لم يكن طمس التاريخ العلمي للإمپراطورية العثمانية حادثاً عرضيّاً، بل كان عمليّة ممنهجة امتدّت أكثر من قرن ونصف، وما زالت آثارها ماثلة في الوعي الجمعي العربي والتركي والبلقاني حتّى اليوم. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، حين بدأت فرنسا وبريطانيا تبسطان سيطرتهما المباشرة وغير المباشرة على الأقاليم العثمانية، انطلقت حملة فكرية واسعة لإعادة كتابة تاريخ المنطقة بما يخدم المشروع الاستعماري الغربي. ولم يكن هذا التزوير مجرّد تحريف للوقائع التاريخية، بل كان تشويهاً منظّماً لهوية حضارية كاملة، استهدف قطع الصلة بين شعوب المنطقة وماضيها العلمي المشرق، ليسهّل إقناعها بأنّها شعوب متخلّفة بطبيعتها، محتاجة أبداً إلى الوصاية الغربية.
بدأت العملية بسيطرة المؤسّسات التعليمية والطبّية غرب الأوروپية والأميركية على مفاصل التعليم في أرجاء الإمپراطورية المتداعية. فأُنشئت المدارس التبشيرية الأميركية (675 مؤسّسة بحلول 1914) والمدارس الكاثوليكية الفرنسية (500) والمدارس البريطانية (178)، وتحوّلت هذه الشبكة الهائلة إلى آلة لإنتاج نخب محلّية منفصلة عن تراثها، متشرّبة للنظرة الاستشراقية الاستعمارية لتاريخها. وفي الوقت نفسه، أُغلقت المدارس الدينية التقليدية أو هُمّشت، وحُجبت المكتبات العثمانية، وصُوّرت المؤسّسات العلمية العثمانية السابقة على أنّها مجرّد ملاحق دينية لا علاقة لها بالعلم الحقيقي.
ثمّ جاءت المرحلة الثانية مع سقوط الإمپراطورية عام 1922 وتقسيم تركتها بين القوى الاستعمارية. فأُطلقت رواية تاريخية جديدة، روّج لها المستشرقون والمؤرّخون الاستعماريون وتلامذتهم المحلّيون، صوّرت العهد العثماني كلّه عهد ظلام وجهل وتخلّف. وبلغت هذه الحملة ذروتها في اتّهام صريح: أنّ العثمانيّين “جهّلوا العرب أربعمئة سنة”، وأنّهم قضوا على الحضارة العربية الإسلامية الزاهرة، وأنّهم حكموا بالسيف والقهر دون أن يقدّموا شيئاً للعلم أو الحضارة. وتحوّلت هذه الرواية المزوّرة إلى “حقيقة” مسلّم بها، تُدرّس في المدارس والجامعات العربية، وتتردّد في الخطاب الثقافي والسياسي، حتّى أصبح من يشكّك فيها متّهماً بالعمالة أو الجهل.
غير أنّ الوثائق العثمانية المحفوظة في المكتبات والأرشيفات، والمخطوطات العلمية المتناثرة في متاحف إسطنبول وپاريس وڤيينا ولندن، والأعمال البحثية الجادّة التي أنجزها مؤرّخو العلوم الأتراك والعرب في العقود الأخيرة، كلّها تروي قصّة مختلفة تماماً. إنّها قصّة حضارة علمية متواصلة امتدّت ستّة قرون، شارك فيها علماء من كلّ القوميّات والأديان، وأنتجت إنجازات حقيقية في الفلك والرياضيات والطبّ والجراحة والهندسة والخرائط. هذه قصّة مؤسّسات علمية عريقة – مدارس دينية ومستشفيات ومراصد فلكية وجامعات – وفّرت التعليم والرعاية الصحّية لملايين البشر. قصّة انفتاح حقيقي على التقاليد المعرفية المختلفة، مزجت بين الإرث العربي الإسلامي والتقاليد اليونانية والعلوم غرب الأوروپية الحديثة، دون أن تفقد هويّتها المميّزة.
ويكفي أن نعلم أنّ المدرسة الطبّية الإمپراطورية (1827) التي أسّسها مصطفى بهجت أفندي كانت تسبق أقدم كلّية طبّ في كثير من العواصم العربية بعقود، وأنّ مستشفيات دار الشفاء العثمانية كانت توفّر العلاج المجّاني لجميع المرضى بصرف النظر عن دينهم أو قوميّتهم منذ القرن الخامس عشر، وأنّ مرصد إسطنبول (1577) كان يضاهي أو يتفوّق على مرصد تيخو براهه المعاصر، وأنّ علي القوشجي قدّم أدلّة تجريبية على دوران الأرض قبل انتشار أعمال كوپرنيكوس بعقود، وأنّ شرف الدين صابونجي أوغلو صوّر للمرّة الأولى في التاريخ الطبّي نساء جرّاحات يُجرين عمليات نسائية في القرن الخامس عشر، وأنّ تقي الدين محمّد بن معروف اخترع توربيناً بخاريّاً عام 1551 قبل النسخة الأوروپية بثمانية وسبعين عاماً. هذه ليست ادّعاءات بل وقائع موثّقة في المخطوطات والدراسات الأكاديمية الرصينة.
ولعلّ أوضح دليل على حجم التزوير هو التناقض الصارخ في الرواية الاستعمارية نفسها. فمن جهة، يُصوَّر العثمانيون على أنّهم جهلة متخلّفون لم يقدّموا شيئاً للحضارة. ومن جهة أخرى، تعترف المصادر غرب الأوروپية نفسها بأنّ خرائط الريّس پيري استُخدمت مراجع ملاحية في أوروپا قروناً، وأنّ أعمال علي القوشجي تُرجمت إلى اللّاتينية ودُرّست في الجامعات غرب الأوروپية، وأنّ المستشفيات العثمانية كانت محجّ الأوروپيّين الباحثين عن العلاج، وأنّ قناطر سنان المائية كانت أعاجيب هندسية بمعايير عصرها. فكيف يكون شعب جاهل متخلّف قادراً على إنتاج كلّ هذا؟ التناقض يكشف الكذبة.
والحقيقة أنّ الدافع وراء هذا التزوير لم يكن خفيّاً. فالاستعمار الأوروپي احتاج لتبرير سيطرته على شعوب المنطقة بزعم أنّه يأتي لـ “تحريرها” و “تحضيرها” و “تنويرها” بعد قرون من “الظلام العثماني”. والحركات القومية العربية الناشئة في القرن العشرين احتاجت لعدوّ تاريخي تحمّله مسؤولية التخلّف الراهن (بدلاً من المسيطر غرب الأوروپي)، فوجدت في العثمانيّين كبش فداء مثاليّاً. والكمالية التركية، في محاولتها القطيعة الجذرية مع الماضي العثماني-الإسلامي، ساهمت هي أيضاً في تشويه الإرث العثماني. واجتمعت هكذا أطراف متناقضة – استعماريّون غربيّون، وقوميّون عرب وأكراد، وعلمانيّون أتراك متطرّفون – على هدف واحد: دفن التاريخ العلمي العثماني.
لكنّ التاريخ المدفون يعود دائماً إلى السطح. ومنذ ستّينيات القرن العشرين، بدأ جيل جديد من مؤرّخي العلوم الأتراك والعرب – أمثال أيدن صايلي وسڤيم تكلي وإكمل الدين إحسان أوغلو وفؤاد سزگين وصالح أيدوز وغيرهم – في استخراج الوثائق العثمانية وتحقيق المخطوطات العلمية ونشر دراسات أكاديمية دقيقة تكشف حقيقة الإنجاز العلمي العثماني. وتراكمت هذه البحوث على مدى ستّة عقود حتّى أصبحت كتلة معرفية ضخمة لا يمكن تجاهلها. غير أنّ هذا الإنتاج البحثي ظلّ محصوراً في الدوائر الأكاديمية المتخصّصة، ولم يصل إلى الجمهور الواسع، ولم يغيّر الرواية السائدة في المناهج التعليمية والخطاب الثقافي.
ومن هنا يأتي الدافع وراء كتابة هذا البحث. فالهدف ليس مجرّد تقديم سرد تاريخي عن العلماء العثمانيّين، بل كشف وتوضيح المغيّب من التاريخ، وإعادة الاعتبار لحضارة علمية ظُلمت ظلماً شديداً. هذا البحث محاولة لاستعادة الذاكرة العلمية المسروقة، ولردّ الجميل لمئات العلماء الذين أسهموا في تطوّر المعرفة الإنسانية لكنّ أسماءهم طُمست وإنجازاتهم أُنكرت. إنّه محاولة لتصحيح الظلم التاريخي الواقع على أجيال من الطلّاب العرب والأتراك الذين نشأوا وهم يعتقدون أنّ أجدادهم كانوا جهلة متخلّفين، في حين كان هؤلاء الأجداد يبنون مستشفيات ومراصد ومدارس، ويؤلّفون كتباً علمية، ويخترعون أدوات وآلات، ويدرّبون أطبّاء وجرّاحين ومهندسين.
ولا يهدف هذا البحث إلى تمجيد أعمى للعهد العثماني أو إنكار مشاكله وإخفاقاته. فالإمپراطورية العثمانية، كأيّ دولة بشرية، عرفت فترات قوّة وضعف، وإنجازات وإخفاقات، وعدالة وظلم. ولا شكّ أنّ القرن التاسع عشر شهد تراجعاً نسبيّاً في بعض المجالات العلمية مقارنة بالتقدّم السريع في غرب أوروپا. غير أنّ الاعتراف بهذا التراجع النسبي لا يبرّر الزعم بأنّ العثمانيّين لم ينتجوا علماً أصلاً، أو أنّهم قضوا على الحضارة العربية، أو أنّهم جهّلوا شعوب المنطقة. فالحقيقة الموثّقة تقول إنّ المنظومة العلمية العثمانية استمرّت نشطة حتّى أوائل القرن العشرين، وإنّ العلماء العرب أدّوا أدواراً محورية فيها، وإنّ المؤسّسات التعليمية والصحّية العثمانية شكّلت الأساس الذي قامت عليه المؤسّسات الحديثة في تركيا والعالم العربي.
إنّ استعادة هذا التاريخ ليست ترفاً فكريّاً، بل ضرورة حضارية. فشعوب المنطقة لن تستطيع بناء مستقبل علمي ناجح ما لم تستعد ثقتها بنفسها وبقدرتها على الإنجاز. والثقة بالنفس تبدأ بمعرفة التاريخ الحقيقي، لا بالرواية المزوّرة التي صنعها الاستعمار وروّجها أتباعه. حين يعرف الطالب العربي أنّ تقي الدين اخترع التوربين البخاري قبل جوڤاني برانكا، وأنّ صابونجي أوغلو وظّف جرّاحات نساء قبل خمسمئة عام، وأنّ القوشجي قدّم أدلّة على دوران الأرض قبل كوپرنيكوس، وأنّ الريّس پيري رسم أدقّ خرائط عصره، وأنّ المستشفيات العثمانية عالجت المرضى مجّاناً قروناً، وأنّ المدارس العثمانية درّست الرياضيات والفلك والطبّ لآلاف الطلّاب من كلّ القوميات والأديان – حين يعرف كلّ هذا، سيدرك أنّ التخلّف الراهن ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة ظروف تاريخية يمكن تجاوزها.
هذا البحث، إذاً، دعوة لإعادة قراءة التاريخ بعيون نقدية، وتجاوز الرواية الاستعمارية المزوّرة، واستعادة الذاكرة العلمية الحقيقية. إنّه محاولة لردّ الاعتبار لستّة قرون من الإنجاز العلمي المتواصل، ولمئات العلماء الذين أضافوا إلى المعرفة الإنسانية لكنّ التاريخ المزوّر طمس ذكراهم. وهو، في النهاية، رسالة أمل: أنّ الشعوب التي أنتجت كلّ هذا في الماضي قادرة على إنتاج المثل أو أفضل في المستقبل، إذا توفّرت الإرادة والرؤية والمؤسّسات الداعمة.

الأهمّية التاريخية للمشروع العلمي العثماني
تمثّل التجربة العلمية العثمانية نموذجاً فريداً في تاريخ الحضارة الإنسانية، إذ استطاعت دولة متعدّدة القوميّات والأديان أن تبني صرحاً علميّاً استمرّ ستّة قرون كاملة، وأن تجمع تحت لوائها أكثر من مئة وخمسين عالماً من مختلف الاختصاصات والخلفيات. لم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل نتيجة سياسات ممنهجة في رعاية العلم والعلماء، وانفتاح حقيقي على التنوّع البشري والفكري. فالدولة العثمانية احتضنت علماء أتراكاً وعرباً ويوناناً وأرمناً وفرساً وبوسنيّين وغيرهم، منحتهم الفرص المتكافئة للإبداع والتقدّم، ووفّرت لهم البيئة المؤسّساتية الداعمة للبحث والإنتاج العلمي.
لأنّهم قوّة أوروپية في الأساس، شكّل العثمانيّون جسراً حضاريّاً بين التقاليد العلمية الإسلامية والتحديث الأوروپي، فورثوا المدارس الرياضية الفلكية من سمرقند ومراغة، وحفظوا المعارف اليونانية-الرومانية، ثمّ انفتحوا على العلوم الأوروپية الحديثة دون أن يفقدوا هويّتهم العلمية الخاصّة. وكانت هذه القدرة على المزج والتوليف بين مصادر معرفية متنوّعة من أبرز خصائص المنظومة العلمية العثمانية، فأنتجت إسهامات أصيلة في الفلك والرياضيات والطبّ والجراحة والهندسة والخرائط والعلوم الطبيعية.
تكتسب دراسة هذه التجربة أهمّية خاصّة اليوم، في عصر تتزايد فيه الحاجة إلى فهم كيفية بناء مجتمعات علمية منتجة ومستدامة. فالنموذج العثماني يقدّم دروساً قيّمة حول دور التنوّع في إثراء الحياة العلمية، وأهمّية الرعاية المؤسّساتية المستمرّة، وضرورة التوجّه العملي التطبيقي للعلوم، وفوائد الانفتاح على مختلف التقاليد المعرفية. كما يكشف عن كيفية تفاعل العلم مع السياسة والمجتمع، وكيف استطاعت حضارة واحدة أن تحافظ على نشاطها العلمي برغم التقلّبات السياسية والتحوّلات الفكرية الكبرى.

