تتجلّى روعة التاريخ في تلك القصص المدهشة التي تربط بين الثقافات والحضارات عبر العصور. فمن رحم التفاعل الإنساني تولد إبداعات تتخطّى الحدود وتنسج خيوطاً متشابكة بين الشعوب. هذه الملحمة الحلوة تروي قصة النوگا، تلك الحلوى الشهية التي تجمع في لذّتها عبق الشرق وسحر الغرب. رحلة شيّقة تبدأ من العراق والجزيرة العليا، مروراً بالأندلس الزاهرة، لتستقر أخيراً في قلب الشام. فكيف تحوّل الناطف العراقي إلى نوگا شاميّة؟ وما دور القسطانيّين الأندلسيّين في هذه القصة المثيرة؟ لنغُص في أعماق التاريخ فنكتشف أسرار هذه الحلوى العريقة.
وُجِدَت وصفات مبكّرة للنوگا البيضاء في كتاب عربي من بغداد في القرن العاشر. هو كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات الذي ألّفه ابن سيار الوَرَّاق عام 940م. سُمِّيَت تلك النوگا “ناطف”. تشير إحدى هذه الوصفات إلى أنّ الناطف يأتي من مدينة حرّان، التي تقع بين أورفا (في جنوب شرق تركيا الآن) وحلب (في شمال سوريا اليوم).
كذلك، عُثِرَ على ذكر للناطف في مثلّث بين أورفا وحلب وبغداد. ففي نهاية القرن العاشر، كتب الرحالة والجغرافي ابن حوقل أنّه أكل بعض الناطف في مدينة منبج (في سوريا الحديثة) وفي مدينة بخارى (في أوزبكستان الحديثة). متى تحول اسم الناطف إلى نوگا وأين؟ في الوقت الحاضر، في الشام، النوگا حلوى شبه صلبة في حين الناطف لم يزل شبه سائل.

الناطف نوگا، غربي من المتوسّط
اسم الناطف أشار تاريخياً وكما أسلفنا إلى حلوى شبه سائلة أو ليّنة مصنوعة من مكوّنات مثل سكّر وعسل وبياض البيض، ومنكّهة أحياناً بماء ورد أو زهر البرتقال (وهي كذلك اختراعات عراقية من القرن العاشر). شكَّل جزءاً من صناعة الحلويّات التقليديّة في المنطقة لقرون، فتطوّرت له صناعة من مناطق مثل حرّان (جنوب تركيا الحديثة). حتى اليوم، في العديد من بلدان شمال جزيرة العرب، يحتفظ الناطف بشكله الأصلي شبه السائل، ويُستخدَم غالباً كطبقة علوية أو حشوة لحلويات مثل المعمول والكرابيج خلال رمضان.
أمّا اسم النوگا فيشير في سوريا والشرق الأوسط الحديث إلى حلوى شبه صلبة، مصنوعة عادةً من سكّر وعسل وبزورات (مثل لوز أو فستق حلبي) وبياض البيض. ورغم أنّ اسم “نوگا” يبدو على لحن أوروپّي، أصبح في المنطقة الاسم المتداول للحلوى بنت الناطف؛ الأكثر تماسكاً والمليئة بالبزورات. يميّزها قوامها الأكثر جمود عن الناطف.
مصطلح “نوگا” آت في الواقع من أصول قسطانيّة (أوكسيتان Occitania)، ولعب تأثير عرب الأندلس دوراً رئيسياً في جلبه إلى الشرق الأوسط. والقسطانيّون كانوا أقرب شعوب أوروپا إلى العرب. جميع علمائهم أجادوا اللّغة العربية ودرسوا في جامعات عربية، أسوة بالكثير من أبناء قسطانيا. حتّى أنّ القسطانيّين أسّسوا مدناً جديدة في عهدهم أطلقوا عليها أسماء عربية، دون حكم عربي ولا حكّام عرب.
تأتي كلمة “نوگا” noga من القطسانيّة القديمة (لغة رومانسية كانت شائعة في جنوب فرنسا وأجزاء من إسپانيا وإيطاليا)، تحوير من الكلمة اللاتينية “نوكس” nux بمعنى جوز. هذه الكلمة القسطانيّة تحوّلت لاحقاً في الفرنسية إلى “نوگات” nougat وانتشرت في عموم أوروپا اسماً لنفس الحلوى التي تُعرف بالعربية باسم النوگا (نوعة) والجوزيّة.
خلال ما يسمّى بحروب الاسترداد (سقوط الأندلس)، أُجبِرَ العديد من يهود ومسلمي الأندلس على مغادرة إسپانيا، خاصّةً بعد سقوط غرناطة عام 1492. واستقرّ عدد كبير من الأندلسيّين في أجزاء مختلفة من سلطنة المماليك ثم الإمبراطورية العثمانية، بما في ذلك سوريا وشمال أفريقيا. دمشق وحلب آنذاك استقبلتا أعداداً من الأندلسيّين تكاد تعادل عدد سكّان هذه المدن نفسها، أغلبهم من اليهود.

