رسمة أمس السبت لمسرح بصرى الروماني في حوران في سوريا، ورسمته عن صورة التقطها مؤخّراً المصوّر الصحفي محمّد أبازيد. ولنحكي القليل من حكاية بصرى ومسرحها وحوران.

المسرح على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي ومن محميّاتها. بُني منتصف القرن الثاني (ما بين سنوات 120 و150) وكانت الإمبراطورية الرومانية في أوجها آنذاك، ومع ذلك لم يكن بناء المسرح في بصرى بأمر من حاكم روماني، إنّما حوراني، وسآتي على توضح هذه النقطة. لكنّ المهمّ أنّ المسرح بني من البازلت الأسود فخرج بمظهر مبهر وسط البساتين والأشجار التي كانت تتحلّق على السهول المحيطة ببصرى. وكان المسرح في الأساس في البساتين خارج بصرى ثمّ ابتلعته المدينة مع توسّعها وتحرّك مركزها، ولا سيّما في فترة القرن 13 تحت الحكم الأيّوبي، حين حوّله الأيّوبيّون قلعة عسكرية وعمّروا من حوله الأبراج الحربية.
بُنيت مدينة بصرى قبل نحو 3500 سنة وكانت في الأساس مستوطنة عسكرية مصرية لحماية طريق التجارة والبريد. وأسّستها الأسرة المصرية 18 التي حكمت إمبراطورية شاسعة كادت أن تحكم الشرق الأوسط بكامله من مدينة طيبة وسط مصر. في الواقع، لا تختلف حدود الإمبراطورية المصرية في عهد المملكة 18 عن حدود سلطنة المماليك في القرن 15، ودامت كمثلها لقرنين ونصف.
في العهد الأخميني كانت بصرى من ممتلكات الأسوريّين تقع وسط محافظة ”إيبِر نارِ“، وهي التسمية الأكّدية ذاتها ”إبارُ نارِتُ“ وتعني حرفياً عَبْر النهر. وتبعت بصرى إدارياً آنذاك لمدينة بابل. لكنّ تحالف الأنباط العرب العسكري مع الأسرة الأخمينية منحهم سلطة ونفوذاً في بصرى فكثر عدد الأنباط فيها وصارت المدينة نبطية بالكامل. ثمّ، ومنذ القرن الثاني قبل الميلاد (قبل نحو 2200 سنة) صارت بصرى عاصمة لمملكة العربية النبطية، وقد توسّعت شمالاً فضمّت حوران ووصلت حدودها دمشق.
في العهد الروماني تحالف الأنباط مع الرومان، ولم تخضع المملكة العربية لروما؛ ما أبقى لها ديانتها وثقافتها وصارت العائلات الأرستقراطية فيها أرستقراطية كذلك في روما. لكنّ خلافاً مع الإمبراطور الروماني تراجان Trajan (ترايَن) مطلع القرن الثاني أخضع بصرى لحاكم عسكري روماني، أنهى استقلال المملكة. وقام تراجان بتغيير اسم مدينة بصرى إلى Nova Trajana Bostra أي بصرى التراجانية الجديدة. وصارت بصرى عاصمة لمحافظة عربيّة پترا Arabia Pertaea الرومانية (لأنّ پترا كانت العاصمة الدينية لمملكة العربية).
مرجع الخلاف هو رفض الأنباط للانحياز إلى روما في حربها الپارثيّين الترك، وقد رغبت مملكة العربية بالحفاظ على مكانة محايدة حماية لدورها في التجارة ما بين الشرق والغرب، وبالأخصّ تجارتها ما بين العراق ومصر. كما أنّ تراجان استاء من انتشار المسيحيّة من حوران وفيها، وهو الذي حرّم الديانة المسيحية ووضعها على قائمة الأديان الممنوعة في الإمبراطورية الرومانية.