ملامح المسيرة العلمية العثمانية
امتدّت المسيرة العلمية العثمانية على مدى ستّة قرون متواصلة، بدأت بتأسيس الدولة العثمانية عام 1299 واستمرّت حتى سقوطها عام 1922. وتميّزت هذه المسيرة بثلاث مراحل كبرى متداخلة: المرحلة الكلاسيكية الأولى، مرحلة التحوّل والاستمرارية، ومرحلة الإصلاح والتحديث المنهجي. ولكلّ مرحلة سماتها الخاصّة وإنجازاتها المميّزة، وإن ربط بينها جميعاً خيط مشترك من الاهتمام بالعلم أداة للتطوّر الحضاري وخدمة المجتمع.
شهدت المرحلة الكلاسيكية الأولى، ولا سيّما القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ازدهاراً علميّاً استثنائيّاً في مجال الفلك والرياضيات. فقد أنتج علماء مثل قاضيزاده الرومي وعلي القوشجي ومريم چلبي أعمالاً فلكية رياضية بلغت مستوى يضاهي أو يتفوّق على ما كان سائداً في أوروپا المعاصرة. وقدّم هؤلاء العلماء أدلّة تجريبية على دوران الأرض قبل انتشار أعمال كوپرنيكوس بعقود، وصنعوا أدوات فلكية تفوق في دقّتها أدوات تيخو براهه. وفي الوقت نفسه، حقّقت الجراحة العثمانية إنجازات غير مسبوقة على يد شرف الدين صابونجي أوغلو، الذي أنتج أوّل كتاب جراحي مصوّر باللّغة التركية، وصوّر للمرّة الأولى في التاريخ الطبّي نساء جرّاحات يُجرين عمليات نسائية. وتطوّرت الخرائط العثمانية بشكل لافت على يد الريّس پيري وماطراقچي ناصوح، اللّذين أنتجا خرائط بحرية وبرّية بلغت من الدقّة والشمول ما جعلها مراجع أساسية لقرون.
أمّا المرحلة الثانية، فقد شهدت تقي الدين محمّد بن معروف يبلغ بالفلك العثماني ذروته في القرن السادس عشر، فحقّق دقّة رصدية فاقت معاصريه الأوروپيّين، وكان أوّل من استعمل الكسور العشرية في الأرصاد الفلكية بدلاً من النظام الستّيني، واخترع توربيناً بخاريّاً قبل النسخة الأوروپية بثمانية وسبعين عاماً. غير أنّ تدمير مرصد إسطنبول عام 1580 بالمدافع – ظاهريّاً لأسباب دينية، وواقعيّاً بسبب المكائد السياسية – شكّل نقطة تحوّل مأساوية. لكنّ العلم العثماني لم ينته، بل استمرّ التطوّر في الطبّ والخرائط والهندسة التطبيقية. وظهر في هذه المرحلة مفكّرون موسوعيّون مثل كاتب چلبي وأولياء چلبي، أنتجا موسوعات جغرافية وتاريخية ضخمة وثّقت المعارف المتراكمة. كما أحدث إبراهيم متفرّقة ثورة في نشر المعرفة بتأسيسه أوّل مطبعة بحروف عربية متحرّكة يديرها مسلمون عام 1727.
وشهدت المرحلة الثالثة، مرحلة التنظيمات والتحديث المنهجي، تحوّلاً جذريّاً في المنظومة العلمية العثمانية. فقد تبنّت الدولة بشكل ممنهج المناهج العلمية غرب الأوروپية مع الحفاظ على مقاربات عثمانية مميّزة. وشمل هذا التحديث إنشاء مؤسّسات تعليمية على النمط غرب الأوروپي: المدرسة الطبّية الإمپراطورية (1827)، مدرسة الهندسة العسكرية الإمپراطورية (1795)، والجامعة العثمانية (دار الفنون (أي الصناعة)). وظهرت أسماء لامعة في الرياضيات مثل حسين توفيق پاشا، الذي أنتج أوّل عمل في العالم الإسلامي حول الجبر الخطّي والرباعيّات، وصالح ذكي بك، الذي أصبح أوّل مؤرّخ تركي حديث للعلوم. وفي الطبّ، أسّس مصطفى بهجت أفندي أوّل كلّية طبّية حديثة، وأحدث بسيم عمر پاشا ثورة في طبّ النساء والتوليد، ومكّن أوّل مجموعة من الفتيات من الالتحاق بالكلّية الطبّية الإمپراطورية عام 1922.
ولعلّ أبرز ما يميّز التجربة العلمية العثمانية هو تنوّعها الإثني والديني الاستثنائي. فقد شارك علماء من كلّ الخلفيات في بناء الصرح العلمي العثماني: الأتراك كانوا أكثرية نشطة في مختلف الميادين، والعرب (مسلمين ويهود) برزوا خاصّة في الفلك والطبّ وأسّسوا سلالات طبّية امتدّت أجيالاً، واليونانيّون هيمنوا على التعليم الطبّي في القرن التاسع عشر، والأرمن أسهموا في الطبّ والصيدلة. ولم يكن هذا التنوّع ديكوراً شكليّاً، بل كان قوّة دافعة حقيقية للإبداع العلمي، إذ جلبت كلّ قومية تقاليدها المعرفية ومنظوراتها الخاصّة، وأتاح النظام الجدارتي العثماني لهؤلاء جميعاً فرصاً متكافئة للتقدّم والإبداع.
كذلك اتّسمت المنظومة العلمية العثمانية بتوجّه عملي تطبيقي واضح. فالريّس پيري أنتج أدلّة ملاحية خدمت الأساطيل العثمانية قروناً، ومصطفى بن علي الموقّت طوّر أدوات لضبط أوقات الصلاة بدقّة، ومعمار سنان بنى قنوات مائية أمدّت إسطنبول بالماء، والمدارس الطبّية درّبت أطبّاء عالجوا المرضى مجّاناً في المستشفيات. هذا التركيز على حلّ المشكلات الحقيقية جعل العلم ذا قيمة اجتماعية، وضمن استمرار الدعم المؤسّساتي حتّى في الفترات الصعبة سياسياً.
التوزيع الديموغرافي للعلماء العثمانيّين
حسب التخصّصات العلمية
- الطبّ والجراحة والصيدلة: حوالي 35-40% (تشمل الجرّاحين والأطبّاء وأطبّاء العيون والصيادلة)
- الفلك والرياضيات: حوالي 25-30% (الفلكيون والرياضيون وصنّاع الأدوات الفلكية)
- الهندسة والعمارة: حوالي 10-15% (المعماريون والمهندسون المدنيون والعسكريّون)
- الجغرافيا والخرائط: حوالي 8-12% (الجغرافيون ورسّامو الخرائط والرحّالة)
- العلوم الطبيعية: حوالي 5-8% (الجيولوجيا والنبات والحيوان)
- البصريات والفيزياء والميكانيكا: حوالي 5-8%
يلاحظ أنّ الطبّ يهيمن على النشاط العلمي العثماني، خاصّة في القرن التاسع عشر، يليه الفلك والرياضيات اللّذان سادا في الفترات المبكّرة.
حسب القوميّات
- الأتراك: حوالي 45-50% (الأغلبية الواضحة عبر كلّ الفترات والتخصّصات)
- العرب: حوالي 15-20% (بارزون خاصّة في الفلك والطبّ، من دمشق وحلب والقاهرة)
- اليونانيون: حوالي 12-18% (مهيمنون على التعليم الطبّي في القرن التاسع عشر)
- الأرمن: حوالي 5-8% (نشطون في الطبّ والصيدلة)
- الفرس: حوالي 3-5% (في الفلك والرياضيات أساساً)
- البوسنيون: حوالي 2-3% (مثال: ماطراقچي ناصوح)
- المجريون والأوروپيون المتحوّلون: حوالي 2-3% (مثال: إبراهيم متفرّقة)
- قوميات أخرى: حوالي 3-5%
حسب الأديان
- المسلمون: حوالي 60-65% ويشمل هذا:
- أتراكاً مسلمين (الأغلبية)
- عرباً مسلمين
- فرساً مسلمين
- بوسنيّين مسلمين
- متحوّلين إلى الإسلام من خلفيات مختلفة (يونانية، أرمنية، مجرية)
- اليهود: حوالي 15-20% ويشمل هذا:
- يهوداً سفارديم (من أصول إيبيرية، عربية، أو شرق أوسطية)
- يهوداً روماناً (مثل الدكتور جان ميكلسكو)
- متحوّلين من اليهودية إلى الإسلام (مثل إلياس اليهودي وخوجه إسحاق أفندي)
- المسيحيون: حوالي 20-25% ويشمل هذا:
- يونانيّين أرثوذكس: حوالي 12-15% (الأغلبية من المسيحيّين العثمانيّين في الحقل العلمي)
- أرمن أرثوذكس: حوالي 5-8%
- مسيحيّين آخرين: حوالي 2-3% (كاثوليك، پروتستانت، مسيحيّين شرقيّين آخرين)
يجب الإشارة إلى أنّه يمكن أن يوجد:
- عربي مسيحي يتبع الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية
- عربي مسيحي يتبع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية
- عربي يهودي مزراحي وسفاردي
- يوناني كاثوليكي
- أرمني كاثوليكي
التداخل بين القومية والدين
لا تفصّل الوثائق دائماً بين الهوية القومية والدينية، لكن يمكن استنتاج:
- العلماء اليونانيّون: معظمهم مسيحيّون أرثوذكس، لكن بعضهم مسلمون (مثل معمار سنان من أصول مختلطة يونانية وأرمنية).
- العلماء العرب: منهم مسلمون (الأغلبية)، ومسيحيّون (بعض الأطبّاء)، ويهود (خاصّة في الطبّ).
- العلماء الأرمن: معظمهم مسيحيّون أرثوذكس، لكن بعضهم تحوّل إلى الإسلام عبر نظام الدوشيرمه.
- العلماء الأتراك: الغالبية الساحقة مسلمون، مع استثناءات نادرة.
التطوّر الزمني للتوزيع
- القرن 14: بداية متواضعة مع هيمنة إسلامية (85%).
- القرنان 15-16: هيمنة تركية-عربية-فارسية إسلامية في الفلك والرياضيات، مع وجود يهودي ومسيحي أرمني بارز في الطبّ.
- القرنان 17-18: استمرار الهيمنة الإسلامية مع زيادة تدريجية للمشاركة اليهودية في الطبّ.
- القرن 19 وأوائل القرن 20: زيادة كبيرة في المشاركة المسيحية (خاصّة اليونانية) واليهودية في التعليم الطبّي والعلوم الحديثة، بسبب:
- إجادة اللّغات غرب الأوروپية
- الوصول إلى التعليم غرب الأوروپي
- سياسة التنظيمات التي فتحت المؤسّسات لغير المسلمين بعد 1839
لا تقدّم الوثائق دائماً معلومات واضحة عن الخلفية الدينية لكلّ عالم، خاصّة في الفترات المبكّرة، لذا فهذه التقديرات تعتمد على الأدلّة المتاحة والاستنتاجات المنطقية. ولا تذكر الوثائق صراحة القوميّات الأصلية لمعظم العلماء اليهود، لكنّ كثيراً منهم كانوا عرباً أو من أصول إيبيرية/متوسّطية.
يُظهر التحليل الديموغرافي أنّ الإمپراطورية العثمانية نجحت في بناء منظومة علمية متنوّعة حقّاً، جمعت قوميات وأديان مختلفة في مسعى علمي مشترك. لم يكن التنوّع شعاراً بل واقعاً عمليّاً أثرى الحياة العلمية وأتاح للإمپراطورية الاستفادة من مواهب جميع رعاياها بصرف النظر عن أصولهم القومية أو معتقداتهم الدينية.

الحقبة الكلاسيكية الأولى (1299-1566): بناء الأسس العلمية
الفلك والرياضيات يسودان الإنجازات المبكّرة
تشكّلت الهوية العلمية العثمانية المبكّرة في ظلّ تفاعل ثلاثة تيّارات معرفية كبرى: المدرسة الرياضية الفلكية في سمرقند، تقاليد مرصد مراغة، والمعارف اليونانية-الرومانية المحفوظة عبر التراث الإسلامي. وكان قاضيزاده الرومي (صلاح الدين موسى بن محمود، حوالي 1364-1440) خير من جسّد هذا الطابع الدولي للعلم العثماني المبكّر. فهذا الرياضي التركي المولود في بورصة أصبح مديراً لمرصد سمرقند تحت إمرة أولوغ بك، وشارك في تأليف الزيج الشهير المعروف بزيج أولوغ بك. وحسب قاضيزاده قيمة پي إلى تسعة أرقام عشرية، وريادة الاستخدام المنهجي للرياضيات في البحث الفلكي. كما ألّف أعمالاً حاسمة تضمّنت شروحاً على الفلك والهندسة أضحت نصوصاً معتمدة في المدارس الدينية، ودرّب الجيل التالي ومنهم تلميذه الأشهر علي القوشجي.
وحقّق علي القوشجي (علاء الدين علي بن محمّد، 1403-1474) إسهامات ثورية تنبّأت بالثورة العلمية غرب الأوروپية. فبعد اغتيال أولوغ بك عام 1449، حمل تقاليد سمرقند الفلكية إلى القسطنطينية بدعوة من محمّد الفاتح حوالي عام 1470. وفصل علي القوشجي بشكل جذري الفلك عن الفلسفة الطبيعية الأرسطية، محرّراً العلوم الرياضية من القيود الفلسفية. وقدّم عبر أرصاد المذنّبات أدلّة تجريبية على دوران الأرض، ورفض الدوائر الكاملة الأرسطية لحركة الكواكب، وحسّن نماذج الطوسي الكوكبية، وطوّر نموذجاً بديلاً لعطارد. وأصبح عمله العربي الرئيس “الفتحية في علم الهيئة” (أهداه لمحمّد الفاتح عام 1473) وكتبه الاثنا عشر في الرياضيات والفلك كتباً دراسية استُعملت قروناً في المدارس الدينية العثمانية. كما أسّس مدرسة صحن ثمان المرموقة في القسطنطينية، واضعاً الأسس المؤسّساتية للعلم العثماني.
أمّا ميرم چلبي (محمود بن محمّد، حوالي 1450-1525)، فقد جمع بشكل فريد بين سلالتين علميّتين كبيرتين كونه حفيد كلّ من قاضيزاده الرومي (من جهة الأب) وعلي القوشجي (من جهة الأمّ). فمزج هذا الرياضي والفلكي التركي بين مدارس إسلامية مختلفة مع إضافة إسهامات أصيلة. وحلّ مشكلة حساب نسبة نصف قطر الأرض إلى أعلى جبل باستخدام الرياضيات، وحسب جيب قوس درجة واحدة بخمس طرق مختلفة، وأنتج “دستور العمل” المؤثّر (1499)، وهو شرح فارسي على زيج أولوغ بك. وأظهر عمله في البصريّات، بما فيه رسالة عن الهالات وأقواس قزح، إتقاناً لميادين علمية متعدّدة. وعُيّن ميرم چلبي قاضي عسكر الأناضول من قبل سليم الأوّل، ممثّلاً بذلك التكامل بين الخبرة العلمية والإدارة الحكومية.
وأحدث مصطفى بن علي الموقّت (أوائل القرن السادس عشر-1571) ثورة في ضبط الوقت والفلك العملي العثماني. فهذا الموسوعي التركي خدم كبيراً للفلكيّين من 1560 إلى 1571، وألّف أربعة وعشرين عملاً استثنائياً (ثلاثة بالعربية، وواحد وعشرون بالتركية)، رائداً استخدام اللّغة التركية العثمانية في الكتابة العلمية بدلاً من العربية. واخترع الربع الأفقي لمراقبة النجوم، وجعل الحسابات الفلكية المعقّدة في متناول جمهور أوسع. وأدرج في عمله الجغرافي عام 1525 “إعلام العباد في أعلام البلاد” قائمة بمئة مدينة مع إحداثيّاتها. ونجا دليله في ضبط الوقت “تسهيل الميقات” (1529) في أكثر من مئة نسخة مخطوطة عبر خمس نسخ، مما يدلّ على تأثيره الهائل. وأصبحت أعماله حول الأرباع الإصطرلابية وأرباع الجيب مراجع عثمانية أساسية، جرى تحديثها ونسخها على نطاق واسع حتّى منتصف القرن التاسع عشر.