قسطانيّون في الأندلس
كانت قسطانيا، قبل ضمّها إلى فرنسا، تتمتّع بعلاقات ممتازة بالممالك المسلمة في شبه الجزيرة الإبيرية بفضل قربها الجغرافي والروابط الثقافيّة والتجارية، وربّما كانت هذه العلاقات من ميراث الاحتلال العربي لقسطانيا، الذي دام ثماني عقود انتهت سنة 801. وبحكم موقع قسطانيا الجغرافي على البحر الأبيض المتوسط، كان هناك تواصل تجاري قوي بين برشلونة وناربون القسطانيّات مع الموانئ الأندلسيّة. هذه الروابط التجارية كانت إحدى الأسباب التي أدّت إلى انتقال بعض القسطانيّين إلى مدن الأندلس، حيث أسسّوا علاقات تجارية أو استقرّوا بشكل دائم.
في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كانت الأندلس مركزاً للعلوم والفلسفة والأدب. وكان لهذا تأثير على أوروپا الغربية، بما في ذلك قسطانيا، إذ جذبت الجامعات والمكتبات العربية العلماء والمفكرين. وهناك العديد من الأدلّة على أن بعض القسطانيّين جاؤوا إلى الأندلس بهدف التعلّم من الثقافة العربية الثريّة في العلوم والفلسفة، خاصّةً في المدن الكبرى مثل قرطبة وطليطلة وإشبيلية. والدليل يظهر في إجادة جميع العلماء القسطانيّين للّغة العربية.
في القرن الثالث عشر، بدأت حملات صليبيّة في جنوب فرنسا للقضاء على حركة الكاثاريّين Catharisme، وهي حركة دينية اعتبرتها الكنيسة الكاثوليكية هرطقة. فتعرض أتباع هذه الحركة لاضطهاد شديد، دفع البعض منهم إلى الهروب نحو الأندلس والمغرب العربي. وعلى الرغم من أنّ القسطانيّين كانوا في الغالب كاثوليكيين، إلا أنّ الحرب في بلادهم كانت سبباً لهجرة بعض الأفراد أو العائلات القسطانية إلى الأندلس بحثاً عن ملجأ.
استقرّ بعض القسطانيين في مدن الأندلس، حيث عاشوا جزء من مجتمعات المسيحيّين أو أهل الذمّة. وكان أهل الذمة (المسيحيّون واليهود) يعيشون في ظل الحكم الإسلامي ويتمتّعون بحماية دينية. والقسطانيّون الذين هاجروا إلى الأندلس اندمجوا في هذه المجتمعات وأصبحوا جزءاً من الحياة الاقتصادية والثقافية، خاصّة في المدن التجارية. رافدين اللّغة العربية الأندلسية بمفرداتهم ومصطلحاتهم المهنيّة.

