تفتح الأساطير القديمة نافذة فريدة على عقلية وثقافة الحضارات السابقة، وتمنحنا رؤى عميقة عن فهمهم للعالم المحيط بهم. تبرز أسطورة “إينومه إيلش” (حينما في الأعالي) كإحدى أهم وأشهر أساطير الخلق في التراث العربي.
هذه الملحمة البابلية، العائدة إلى ما يقارب 3700 عام، لا تزال تثير اهتمام الباحثين والمؤرّخين بما تحمله من معانٍ عميقة ورموز ثقافية غنية. يستكشف هذا المقال تفاصيل هذه الأسطورة، ويعرّف بشخصيّاتها الرئيسية، ويناقش أهمّيّتها التاريخية والثقافية، مع الإشارة إلى مكانتها بين أساطير الخلق الأخرى في المنطقة العربية.

واحدة من أقدم أساطير الخلق العربية هي أسطورة {إينومه إيلِش} 𒂊𒉡𒈠𒂊𒇺 (حينما في الأعالي). ونسختها التي وصلتنا مكتوبة بمسمارية العهد الأگّدي في القرن 18 ق.م، قبل حوالي 3700 سنة. وهي ببساطة تلخيص مرمّز لصراع الأديان والفلسفات العربية القديمة، الذي انتهى بسيادة المردوقية على بابل.
كانت هذه الأسطورة ذات أهمّيّة كبيرة في الديانة البابلية، وكانت تُتلى في احتفالات رأس السنة الجديدة لتجديد النظام الكوني وتأكيد سلطة الملك البشري {قِنگُ} كنائب مطيع للإله مَردُق على الأرض.
وبـ250 كلمة أختصر لك نصّ الأسطورة، التي تقول:

في البدء، كانت المياه الأولى تغمر كلّ شيء. ربّ الماء العذب {أبزُ}، والآلهة الكبيرة {تيامَت}، ربّة الماء المُرّ، شكّلا معاً المحيط الأزلي. في هذا الهدوء البدائي، لم يكن هناك أرض ولا سماء، ولم تكن الآلهة الأخرى قد وُلدت بعد.
بمرور الزمن، ومن امتزاج ماء {أبزُ} بماء {تيامَت} نشأت الآلهة الأصغر داخل هذا المحيط الأزلي، ومعهم بدأت الحياة تتحرّك. بوجود هذه الآلهة الجديدة اضطرب الهدوء الأزلي، فانزعج {أبزُ} وسعى للتخلّص منهم ليعود الهدوء إلى عالمه. وبينما هو يهمّ بتنفيذ خطّته، أدرك ربّ الحكمة {إيٓ} خطرها.
{إيٓ} تمكّن بحيلة من إسقاط {أبزُ} عن العرش وإدخاله في نوم أبدي، ومن ثمّ بنى {إيٓ} معبده على جسد {أبزُ} واتّخذه مقرّاً. بعد فترة، وُلد لـ{إيٓ} ابنه {مَردُق}، ربّ قوي ازدادت قوّته بسرعة، وأصبح مصدر أمل للآلهة الأخرى.
في هذه الأثناء {تيامَت}، التي فقدت خليلها، كانت تغلي غضباً تريد الانتقام، فخلقت جيوشاً من الوحوش لمواجهة الآلهة الشابة وجعلت عليها {قِنگُ} قائداً عامّاً. وتحوّلت هي نفسها إلى تنّين ضخم ينفث النار وذو شفرات.
التأمت الآلهة بمجمع في خوف واختارت {مَردُق} ليقودهم في هذه المعركة الفاصلة. فطالب {مَردُق} بالسيادة المطلقة إذا ما انتصر. ووافقت الآلهة على مطلبه، وأعطته القوّة الكاملة.
بدأت المعركة، وتصدّى {مَردُق} لـ{تيامَت} وجيشها. بروحه الشجاعة وقوّته الهائلة، ونجح بهزيمتها وشطرها نصفين. ومن جسدها المشطور خلق السماء والأرض، وأقام النظام في الكون. صنع النجوم والكواكب، وحدّد لكلّ منها مسارها. ووزّع المهام والأدوار على آلهة المجمع. وبتوزيع الأدوار على الآلهة الأخرى، أسّس {مَردُق} عالماً متكاملاً.
بعد انتصاره أصبح {مَردُق} سيّد الآلهة، واتّخذ مكانه كإلهٍ رئيس للسماء والأرض، مُنظِّماً للنظام الكوني الذي نعرفه اليوم. ثمّ ذُبح {قِنگُ} وخلقت من دمه البشر لخدمة الآلهة. وتنتهي الأسطورة بتمجيد {مَردُق} وتعداد أسمائه الخمسين، التي تمثّل صفاته وقوّته كخالق للكون ومنظّم له.

