ربّما تفاجئك معلومات هذه التدوينة. أدعوك لتناولها بهدوء برغم كونها غير شائعة لدى الأغلبية، فهي تساعد على فهم العديد من ألغاز التاريخ.
لا تستند هذه المعلومات على نظريّات المؤامرة ولا تؤيدها. الواقع أنّ معظم هذه الحركات السياسية حظيت بدعم وتمويل من أطراف فرنسية لخدمة مصالح فرنسا. استمرّ بعضها، لكن هذا لا يعني أنّ جميعها كانت على تواصل دائم مع هذه الأطراف الفرنسية. فبعضها ارتبط بظروف مرحلية ومصالح فرنسيّة محدّدة آنذاك.
جدير بالذكر أنّ بعض هذه الحركات لم تدرك أصلاً أنّ مصدر تمويلها فرنسي، في حين رأى البعض الآخر في الدعم الفرنسي وسيلة لمواجهة السلطات الاستعمارية المحلية، سواء كانت بريطانية أو هولاندية أو غيرها.

جماعات وحركات موّلت فرنسا تأسيسها جزئياً أو كلياً، في دول مسلمة، خلال النصف الأوّل من القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الثانية:
- سنة 1905 رعت فرنسا تأسيس الحركة السلفية المصرية. أسّسها في مدينة پاريس بعض أعضاء جمعية العروة الوثقى السرّية، من أتباع محمّد عبده سنة وفاته. وهم فرع پاريس دون فرع بيروت.
- سنة 1906 موّلت فرنسا تأسيس رابطة مسلمي عموم الهند (العصبة الإسلامية) في بنغلاديش. أسّسها السيد أحمد خان على منهج محمّد عبده وتحت رعاية ”نَواب خواجة سليم الله بهادير“ في مدينة دكا (عاصمة بنغلاديش)، وكانت آنذاك ضمن مملكة الهند البريطانية.
- سنة 1906 دعمت فرنسا تأسيس الجناح المسلّح لجمعية تركيا الفتاة (شباب الترك) في الجيش العثماني الثالث في مدينة سالانيك؛ بتنظيم من جمعية الحريّة العثمانية (جماعة النصرة) بقيادة محمّد طلعت والرائد إسماعيل أنور بك. وكانت جماعة النصرة قد اندمجت لاحقاً بجماعة ”أحمد رضى إنگليز“ (ريزه بك) الموجودة في پاريس لتأسيس حزب الاتحاد والترقّي.
- سنة 1908 دعمت فرنسا انقلاب عسكري في السلطنة العثمانية تستولي فيه حركة تركيا الفتاة على السلطة المطلقة وتمنح الدولة للحكم العسكري، وتعلن الملكية الدستورية في البلاد.
- سنة 1909 قامت جماعة مسلّحة باسم ”أضنه تركيّة“، منشقّة عن حركة تركيا الفتاة، بمذبحة في ولاية أضنة أودت بحياة نحو عشرين ألف من الأرمن. وكانت الجماعة قد استعملت أسلحة فرنسية.
- سنة 1912 موّلت فرنسا تأسيس حركة الاتّحاد الإسلامي Sarekat Islam في إندونيسيا. أسّسها حجّي سمنهُدي Hadji Samanhudi في مدينة سوراكارتا في جاوة الإندونيسية، واسمها الرسمي هو اتّحاد التجّار الإسلاميّين Sarekat Dagang Islam.
- سنة 1913 رعت جهات فرنسية انقلاب داخل حركة تركيا الفتاة تسيطر فيه فصائل الاتّحاد والترقّي على الحركة، واعتُبر الانقلاب آنذاك بمنزلة حركة تصحيحية؛ تنسحب بموجبه العثمانية من مؤتمر لندن للسلام (مفاوضات البلقان) وتنحاز إلى ألمانيا ومساعيها لإشعال الحرب.
- سنة 1913 سلّحت فرنسا فصائل تتبع الاتّحاد والترقّي، وارتكبت هذه الأخيرة مذبحة في تراكيا راح ضحيّتها حوالي خمسين ألف من المسيحيّين البُلغار وطُرد الباقي عن تراكيا.
- سنة 1914 موّلت فرنسا تأسيس عدد من التنظيمات القومية العربية السرّية داخل أراضي العثمانية ممّن دعموا دخول العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، منها تنظيمات إسلامية عربية في فلسطين.
- ما بين سنوات 1914-1918 سلّحت فرنسا فصائل إسلامية كردية ارتكبت مجازر بحقّ سكّان الجزيرة من العرب المسيحيّين (الأشوريّين، السريان) راح ضحيّتها حوالي ربع مليون إنسان، وهجّرت أكثر من نصف المسيحيّين عن أراضيهم جهة الجنوب.
- سنة 1918 دعمت فرنسا استقلال الجمهورية الطرابلسية عن ليبيا الإيطالية، ولم تعترف بها سوى فرنسا التي وما إن تخلّت عنها حتّى سقطت سنة 1923، ثمّ عادت تحت الاحتلال الإيطالي سنة 1930، ثمّ دُمجت في ليبيا سنة 1934.
- سنة 1921 سلّحت فرنسا محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي استقلّ بجمهورية الريف البربرية عن المملكة المغربية وعن الاحتلال الإسپاني، ثمّ عاد الجيش الفرنسي وتحالف مع إسپانيا للقضاء على الجمهورية الجديدة باستخدام الإبادة بواسطة أسلحة كيماوية ألمانية.
- سنة 1924 دعمت فرنسا استيلاء عبد العزيز بن سعود على مكّة والمدينة المنوّرة واعترفت فوراً باتّحاد مملكتي نجد والحجاز تحت عرش آل سعود. مع أنّ لقب ملك نجد والحجاز لم يُستعمل رسمياً قبل 1926.
- سنة 1928 موّلت فرنسا تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر لمناهضة النفوذ البريطاني. أسّسها حسن البنّا في الإسماعيلية المصرية وكانت آنذاك ضمن المملكة المصرية (البريطانية). تأسّست الجماعة كحركة للسلفية الجديدة؛ ثمّ انتشر فكرها في عموم العالم الإسلامي ولا سيّما في تركيا وپاكستان.
- سنة 1932 دعمت فرنسا تسليح الجنرال الصيني المسلم ”ما بوفانگ“ 马步芳 الذي شكّل فصائل المسلمين في جيش الجمهورية الصينية ما قبل الشيوعية، وارتكبت هذه الفصائل مذابح بحقّ التيبيتيّين في محافظة قِنغاي (چينگهاي) هدفت إلى ترحيل البوذيّين عنها. واستمرّت فترة المذابح حتّى 1941.
- سنة 1941 موّلت فرنسا تأسيس الجماعة الإسلامية (جماعتِ اسلامی) في پاكستان. أسّسها أبو علاء (الأعلى) المودودي في حيّ المنصورة في مدينة لاهور الپنجابية وكانت آنذاك ضمن مملكة الهند البريطانية. والجماعة الإسلامية هي نسخة عن جماعة الإخوان المسلمين المصرية في جنوب شرق آسيا.

