf
- Anarchical and Revolutionary Crimes Act, 1919 (Act XI of 1919). Imperial Legislative Council of British India، 18 مارس 1919. الرابط: http://www.indianculture.gov.in/archives/anarchical-and-revolutionary-crimes-act-1919-xi-1919
- Restoration of Order in Ireland Act 1920 (10 & 11 Geo. 5. c. 31). Parliament of the United Kingdom، 9 أغسطس 1920. الرابط: https://en.wikipedia.org/wiki/Restoration_of_Order_in_Ireland_Act_1920
- UK Parliament. “Restoration of Order in Ireland Bill.” Hansard، 9 أغسطس 1920. الرابط: https://api.parliament.uk/historic-hansard/lords/1920/aug/09/restoration-of-order-in-ireland-bill
- Prevention of Terrorism (Temporary Provisions) Act 1974 (c. 56). Parliament of the United Kingdom، 29 نوڤمبر 1974. الرابط: https://cain.ulster.ac.uk/hmso/pta1974.htm
- Scorer, Catherine. “The United Kingdom Prevention of Terrorism Acts, 1974 and 1976.” International Journal of Politics، المجلد 10، العدد 1 (ربيع 1980)، الصفحات 105-111. الرابط: https://www.jstor.org/stable/40469875
- Scorer, Catherine, Sarah Spencer, and Patricia Hewitt. The New Prevention of Terrorism Act: The Case for Repeal. لندن: Yale Press Ltd.، 1985.
- Terrorism Act 2000 (c. 11). Parliament of the United Kingdom، 20 يوليو 2000. الرابط: https://www.legislation.gov.uk/ukpga/2000/11/contents
- Lloyd of Berwick, Lord. Inquiry into Legislation Against Terrorism. Cm.3420، أكتوبر 1996. لندن: HMSO.
- Walker, Clive. The Prevention of Terrorism in British Law. 2nd edition. Manchester: Manchester University Press، 1992.
- Anderson, David. The Independent Review of Terrorism Laws. لندن: Independent Reviewer of Terrorism Legislation، 2014. الرابط: https://terrorismlegislationreviewer.independent.gov.uk/
- Cronin, David. “Winston Churchill Sent the Black and Tans to Palestine.” The Irish Times، 19 مايو 2017. الرابط: https://www.irishtimes.com/culture/books/winston-churchill-sent-the-black-and-tans-to-palestine-1.3089140
- Gannon, Seán William. “The Black and Tans in Palestine: Irish Connections to the Palestine Police 1922-1948.” The Irish Story، 20 فبراير 2020. الرابط: https://www.theirishstory.com/2020/02/20/the-black-and-tans-in-palestine-irish-connections-to-the-palestine-police-1922-1948/
- Cahill, Richard. “Going Berserk: Black and Tans in Palestine.” Jerusalem Quarterly، العدد 38 (2009)، الصفحات 59-68.
- Hughes, Matthew. “The Banality of Brutality: British Armed Forces and the Repression of the Arab Revolt in Palestine, 1936-39.” English Historical Review، المجلد 124، العدد 507 (أبريل 2009)، الصفحات 313-354. الرابط: https://academic.oup.com/ehr/article-abstract/124/507/313/503027
- Hughes, Matthew. “Demobilised Soldiers and Colonial Control: The British Police in Mandate Palestine and After.” Journal of Modern European History / Zeitschrift für moderne europäische Geschichte، المجلد 13، العدد 2 (2015)، الصفحات 224-245.
- Anderson, Charles. “The Formation, Composition, and Conduct of the British Section of the Palestine Gendarmerie, 1922-1926.” The Historical Journal، المجلد 56، العدد 4 (ديسمبر 2013)، الصفحات 1033-1058. الرابط: https://www.cambridge.org/core/journals/historical-journal/article/abs/formation-composition-and-conduct-of-the-british-section-of-the-palestine-gendarmerie-19221926/2B2864BCDA4D0E55E163E0D25A7C9748
- Sinclair, Georgina. At the End of the Line: Colonial Policing and the Imperial Endgame, 1945-1980. Manchester: Manchester University Press، 2006.
- Sinclair, Georgina. “The Irish Policeman and the Empire: Influencing the Policing of the British Empire-Commonwealth.” Irish Historical Studies، المجلد 36، العدد 142 (نوڤمبر 2008)، الصفحات 173-187.
- Hogan, Gerard, and Clive Walker. Political Violence in Ireland: Government and Resistance Since 1848. Manchester: Manchester University Press، 1989.





اترك رد