الجراحة تحقّق تطوّراً غير مسبوق
أنتج شرف الدين صابونجي أوغلو (1385-1468) أحد أروع الأعمال الطبّية في التاريخ. فهذا الجرّاح التركي من أماسيا، حفيد كبير أطبّاء القصر، خدم أربعة عشر عاماً مديراً لمستشفى أماسيا دار الشفاء. وفي الثمانين من عمره، قدّم للسلطان محمّد الفاتح كتاب “الجراحية الخانية” (الجراحة الإمپراطورية، 1465)، وهو أوّل كتاب جراحي مصوّر في الأدب التركي الإسلامي. واستند الكتاب إلى عمل الزهراوي لكنّه احتوى إسهامات أصيلة كبرى، إذ ضمّ مئة وثمانية وثلاثين لوحة ملوّنة تصوّر مئة وستّاً وخمسين عملية جراحية باستخدام أكثر من مئة وستّة وخمسين أداة عبر أربعمئة واثنتي عشرة صفحة.
كانت ابتكارات صابونجي أوغلو استثنائية للقرن الخامس عشر. فقد صوّر نساء جرّاحات يُجرين عمليات نسائية – وهي أوّل رسوم توضيحية من نوعها في الأدب الطبّي. وشملت تخصّصاته الجراحية جراحة الأعصاب (بما فيها ربط الشريان الصدغي لعلاج الصداع النصفي)، والتوليد (استخدام الملاقط لإخراج الجنين الميت)، والمسالك البولية (إزالة حصى المثانة بأنابيب فضّية)، وجراحة الصدر (التصريف بين الأضلاع لعلاج الدبيلة)، وجراحة العظام، وطبّ الأورام (الإزالة المبكّرة لسرطان الثدي)، وفتح القصبة الهوائية باستخدام حلقات فضّية. وفهم التعفّن، واستعمل النبيذ وزيت الزيتون مطهّرات، ودعا إلى المقاربات غير الجراحية أوّلاً، وريادة الأساليب التجريبية – اختبار العلاجات على الحيوانات، ثمّ على نفسه، قبل المرضى. وسجّل كتابه “المجرّبنامه” (كتاب التجارب) عام 1468 تجاربه الصيدلانية، مؤسّساً المنهجية التجريبية في الطبّ العثماني.

الخرائط تبني جسوراً بين العوالم
أنتج الريّس پيري (حاجّي أحمد محيي الدين پيري، حوالي 1465-1555) أعمالاً خرائطية ذات أهمّية تاريخية. فهذا الأميرال (الريّس) والجغرافي التركي أنشأ خريطة العالم الشهيرة عام 1513 – وهي أقدم خريطة تركية تُظهر الأمريكتين – دمجت خريطة كريستوفر كولومبوس المفقودة ضمن حوالي عشرين مصدراً شملت ثماني خرائط پطلميوسية، وخريطة عربية واحدة، وأربع خرائط پرتغالية. وصوّرت خريطته عام 1528 أمريكا الشمالية والوسطى بدقّة أكبر. أمّا تحفته “كتاب البحرية” (1521؛ المنقّحة 1525-1526)، فاحتوت على مئتين وتسعة فصول مع مئتين وخمس عشرة خريطة وخطّاً مفصّلاً تغطّي البحر المتوسّط وبحر إيجة بأكمله، مقدّمة معلومات ملاحية عن الموانئ والمخاطر ومصادر المياه والتقنيات الفلكية. وخدم هذا العمل دليل ملاحة بحري عثماني رئيسي قروناً. وجمع الريّس پيري بين الملاحظات الإسلامية والأوروپية والشخصية في تقنية الخرائط الملاحية بتفصيل لم يُسبق له مثيل. وبعد خدمة بحرية متميّزة، أصبح أميرالاً (قپطان درياً)، لكنّه أُعدم كهلاً في القاهرة بسبب المنافسة السياسية.
وريادة ماطراقچي ناصوح (ناصوح بن عبد الله، حوالي 1480-1564) الجغرافيا الطوپوغرافية الوصفية. فهذا الموسوعي البوسني أبدع في الرياضيات والجغرافيا والخرائط والتاريخ والعلوم العسكرية. ورافق السلطان سليمان في حملاته العسكرية، موثّقاً بدقّة كلّ مدينة حطّ فيها الجيش. واحتوى كتابه “بيان منازل سفر العراقين” (1537) على مصغّرات مفصّلة تُظهر الطرق من إسطنبول إلى تبريز إلى بغداد. وصوّرت لوحته المزدوجة الشهيرة لإسطنبول جميع المباني الرئيسة بدقّة ملحوظة. وقارنت خرائطه بشكل إيجابي مع الخرائط البحرية الملاحية للريّس پيري لكنّها ركّزت على الطوپوغرافيا البرّية. كما كتب رسائل رياضية مؤثّرة منها “جمال الكتّاب وكمال الحسّاب”، واخترع اللّعبة العسكرية “ماطراق”، مظهراً مواهبه المتنوّعة.
أمّا جورجيوس أميروتزيس (Γεώργιος Ἀμιρούτζης، حوالي 1400-ما بعد 1470)، فمثّل الإسهامات اليونانية البيزنطية. فهذا الموسوعي اليوناني من عائلة طرابزون البارزة خدم محمّد الفاتح مستشاراً في الفلسفة اليونانية والمسيحية. وبتكليف من السلطان عام 1465، ترجم هو وابنه جغرافية پطليموس من اليونانية إلى العربية، منشئين خريطة عالم مبنية على إحداثيات پطليموس. وساعدت هذه الترجمة (الباقية في مخطوطتين في مكتبة سليمانية) على دمج المعارف الجغرافية اليونانية الكلاسيكية في التقليد العلمي العثماني. كما ألّف أميروتزيس حوارات فلسفية مع محمّد الفاتح، مظهراً فضول السلطان الفكري الحقيقي. واستمرّ أبناؤه علماء في البلاط العثماني، يديرون مراكز النسخ اليونانية ويسهّلون نقل المعرفة.

العمارة والهندسة تبلغان مستوى نُصبيّاً
يقف معمار سنان (حوالي 1488-1588) ربّما أعظم مهندس معماري في التاريخ الإسلامي. فقد وُلد لعائلة مسيحية مختلطة يونانية وأرمنية وتحوّل إلى الإسلام عبر نظام الدوشيرمه، وخدم كبيراً للمعماريّين الإمپراطوريّين (معمارباشي) تسعاً وأربعين سنة تحت ثلاثة سلاطين. وشكّلت خلفيته التجريبية في الهندسة العسكرية مقاربته للعمارة. فصمّم أكثر من ثلاثمئة وأربع وسبعين منشأة منها اثنان وتسعون مسجداً كبيراً، وخمس وخمسون مدرسة دينية، وعشرون ضريحاً، وسبع عشرة مطبخاً عامّاً، وثلاثة مستشفيات، وستّ قنوات مائية، وعشرة جسور، وثمانية وأربعون حمّاماً.
تحفته، مسجد السليمية في إدرنه (1568-1574)، يتميّز بقبّة عرضها 31.28 متراً – مظهراً حلوله الإنشائية الثورية للقباب المركزية الكبيرة عبر أنظمة دعائم وأنصاف قباب مبتكرة. أمّا مجمّع مسجد السليمانية في إسطنبول (1550-1557)، فشمل مستشفيات ومدارس طبّية ومدارس دينية. وخلا العمارة، تجلّت عبقرية سنان الهندسية الهيدروليكية في نظام الإمداد المائي قرق چشمه (1554-1563): شبكة بطول خمسة وخمسين كيلومتراً مع خمسة وثلاثين جسراً مائياً تخدم مئة وثمانية وخمسين منشأة يومياً. واتّسمت قناطر ماغلوڤا المائية (258 متراً طولاً، 36 متراً ارتفاعاً) بدعائم هرمية الشكل مبتكرة لمقاومة الزلازل. وبقيت قناطر أوزون كمر المائية (710 أمتار طولاً، 26 متراً ارتفاعاً) أطول قوس باق في تركيا. ودرّب سنان جيلاً كاملاً من المعماريين وأسّس السيادة المعمارية العثمانية.

الطبّ يطوّر مؤسّسات منهجية
حمل موسى بن حامون (توفّى 1554) الخبرة الطبّية اليهودية السفاردية إلى البلاط العثماني. فهذا الطبيب الشخصي للسلطان سليمان القانوني كتب أوّل عمل تركي مخصّص للأسنان – إحدى أقدم النصوص المستقلّة في طبّ الأسنان عالميّاً. ومزجت رسالته “رسالة في طبائع الأدوية واستعمالها” بين مصادر عربية إسلامية ويونانية وغرب أوروپية، ودمجت بنشاط المعارف الطبّية الأوروپية في الممارسة العثمانية. وأسّست عائلة حامون سلالة طبّية امتدّت أربعة أجيال في البلاط العثماني، مثالاً على كيف وجد العلماء اليهود ملجأ وفرصاً في الأراضي العثمانية بعد هروبهم من الاضطهاد الكاثوليكي الإيبيري.
وتوسّع نظام المستشفيات العثماني (دار الشفاء) بشكل كبير في هذه الفترة. فمستشفى يلدرم بايزيد دار الشفاء في بورصة (1400) عمل أربعمئة وخمسة وخمسين عاماً (1399-1854) بطاقم شامل منه الأطبّاء الرئيسون والجرّاحون والأطبّاء وأطبّاء العيون والصيادلة. وشمل مستشفى السليمانية دار الشفاء (1556) أوّل مدرسة طبّية مستقلّة بمنهج منهجي يجمع الدروس النظرية (أربعة أيّام أسبوعياً) والممارسة في المستشفى (يومان)، مانحاً الخرّيجين مؤهّلات للتدريس أو القضاء أو الممارسة الطبّية. ووفّرت هذه المؤسّسات العلاج المجّاني للجميع بصرف النظر عن الدين أو القومية، مجسّدة فلسفة الرعاية الاجتماعية العثمانية.

حقبة التحوّل (1566-1789): الاستمرارية والابتكار
التميّز الفلكي قبل الانهيار المؤسّساتي
مثّل تقي الدين محمّد بن معروف (1526-1585) ذروة الإنجاز الفلكي العثماني. فهذا الموسوعي العربي من دمشق خدم كبيراً للفلكيّين (منجّمباشي) تحت حكم سليم الثاني ومراد الثالث، مؤسّساً مرصد إسطنبول عام 1577 مع ستّة عشر موظّفاً. وفاقت دقّته الرصدية كلّاً من تيخو براهه وكوپرنيكوس – فحسب زاوية دائرة البروج كـ 23°28’40” (الحديثة: 23°27′) والحركة السنوية لأوج الشمس كـ 63 ثانية (الحديثة: 61؛ كوپرنيكوس: 24؛ تيخو: 45). وكان أوّل من استخدم الكسور العشرية في الأرصاد الفلكية بدلاً من الترميز الستّيني.
وأنتجت عبقرية تقي الدين الميكانيكية اختراعات استثنائية. فرسالته عام 1551 “الطرق السنّية” وصفت توربيناً بخاريّاً بتطبيقات عملية – قبل ثمانية وسبعين عاماً من النسخة الأوروپية لجوڤاني برانكا. وقدّم عمله عام 1559 حول الساعات الميكانيكية ابتكارات منها تقسيم الدقائق إلى فترات خمس ثوان لضبط الوقت الفلكي بدقّة. ووصفت رسالته عن أدوات الرصد أدوات متفوّقة على الأدوات الأوروپية المعاصرة. ومثّل عمله المكوّن من ثلاثة مجلّدات في البصريات “كتاب نور حدقة الإبصار” (1574) آخر إسهام عربي كبير في البصريات، مع صياغة كاملة لقوانين الانعكاس وربّما أوّل وصف للتلسكوپ – سابقاً گاليليو.
شكّل تدمير المرصد عام 1580 بنيران المدافع – ظاهريّاً بسبب أوبئة الطاعون والزلازل لكن على الأرجح بسبب المكائد السياسية – نقطة تحوّل مأساوية. وألّف تقي الدين أكثر من تسعين كتاباً عبر حقول علمية متعدّدة، مثبتاً نفسه واحد من كبار الموسوعيّين في التاريخ. وسبق عمله حول تشكّل الألوان نيوتن بقرنين، وأظهر مضخّته المدفوعة بالماء ذات الستّ أسطوانات مع الصمّامات فهماً متطوّراً للميكانيكا وخلق الفراغ الجزئي.

المعرفة الجغرافية تتوسّع عبر التوثيق
أنشأ كاتب چلبي (مصطفى بن عبد الله، 1609-1657) أعمالاً موسوعية مزجت المعارف عبر الحضارات. فهذا الموسوعي التركي أنتج “كشف الظنون” (اكتمل حوالي 1652)، موسوعة ببليوگرافيّة وثّقت حوالي خمسة عشر ألف كتاب بالعربية والفارسية والتركية – شكّلت أساساً للببليوگرافيّات الشرقية الأوروپية اللّاحقة. وأصبح كتابه “جهان نُما” (منظر العالم، 1648-1657) أوّل عمل عثماني يستخدم الأطالس غرب الأوروپية، مبنيّاً على أطلس ميركاتور الصغير مع إضافات من مصادر فرنسية ولاتينية. وغطّى قاموس كاتب چلبي الجغرافي البحار والجزر والبلدان والأنهار والجبال والأمريكتين المكتشفة حديثاً، مدمجاً استكشافات پرتغالية وإسپانية.
بدأ كاتب چلبي موظّفاً ماليّاً بيروقراطيّاً، وشارك في حملات بغداد وأرضروم العسكرية قبل أن يرث ثروة عام 1645 سمحت له بالتفرّغ الكامل للدراسة. وشاهد مقتل السلطان عثمان الثاني وقدّم روايات تاريخية مفصّلة. ودافع كتابه “ميزان الحقّ” (1657) عن العلوم الإيجابية ضدّ التطرّف، داعياً إلى آراء ليبرالية ومتسامحة حول الشريعة الإسلامية والأخلاق. وبرغم كونه متعلّماً ذاتيّاً، فقد مزج ببراعة بين التعلّم الإسلامي التقليدي والمنح الأوروپية، ممثّلاً نقطة تحوّل في التاريخ الفكري العثماني. وسجّل كتابه “تحفة الكبار” تاريخ البحرية العثمانية، في حين قدّم “تقويم التواريخ” تسلسلاً زمنياً عالمياً. وأعلنت اليونسكو عام 2009 “عام كاتب چلبي” اعترافاً في الذكرى الأربعمئة لميلاده.
وأنتج أولياء چلبي (درويش محمّد ذلّي، 1611-حوالي 1682) أوسع توثيق للسفر من منظور عثماني. فهذا الجغرافي التركي سافر أكثر من أربعين عاماً في أرجاء الإمپراطورية العثمانية والمناطق المجاورة، موثّقاً ما سيصبح خمساً وأربعين دولة حديثة. وسجّل كتابه المكوّن من عشرة مجلّدات “سياحتنامه” (كتاب السفر، 1630-1682) الجغرافيا والإثنوگرافيا واللّغات والعادات والمخطّطات الحضرية والعمارة والآثار عبر إسطنبول والأناضول والقرم والقوقاز والعراق وسوريا وفلسطين والجزيرة العربية ومصر والبلقان والمجر والنمسا وهولاندا. وجمع عمله بين الملاحظة الجغرافية والأنثروپولوجيا الثقافية، مقدّماً توثيقاً لا يقدّر بثمن للمجتمع العثماني في القرن السابع عشر بما فيه وصف الابتكارات التكنولوجية مثل رحلة الطيران الشراعي المزعومة لهزارفن أحمد چلبي وتجربة الصاروخ للاگاري حسن چلبي.