“قسطانيّة” مهجّرة مع الأندلسيّين
لا توجد أرقام دقيقة عن عدد القسطانيين الذين عاشوا في الأندلس، لكن يمكن القول، وبحكم تأثيرهم الثقافي الواضح، أنّ مجتمعاتهم كانت كبيرة في مدن الأندلس. في حال مشابهة لحجم الجالية المغاربية في فرنسا المعاصرة مثلاً. وبعد سقوط النصريّين في نهاية القرن الخامس عشر 1492، خضع المسلمون واليهود المقيمون فيها لحملات اضطهاد شديدة من قبل الملوك القوط الكاثوليك. أمّا القسطانيّين الذين كانوا قد استقروا في الأندلس، فلم يُفرض عليهم ما فُرض على المسلمين واليهود، كونهم مسيحيّين. ومع ذلك، اختار بعضهم الهجرة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية. وهم محسوبين على الأندلسيّين.
هؤلاء الأندلسيّين المهجّرون، وحيث استقرّوا، جلبوا معهم تراثهم الثقافي والمعماري وأيضاً تقاليدهم الغذائية. ومن بين هذه التقاليد مصطلح القسطانيّة للنوگا ووصفتها، الذي دخل العربية الأندلسية كـ “نوغا” وانتشر في بلاد الشام، خاصّةً سوريا، حيث استقرّ عدد كبير من الأندلسيّين. هكذا صار في الشام وحلب صناعة للنوگا الأندلسية-القسطانية التي ازدهرت في العهد العثماني في المنطقة.
تتجسّد في قصة النوگا حكاية التمازج الثقافي بين الشرق والغرب. فمن أرض العراق انطلق الناطف، ليلتقي بالتقاليد القسطانية في الأندلس، ثم يعود محمّلاً بنكهات جديدة إلى بلاد الشام. هذه الرحلة الطويلة عبر الزمان والمكان أثمرت حلوى فريدة تجمع بين عراقة الشرق وإبداع الغرب.
فالنوگا اليوم حلوى لذيذة وشاهد حيّ على قدرة الثقافات على التلاقح والتطوّر. فكلّ قطعة نوگا نتذوّقها تحمل في نسيجها قروناً من التبادل الحضاري، وتذكّرنا بأنّ الإبداع البشري لا يعرف حدوداً جغرافية أو ثقافية. هكذا تبقى النوگا رمزاً حلواً للتواصل الإنساني وقدرته على صنع الجمال من تنوع الحضارات.

مراجع
- الوراق، محمد بن الحسن. (940). كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات. بغداد: مخطوطة.
- ابن حوقل، محمد. (988). صورة الأرض. بيروت: دار مكتبة الحياة.
- Zaouali, L. (2007). Medieval Cuisine of the Islamic World: A Concise History with 174 Recipes. University of California Press.
- Rodinson, M., Arberry, A. J., & Perry, C. (2001). Medieval Arab Cookery. Prospect Books.
- Waines, D. (2003). “Luxury Foods” in Medieval Islamic Societies. World Archaeology, 34(3), 571-580.
- Rosenberger, B. (1999). Arab Cuisine and its Contribution to European Culture. In Food: A Culinary History from Antiquity to the Present (pp. 207-223). Columbia University Press.
- Harvey, L. P. (2005). Muslims in Spain, 1500 to 1614. University of Chicago Press.
- Constable, O. R. (1996). Trade and Traders in Muslim Spain: The Commercial Realignment of the Iberian Peninsula, 900-1500. Cambridge University Press.
- Glick, T. F. (2005). Islamic and Christian Spain in the Early Middle Ages. Brill.
- Menocal, M. R. (2002). The Ornament of the World: How Muslims, Jews, and Christians Created a Culture of Tolerance in Medieval Spain. Little, Brown.
- Catlos, B. A. (2014). Muslims of Medieval Latin Christendom, c.1050-1614. Cambridge University Press.
- Woolgar, C. M., Serjeantson, D., & Waldron, T. (Eds.). (2006). Food in Medieval England: Diet and Nutrition. Oxford University Press.
- الشهابي، قتيبة. (2006). الحلويات الشامية: تاريخها وصناعتها. دمشق: دار القلم.
- محمد، ليلى سيد. (1997). تاريخ الطعام والطبخ في بلاد الشام في العصر المملوكي. القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.
- Heine, P. (2004). Food Culture in the Near East, Middle East, and North Africa. Greenwood Press.





اترك رد