العرق، ماء الحياة، أم الحياة، حليب الأسود، بنت العنب، العصير المعتّق، شراب الندامى، عرق المسطاح، مشروب مُسكِر تقليدي ذو جذور عميقة في التراث العربي، خاصّة في بلاد الشام. هذا المشروب الأبيض اللّون من مشروبات الراح والشمول، يتميّز بنكهته القويّة ورائحته المميّزة.
اخترعه الطبيب العراقي {جَابر بن حيّان بن عبد الله الكوفي الأَزْدِيُّ} الذي عاش في القرن الثامن وكان الأوّل في ذكر كلمة {العرق}. ثمّ طوّر على عمليّة التعريق طبيب عراقي آخر هو {أبو بَكر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن زَكَرِيّا الرَّازِيّ} لمّا كان رئيساً لأهمّ مشافي دمشق خلال القرن التاسع؛ وهو الذي وصف عمليّة تنقية المشروب بالتعريق أوّل مرّة.
يتكوّن مشروب العرق في سوريا ولبنان من العنب الأبيض أو الزبيب واليانسون والماء وأحياناً تُضاف نكهات أخرى مثل المستكة أو الهيل. أمّا مشروب العرق في العراق فيتكوّن من التمر واليانسون والمستكة والهيل والزعفران وماء الورد وجذور السوس والماء، وقد لا يتضمّن المشروب كلّ المنكّهات معاً.
وطريقة تحضيره تبدأ بتخمير العنب أو الزبيب أو التمر لإنتاج الكحول. ثمّ تقطير السائل المخمّر أوّل مرةّ. ثمّ تقطير السائل المخمّر ثاني مرةّ وهنا إضافة المنكّهات في أثناء عملية التقطير الثانية. ثمّ تكرار عمليّة التقطير مرّة ثالثة للحصول على النقاوة والنكهة المطلوبة. ثمّ تخفيف المشروب بالماء للوصول إلى نسبة الكحول المرغوبة (عادة بين 40% و60%).
العرق جزء أساسي من الثقافة الاجتماعية في العديد من البلدان العربية. يُشرب عادة مع المازات (المزّة) ويُعدّ مرافقاً مثاليّاً لأطباق الشواء. هذا المشروب يمثّل فنّ صناعة الخمور العربيّة ويظهر براعة الكيميائيّين والحرفيّين على مرّ الأجيال.
عرق سوري تقليدي

نصنع عرقاً سورياً تقليدياً من العنب واليانسون بطريقة التقطير المعروفة باسم “الكلكة”. تميزت هذه المشروبات عبر الأجيال بنكهة اليانسون المميّزة ولونها الشفاف الذي يتحوّل إلى اللّون الحليبي عند إضافة الماء إليها. نحتاج إلى دقّة عالية في التحضير للحصول على منتج عالي الجودة.
المقادير
- ١٠ كيلوغرام من العنب الطازَج (أو الزبيب)
- ٣ كيلوغرام من السكّر (اختياري حسب حلاوة العنب)
- خميرة طبيعية (أو خميرة نبيذ)
- ٣٠٠ غرام من اليانسون الشامي
- ماء نقي للتخفيف