ثورة الطباعة تحوّل نشر المعرفة
أحدث إبراهيم متفرّقة (حوالي 1674-1745) ثورة في الحياة الفكرية العثمانية. فهذا المجري المتحوّل من المسيحية الموحّدة أسّس أوّل مطبعة يديرها مسلمون بحروف عربية متحرّكة عام 1727. ونشرت مطبعته بين 1729-1743 سبعة عشر عنواناً في ثلاثة وعشرين مجلّداً منها “جهان نُما” لكاتب چلبي بإضافات مهمّة تناقش مركزية الشمس بحجج علمية مفصّلة. وتكيّف متفرّقة بعناية مع الأعمال غرب الأوروپية، محذّفاً المراجع الإشكالية مع الحفاظ على المحتوى العلمي. وشملت منشوراته قواميس وتواريخ وأعمالاً علمية بالتركية والعربية. وبصفته دبلوماسي وعالم، قدّم مركزية الشمس الكوپرنيكية للقرّاء العثمانيّين عبر ترجمة أطلس أندرياس چيلاريوس السماوي (نُشر عام 1733 “مجموعة الهيئة”). وربط عمله بين العلم غرب الأوروپي والعثماني خلال ازدهار عصر الخزامى (1718-1730) الثقافي، برغم أنّ عمليّات الطباعة توقّفت بعد 1742 بسبب التغييرات السياسية.

الطبّ يدمج المقاربات الكيميائية
أدخل الحلبي صالح بن نصر اللّه (توفّى 1669) الطبّ الپاراچيلسي (الطبّ الجديد) إلى الإمپراطورية العثمانية حين كان كبير للأطبّاء تحت حكم السلطان محمّد الرابع. ووصفت رسالته “غاية الإتقان” أمراضاً وعلاجات جديدة مبنية على الطبّ الكيميائي الپاراچيلسي، داعية للعلاج الدوائي باستخدام الأحماض المعدنية والأملاح غير العضوية والإجراءات الكيميائية. وشكّل هذا خروجاً كبيراً عن الطبّ الجاليني (العربي) التقليدي القائم على الأخلاط. وتابعه عمر بن سنان الإزنيقي (القرن الثامن عشر) مواصلاً حركة الطبّ الكيميائي بـ”كتاب كنوز حياة الإنسان” مقدّماً توجيهات لإنتاج الأدوية. وترجم عمر شفائي (توفّى 1742) أعمالاً طبّية غرب أوروپية منها “الجوهر الفريد” بتركيبات دوائية غرب أوروپية، ميسّراً نقل المعرفة.
مثّلت الحركة الپاراچيلسية انفتاح الطبّ العثماني على الابتكارات غرب الأوروپية مع الحفاظ على الصلات بالتقاليد الطبّية العربية الإسلامية. وقدّم الطبّ الكيميائي (طبّي كيميائي) مقاربات علاجية جديدة خلا العلاجات النباتية التقليدية. وأظهر هذا المزج استعداد الأطبّاء العثمانيّين الپراگماتي لتبنّي العلاجات الفعّالة بصرف النظر عن أصلها، منشئين ممارسة طبّية عثمانية مميّزة تجمع تقاليد متعدّدة.


علماء الإصلاح والحقبة المتأخّرة (1789-1922): التحديث المنهجي
الرياضيّات تعانق الابتكارات الحديثة
حقّق حسين توفيق پاشا (1832-1901) اعترافاً دوليّاً بعمله الرياضي. فهذا الرياضي التركي المولود في ڤيدين التحق بجامعة پاريس والكوليج دو فرانس خلال نشره ملحق عسكري، دارساً تحت إشراف رياضيّين فرنسيّين رائدين. ومثّل عمله الثوري عام 1882 “الجبر الخطّي” (الطبعة الثانية 1892) أوّل عمل حول الجبر الخطّي والرباعيّات في العالم الإسلامي. وربط نظامه الثلاثي المبتكر بين أعداد أرگاند المركّبة ورباعيّات هاملتون، منشئاً جبراً ثلاثي الأبعاد يحتوي الأعداد المركّبة. وحافظ هذا العمل على أصالته حتّى عشرينيّات القرن العشرين وصُنّف بين أقدم الكتب المطبوعة عالمياً حول الرباعيات.
وخلا الرياضيّات، خدم حسين توفيق سفيراً للولايات المتّحدة (1872-1878، 1883-1886) وبرلين (ستّينيات القرن التاسع عشر، 1889)، مشرفاً على شراء البنادق وملقياً محاضرات دافع فيها عن الممارسات العثمانية. وأتقن التركية والعربية والفارسية واليونانية والفرنسية واللّاتينية وربّما الإندونيسية. وباشتغاله كبير مفتّشين في المدرسة الإمپراطورية للهندسة العسكرية ومعلّم رياضيات في حربية إداديسي، أثّر في الجيل التالي. ودلّت عضويّته في جمعية رود آيلاند التاريخية والجمعية الرياضية الفرنسية على اعتراف دولي. وعزّزت أعماله “ذيل أصول الجبر” و”جبر علاء” الفهم الجبري في الأوساط الأكاديمية العثمانية.
وأصبح صالح ذكي بك (1864-1921) أوّل مؤرّخ تركي حديث للعلوم. فهذا الرياضي المولود في إسطنبول تدرّب في مدرسة الپوليتكنيك بپاريس في الهندسة الكهربائية ثمّ أسّس أقسام الرياضيات والفيزياء والفلك في جامعة إسطنبول، خادماً رئيساً لها من 1913-1917. ووثّق عمله الضخم “آثار باقية” (نُشر 1913) إسهامات العصور الوسطى الإسلامية في الرياضيّات عبر مجلّدين يغطّيان المثلّثات والحساب والجبر وتاريخ الأرقام والكسور العشرية. وأظهر هذا العمل الرائد أولوية الإسلام في تطوير الكسور العشرية، ردّاً على ادّعاءات أوروپية. ووثّق إنجازات جمشيد الكاشي وتقي الدين، منقذاً إرثهما من الغموض.
وأدار صالح ذكي مرصد قنديلي من 1895-1912 وقدّم الهندسة غير الإقليدية عبر محاضراته “محاضرات دار الفنون”. وأظهر “قاموس الرياضيّات” وترجمته لفلسفة العلوم لپوانكاريه اتّساعه. وبصفته مفتّش في وزارة البريد والبرق من 1887 ووكيل وزارة المعارف (1912)، أثّر على السياسات. وربطه زواجه من الكاتبة خالدة أديپ أديڤار (زوجته الأولى) بالدوائر الأدبية. ومأساويّاً، أصيب بمرض عقلي عام 1920 وتوفّى مجنوناً عام 1921، قاطعاً مسيرة باهرة.
وربط خوجه إسحاق أفندي (حوالي 1774-1835) بين العلوم التقليدية والحديثة. فهذا الموسوعي المولود لعائلة متحوّلة يهودية في أرتا باليونان أتقن التركية والعربية والفارسية والفرنسية واللّاتينية واليونانية. ومثّل كتابه المكوّن من أربعة مجلّدات “مجموع علوم رياضية” (1831-1834) أوّل كتاب شامل في العالم الإسلامي يعرض العلوم الحديثة. وترجمه معظمه من أعمال فرنسية معاصرة، منشئاً مصطلحات علمية عربية استُعملت في تركيا حتّى ثلاثينيّات القرن العشرين وفي البلدان العربية بعدها. وقدّم المجلّد الرابع وصفاً تقنياً مفصّلاً للنظام الشمسي المركزي الكوپرنيكي، معرّضاً إيّاه “الأنسب للعلم”.
وبمقامه كبير معلّمين (باشخوجه) في المدرسة الإمپراطورية للهندسة العسكرية (1830-1831) ومدير ثان لمكتب عثماني في پاريس، شكّل إسحاق أفندي التعليم العلمي العثماني. وأظهرت خدمته ترجمان (مترجم) للباب العالي (1824-1829) وإشرافه على بناء الحصون خلال الحرب الروسية التركية التطبيق العملي للمعرفة. ولُقّب “حاخام البحرية” (حبر البحر) من قبل الجالية اليهودية في إسطنبول، وحافظ على علاقات وثيقة طوال حياته، مثالاً على كيف ربط العلماء المتحوّلون بين المجتمعات الدينية. وتوفّى في السويس عام 1835 في أثناء عودته من الحجّ.

التعليم الطبّي يحقّق معايير غرب أوروپية
حوّل مصطفى بهجت أفندي (1774-1834) التعليم الطبّي العثماني. فهذا المنحدر من عائلة طبّية متميّزة (ابن حجهگندان محمّد أمين، حفيد كبير الأطبّاء خير الله أفندي، عمّ الشاعر عبد الحقّ حامد) خدم ثلاث مرّات كبيراً للأطبّاء (حكيمباشي) تحت سليم الثالث ومحمود الثاني. وفي 14 آذار مارس 1827 – المحتفى به الآن يوم الطبّ التركي – أسّس أوّل كلّية طبّية حديثة في الإمپراطورية العثمانية (المدرسة الطبّية الشاهانية). وعلّمت المؤسّسة في البداية الطلّاب المسلمين بالفرنسية فقط، لكنّها فُتحت لغير المسلمين بعد 1839، وأسّست فرعاً مدنيّاً (مكتب طبّية ملكية، 1866) يعلّم بالتركية.
اللّافت أنّ تأسيس طبخانه عامره حدث بعد عام واحد من الواقعة الخيرية Vaka-i Hayriye أو مذبحة الانكشارية وهي مذبحة جرت بعد ثورة الإنكشارية بإسطنبول. بعد أن تنبّه الانكشارية لنية السلطان محمود الثاني إنشاء جيش نظامي حديث بدعم فرنسي، ثاروا بموالات الإمپراطورية الروسية في 15 حزيران يونيو 1826 في مدينة إسطنبول، ولكن في تلك المرّة وقف معظم الجيش والأهالي ضدّهم، وأجبرت السباهية (وحدات الفرسان الثقيلة) الموالية للسلطان محمود الثاني الإنكشارية على التراجع إلى ثكناتهم، ثم أطلقت المدفعية 15 طلقة على ثكناتهم، موقعة بهم خسائر فادحة، وتم إعدام أو عزل الناجين ونزح منهم الناجون إلى حلب.
كما أسّس بهجت أفندي جرّاحخانه عامره (مدرسة الجراحة الإمپراطورية) عام 1832 في طوپقاپي. واندمجت هاتان عام 1836 في مكتب طبّ جديد، ونُقلت عام 1839 إلى گالاطه سراي باسم مكتب طبّية عدلية شاهانه. وبعد إصلاحات التنظيمات (1839)، فُتحت المدرسة للطلّاب غير المسلمين الذين شكّلوا في نهاية المطاف نسباً كبيرة من الصفوف المتخرّجة. ووفّرت المدرسة الطبّية المدنية الموازية (مكتب طبّية ملكية، 1866) التي علّمت بالتركية زيادة الأطبّاء المسلمين. ووفّرت هذه المؤسّسات تعليماً صارماً على النمط غرب الأوروپي، مرسلة الخرّيجين للدراسة في الخارج وداعية أساتذة غرب أوروپيين للتدريس. ورمز حرم حيدرپاشا الرائع (افتُتح 1903) الذي صمّمه ألكسندر ڤالّوري ورايموندو دآرونكو لالتزام العثمانيّين بالتعليم الطبّي الحديث غرب الأوروپي.
وريادة شانیزاده محمّد عطاء الله أفندي (1769/1771-1826) التشريح الحديث في الطبّ العثماني. فهذا الموسوعي التركي أنتج “خمسة شانیزاده”، وأهمّها “مرآة الأبدان” (1816-1827) – أوّل كتاب تشريحي حديث مطبوع مصوّر في الإمپراطورية العثمانية. واستند الكتاب إلى نُسخ إيطالية لبرتين وپالفين لكنّه دمج تشريحات أصلية ومقارنات، واحتوى على ستّ وخمسين لوحة تشريحية تستخدم الرسم المنظوري بدلاً من أسلوب المصغّرات التقليدي. وشملت الاستشهادات علماء تشريح غرب أوروپيّين رائدين: ألبينوس، ڤيوسّنس، دريك، هاڤرز، فون هالّر، ودوڤرني، مظهرة التفاعل مع العلم غرب الأوروپي الطليعي.
وغطّت سلسلة شانیزاده المكوّنة من خمسة مجلّدات التشريح والفسيولوجيا والأمراض والعلاجات والإجراءات الجراحية والصيدلة، مرسية منهجاً طبّياً شاملاً. وأنشأ عمله الرائد في تتريك المصطلحات الطبّية مفردات علمية أساسية. وبرغم وفاته عام 1826، فُتحت المدرسة الطبّية الإمپراطورية عام 1827 بناءً على رؤيته، جاعلة منه المؤسّس الروحي للتعليم الطبّي العثماني الحديث. وخدمت أعماله كتب دراسية معتمدة عقوداً، مقدّمة المعارف التشريحية غرب الأوروپية مع الحفاظ على إمكانية الوصول عبر الاستخدام الحذر للمصطلحات العربية مع مكافئات تركية ويونانية ولاتينية.
وأسّس بسيم عمر پاشا (بسيم عمر أكالين، 1862-1940) طبّ النساء والتوليد الحديث في تركيا. فبعد الدراسة في پاريس (1887-1891) تحت إشراف روّاد پيير كونستان بودين وأدولف پينار في مستشفى الشاريتيه، عاد ليؤسّس أوّل مستشفى للولادة “ولادتخانه” عام 1892. وريادة التمريض تخصّص منفصل، مطبّقاً أساليب التدريب اليابانية ومدرّباً شخصيّاً بنات عائلات مسلمة بارزة ممرّضات متطوّعات عام 1911 (دورة ستّة أشهر). وبحلول 1913-1914، درّب حوالي ثلاثمئة ممرّضة خدمن ببسالة في گاليپولي وجبهات الحرب العالمية الأولى الأخرى.
والأهمّ، مكّن بسيم عمر أوّل مجموعة من الفتيات من الالتحاق بالكلّية الطبّية الإمپراطورية عام 1922، وتخرّج ستّ منهنّ عام 1928 – فاتحاً المهنة الطبّية للنساء المسلمات. وبمقامه مدير عامّ للهلال الأحمر التركي خلال الحرب العالمية الأولى، حضر المؤتمر الدولي التاسع للصليب الأحمر في واشنطن (أيّار مايو 1912)، ناجياً من غرق تيتانيك قبل أسابيع فقط في 15 نيسان أبريل. وأسّس جمعية مكافحة السلّ (1918) وجمعية حماية الأطفال (1921)، وخدم رئيساً لجامعة إسطنبول (1919)، ولاحقاً نائباً في المجلس الوطني الكبير عن بيلهجك (1935-1940). ووصلت منشوراته العديدة حول التوليد والولادة والصحّة العامّة إلى المهنيّين والجمهور العامّ، محسّنة نتائج صحّة الأمّ والطفل في أنحاء الإمپراطورية.