أسطورة {إينومه إيلِش} (حينما في الأعالي) جميلة وتستحقّ التجسيد في مسرحيّات مدرسيّة، تماماً كما كانت العرب تعيد تمثيل فصول المسرحية في باحات المعابد والمسارح في مناسبات موسميّة كلّ سنة. فهي تحيي التراث الثقافي القديم للمنطقة وتجسّد معتقدات وقيم أسلافنا العرب التي ساقتنا إلى معتقداتنا المعاصرة. هذا يساعد الأجيال الجديدة على فهم جذور ثقافتهم. وهي تحمل دروساً وعبراً عن الحكمة والشجاعة والنظام.
كما أنّها تعزّز الهويّة الوطنية في المجتمعات الوريثة للثقافات العربية القديمة، ممّا يولّد شعوراً بالمسؤولية تجاه الحفاظ على التراث. وتطوّر مهارات الطلاب في العمل الجماعي والتعبير الشفهي والتفكير النقدي. وتعكس جوانب عميقة من الطبيعة البشرية مثل الصراع بين النظام والفوضى، ممّا يمنح الطلّاب منظوراً أعمق للحاضر والمستقبل. وباختصار، إعادة تمثيل هذه الأسطورة أداة قويّة لتعميق الوعي الثقافي وربط الأجيال الجديدة بتاريخهم بطريقة حيوية ومؤثرة.