ما لفت نظري بشكل حاد هو تمويل جهات فرنسية للجهات العثمانية التي وقفت إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، فهل كان في الإمبراطورية الفرنسية جهات تحارب النظام الفرنسي لمصلحة انتصار ألمانيا؟ هل كانت فرنسا نفسها تلعب على الحبلين وتدعم علناً غير من تدعمهم سرّاً؟ أم أنّ دعم هذه الجهات كان أساساً رغبة من فرنسا بنقل هذه الجهات من موضع الحليف إلى موضع العدوّ لتسهيل محاربتها؟
ربّما وُجدت داخل الإمبراطورية الفرنسية مجموعات معارضة للنظام الرسمي، سعت لدعم ألمانيا سرّاً. احتمال آخر أنّ فرنسا اتّبعت سياسة مزدوجة، تدعم علناً طرفاً وسرّاً طرفاً آخر للحفاظ على مصالحها في جميع الحالات. وقد يكون الهدف من دعم هذه الجهات هو دفعها نحو موقف العداء، ممّا يسهّل على فرنسا محاربتها لاحقاً.

لماذا دعمت فرنسا انحياز العثمانية إلى عدوّتها ألمانيا وقد كانت قُبيل الحرب تماماً حليف ضمن عصبة الحلفاء؟ بريطانيا وفرنسا والعثمانية؛ في مقابل ألمانيا والنمسا وروسيا وإيطاليا. ربّما أرادت فرنسا إضعاف الإمبراطورية العثمانية عبر دفعها للحرب، ممّا يسهّل تقسيمها لاحقاً. وقد تكون فرنسا سعت لخلق ذريعة لمهاجمة العثمانيّين وتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط. احتمال آخر أنّ فرنسا حاولت الحفاظ على قنوات اتّصال مع العثمانيّين حتّى بعد انحيازهم لألمانيا، أملاً في إعادتهم للحياد أو تغيير موقفهم.