العلوم الطبيعية تؤسّس قواعد منهجية
تطوّرت العلوم الطبيعية العثمانية أساساً خلال فترة التحديث هذه، منتقلة من المقاربات العلمية العربية الإسلامية التقليدية إلى الأساليب التجريبية غرب الأوروپية. وافتُتح أوّل متحف للتاريخ الطبيعي في المدرسة الطبّية الإمپراطورية في گالاطه سراي (1834-1848) بمجموعات جيولوجية وحيوانية ونباتية وتراتولوجية إضافة إلى حديقة نباتية. وبرغم تدميره بحريق عام 1848، فقد مثّل استعداد الحكومة لتبنّي الأساليب العلمية الغربية وعزّز شبكات علمية بين الإمپراطوريات.
ودرّست مدرسة الطبّ البحري (ترسانه طبّيسي، 1806) والمدرسة الطبّية الإمپراطورية (1827) الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والنبات والحيوان بشكل منهجي. ودُرّست الجيولوجيا بصفتها “علم طبقات الأرض” باستخدام كتب غرب أوروپية مترجمة إلى التركية العثمانية. وأسّس عمل محمّد نظيم عام 1844 “كتابي طبقات الأرض والمعادن” وترجمات لو كوك (لوكوك پاشا) عام 1887 من جيولوجيّين غرب أوروپيّين التعليم الجيولوجي. وقدّمت المدارس التبشيرية الأمريكية (675 مؤسّسة بحلول 1914) والمدارس الكاثوليكية الفرنسية (500) والمدارس البريطانية (178) العلوم الحديثة، منشئة محترفين متعلّمين على الأسس الغربية عبر المجتمعات الإثنية والدينية.
وكشف متحف التاريخ الطبيعي لكلّية روبرت (ستّينيات القرن التاسع عشر-أربعينيات القرن العشرين) الشبكات التفاعلية في إنتاج المعرفة العلمية، حيث تبادل معلّمون أمريكيّون وعلماء نبات عثمانيّون أرمن وبيولوجيّون روس وفرنسيّون وعلماء حشرات مجريّون عيّنات عالمياً. واتّبعت نصوص علم الحيوان الطبّي لماچارلي عبد الله بك (توفّى 1874) وحسين رمزي (توفّى 1896) وحلوصي بن راشد (توفّى 1936) تقاليد “علم الحيوان الطبّي” الفرنسية، متكيّفة مع المعارف غرب الأوروپية للاحتياجات المحلّية. وأسّست هذه الفترة القواعد المؤسّساتية ودرّبت علماء قادوا التطوّر العلمي للجمهورية التركية.
علماء الأقلّيّات: التنوّع الإثني قوّة علمية

الإسهامات الأرمنية تمتدّ عبر التقاليد الطبّية
جسّد أميردوڤلات أماسياتسي (1425-1496) التميّز الطبّي الأرمني. فهذا الجرّاح الرئيس وطبيب العيون للسلطان محمّد الفاتح مزج الطبّ الأرمني بتقاليد يونانية وعربي ولاتينية. وغطّى كتابه الشامل “عديم النفع للجاهلين” المواد الدوائية والتشريح والصيدلة والأمراض النفسية، كاتباً بالأرمنية الوسطى مع مصطلحات تركية ويونانية وعربية وفرنسية وفارسية. وُلد في أماسيا، وسافر على نطاق واسع خلال نفي مؤقّت من البلاط قبل استدعائه خلال وباء الطاعون البلقاني عام 1466. وأظهرت أعماله فهماً متطوّراً للنباتات الطبّية والأمراض، جامعة الخبرة السريرية العملية مع المعارف النظرية من تقاليد متعدّدة.
وألّف آگوپ خندانيان (1834-1899) من ديار بكر (آمد) أوّل كتاب علوم جنائية في تركيا العثمانية، مؤسّساً هذا التخصّص في الفقه العثماني. وبمقامه طبيب وكاتب ومترجم وأستاذ، ربط بين الممارسة الطبّية والتطبيقات القانونية. ووصل قسپار سنابيان (1862-1933) إلى مناصب طبيب عسكري ووزير بارزة، مظهراً إمكانات التقدّم الجداري للعلماء الأرمن في الهرم الطبّي العسكري العثماني. وانضمّ هؤلاء إلى أطبّاء وصيادلة وعلماء أرمن آخرين كثر أسهموا بشكل كبير في المؤسّسات الطبّية العثمانية.

العلماء اليونانيّون يسيطرون على التعليم الطبّي
شكّل الأطبّاء اليونانيّون بشكل كبير التحديث الطبّي العثماني، خاصّة بعد إصلاحات التنظيمات عام 1839 التي فتحت المدرسة الطبّية الإمپراطورية لغير المسلمين. وأصبح ماركو پاشا من جزيرة سيروس أوّل طبيب يحقّق رتبة ميرليڤا (لواء أميري) في الطبّ العسكري العثماني، خادماً بصفته رئيس للعيادة الجراحية في المدرسة الطبّية الإمپراطورية. أمّا سپيريدون ماڤروگينيس پاشا، من عائلة ماڤروگيني اليونانية الفناريوتية البارزة، فدرس الطبّ في ڤيينا (1835-1843) ثمّ خدم طبيباً شخصيّاً للسلطان عبد الحميد الثاني وأستاذاً يدرّس الصحّة وعلم الأمراض. وأتقن اليونانية والفرنسية والألمانية، ودعا لاستخدام الفرنسية لغة تعليم، وكتب عن الفسيولوجيا والوعي.
وتدرّب إيوانّيس كالياس في پيزا ثمّ أصبح من بين أوائل أساتذة التشريح في المدرسة الطبّية الإمپراطورية، كاسباً شهرة عالم تشريح وجرّاح. ودرس كونستانتينوس أسوپيوس (حوالي 1790-1872) الطبّ في ناپولي مع خريستوفوروس فيليتاس، ودرّس لاحقاً في الأكاديمية الأيونية وجامعة أثينا، خادماً عميداً ثلاث مرّات. وحقّق ماركو پيتسيپيو (أپوستوليدي پاشا) أعلى منصب إداري يوناني مدير للمدرسة الطبّية الإمپراطورية. وشكّل هؤلاء العلماء، إلى جانب الأساتذة ستيفانوس كاراثيودوري وكونستانتينوس كاراثيودوري وسارانتيس أرخيگينيس، العمود الفقري للتعليم الطبّي العثماني خلال فترة التنظيمات الحاسمة. ومكّنت إجادتهم اللّغات غرب الأوروپية وتدريبهم من نقل المعرفة بفعّالية، ودلّت مناصبهم على الجدارة العثمانية.

الأطبّاء اليهود يؤسّسون سلالات طبّية
أنشأت عائلة حامون أبرز سلالة طبّية يهودية. فخدم يوسف حامون طبيباً رئيساً للسلطانين بايزيد الثاني وسليم الأوّل، مرافقاً سليم في حملاته ضدّ مماليك مصر في الشام. وأصبح ابنه موسى حامون (حوالي 1490-1565) طبيباً رئيساً للسلطان سليمان القانوني وطبيب البلاط الأكثر نفوذاً في القرن السادس عشر. وساعد دونا گراسيا مينديس ودون جوزيف ناسي على الهروب من ڤينيسيا إلى الأراضي العثمانية، داعماً الثقافة والتعلّم اليهوديّين عبر تمويل الأعمال المطبوعة. وكتب موسى بن حامون (توفّى 1554) نصوصاً رائدة في طبّ الأسنان تمزج مصادر آرامية وعربية ويونانية ولاتينية.
وتحوّل إلياس اليهودي (عبد السلام المهتدي)، الأصل إليا بن إبراهيم، إلى الإسلام بعد فراره من الأندلس بعد طرد 1492. واخترع الأداة الفلكية “الضابط” المتفوّقة على الكرة الأرضية الپطلميوسية، وترجم أعمالاً فلكية آرامية إلى العربية (1503)، وكتب رسائل حول الطاعون والكوليرا قدّمها للسلطان بايزيد. وأظهر تعليقه على قانون ابن سينا إتقاناً عبر التخصّصات الطبّية والفلكية. وكتب موسى كالينوس بن يهودا الإسرائيلي (بالعبرية: موشيه گاليانو) أعمالاً طبّية وفلكية بالتركية والعربية، متلقّياً راتباً يومياً قدره اثنا عشر أقچه بصفته طبيب بلاط.
واستمرّ الأطبّاء اليهود اللّاحقون على هذه التقاليد. فخدم الدكتور جان ميكلسكو (1861-أوائل القرن العشرين)، طبيب النساء اليهودي الروماني المتدرّب في جامعة ميونيخ، جرّاح رئيس لمستشفى إسطنبول العسكري وعمل في مستشفى أور أحايم (مستشفى الرعيّة اليهودية البارز في بلاط). وقبلت عيادته المستقلّة مرضى من كلّ الإثنيات والأديان، رائداً طبّ النساء النسوي قبل عصره. ونشر طوبياس كوهين (توفّى 1729) كتاب “معاسه طوڤيا” المؤثّر في ڤينيسيا (1708)، جامعاً المعرفة الطبّية بالفهم الميكانيكي لجسم الإنسان، خادماً الوزراء الكبار تحت السلطانين مصطفى الثاني وأحمد الثالث. وأضفت جمعية الأطبّاء اليهود في إسطنبول (1915) طابعاً رسميّاً على الشبكات المهنية الداعمة للممارسة الطبّية والبحث.

العلماء العرب يربطون بين التقاليد ويبتكرون
مثّل تقي الدين محمّد بن معروف من دمشق (سبقت مناقشته) ذروة الإنجاز العلمي العربي في الفلك والرياضيات والبصريّات والميكانيكا. وأدخل صالح بن نصر الله ابن سلّوم (توفّى 1670) من حلب الطبّ الكيميائي الپاراچيلسي بمقامه كبير أطبّاء للسلطان محمّد الرابع، محوّلاً العلاجات العثمانية عبر كتابه “غاية الإتقان”. ودرس جلال الدين حجّي پاشا (توفّى 1417) العلوم الإسلامية في الأزهر بالقاهرة والطبّ في مستشفى قلاوون قبل العودة إلى الأناضول. وأصبح “منتخب الشفاء” (1370) وأعماله العربية والتركية الأخرى أدلّة طبّية معتمدة في الإمپراطورية لأجيال.
وشارك جمال الدين الأقصراي (توفّى 1388/1399)، برغم كونه من أقصراي في الأناضول، في الثقافة العلمية العربية الفارسية قاضي عسكر رئيس. وأصبح تعليقه “حلّ الموجز” على ابن النفيس مؤثّراً للغاية في الدراسات الطبّية العثمانية، غطّياً نظرية الأخلاط وتصنيف الأمراض وتشخيص النبض (عدّ عشرين نبضة طبيعية، وثلاثين في المرض – مظهراً فهماً للدورة الدموية قبل 240 عاماً من هارڤي). وأظهر عمله الواسع حول الأمراض العصبية والنفسية (الكآبة والصرع والنسيان والتشنّجات) إضافة إلى الأمراض الوبائية (الملاريا والجذام والحصبة والسعار) فهماً سريريّاً متطوّراً. وحافظ هؤلاء العلماء العرب على الروابط بين المؤسّسات العثمانية والشبكات العلمية الإسلامية الأوسع في دمشق وحلب والقاهرة وما وراءها.