بكلّ حال، شخصيّات الأسطورة جميعاً هم:
مَردُق 𒀭𒀫𒌓𒌋𒁯 هو نفسه {مردوخ} و {مردوق} و {ذأمَرُتُ} و {أما-أُت}. هو بطل الأسطورة وأهمّ الآلهة. بعد اختياره من قبل الآلهة لمواجهة {تيامَت}، انتصر عليها وأصبح الإله الرئيس للعالم. وقهر الفوضى والأنانية وغلّب الحياة، وأسّس النظام الكوني بعد هزيمته لتيامت وخلق السماء والأرض من جسدها. بفضل شجاعته وقوّته، تولّى سيادة الآلهة وأصبح الإله الأعلى في بابل.
تيامَت 𒀭𒋾𒀀𒁹𒌓 هي نفسها {تهامة} و {ذتِامَت}. هي الإلهة الأولى للماء المرّ، أي المالح، والمصدر البدائي لكل شيء في الكون. عندما غضبت على الآلهة الشابة لمقتل {أبزُ}، خلقت وحوشاً مرعبة وجيوشاً لمواجهتهم. تجسّد {تيامت} قوى الفوضى والخراب، وتحوّلت إلى تنّين هائل في المعركة النهائية مع {مَردُق}.
أبزُ 𒍪𒀊 هو نفسه {أپسو} و {آب-سوپ}. هو إله الماء العذب وأحد الآلهة الأولى في الكون. عبّر عن استيائه من الآلهة الشابة بسبب فوضى ضجيجهم واضطراباتهم، وقرّر القضاء عليهم ليعيد الهدوء لعالمه. {إيٓ} أبُ {مَردُق}، نجح في إحباط خطته وقتله، مما أثار غضب تيامات.
إيٓ 𒀭𒂗𒆠 هو نفسه {إنكي} و {ذإينكِ} و {ذإيّي} و {إيا}. هو إله الحكمة والمياه العميقة، ووالد {مَردُق}. استخدم حكمته في خداع {أبزُ} ومنعه من تنفيذ خطّته إبادة الحياة، كما أدّى دوراً رئيسيّاً في ولادة {مَردُق} وتنشئته. بنى {إيٓ} معبداً له فوق جسد {أبزُ} النائم، لذا احتوى {إيٓ} حكمة الكون كلّها.
أنُ 𒀭𒀭 هو نفسه {ذأن} و {أنو} و {نَو}. هو إله السماء ورأس الآلهة في الجيل الأوّل من الآلهة. لم يؤدّ دوراً مباشراً في الصراع مع {تيامَت}، لكنّه إحدى الآلهة الذين اعترفوا بقوّة {مَردُق} وقدّموا له دعمهم ليصبح زعيماً للآلهة بعد انتصاره. اسم العاصفة “النوّة” مشتقّ من اسمه.
إينلِل 𒀭𒂗𒆤 هو نفسه {إنليل} و {ذينليل} و {ذِنلِل} و {ذو النون}. هو إله الهواء والأرض والملك السابق للآلهة قبل {مَردُق}. في الأسطورة دوره في دعم {مَردُق} بإقرار سلطته. تاريخه كإله رئيس سابق جعله شخصية مرجعية في تأكيد مكانة {مَردُق} بعد انتصاره.
قِنگُ 𒆥𒃲𒄖 هو نفسه {كِنغو} و {كِنگُ} و {قِنجُ} و {قييُّ} و {قيّن}. هو القائد الذي اختارته {تيامت} لقيادة جيوشها في المعركة ضدّ الآلهة. أعطته {ألواح القدَر}، ممّا منحه سلطة على الكون. بعد هزيمة {تيامت}، أُسر {قِنگُ} وأخذت منه الألواح، وضُحّي به من قبل الآلهة واستخدم دمه لخلق البشر.
لَحْمُ 𒆦𒄭𒈬 هو نفسه {لَخمُ} و {لامُ}. وهو إحدى الآلهة الأولى الذين وُلدوا من امتزاج ماء {تيامت} و{أبزُ}. دوره في الأسطورة ليس بارزاً بشكل مباشر، لكنّه يمثّل الجيل الأول من الآلهة الذين شهدوا صراع الآلهة الشابة مع تيامت. لاحقاً، صار {لَحْمُ} غذاء البشرية.
لَحَمُ 𒆦𒄭𒈠𒈬 هي نفسها {لَخَمُ} و {لَحْ-أمُ} و {لَحَمُو}. هي شقيقة {لَحْمُ} وإحدى الآلهة الأولى. مثل {لَحْمُ}، ليس لها دور مركزي في أسطورة {إينومه إيلِش}، لكنّها تمثّل جزءاً من الجيل الأول للآلهة الذين جاؤوا من امتزاج ماء {تيامت} و {أبزُ}. ولها مدينة {بيت لحم} في فلسطين وكان فيها معبدها الرئيس.
أنشَر 𒀭𒊹𒋛 هو نفسه {أشَّر} و {ذَنشّر} و {أشّا} و {أنشا} و {آشور}. هو حفيد {تيامت} و {أبزُ}، ووالد {أنُ}. دوره يتمثّل في الدعوة للاجتماع بين الآلهة لمناقشة كيفيّة مواجهة تهديد {تيامت}، وقيادة الآلهة لاختيار {مردُق} ليقودهم في المعركة. مدينة آشور المقدّسة (الشرقاط) في محافظة صلاح الدين في الجزيرة العليا كُرّست له وكان فيها معبده الرئيس.
قِشَر 𒆧𒊹𒋛 هي نفسها {كِشَر} و {قيثار} و {گيتار} و {كِشا}. هي شقيقة {أنشَر} وزوجته، وتمثّل الجيل الثاني من الآلهة. دورها يكمن في الإشارة إلى استمرار السلالة الإلهية وفي تجسيد الاستقرار والنظام، لكنّها، مثل {أنشَر}، ليس لها دور بارز في الصراع نفسه.