بعد الحرب المصرية-العثمانية (1831-1833)، تصاعد النفوذ الفرنسي على القرار العثماني. منذ 1840، إثر معاهدة لندن، تعمّقت السيطرة الفرنسية على المناطق المسحوبة من نفوذ محمد علي في الإمبراطورية العثمانية. الفترة 1841-1860 شهدت إحكام فرنسا قبضتها على مفاصل الحكم. عام 1850، طُبقت إصلاحات قضائية فرنسية الطابع. بدءاً من 1845، سيطرت على الإعلام عبر صحف موالية ورقابة على المطبوعات. عام 1855، أسّست فرنسا نظام تعليم عثماني خاضع لإشرافها، مُدخلة مناهج ولغة لائيكية فرنسية.

التنافس البريطاني-الفرنسي داخل العثمانية أدى إلى مجزرة قتل اليهود سنة 1840 بتحريض من القنصل الفرنسي في دمشق. ثمّ الحرب الأهلية الشامية (1855-1861) بشكل أساسي ما بين الدروز (بريطانيا) والكاثوليك (فرنسا). نتج عنها تقسيم إيالة الشام، مفضياً لنشوء متصرّفيات جبل لبنان (بحماية قوات فرنسية)، والزور، والقدس (بحماية قوّات بريطانية). هذه التطوّرات دفعت السلطنة العثمانية لإلغاء نظام الإيالات تلبية لاقتراح بريطاني عام 1864، مؤسّسة نظام الولايات الجديد. هذه التغييرات الجذرية أعادت تشكيل الخريطة السياسية والإدارية للمنطقة، معمّقة النفوذ الأجنبي وخاصة الفرنسي في شتّى مجالات الحياة لعقود قادمة.

يكشف هذا العرض التاريخي عن تعقيد السياسة الفرنسية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وتُظهر الأحداث المذكورة نمطاً من التدخل الفرنسي المستمرّ في شؤون المنطقة، عبر دعم حركات وجماعات متنوّعة، أحياناً متناقضة في أهدافها. هذه الاستراتيجية عكست رغبة فرنسا في الحفاظ على نفوذها وتوسيعه، متكيفة مع الظروف المتغيرة والتنافس الدولي.
برغم أنّ بعض هذه التدخلات أدت إلى نتائج مأساوية، فإنّها شكّلت جزءاً من سياسة استعمارية أوسع هدفت إلى إعادة رسم خريطة المنطقة وفق المصالح الأوروپية. فهم هذه الديناميكيات التاريخية ضروري لإدراك جذور العديد من الصراعات والتوترات المعاصرة في العالم الإسلامي.
يبقى البحث في هذه الفترة المعقّدة مفتوحاً لمزيد من الدراسات والتحليلات، خاصّة مع استمرار ظهور وثائق ومصادر جديدة تلقي الضوء على تفاصيل إضافية لهذه الحقبة المهمة من التاريخ.

المراجع:
- Anderson, M. S. (1966). The Eastern Question, 1774-1923: A Study in International Relations. London: Macmillan.
- Hourani, A. (1962). Arabic Thought in the Liberal Age, 1798-1939. Oxford: Oxford University Press.
- Kedourie, E. (1974). In the Anglo-Arab Labyrinth: The McMahon-Husayn Correspondence and its Interpretations 1914-1939. Cambridge: Cambridge University Press.
- Khoury, P. S., & Kostiner, J. (Eds.). (1990). Tribes and State Formation in the Middle East. Berkeley: University of California Press.
- Kühn, T. (2011). Empire, Islam, and Politics of Difference: Ottoman Rule in Yemen, 1849-1919. Leiden: Brill.
- Makdisi, U. (2000). The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon. Berkeley: University of California Press.
- Mitchell, T. (1988). Colonising Egypt. Cambridge: Cambridge University Press.
- Provence, M. (2017). The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press.
- Rogan, E. (2015). The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East. New York: Basic Books.
- Zürcher, E. J. (2004). Turkey: A Modern History. London: I.B. Tauris.





اترك رد