المؤسّسات العلمية: بنية تحتية للمعرفة
المؤسّسات التعليمية تتطوّر بشكل منهجي
تطوّر التعليم العلمي العثماني عبر مراحل متميّزة. فالمدارس الدينية المبكّرة مثل إزنيق (1331) التي أسّسها أورخان بك ومجمّع الفاتح/صحن ثمن (1463-1470) لمحمّد الفاتح درّست العلوم العقلية (الرياضيات والفلك) إلى جانب المواد الدينية. وأصبحت مدرسة علي القوشجي في صحن ثمن (سبعينيات القرن الخامس عشر) أوّل مركز رئيس مخصّص للعلوم الإسلامية التقليدية في الإمپراطورية العثمانية. وشمل مجمّع السليمانية (1550-1557) مستشفيات ومدارس طبّية ومدارس دينية بمناهج منهجية تجمع التعليم النظري مع الممارسة الطبّية في المستشفيات.
وأنشأت فترة التحديث مؤسّسات على النمط غرب الأوروپي. فدرّبت مدرسة المهندسين البحريّين الإمپراطورية (مهندسخانه بحر همايون، 1773) بنّائي السفن ورسّامي الخرائط، لتصبح لاحقاً جامعة إسطنبول التقنية. ووفّرت مدرسة الهندسة العسكرية الإمپراطورية (مهندسخانه برّي همايون، 1795) تحت سليم الثالث تعليماً هندسيّاً حديثاً. واستخدمت مدرسة الطبّ البحري (ترسانه طبّيسي، 1806) نصوصاً إيطالية وفرنسية، مدرّسة الطبّ غرب الأوروپي الحديث. وأسّست المدرسة الطبّية الإمپراطورية (طبخانه عامره، 1827) التي أسّسها بهجت أفندي الطلّاب المسلمين بالفرنسية في البداية، وفُتحت لغير المسلمين بعد 1839، وأسّست فرعاً مدنياً (مكتب طبّية ملكية، 1866) يدرّس بالتركية.
وتطوّر دار الفنون (بيت العلوم) عبر تكرارات عدّة. فدار الفنون العثماني (سبعينيات القرن التاسع عشر) ودار الفنون الشاهاني (1900) قدّما الرياضيات والعلوم الطبيعية والعلوم الدينية والأدب. وأضافت إعادة التنظيم عام 1909 القانون ووحّدت المدارس الطبّية العسكرية والمدنية. وأصبحت هذه جامعة إسطنبول عام 1933، مستمرّة مؤسّسة بحثية رائدة في تركيا. وأسّست الجمعية العلمية العثمانية (1861) التي أسّسها منيف پاشا “مجموعة الفنون” (المجلّة العلمية) – أوّل مجلّة علمية في الإمپراطورية العثمانية – معزّزة الخطاب العلمي والنشر.
المستشفيات تجمع بين العلاج والتدريس
وفّر نظام المستشفيات العثماني (دار الشفاء) الرعاية الصحّية المجّانية مع العمل مؤسّسات تعليمية. فمستشفى يلدرم بايزيد الأوّل دار الشفاء في بورصة (1400) عمل أربعمئة وخمسة وخمسين عاماً (1399-1854) بطاقم شامل: الطبيب الرئيس والجرّاحون والأطبّاء وطبيب العيون والصيدلي وموظّفو الدعم. وبنى مستشفى الفاتح دار الشفاء في إسطنبول (1470) محمّد الفاتح والمعماري آتيق سنان، وشكّل جزءاً من مجمّع مسجد الفاتح. وريادة مستشفى بايزيد الثاني دار الشفاء في إدرنه (1488) علاجات مبتكرة منها العلاج بالموسيقى والعلاج بصوت الماء والعلاج بالروائح العطرية والعلاج بالحرف اليدوية للاضطرابات العقلية والنفسية. وضمّت مدرسته الطبّية ثماني عشرة غرفة طالب وتعليماً نخبويّاً يدرس الفلاسفة اليونانيّين. وشمل المجمّع مستشفى ومدرسة طبّية دينية ومسجداً ودار ضيافة ومطبخاً وحمّاماً، عاملاً حتّى 1915 (الآن متحف الصحّة، جائزة المتحف الأوروپي للعام 2004).
وضمّ مستشفى السليمانية دار الشفاء ومدرسة الطبّ في إسطنبول (1556) أوّل مدرسة طبّية دينية مستقلّة بمنهج منهجي: دروس نظرية أربعة أيّام أسبوعياً، ممارسة في المستشفى يومين، يوم حرّ. ودرس ثمانية طلّاب التشريح ومواد أخرى، متخرّجين مؤهّلين للتدريس أو القضاء أو الممارسة الطبّية. واستمرّت هذه المؤسّسات في العمل حتّى منتصف القرن التاسع عشر عندما استبدلتها المدارس الطبّية الحديثة على النمط غرب الأوروپي. وجمع نموذج المستشفى-المدرسة الطبّية بين التدريب السريري والتعليم النظري، منتجاً أجيالاً من الأطبّاء المهرة الذين خدموا في أنحاء الإمپراطورية.
المراصد تعزّز المعارف الفلكية
مثّل مرصد إسطنبول (1577-1580) الذي أداره تقي الدين مع ستّة عشر موظّفاً إحدى أكبر المراصد قبل الحديثة، مجهّزاً بأدوات متفوّقة على أورانينبورگ لتيخو براهه. وبُني في طوپخانه برعاية السلطان مراد الثالث، وأنتج أرصاداً أدقّ من العمل الأوروپي المعاصر. وأُسّس مرصد قنديلي (رصدخانه عامره) لاحقاً كمحطّة أرصاد جوّية على النموذج الأوروپي، أداره صالح ذكي من 1895-1912، مواصلاً الأرصاد الفلكية والجيوفيزيائية حتّى القرن العشرين.
ووُجدت بيوت الموقّتين (موقّتخانه) في ساحات المساجد في أنحاء الإمپراطورية، خاصّة بعد 1453. ومكّنت هذه المباني العامّة من حساب أوقات الصلاة عبر الرصد الفلكي، منشئة شبكة موزّعة من الفلك العملي. وأُسّس مكتب كبير الفلكيّين (منجّمباشي) في أواخر القرن الخامس عشر/أوائل القرن السادس عشر، وأشرف على النشاطات الفلكية حتّى إلغائه عام 1924. وحافظت هذه المؤسّسات على التقاليد الفلكية حتّى في فترات واجهت فيها المراصد الكبرى معارضة سياسية، ضامنة استمرار الخبرة.
العربية لغة العلوم حتّى القرن التاسع عشر
المرحلة الكلاسيكية الأولى (1299-1566)
استمراراً لهيمنة اللّغة العربية لغة علمية بين المسلمين، هيمنت العربية لغة التواصل العلمي العثماني-الإسلامي، ثم دمجت تدريجيّاً المزيد من التركية من القرن السادس عشر. في هذه الفترة:
- الفلك والرياضيات: كان العمل العربي الرئيس لعلي القوشجي “الفتحية في علم الهيئة” (أُهدي لمحمد الفاتح عام 1473) إلى جانب كتبه الاثني عشر في الرياضيات والفلك.
- التأليف متعدّد اللّغات: ألّف مصطفى بن علي الموقّت أربعة وعشرين عملاً استثنائيّاً (ثلاثة بالعربية، وواحد وعشرون بالتركية)، رائداً استخدام اللّغة التركية العثمانية في الكتابة العلمية بدلاً من العربية
فترة التحوّل (1566-1789)
استمرّ التوازن بين العربية والتركية، مع أمثلة مثل: نشرت مطبعة إبراهيم متفرّقة بين 1729-1743 سبعة عشر عنواناً في ثلاثة وعشرين مجلّداً بالتركية والعربية

فترة “الإصلاح” (1789-1922)
بعد حقبة الانقلابات والتدخّل الروسي ثمّ الحرب المصرية العثمانية، سيطرت الفرنسية في القرن التاسع عشر على التعليم العلمي الحديث في حين خدمت التركية الوصول الأوسع. لكن العربية ظلت مهمة في المصطلحات العلمية والتشريح. إذ أنشأ خوجه إسحاق أفندي مصطلحات علمية عربية استُعملت في تركيا حتى ثلاثينيّات القرن العشرين وفي البلدان العربية بعدها. واستخدم شانیزاده المصطلحات العربية مع مكافئات تركية ويونانية ولاتينية
التقدير الكمّي
بناءً على المعطيات، يمكن تقدير نسبة النتاج العلمي بالعربية وفق التالي:
- القرن 14: حوالي 85٪ عربية، 15٪ تركية وفارسية.
- القرنان 15-16: حوالي 60-70% عربية، 30-40% تركية.
- القرنان 17-18: حوالي 40-50% عربية، 50-60% تركية وأخرى.
- القرن 19-أوائل 20: حوالي 15-25% عربية، مع هيمنة الفرنسية والتركية.
أظهر تطوّر اللّغة آفاقاً علمية متغيّرة. بدأت العربية مهيمنة لغة العلم الإسلامي تقليديّاً، ثم تراجعت تدريجيّاً أمام التتريك في القرنين 16-17، ثم أمام الفرنسية في القرن 19، لكنّها حافظت على دور مهم في المصطلحات والنصوص الدينية-العلمية حتى نهاية الإمبراطورية.
النسبة الإجمالية عبر الفترة الكاملة (1299-1922): تقريباً 40-45% من النتاج العلمي كان بالعربية أو يتضمّنها بشكل كبير.

التوليف والإرث: ستّة قرون من الإنجاز العلمي
امتدّت المنشأة العلمية للإمپراطورية العثمانية على اتّساع استثنائي – من حسابات پي لقاضيزاده الرومي في القرن الخامس عشر إلى برامج صحّة الأمّ لبسيم عمر في القرن العشرين، ومن پروتو-تلسكوپ تقي الدين إلى جبر الرباعيات لحسين توفيق، ومن أطلس الجراحة المصوّر لشرف الدين صابونجي أوغلو إلى المدارس الطبّية الحديثة التي خرّجت الآلاف. واستند هذا الإنجاز إلى عدّة أسس.
أثبت التنوّع الإثني والديني أساسيّته. فعمل علماء أتراك وعرب ويونانيّون وأرمن وفرس وبوسنيّون وغيرهم بشكل تعاوني، جالبين تقاليد ومنظورات مميّزة. وأظهر النظام الجداري العثماني – حيث استطاع متحوّل مجري (متفرّقة) تأسيس أوّل مطبعة عربية، وسلالة طبيب يهودي (عائلة حامون) خدمة أربعة أجيال من السلاطين، وأساتذة يونانيّون سيطروا على التعليم الطبّي، وطبيب أرمني (أميردوڤلات أماسياتسي) أصبح جرّاحاً رئيساً – انفتاحاً مؤسّساتياً عزّز التميّز. وأصبح الطلّاب غير المسلمين أكثرية في المدارس الطبّية ما بعد 1839 بسبب مهارات لغوية غرب أوروپية وتعليم متفوّقين، معجّلين التحديث.
ووفّرت رعاية المؤسّسات من السلاطين دعماً حاسماً. فدعا محمّد الفاتح علي القوشجي من سمرقند، وكلّف بترجمات پطليموس، ورعى المعماريّين والأطبّاء. ودعم بايزيد الثاني المستشفيات والمدارس الطبّية. وبنى سليمان القانوني مجمّعات ضخمة تضمّ منشآت تعليمية وصحّية. ومّول مراد الثالث مرصد إسطنبول. وبدأ سليم الثالث ومحمود الثاني تحديث العسكرية والطبّ. وبنى عبد الحميد الثاني حرم حيدرپاشا الطبّي الرائع. وأنشأ هذا الاستثمار السلطاني المستمرّ بنية تحتية مكّنت من نشاط علمي مستدام عبر القرون.
وميّز توليف التقاليد المعرفية العلم العثماني. فجمع العلماء الأوائل بين التقاليد الرياضية الفلكية من سمرقند وأساليب مرصد مراغة والمعارف اليونانية الرومانية الكلاسيكية. ودمجت الفترات اللّاحقة الطبّ الكيميائي الپاراچيلسي والخرائط غرب الأوروپية والعلوم التجريبية الحديثة مع الحفاظ على المقاربات العلمية العربية الإسلامية. والتمس العلماء العثمانيون بنشاط الخبرة الأجنبية – داعين أساتذة غرب أوروپيّين، مرسلين طلّاباً إلى پاريس وڤيينا، مترجمين أعمالاً علمية فرنسية وألمانية – مع التكيّف بدلاً من النسخ الأعمى. وأنتج هذا مقاربات عثمانية مميّزة للطبّ والهندسة والعلوم التطبيقية.
وميّز التوجّه العملي العلم العثماني. فأنشأ الريّس پيري أدلّة ملاحية خدمت الأساطيل العثمانية قروناً. وطوّر مصطفى بن علي الموقّت أدوات ضبط وقت لأوقات صلاة دقيقة. ووفّرت قناطر سنان المائية الماء لسكّان إسطنبول المتزايدين. ودرّبت المدارس الطبّية أطبّاء عالجوا مرضى مستشفيات مجّانيّين. وجعل هذا التركيز على حلّ المشكلات الحقيقية العلم ذا قيمة اجتماعية، وحافظ على الدعم المؤسّساتي حتّى خلال الفترات الصعبة سياسيّاً.
وعكس تطوّر اللّغة آفاقاً علمية متغيّرة. فهيمنة العربية المبكّرة (لغة التواصل العلمي الإسلامي) دمجت تدريجيّاً المزيد من التركية ابتداء من القرن السادس عشر حيث ريادة علماء مثل مصطفى بن علي الموقّت الكتابة العلمية بالعامّية. وسيطرت الفرنسية في القرن التاسع عشر على التعليم العلمي الحديث في حين خدمت التركية الوصول الأوسع. ويسّرت هذه التعدّدية اللّغوية نقل المعرفة عبر الحضارات، حيث تنقّل العلماء بطلاقة بين مصادر عربية وفارسية وتركية ويونانية ولاتينية وفرنسية وألمانية.
شكّل الإرث العلمي العثماني بعمق تركيا الحديثة وأثّر على تفاعل العالم الإسلامي الأوسع مع العلم الحديث. فتطوّرت المدرسة الطبّية الإمپراطورية إلى كلّية الطبّ بجامعة إسطنبول. وأصبحت مدارس الهندسة البحرية والعسكرية جامعة إسطنبول التقنية. وأسّست المفردات التي أنشأها إسحاق أفندي وشانیزاده المصطلحات العلمية المستخدمة اليوم. وأثّرت المقاربات المنهجية الجامعة بين الرصد التجريبي والصرامة النظرية على الأجيال اللّاحقة. واستمرّ تقليد المؤسّسات العلمية المدعومة من الدولة والتقدّم الجداري في الجمهورية.
وثّق هذا البحث أكثر من مئة وخمسين عالماً مسمّى عبر كلّ الفترات (1299-1922) والحقول (الفلك والرياضيات والطبّ والجراحة والصيدلة والهندسة والعمارة والخرائط والجغرافيا والبصريات والفيزياء والميكانيكا والكيمياء والتاريخ الطبيعي والنبات)، من كلّ المجموعات الإثنية الرئيسة (تركية وعربية ويونانية وأرمنية وفارسية وبوسنية ومجرية)، شاملاً كلّاً من العلم العربي الإسلامي التقليدي وفترات التحديث المتأثّرة بغرب أوروپا. ونالت البنية التحتية المؤسّساتية والأعمال الرئيسة والإنجازات المحدّدة توثيقاً مفصّلاً مع توفير التواريخ والتخصّصات والسياق التاريخي لكلّ شخصية.
أظهر هذا التقليد العلمي الممتدّ ستّة قرون أنّ المجتمعات التعدّدية المعانقة للمواهب المتنوّعة، المحافظة على الدعم المؤسّساتي، المزجة للمعارف من مصادر متعدّدة، المركّزة على التطبيقات العملية، تستطيع تحقيق التميّز المستدام عبر الأجيال. ويقدّم المثال العثماني دروساً قيّمة حول كيفية ازدهار المجتمعات العلمية عبر الانفتاح والرعاية وحلّ المشكلات الپراگماتي بدلاً من الجمود الأيديولوجي.