وتجدر الإشارة إلى أنّ {إينومه إيلِش} 𒂊𒉡𒈠𒂊𒇺 (حينما في الأعالي) تعدُّ من أشهر أساطير الخلق القديمة المكتوبة بتفصيل عميق، لكنّها ليست الأقدم بين أساطير العرب والبشر كافّة. فالتاريخ يشير إلى كتابة {إينومه إيلِش} في القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد، إبّان العصر البابلي القديم. مع ذلك، قد تعود بعض عناصرها لزمن أبعد. ورغم أنّها ليست الأولى زمنيّاً، تبرز {إينومه إيلِش} واحدة من أهمّ أساطير الخلق وأكثرها تأثيراً في الشرق الأدنى القديم، وتركت بصمتها على العديد من الثقافات اللّاحقة في كلّ هذا العالم.
كذلك، توجد أساطير خلق سومريّة أسبق من {إينومه إيلِش}. العهد السومري يسبق العهد البابلي في منطقة ما بين النهرين، وأثّر بشكل كبير بثقافته. وأسطورة معبد رِدُ (إيرِدُ) 𒂍𒊕𒆠 (بيت الباني) السومرية هي على الأرجح أقدم من {إينومه إيلِش}. وتركّز على الإله إنكي (إنيّي)، المعروف أيضاً باسم {إيٓ} في العهد البابلي. وبعض الأساطير المصرية القديمة للخلق، كأسطورة المسلّة {يُنُ} 𓇋𓅱𓈖𓅱 المعروفة باسم هليوبوليس Heliopolis، قد تكون أسبق من {إينومه إيلِش}. لكن، هذا غير محقّق.
في أسطورة الخلق العربية القديمة “إينومه إيلش” 𒂊𒉡𒈠𒂊𒇺 نلاحظ أنّ المعبود مَردُوق كلّف الأرباب برعاية الحياة على الأرض وفي الكون، ثمّ خلق البشر من دم قِنگُ لخدمة الأرباب ولتسهيل مهمّاتهم في تنظيم الحياة، ومنع الفوضى. وليس للبشر حرّية ولا عليها مسؤولية.
وفي أسطورة “معبد رِدُ” (إيرِدُ) 𒂍𒊕𒆠 السومرية صنعت الأرباب البشر من الطين ثم سقاها ربّ الحكمة إنكي (إنيّي) بالمياه العذبة وعلّمها الأسماء كلّها، فنبتت فيها الحياة والمعرفة لمساعدة الأرباب في بناء المدن وتنظيم الحياة على الأرض، خدماً وعبيداً للأرباب.
أمّا في الإسلام فإنّ الله خلق الحياة على الأرض وفي السماء كلّها في خدمة البشر ومكرّسة فقط لحياة الإنسان وتسهيلها. والله خلق الإنسان من تراب ليجعله خليفة في الأرض. وعلّمه الأسماء كلّها، مع أنّ الله هو من يدير الحياة على الأرض. والإنسان مخيّر مسؤول عن قراراته.
العلاقة معكوسة بمقارنة الفهم العربي قبل الإبراهيمية وبعد المردوقية.
سابقاً كان الإنسان في خدمة الحياة على الأرض… وهذه غاية وجوده الوحيدة.
بعدها صارت الحياة على الأرض في خدمة الإنسان… وهذه غاية وجودها الوحيدة.

تتجاوز أسطورة “إينومه إيلش” كونها مجرّد قصّة خيالية عن نشأة الكون، فهي مرآة تعكس الفكر والثقافة والمعتقدات الدينية للحضارة البابلية القديمة. يقدّم سردها الملحمي للصراع بين القوى الكونية وانتصار النظام على الفوضى رؤية فريدة لفهم أسلافنا للعالم المحيط بهم.
تتعدّى أهمّيّة دراسة هذه الأسطورة وغيرها من الأساطير القديمة الجانب الأكاديمي لتشمل فهمنا لجذور ثقافتنا المعاصرة. يمكننا استكشاف هذه النصوص القديمة لتتبّع تطوّر الأفكار الدينيّة والفلسفية عبر العصور، وفهم كيفية تشكل المعتقدات والقيم التي نعرفها اليوم بشكل أعمق.
تبقى “إينومه إيلش” شاهداً حيّاً على عظمة الفكر العربي وقدرته على صياغة تفسيرات معقّدة للظواهر الطبيعية والوجودية. في عصرنا الحالي، مع تسارع وتيرة التغيير، تذكرنا هذه الأسطورة بأهمّيّة الحفاظ على تراثنا الثقافي وفهم جذورنا التاريخية. يمكننا بهذا الفهم بناء جسور بين الماضي والحاضر، واستلهام الحكمة من قصص أسلافنا لمواجهة تحدّيات المستقبل.
المراجع
- Black, J., & Green, A. (1992). Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia: An Illustrated Dictionary. University of Texas Press.
- Dalley, S. (2000). Myths from Mesopotamia: Creation, The Flood, Gilgamesh, and Others (Revised ed.). Oxford University Press.
- Foster, B. R. (2005). Before the Muses: An Anthology of Akkadian Literature (3rd ed.). CDL Press.
- Heidel, A. (1951). The Babylonian Genesis: The Story of Creation (2nd ed.). University of Chicago Press.
- Jacobsen, T. (1976). The Treasures of Darkness: A History of Mesopotamian Religion. Yale University Press.
- King, L. W. (2010). Enuma Elish: The Seven Tablets of Creation. Cosimo Classics.
- Kramer, S. N. (1961). Sumerian Mythology: A Study of Spiritual and Literary Achievement in the Third Millennium B.C. Harper & Brothers.
- Lambert, W. G. (2013). Babylonian Creation Myths. Eisenbrauns.
- Leick, G. (1998). A Dictionary of Ancient Near Eastern Mythology. Routledge.
- Stephanie Dalley. (1989). Myths from Mesopotamia: Creation, The Flood, Gilgamesh, and Others. Oxford University Press.





اترك رد