طريقة التحضير
تنبيه هام: نتوخى الحذر الشديد خلال عملية التقطير لتجنب أي مخاطر. نرمي دائماً أول ١٠٠ مل من السائل المقطر لأنها تحتوي على كحول الميثانول الضار. نتيقّن من توفر تهوية جيدة في مكان التقطير ونحافظ على درجة حرارة مناسبة طوال العملية. نتحقق أيضاً من قانونية تحضير الكحول في المنطقة التي نعيش فيها.
١. نعد العنب للتخمير:
- نغسل العنب جيداً ونزيل السيقان.
- نسحق العنب في وعاء كبير نظيف دون كسر البذور لتجنب المرارة.
- نضيف السكر إذا كان العنب قليل الحلاوة.
٢. نخمر العصير:
- نترك العصير في وعاء كبير ونغطيه بقماش مسامي.
- نحرك الخليط يومياً مدة أسبوع.
- نترك الخليط مدة ٤٠-٩٠ يوماً في مكان دافئ ليتخمر بشكل كامل.
٣. نجهز آلة التقطير:
- ننظف جهاز التقطير (الكلكة) جيداً.
- نتحقّق من إحكام جميع الوصلات لمنع تسرب البخار.
٤. نقطر السائل المخمر:
- نصفي السائل المخمر من القشور والرواسب.
- نملأ وعاء التقطير (الدست) بالسائل المخمر ونضيف اليانسون.
- نسخن الخليط ببطء على نار هادئة.
- نرمي أول ١٠٠ مل من السائل المقطر.
- نجمع السائل المقطر في وعاء زجاجي نظيف.
- نستمر في التقطير مدة ٤ ساعات تقريباً.
٥. نعيد التقطير للنقاء:
- نعيد تقطير السائل الناتج مرة ثانية للحصول على نقاوة أعلى (اختياري).
٦. نخفف ونخزن العرق:
- نخفف العرق الناتج بالماء النقي للوصول إلى تركيز مناسب (عادة ٥٠-٥٥٪).
- نعبئ العرق في زجاجات محكمة الإغلاق.
- نخزن الزجاجات في مكان بارد ومظلم لمدة بضعة أسابيع على الأقل لتحسين النكهة.

طريقة الاستمتاع بالعرق
التقديم المثالي
نحضر كؤوساً صغيرة خاصة بالعرق (تسمّى الواحدة منها “كاس”) تتميّز بشكلها الزجاجي الشفاف. نصبّ كَمّيَّة قليلة من العرق في القاع (حوالي ثلث الكأس)، ثمّ نضيف الماء البارد بنسبة 1:2 (جزء عرق إلى جزئين ماء). ونلاحظ السحر يحدث أمام أعيننا حين يتحوّل لون المشروب من الشفّاف إلى الأبيض الحليبي بسبب تفاعل زيوت اليانسون مع الماء.
نضيف بعدها مكعّبات الثلج بكمّيّات معتدلة. ونراعي إضافة الماء قبل الثلج للحصول على مزيج متجانس دون تشكل طبقات غير مرغوبة على السطح.
أصول الشرب والمزّة
نتمتّع بالعرق على مهل، نرشفه ببطء ونتذوّق نكهته المميّزة. نقدّمه دائماً مع تشكيلة غنيّة من المزّة:
- مزّة باردة: نحضر أطباق الحِمِّص بطحينة، المتبّل، التبّولة، اللّبن الرائب بالخيار، الزيتون المتبّل باللّيمون والزعتر، وشرائح الجُبْن الأبيض.
- مزّة ساخنة: نجهّز صحون الكبّة المقلية، السجق، الرقاقات بالجبن، والبزورات المحمّصة بالملح والتوابل.
الجلسة المثالية
نختار مكاناً مفتوحاً ومريحاً في أمسيات الصيف، أو مكاناً دافئاً وحميميّاً في ليالي الشتاء. ونشارك العرق مع الأصدقاء والأحباب ضمن جلسات اجتماعية تمتدّ ساعات، نتبادل فيها الأحاديث والذكريات.
نوائم شرب العرق مع وتيرة تناول المزّة. نبدأ بالمزّة الخفيفة مع الجرعات الأولى، ثم ننتقل تدريجياً إلى الأطباق الأثقل مع تقدّم الجلسة.
نصائح خاصة
- نشرب الماء بين الحين والآخر للحفاظ على الترطيب والوقاية من السُكْر.
- نتناول الطعام قبل البَدْء بشرب العرق لتخفيف تأثير الكحول.
- نختار عرقاً عالي الجودة لتجنب الصداع في اليوم التالي.
- الجلسة تجرِبة اجتماعية وثقافية متكاملة، لا تقتصر على المشروب وحده.
نستمتع بالعرق جزء من تقليد عريق يجمع بين المذاق الفريد والتواصل الاجتماعي الحميم، ممّا يجعل جلسة العرق تجرِبة لا تُنس.




اترك رد