أبرز المنجزات العلمية العثمانية
مرتّبة حسب الأهمية والأثر
الفلك والرياضيات
- تقديم أدلّة تجريبية على دوران الأرض قبل كوپرنيكوس بعقود (علي القوشجي)
- أوّل استخدام للكسور العشرية في الأرصاد الفلكية، بدقّة فاقت كوپرنيكوس وتيخو براهه (تقي الدين)
- بناء مرصد إسطنبول (1577-1580) بأدوات متفوّقة على مرصد تيخو براهه الأوروپي
- حساب قيمة پي إلى تسعة أرقام عشرية (قاضيزاده الرومي)
- أوّل عمل في العالم الإسلامي حول الجبر الخطّي والرباعيات عام 1882 (حسين توفيق پاشا)
الميكانيكا والاختراعات
- اختراع التوربين البخاري عام 1551، قبل أوروبا بـ78 عاماً (تقي الدين)
- صناعة ساعات ميكانيكية دقيقة تقسّم الدقائق إلى فترات خمس ثوان (تقي الدين)
- تصميم مضخّة الأسطوانات الستّ بتقنية متقدّمة لخلق الفراغ الجزئي (تقي الدين)
الجراحة والطب
- أوّل تصوير في التاريخ الطبّي لنساء جرّاحات يُجرين عمليات نسائية عام 1465 (شرف الدين صابونجي أوغلو)
- كتاب الجراحية الخانية بـ138 لوحة ملوّنة لـ156 عملية جراحية متقدّمة (شرف الدين صابونجي أوغلو)
- تقنيات رائدة مثل ربط الشريان الصدغي وفتح القصبة الهوائية وإزالة سرطان الثدي المبكّرة (شرف الدين صابونجي أوغلو)
- أوّل اختبار للعلاجات على الحيوانات ثمّ على النفس قبل المرضى (شرف الدين صابونجي أوغلو)
- أوّل كتاب تشريحي حديث مصوّر بين عامي 1816 و1827 (شانیزاده عطاء الله)
- فتح الكلّية الطبّية للفتيات عام 1922 (بسيم عمر پاشا)
المستشفيات
- توفير العلاج المجّاني للجميع بلا تمييز ديني (مستشفيات دار الشفاء)
- تشغيل مستشفى لمدة 455 عاماً متواصلة من 1399 إلى 1854 (مستشفى يلدرم بايزيد)
- علاج نفسي مبتكر بالموسيقى والماء والروائح عام 1488 (مستشفى بايزيد الثاني)
- أوّل مدرسة طبّية مستقلّة بمنهج منهجي عام 1556 (مستشفى السليمانية)
الخرائط والجغرافيا
- رسم أقدم خريطة تركية للأمريكتين عام 1513، دمجت فيها خريطة كولومبوس المفقودة (پيري ريّس)
- تأليف أشمل أطلس ملاحي للبحر المتوسّط بـ215 خريطة (پيري ريّس في كتاب البحرية)
- ريادة الجغرافيا الطوپوغرافية الوصفية (ماطراقچي ناصوح)
الهندسة المعمارية
- تقدّم الدرسة المعمارية ونشوء مذهب عمراني عثماني متميّز وجديد كلّيّاً. يتفوّق بالتطوّر على ما سبقه.
- تصميم 374 منشأة منها 92 مسجداً و55 مدرسة و3 مستشفيات و10 جسور (معمار سنان)
- بناء مسجد السليمية بقبّة يبلغ عرضها 31.28 متر باستخدام حلول إنشائية ثورية (معمار سنان)
- إنشاء نظام قرق چشمه المائي الممتدّ على 55 كيلومتر مع 35 جسراً مائياً (معمار سنان)
البصريات والفيزياء
- الكتابة عن تشكّل الألوان قبل نيوتن بقرنين (تقي الدين)
- ربّما أوّل وصف للتلسكوپ عام 1574، قبل گاليليو (تقي الدين)
الطباعة ونشر المعرفة
- تأسيس أوّل مطبعة بحروف عربية متحرّكة عام 1727 (إبراهيم متفرّقة)
- تأليف دليل نجا منه أكثر من 100 نسخة مخطوطة، وريادة الكتابة العلمية بالتركية (مصطفى بن علي الموقّت)
التعليم
- افتتاح أوّل كلّية طبّية حديثة عام 1827 درّبت آلاف الأطبّاء (المدرسة الطبّية الإمپراطورية)
- انتشار شبكة واسعة من المدارس الدينية التي درّست العلوم العقلية منذ القرن الرابع عشر
التنوّع والشمولية
- مشاركة علماء من كلّ القوميات والأديان في الإنتاج العلمي
- تحوّل غير المسلمين إلى أكثرية طلاب المدارس الطبّية بعد عام 1839
- جمع المعارف من سمرقند ومراغة واليونان وأوروپا والتقاليد العربية الإسلامية
أين استثنائية هذه المنجزات؟
- السبق الزمني: كثير من الإنجازات سبقت غرب أوروپا بعقود أو قرون
- الاستمرارية: ستّة قرون متواصلة من الإنتاج العلمي
- الشمولية: غطّت جميع المجالات العلمية الرئيسة
- التطبيق العملي: خدمت احتياجات المجتمع الحقيقية
- التنوّع: شارك فيها علماء من كلّ الخلفيات
- الأثر الدائم: المؤسّسات التي أُسّست ما زالت تعمل (جامعات، مستشفيات)
هذه ليست مجرّد “إسهامات متواضعة”، بل إنجازات حضارية كبرى تضع الإمپراطورية العثمانية في مصافّ الحضارات العلمية العظيمة.

المنارات العلمية للإمپراطورية العثمانية
لم تكن الإنجازات العلمية العثمانية مجرّد نتاج أفراد عباقرة أو سياسات حكيمة، بل كانت أيضاً ثمرة شبكة جغرافية من المراكز الحضرية التي تحوّلت إلى منارات علمية أضاءت طريق المعرفة ستّة قرون كاملة. إذ احتضنت مدن الإمپراطورية المترامية الأطراف مؤسّسات البحث والتعليم، واستقطبت العلماء من مختلف الأصول، وشكّلت عقد شبكة علمية ممتدّة من البلقان إلى الشام، ومن الأناضول إلى مصر. وتباينت هذه المراكز في تخصّصاتها وفتراتها الذهبية، لكنّها اشتركت جميعاً في توفير البيئة المؤسّساتية والفكرية الضرورية للإبداع العلمي.

القسطنطينية: العاصمة العلمية بلا منازع
وقفت القسطنطينية (إسطنبول بعد عام 1928) قلب المنظومة العلمية العثمانية بلا منافس. فبعد أن دعا محمّد الفاتح علي القوشجي من سمرقند حوالي عام 1470 لتأسيس مدرسة صحن ثمان المرموقة، أصبحت المدينة مركز الفلك والرياضيات الأوّل في الإمپراطورية. واحتضنت العاصمة مرصد إسطنبول الشهير (1577-1580) الذي أداره تقي الدين محمّد بن معروف مع ستّة عشر موظّفاً، وأنتج أرصاداً فلكية فاقت دقّة تيخو براهه وكوپرنيكوس. وبرغم تدميره المأساوي بالمدافع عام 1580، استمرّت المدينة مركزاً للفلك العملي عبر بيوت الموقّتين المنتشرة في ساحات مساجدها، وخاصّة عبر عمل مصطفى بن علي الموقّت الذي أحدث ثورة في ضبط الوقت من منصبه كبير للفلكيّين (1560-1571).
وفي مجال الطبّ، شهدت إسطنبول تطوّراً مؤسّساتياً استثنائياً. فمستشفى الفاتح دار الشفاء (1470) ومستشفى السليمانية دار الشفاء (1556) لم يوفّرا العلاج المجّاني فحسب، بل شكّلا مدارس طبّية متقدّمة جمعت التدريب السريري بالتعليم النظري. وحقّقت المدرسة الطبّية الإمپراطورية (طبخانه عامره، 1827) التي أسّسها مصطفى بهجت أفندي نقلة نوعية في التعليم الطبّي، فتحوّلت تدريجياً من مؤسّسة تدرّس بالفرنسية للمسلمين فقط إلى جامعة طبّية متعدّدة الأديان والقوميات شكّل فيها غير المسلمين الأكثرية بعد إصلاحات التنظيمات عام 1839. وجسّد حرم حيدرپاشا الرائع (افتُتح 1903) التزام العثمانيين بالتميّز الطبّي، مرمّزاً لطموح إسطنبول أن تكون عاصمة العلم الحديث في الشرق.
واحتضنت إسطنبول أيضاً أوّل مطبعة بحروف عربية متحرّكة يديرها مسلمون (1727)، أسّسها المتحوّل المجري إبراهيم متفرّقة، فأحدثت ثورة في نشر المعرفة ونقل العلوم غرب الأوروپية إلى القرّاء العثمانيين. كما شهدت تأسيس دار الفنون (ستّينيات-سبعينيات القرن التاسع عشر)، الجامعة العثمانية الحديثة التي تطوّرت عبر تكرارات عدّة لتصبح جامعة إسطنبول عام 1933. وأدار صالح ذكي بك، أوّل مؤرّخ تركي حديث للعلوم، أقسام الرياضيات والفيزياء والفلك فيها، وخدم رئيساً لها من 1913-1917، مجسّداً الدور المحوري للمدينة في التعليم العالي العثماني المتأخّر.
وأتاحت مكانة إسطنبول عاصمة سياسية وصول العلماء إلى رعاية السلاطين المباشرة. فخدم فيها أكبر الأطبّاء وكبار الفلكيّين وكبار المعماريّين، وتلقّى علماؤها الدعم المالي والمؤسّساتي الأكبر. واستقطبت المدينة مواهب من كلّ أنحاء الإمپراطورية: أتراكاً من الأناضول، وعرباً من الشام ومصر، ويونانيّين من الجزر، وأرمن، ويهوداً سفارديم أندلسيّين فارّين من الاضطهاد الإيبيري، وفرساً، ومتحوّلين من خلفيات مختلفة. وشكّل هذا التنوّع الاستثنائي بيئة فكرية خصبة سمحت بتلاقح الأفكار وتبادل الخبرات بين التقاليد المعرفية المختلفة.

بورصة: المهد المبكّر للعلوم العثمانية
قبل أن تستحوذ إسطنبول على الصدارة، أدّت بورصة دوراً محوريّاً في تأسيس التقاليد العلمية العثمانية المبكّرة. فمنها جاء قاضيزاده الرومي (صلاح الدين موسى بن محمود، حوالي 1364-1440)، الرياضي التركي الذي أصبح مديراً لمرصد سمرقند وشارك في تأليف زيج أولوغ بك الشهير، حاسباً قيمة پي إلى تسعة أرقام عشرية. وأسّست مدرسة إزنيق القريبة (1331) التي أنشأها أورخان بك تقليد تدريس العلوم العقلية (الرياضيات والفلك) إلى جانب المواد الدينية، واضعة حجر الأساس للتعليم العلمي المنهجي في الدولة الفتيّة.
وشهدت بورصة تأسيس مستشفى يلدرم بايزيد دار الشفاء (1400)، الذي عمل أربعمئة وخمسة وخمسين عاماً متواصلة (1399-1854) بطاقم طبّي شامل ضمّ الأطبّاء الرئيسين والجرّاحين وأطبّاء العيون والصيادلة. ومثّلت هذه المؤسّسة نموذجاً للرعاية الصحّية المجّانية والتدريب الطبّي استُنسخ في مدن عثمانية أخرى. وأتاحت مكانة بورصة عاصمة أولى للعثمانيّين (قبل نقل العاصمة إلى إدرنه ثمّ إسطنبول) تركّزاً مبكّراً للموارد المؤسّساتية والرعاية السلطانية، ممّا جعلها حاضنة أولى للنشاط العلمي العثماني برغم تراجع دورها النسبي لاحقاً.

أماسيا: مركز التميّز الطبّي والجراحي
بزغت أماسيا في الأناضول مركزاً متميّزاً للطبّ والجراحة، أنجبت أو احتضنت بعض أبرز الأطباء في التاريخ العثماني. فمنها جاء شرف الدين صابونجي أوغلو (1385-1468)، الجرّاح التركي الذي أنتج “الجراحية الخانية” (1465) – أوّل كتاب جراحي مصوّر في الأدب التركي الإسلامي، الذي ضمّ مئة وثمانية وثلاثين لوحة ملوّنة تصوّر مئة وستّاً وخمسين عملية جراحية باستخدام أكثر من مئة وستّة وخمسين أداة. وخدم صابونجي أوغلو أربعة عشر عاماً مديراً لمستشفى أماسيا دار الشفاء، مجسّداً التكامل بين الممارسة السريرية والبحث العلمي.
واحتضنت المدينة أيضاً أميردوڤلات أماسياتسي (1425-1496)، الجرّاح الرئيس وطبيب العيون الأرمني للسلطان محمّد الفاتح، الذي مزج الطبّ الأرمني بتقاليد يونانية وعربية ولاتينية في كتابه الشامل “عديم النفع للجاهلين”. وأظهر نجاح أماسيا في الطبّ كيف استطاعت مدن أناضولية صغيرة نسبياً – عبر مستشفياتها ورعاية الحكّام المحلّيّين – أن تنافس العواصم الكبرى في مجالات علمية محدّدة، مساهمة في اللّامركزية الصحّية للمنظومة العلمية العثمانية.

إدرنه: العاصمة الثانية والابتكار الطبّي
شكّلت إدرنه (أدريانوپل)، العاصمة العثمانية من 1365 إلى 1453، مركزاً علميّاً مهمّاً خاصّة في الطبّ والعمارة. وتجلّى ذلك بوضوح في مستشفى بايزيد الثاني دار الشفاء (1488) الذي ريادة علاجات مبتكرة للاضطرابات العقلية والنفسية شملت العلاج بالموسيقى والعلاج بصوت الماء والعلاج بالروائح العطرية والعلاج بالحرف اليدوية. وضمّت مدرسته الطبّية ثماني عشرة غرفة طالب وتعليماً نخبويّاً درس الفلاسفة اليونانيّين، وعمل المجمّع حتّى عام 1915، لينال لاحقاً (بصفته متحف الصحّة) جائزة المتحف الأوروپي للعام 2004.
وفي إدرنه أيضاً، أبدع معمار سنان تحفته مسجد السليمية (1568-1574) بقبّة عرضها 31.28 متراً، مظهراً حلوله الإنشائية الثورية للقباب المركزية الكبيرة عبر أنظمة دعائم وأنصاف قباب مبتكرة. ومثّلت المدينة، بموقعها الاستراتيجي على الطريق بين إسطنبول والبلقان، جسراً جغرافيّاً وفكريّاً ربط العاصمة بالمناطق غرب الأوروپية، مسهّلة تبادل المعارف والخبرات عبر الحدود الحضارية.

دمشق وحلب: الموروث العربي الإسلامي
حافظت المدن العربية الكبرى على دورها محاوراً علمية حيوية حتّى بعد انضمامها للإمپراطورية العثمانية عام 1516. فمن دمشق جاء تقي الدين محمّد بن معروف (1526-1585)، الموسوعي العربي الذي مثّل ذروة الإنجاز الفلكي العثماني، وأسّس مرصد إسطنبول، واخترع توربيناً بخاريّاً قبل النسخة الأوروپية بثمانية وسبعين عاماً، وكان أوّل من استخدم الكسور العشرية في الأرصاد الفلكية. وأظهر صعود تقي الدين كيف استمرّت الشام في إنتاج علماء من الطراز الأوّل بعد قرون من التقاليد العلمية العربية الإسلامية.
ومن حلب جاء صالح بن نصر الله ابن سلّوم (توفّي 1669/1670)، الذي أدخل الطبّ الكيميائي الپاراچيلسي إلى الإمپراطورية العثمانية بصفته كبير للأطبّاء تحت السلطان محمّد الرابع، محوّلاً الممارسات العلاجية عبر كتابه “غاية الإتقان”. ومثّلت دمشق وحلب حلقة وصل حيوية بين التقاليد الطبّية العربية الكلاسيكية والابتكارات العثمانية، محافظتين على الشبكات العلمية مع القاهرة والمراكز العربية الأخرى، ومسهّلتين انتقال المخطوطات والمعارف من المشرق العربي إلى الأناضول والعكس.

القاهرة: البوّابة العربية الأفريقية
برغم انضمامها المتأخّر نسبياً للإمپراطورية (1517)، حافظت القاهرة (عاصمة الخلافة قرنين ونصف) على مكانتها مركزاً علميّاً عربيّاً بارزاً، خاصّة في الطبّ والعلوم الدينية. فقد درس جلال الدين حجّي پاشا (توفّي 1417) – برغم أنّه سبق الفتح العثماني – العلوم العربية الإسلامية في الأزهر والطبّ في مستشفى قلاوون القاهري قبل العودة إلى الأناضول، مجسّداً الحركة التقليدية للطلّاب العثمانيين نحو المراكز العربية التعليمية العريقة. وأصبح كتابه “منتخب الشفاء” (1370) وأعماله الأخرى مراجع طبّية معتمدة في الإمپراطورية لأجيال.
واستمرّت القاهرة بعد الفتح العثماني في جذب العلماء وإنتاج المعرفة، خاصّة عبر مؤسّسات مثل الأزهر التي بقيت مستقلّة نسبيّاً وحافظت على تقاليدها التعليمية. ومثّلت المدينة بوّابة الإمپراطورية نحو أفريقيا والمحيط الهندي، مسهّلة تبادل المعارف الطبّية والفلكية والجغرافية مع هذه المناطق. كما شكّلت مركزاً لنسخ المخطوطات العلمية العربية وحفظها، ضامنة استمرارية التقاليد العلمية الإسلامية الكلاسيكية.

