مدينة درنة الليبية، التي تعاني اليوم فاجعة إنسانية عقب كارثة انهيار السدود، كانت فما مضى، وطوال قرون، أثرى مدن ساحل المغرب العربي على الإطلاق. والسبب كان أنّ السلطنة العثمانية جعلت فيها عاصمة تجارية للبحر المتوسّط، يوم كانت الإمبراطورية العثمانية هي الهيمنة الحقيقية على هذا البحر.

درنة الليبية هذه، كانت ساحة لواحدة من أقوى المعارك الفاصلة في التاريخ الحديث، والتي يندر الحديث فيها وفي نتائجها. هذه المعركة كانت جزء من حرب دامت أربع سنوات، كانت من نتائج سقوط السلطنة العثمانية تحت الهيمنة الروسية، ثمّ الإنگليزية، هذه السقطة التي ساقت إلى الثورة الفرنسية، ثم ساقت لاحقاً إلى بداية عهد الانقلابات التي غيّرت وجه الشرق الأوسط كلّه.
سنة 1801 اندلعت حرب طرابلس الأولى، وكانت هذه أوّل حرب في التاريخ تشارك فيها قوّات الولايات المتحدة الأميركية خارج أراضيها. فكانت أوّل عهد التدخّل الأميركي في الشرق الأوسط على الإطلاق.
اندلعت الحرب بسبب رفض مملكة السويد دفع رسوم تجارتها في البحر المتوسط لمدينة درنة، فأعلنت {ایالت طرابلس غرب} الحرب على السويد، فطلبت هذه الأخيرة دعم حليفتها الولايات المتحدة الأميركية. فأعلنت {ایالت طرابلس غرب} الحرب على الولايات المتحدة الأميركية، بالتحالف مع السلطنة الشريفة المغربية… وكان هذا أبرز تحالف عثماني-مغربي في التاريخ.
سنة 1805 وبتحالف مع مُرْتَزِقَة يونان وقبائل عربية وبربرية، هاجمت القوّات الأميركية مدينة درنة في معركة دامت 16 يوم، انتصرت فيها الولايات المتحدة الأميركية ومملكة السويد.

بموجب هذه المعركة المنسية صارت الولايات المتحدة الأميركية قوّة ذات كلمة في البحر المتوسط. ونالت اتّفاقات مع السلطنة العثمانية، تسبّبت بدمار هذه الأخيرة. إذ تحالفت روسيا مع قوّات الإنكشارية والإسلاميين في السلطنة العثمانية، فتمرّدوا على مؤسّسة الخلافة، ما دفعهم أخيراً إلى قتل السلطان العثماني.
سنة 1807، وبعد أقل من سنتين من معركة درنة، انقلبت القوّات الإنكشارية على السلطان العثماني سليم الثالث بسبب تنازلاته للإنگليز وللولايات المتّحدة الأميركية، وهي سلسلة من الاتّفاقات أنهت الصراع التاريخي ما بين آل عثمان وآل هاپسبورگ، وأدخلت البلاد العثمانية في الدائرة الإمبراطورية البريطانية.
بنتيجة هذا الانقلاب، هيمنت روسيا على القسطنطينية وصارت لها قواعد عسكرية في ايالاتها، ما دفع ذراع السلطان سليم الثالث ورجُله الأوّل {محمّد علي} إلى محاولة إنقاذ مصر من الهيمنة الروسية، وعزلها عن آثار الانقلاب. وهذا ما ساق لاحقاً إلى استقلال مصر عن العثمانية وتحوّل {محمّد علي} من ضابط عسكري إلى سلطان.
استمرّت سلسلة التدهور بعدها، وساقت إلى سلسلة حروب ما بين التيّارات المناصرة للأجانب داخل العثمانية، إلى أن انتهت سنة 1841 إلى نزول السلطنة العثمانية وبالمطلق تحت الهيمنة الفرنسية-البريطانية المشتركة وبشراكة أميركية، وهي التي دامت حتى الحرب العالمية الأولى.
مع ذلك، تحيّة إلى درنة، أميرة البحر الأبيض المتوسّط، هي وشقيقاتها الموانئ الأميرات: غزّة الفلسطينية، والمخاء اليمنية، وإسكندرونة السورية.
المراجع
- “The Ottoman Empire and the Sea: A History of the Mediterranean”, Bernard Lewis.
- “The First Barbary War: American Independence in the Atlantic World”, Frank Lambert.
- “The Mediterranean in the Age of the Ottomans”, Gerald MacLean.
- “The French Revolution and the Ottoman Empire: Change and Challenges in the Middle East and North Africa”, Michael Broers.
- “Mohammed Ali and His House: An Historical Romance”, Luise Mühlbach.
- “Osman’s Dream: The Story of the Ottoman Empire 1300-1923”, Caroline Finkel.
- “The Ottoman Empire and the World: Diplomacy and International Strategies from the Middle Ages to World War I”, Daniel Goffman.
- “A History of Modern Libya”, Dirk Vandewalle.
- “Arab Cities in the Ottoman Period: Cairo, Syria and the Maghreb”, André Raymond.
- “التاريخ الحديث لليبيا”، لاحمد بن خليفة.
- “المدن العربية على البحر الأبيض المتوسط: تاريخ وثقافة”، لمحمد الخميسي.





اترك رد