لطالما ثار في ذهني العجب حول السبب الذي دفع بدمشق لتتبنّى تسمية “الشام”، والتي تعود في الأصل إلى تعيين جغرافي عام يُطلقه العرب، وما كان مرتبطاً بمدينة معينة. وبعد بحث دقيق وتقصٍّ مُستفيض، اتّضح لي أن دمشق اعتمدت تسمية “الشام” خلال القرن الثاني عشر، وذلك بعدما أسس رجل تركي مملكة لنفسه ولأسرته وأطلق عليها اسم “الشام”، متّخذاً دمشق كعاصمة لها. والرجل التركي الذي أشرت إليه هو الأمير أبو منصور ظاهر الدين طغتكين، الذي كان أتابكاً لأمير جند الشام السلجوقي.
وأتابك عن ”أتا-بيگ“ كلمة تركية معناها ”مربّي الملك“. وطغتكين كان مربّي الملك دقّاق، وهذا الأخير هو أمير دمشق السلجوقي منذ 1095 شمس الملوك أبو نصر دقاق بن السلطان تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان، ومن بعد وفاة دقّاق سنة 1104 أسّس الأتابك طغتكين مملكته البورية.
هذه الخريطة تبيّن واقع الحدود السياسيّة بين ممالك سوريا ومصر سنة 1143، وتماماً قبل نهاية مملكة الرها الفرنچية ودولة شام البوريّة وضمّهما بالكامل إلى الدولة الزنگيّة؛ التي قامت بنقل عاصمتها إلى دمشق متغيرة باسم البلد إلى إمارة شام الزنگية.

على إثر الغزوة الصليبية الأولى وانفراط السلطنة السلجوقية؛ أنشأ التركمان مملكتهم في دمشق لتحكم ”جند الشام“ بعد استقلال ظاهر الدين طغتكين البوري بما تبقّى من مقاطعته السلجوقية سنة 1095، واستمرّت حتى زالت على يد الأتراك الزنگيّين سنة 1154.
وامتدّت حدود الإمارة البورية آنذاك من حمص شمالاً حتى تبوك جنوباً، وجاورها على الغرب مملكة بيت المقدس الفرنچية وعلى الشمال إمارة حلب الزنكية، وعلى الجنوب الحجاز. كانت لغة المملكة البورية الرسمية هي الفارسية (وراثة عن الدولة السلجوقية)، أمّا لغة الجيش والشعب فكانت التركية الأُغوزية (القزّية – الغزّية)، بينما كانت العربية لغة التعليم ولسان المثقفين. وكانت ديانة الدولة الرسمية هي الإسلام على مذاهب السُنَّة.
لمنح مملكتهم شرفيّة وقداسة وحقّاً بالوجود، استخرج البوريّون كلّ الأحاديث النبوية التي تتحدّث بفضل الشام، وطالما أنّ اسم إمارتهم كان الشام فقد كثّفوا هالة القدسية كلّها حول عاصمة ملكهم دمشق وصارت في الأعراف هي الشام المباركة.
خلال فترة حياة الدولة السلجوقية استعمل السلاجقة تقسيماً إدارياً جديداً واستخرجوا له منصباً تركياً هو ”شريف“ وشريف بالفارسية والتركية الأوغوزية معناها ”رئاسة“ و”أمارة“ و”عصمة“ من كلمة ”الإشراف“ العربية، التي استعملها السلاجقة كتسمية لعواصم الأقاليم الأكثر أهمّية في البلاد.
يوم استلم الأمير دقّاق بن ألب أرسلان إمارة إقليم الشام سنة 1095 صار على منصب ”شام شريف“ أي عاصمة الشام وصار هو بالتالي “شريف الشام”، ثمّ انتقل هذا اللّقب إلى أتابكه طغتكين مع تفرّده بالسلطة سنة 1104، ثمّ نسي الناس معناه فاستعمله ابنه ”تاج الملوك بوري“ في پروپگندا تثبيت ملكه أمام الزنگيين الأتراك والإسماعيلية العرب، واستغلّ المعنى العربي لكلمة شريف (من شرف)، وأمر خطباء صلاة الجمعة بالحديث عن ”الشام الشريفة“ دمشق، لتحريف المعنى.
هكذا صارت دمشق هي الشام، وهكذا أخذت لقبها ”شام شريف“ الذي استمرّ تتداوله الناس حتى نهاية السلطنة العثمانية. وقبل البوريّين لم يعرف العرب دمشق بأيّ صفة اعتبارية على مستوى دين الإسلام سوى أنّها كانت عاصمة للأسرة الأموية، دون أيّ ارتباط بكلمة شام.
سنة 1153 ضعفت مملكة شام البورية حدّ طلبها نزولها تحت الحماية الصليبية مقابل دفع جزية سنوية والسماح لمملكة بيت المقدس بإنشاء قواعد عسكرية داخل أراضي الشام. فغضب الناس على ”معين الدين أنر“ حاكم دمشق تحت عرش ”مجير الدين أبق البوري“ وكان معين الدين هو من مدّ العلاقات مع الصليبيّين.
في العام التالي زحف جيش الزنگيين على دمشق وقد خافوا سقوط الشام كلّها تحت ملك الصليبيّين، ففتح لهم سكان المدينة الباب الشرقي سلماً في ثورة شعبية أحرقوا فيها ممتلكات ”معين الدين أنر“ ونهبوا قصوره، ثمّ أعدمه الزنگيّون ومنحوا ”مجير الدين أبق البوري“ إمارة حمص. ثمّ نقلوه إلى إمارة الجزيرة فرفضها، ولجأ إلى بغداد وعاش فيها حتى وفاته سنة 1169.
بعد ضمّ الزنگيين لإمارة الشام نقلوا عاصمتهم من حلب إلى دمشق، وغيّروا اسم الإمارة الزنگية كلّها إلى إمارة الشام. ثمّ فتح الزنگيّون مصر الفاطمية سنة 1168 فغيّروا اسم الدولة إلى سلطنة الشام. ثمّ زالت سلطنة الشام بتحوّلها إلى المملكة الأيّوبية، وصارت مناطقها نيابات.
هكذا نرى، أن لولا قام الأمير البوري بتأسيس مملكة له في دمشق، لما صار من أسمائها الشام، ولبقي صفة دمشق الشام تمييزاً عن دمشق الغرب، دمشق الأندلس غرناطة.





اترك رد