سمرقند: الإرث المشترك مع التيموريّين
برغم أنّ سمرقند لم تكن جزءاً من الأراضي العثمانية، شكّلت نقطة انطلاق حاسمة للعلوم العثمانية المبكّرة. فمنها جاء كلّ من قاضيزاده الرومي وعلي القوشجي، حاملين تقاليد مرصد سمرقند الفلكية الرياضية المتطوّرة التي أسّسها أولوغ بك.
وشكّل زيج أولوغ بك الذي شارك قاضيزاده في تأليفه مرجعاً أساسيّاً للفلكيّين العثمانيّين قروناً. ومثّلت هذه الهجرة العلمية نقل مباشر للمعرفة من عاصمة تيمورية إلى عاصمة عثمانية، مجسّدة الطابع الدولي للعلم الإسلامي في تلك الحقبة واستعداد العثمانيّين لاستقبال واستيعاب التقاليد العلمية المتقدّمة من مراكز أخرى.

المدن الأخرى: اللّامركزية العلمية
خلا المراكز الرئيسة، احتضنت مدن عثمانية أخرى نشاطاً علمياً متميّزاً. فديار بكر (آمد) أنجبت آگوپ خندانيان (1834-1899) الذي ألّف أوّل كتاب علوم جنائية في تركيا العثمانية. وڤيدين أنجبت حسين توفيق پاشا (1832-1901) الرياضي الذي أنتج أوّل عمل حول الجبر الخطّي والرباعيات في العالم الإسلامي. وأرتا في اليونان أنجبت خوجه إسحاق أفندي (حوالي 1774-1835) من عائلة متحوّلة يهودية، الذي ألّف أوّل كتاب شامل يعرض العلوم الحديثة في العالم الإسلامي.
ومثّلت هذه اللّامركزية العلمية قوّة للمنظومة العثمانية، إذ لم يكن الإنتاج العلمي محصوراً في العاصمة أو المدن الكبرى، بل امتدّ عبر شبكة واسعة من المراكز الحضرية من البلقان إلى الشام، من الأناضول إلى مصر. وأتاح هذا التوزيع الجغرافي استيعاب التنوّع الإثني والديني واللّغوي، وضمن استمرارية النشاط العلمي حتّى حين واجهت بعض المراكز تحدّيات سياسية أو اقتصادية.
الجغرافيا والمؤسّسات
تكشف خريطة المراكز العلمية العثمانية عدّة دروس قيّمة حول العلاقة بين الجغرافيا والإنتاج المعرفي.
- أوّلاً، أنّ التركّز المؤسّساتي في العواصم (بورصة، إدرنه، ثمّ إسطنبول) وفّر الموارد والرعاية الضروريّتين للمشاريع العلمية الكبرى مثل المراصد الفلكية والمدارس الطبّية والجامعات.
- ثانياً، أنّ استمرارية المراكز العربية (دمشق، حلب، القاهرة) في الإنتاج العلمي بعد الفتح العثماني أظهرت قدرة الإمپراطورية على دمج التقاليد المحلّية العريقة بدلاً من فرض نمط واحد مركزي.
- ثالثاً، أنّ ظهور مراكز متخصّصة (أماسيا في الجراحة، إدرنه في الطبّ النفسي) دلّ على التمايز الجغرافي الصحّي وإمكانية التميّز المحلّي في مجالات محدّدة.
- ورابعاً، أنّ الموقع الجغرافي أدّى دوراً في تحديد التوجّهات العلمية: فإسطنبول على تقاطع أوروپا وآسيا سهّلت التبادل مع غرب أوروپا، ودمشق وحلب على طرق التجارة الشرقية حافظتا على الروابط مع الشبكات العلمية العربية والفارسية، والموانئ البحرية سهّلت نقل الخرائط والمعارف الملاحية.
- وخامساً، أنّ اللّامركزية النسبية منعت انهيار المنظومة كلّها عند تدمير مرصد إسطنبول عام 1580، إذ استمرّ النشاط العلمي في مدن أخرى وفي مجالات أخرى.
تراث حضاري متعدّد المراكز
لم تكن الإمپراطورية العثمانية ذات مركز علمي واحد بل شبكة من المنارات المعرفية، كلّ منها ساهمت بطريقتها الخاصّة في بناء الصرح العلمي المشترك. فإسطنبول وفّرت الرعاية السلطانية والموارد المؤسّساتية الضخمة، وبورصة وضعت الأسس المبكّرة، وأماسيا وإدرنه تميّزتا في الطبّ والجراحة، ودمشق وحلب والقاهرة حافظت على التقاليد العربية الإسلامية العريقة، وسمرقند قدّمت الإرث الرياضي الفلكي التيموري، ومدن أصغر أنجبت عباقرة أفراداً أثروا المعرفة الإنسانية.
وأتاح هذا التوزّع الجغرافي للمنظومة العلمية العثمانية أن تستفيد من التنوّع الإقليمي، مستوعبة التقاليد اليونانية البيزنطية في الغرب، والعربية الإسلامية في الجنوب والجنوب الشرقي، والفارسية في الشرق، والأوروپية في الشمال. ومكّن تعدّد المراكز من استمرارية النشاط العلمي برغم التقلّبات السياسية، إذ حين تراجع مركز برز آخر. وعزّز التنقّل الحرّ للعلماء بين هذه المدن تبادل المعارف ونشر الابتكارات، منشئاً ديناميكية علمية حيوية.
وفي النهاية، يقدّم النموذج العثماني للمراكز العلمية المتعدّدة درساً قيّماً للمجتمعات المعاصرة: أنّ المركزية المفرطة قد تُضعف المنظومة العلمية، وأنّ التنوّع الجغرافي يثري الإنتاج المعرفي، وأنّ احترام التقاليد المحلّية مع دمجها في إطار أوسع يُنتج تآزراً حقيقياً، وأنّ الانفتاح على المعارف الخارجية من مختلف الاتّجاهات يضمن التجدّد المستمرّ. فالمنارات العلمية العثمانية، المنتشرة من البلقان إلى مصر، من الأناضول إلى الشام، لم تكن مجرّد مدن بل عُقد شبكة معرفية حيوية أضاءت العالم ستّة قرون، وتركت إرثاً علمياً ومؤسّساتياً لا يزال يُشكّل هوية المنطقة حتّى اليوم.
المراجع والمصادر
- İhsanoğlu, Ekmeleddin, et al. (1997). Osmanlı Astronomi Literatürü Tarihi (OALT) [History of Astronomy Literature During the Ottoman Period]. Vol. 1. Istanbul: IRCICA.
- İhsanoğlu, Ekmeleddin, et al. (1999). Osmanlı Matematik Literatürü Tarihi (OMLT) [History of Mathematical Literature During the Ottoman Period]. Vol. 1. Istanbul: IRCICA.
- İhsanoğlu, Ekmeleddin (2004). Science, Technology and Learning in the Ottoman Empire: Western Influence, Local Institutions, and the Transfer of Knowledge. Aldershot: Ashgate Publishing Company.
- Hoffmann, Dieter; İhsanoğlu, Ekmeleddin; Djebbar, Ahmed & Günergun, Feza (eds.). Science, Technology, and Industry in the Ottoman World, Volume 6 of Proceedings of the XXth International Congress of History of Science. Turnhout: Brepols Publishers.
- Ragep, F. Jamil (2005). “Ali Qushji and Regiomontanus: Eccentric Transformations and Copernican Revolutions”. Journal for the History of Astronomy, 36(4): 359-371.
- İhsanoğlu, Ekmeleddin (2023). “Ali Al-Qushji and His Contributions to Mathematics and Astronomy”. Muslim Heritage. https://muslimheritage.com/ali-al-qushji-and-his-contributions-to-mathematics-and-astronomy/
- “Ali Qushji (1403-1474)”. MacTutor History of Mathematics Archive, University of St Andrews. https://mathshistory.st-andrews.ac.uk/Biographies/Qushji/
- Ayduz, Salim (2023). “Significant Ottoman Mathematicians and their Works”. Muslim Heritage. https://muslimheritage.com/ottoman-mathematician-works/
- Sayılı, Aydın (1960). The Observatory in Islam. Ankara: Turkish Historical Society, pp. 289-305.
- Tekeli, Sevim (1958). “Nasirüddin, Takiyüddin ve Tycho Brahe’nin Rasat Aletlerinin Mukayesesi” [Comparison of the Astronomical Instruments of Nasir al-Din, Taqi al-Din and Tycho Brahe]. Ankara Üniversitesi Dil ve Tarih-Coğrafya Fakültesi Dergisi, 16(3-4): 301-353.
- Tekeli, Sevim (1966). 16’ıncı Asırda Osmanlılar’da Saat ve Takiyüddin’in “Mekanik Saat Konstrüksüyonuna Dair En Parlak Yıldızlar” Adlı Eseri [Clocks in the Ottoman Empire in the 16th Century and Taqi al-Din’s Work on Mechanical Clock Construction]. Ankara: Ankara Üniversitesi.
- Ayduz, Salim (2019). “Taqi al-Din Ibn Ma’ruf: A Bio-Bibliographical Essay”. Muslim Heritage. https://muslimheritage.com/taqi-al-din-bio-essay/
- Tekeli, Sevim (2020). “The Instruments of Istanbul Observatory”. Muslim Heritage. https://muslimheritage.com/instruments-istanbul-observatory/
- Unat, Yavuz (2022). “Development of Astronomy in Ottomans”. Muslim Heritage. https://muslimheritage.com/development-of-astronomy-in-ottomans/
- Uzel, İlter (1992). Cerrahiyetü’l-Haniyye [Imperial Surgery]. 2 volumes. Ankara: Türk Tarih Kurumu Yayınları.
- Turgut, Mehmet (2007). “Illustrations of Neurosurgical Techniques in Early Period of Ottoman Empire by Şerefeddin Sabuncuoğlu”. Acta Neurochirurgica, 149: 1063-1069. https://link.springer.com/article/10.1007/s00701-007-1271-5
- Verit, Ayhan; Aksoy, Şahin; Kafali, Hüseyin; Verit, Fatma Ferda (2003). “Urologic Techniques of Serefeddin Sabuncuoğlu in the 15th Century Ottoman Period”. Urology, 62(4): 776-778.
- Verit, Fatma Ferda; Kafali, Hüseyin (2005). “The Oncologic Surgery of Serefeddin Sabuncuoglu in the 15th Century”. European Journal of Gynaecological Oncology, 26(3): 333-335.
- Sabuncuoğlu, Osman & Ayduz, Salim (2019). “The 15th Century Turkish Physician Serefeddin Sabuncuoglu Author of Cerrahiyetu ‘l-Haniyye”. Muslim Heritage. https://muslimheritage.com/serefeddin-sabuncuoglu-cerrahiyetu-l-haniyye/
- Ganidagli, Semih; Cengiz, Murat; Aksoy, Şahin; Verit, Ayhan (2004). “Approach to Painful Disorders by Serefeddin Sabuncuoğlu in the Fifteenth Century Ottoman Period”. Anesthesiology, 100(1): 165-169.
- Acar, H. Volkan (2019). “Sabuncuoğlu Şerefeddin’s Surgical Treatise Cerrahiyetu’l-Haniyye and Its Significance in the History of Turkish Medicine”. Sabuncuoglu Serefeddin Health Sciences, 1(1). https://dergipark.org.tr/en/pub/sshs/issue/48459/610899
- Ökte, Ertuğrul Zekai (ed.) (1988). Piri Reis: Kitab-ı Bahriye. 4 volumes. Istanbul: Ministry of Culture and Tourism of the Turkish Republic / The Historical Research Foundation Istanbul Research Center.
- Goodrich, Thomas D. (2000). “A Cartographic Innovation of Piri Reis in his Kitab-ı Bahriye”. CIEPO XIV, pp. 201-210.
- Goodrich, Thomas D. (2004). “The 5658 Maps of the Kitab-ı Bahriye of Piri Reis”. In International Piri Reis Symposium, pp. 92-113. Istanbul.
- McIntosh, Gregory C. (2000). The Piri Reis Map of 1513. Athens: University of Georgia Press.
- Soucek, Svat (1994). “Piri Reis and Ottoman Discovery of the Great Discoveries”. Studia Islamica, 79: 121-142.
- “Piri Reis: A Genius 16th-Century Ottoman Cartographer and Navigator” (2019). Muslim Heritage. https://muslimheritage.com/piri-reis-16th-c-cartographer-navigator/
- Afetinan, Ayşe (1992). Piri Reis’in Hayatı ve Eserleri [Piri Reis’s Life and Works]. Ankara: Turkish Historical Society Press.
- Kuran, Aptullah (1987). Sinan: The Grand Old Master of Ottoman Architecture. Washington, DC: Institute of Turkish Studies.
- Necipoğlu, Gülru (2005). The Age of Sinan: Architectural Culture in the Ottoman Empire. London: Reaktion Books.
- Crane, Howard (1987). “The Ottoman Sultan’s Mosques: Icons of Imperial Legitimacy”. In Irene A. Bierman, Rifa’at A. Abou-El-Haj, and Donald Preziosi (eds.), The Ottoman City and Its Parts, pp. 173-243. New Rochelle: Aristide D. Caratzas.
- Shefer-Mossensohn, Miri (2009). Ottoman Medicine: Healing and Medical Institutions, 1500-1700. Albany: SUNY Press.
- Ünver, A. Süheyl (1938). “İstanbulun Zabtından Sonra Türklerde Tıbbî Tekâmüle Bir Bakış” [A Look at Medical Development Among Turks After the Conquest of Istanbul]. Vakıflar Dergisi, 1: 71-81.
- Ünver, A. Süheyl (1966). “Osmanlı Türklerinde Hekimlik ve Eczacılık” [Medicine and Pharmacy Among Ottoman Turks]. Pharmacia, 6: 30-40.
- Yıldırım, Nuran (2010). A History of Healthcare in Istanbul. Istanbul: Istanbul 2010 European Capital of Culture Agency & Istanbul University Project Coordinators.
- Eldem, Edhem; Goffman, Daniel & Masters, Bruce (1999). The Ottoman City Between East and West: Aleppo, Izmir, and Istanbul. Cambridge: Cambridge University Press.
- Braude, Benjamin & Lewis, Bernard (eds.) (1982). Christians and Jews in the Ottoman Empire: The Functioning of a Plural Society. 2 volumes. New York: Holmes & Meier Publishers.
- Levy, Avigdor (ed.) (1994). The Jews of the Ottoman Empire. Princeton: Darwin Press.
- Sezgin, Fuat, et al. (2003). Wissenschaft und Technik im Islam [Science and Technology in Islam]. Band V. Frankfurt am Main: Johann Wolfgang Goethe-Universität.
- Hill, Donald R. (1996). A History of Engineering in Classical and Medieval Times. London: Routledge.
- Hassan, Ahmad Y. & Hill, Donald R. (1986). Islamic Technology: An Illustrated History. Cambridge: Cambridge University Press.
- Saliba, George (2007). Islamic Science and the Making of the European Renaissance. Cambridge, MA: MIT Press.
- Harley, J.B. & Woodward, D. (1992). The History of Cartography, Volume 2, Book 1: Cartography in the Traditional Islamic and South Asian Societies. Chicago: University of Chicago Press.





اترك رد