في طفولته كان والد تراجان حاكماً لسوريا الرومانية، لذا نشأ تراجان في سوريا وصار خبيراً محليّاً في مجتمعات المشرق وعلاقاته، وهذا سبب اعتماده على المعماريّين السوريين في عهده، وعلى الخبراء ممّن اشتغلوا في الجيش العربي سلفاً. ولمّا رغب بحرب الپارثية بدأ أوّل خطواته باحتلال بصرى وتحويل كامل قدراتها العسكرية في خدمة الحملة الرومانية على الپارثية.
كان الطريق التجاري الذي امتلكته بصرى واحتكرت قوافلها تسيير التجارة فيه، هو طريق يبدأ من الرقّة ثمّ الرُصافة شرقاً ليعبر تدمر ثمّ دمشق ثمّ بصرى ثمّ يتابع في الجولان ليصل مدينة الربّة في الكرك ثمّ ميناء العقبة ثمّ يعبر الطريق وسط سيناء ليصبّ أخيراً في جنوب دلتا النيل ممفس وهيليوپوليس (القاهرة حالياً). وبعد أن احتلّ تراجان بصرى أعاد تسمية هذا الطريق الحيوي إلى Via Traiana Nova أي الطريق التراجانية الجديدة. في الواقع يعود عمر بناء هذا الطريق القديم إلى حوالي 3300 سنة، ولم يبنه الرومان.
بعد وفاة تراجان سنة 117 خلفه هادريان ثم خلفه أنطونيوس پيُس Antoninus Pius (المبارك) سنة 138. وهذا الأخير كان امبراطوراً مثقّفاً. لا ينتمي فعلياً إلى الأسرة الأنطونيّة، إذ أنّ هادريان كان قد تبنّاه ليخلفه وهو يتنقّل ما بين المناصب العسكريّة شمال المتوسّط. واسمه الحقيقي هو تيتُس أُريليُوس. أحبّ أنطونيوس العلوم والآداب، فأوقف الحروب وكرّس موازنة الدولة للإنفاق على الأدباء والفنّانين؛ سيّما المعماريّين، فازدهرت في عهده المسارح والحركة الأدبيّة بشكل عام.
في عهد أنطونيوس پيُس بني مسرح بصرى الروماني، لكنّ سجلّات الدولة الرومانية ليس فيها ذكر للمسرح أو لموازنة بنائه أو لأسماء معماريّيه. ما يعني أنّ المسرح لم يُبن على نفقة الحكومة الرومانية ولم يأمر الإمبراطور ببنائه، فهو بالتالي مشروع خاصّ ببصرى أنفقت عليه ونفّذته الحكومة المحلّية لمحافظة عربيّة پترا. فهو مسرح حورانيّ مبنيّ على نمط معماريّ روماني، بهندسة حورانية.
نهاية القرن الخامس وخلال العهد البيزنطي المسيحي تحوّل المسرح لأوّل مرة للاستخدام العسكري، وبُنيت فيه أوّل التحصينات العسكرية سنة 481 وكانت بصرى آنذاك مقرّ مطرانية فلسطين سَلوتارِس، وحدودها هي حدود مملكة العربية النبطية ذاتها. ولا بدّ أنّ هذه التحصينات قد بنيت في عهد ملك الغساسنة ”المنذر بن الحارث“، المنذر الثالث أو ”فلاڤيوس الأموندَروس“ Φλάβιος Ἀλαμούνδαρος حَسَبَ المصادر الإغريقية.
وعلى الرغم من ضيق المسرحيّين بتحويل مسرح عظيم كمسرح بصرى إلى قلعة عسكرية، لكنّ هذا التحوّل في استخدام المسرح ووظيفته في الواقع هو ما أبقاه لنا ناجياً إلى اليوم، من عمارة القرن الثاني، وكان من الممكن أن يستخدم الغساسنة حجارته لبناء الكنائس فيزول من الوجود، كما فعلوا في الكثير من مدن المنطقة، وكما فعل الألمان كذلك في شمال إيطاليا فلم يبق مسرح روماني قديم على حاله.
اليوم يبق مسرح بصرى أكبر وأكمل المسارح الرومانية في العالم، وقد زرت إيطاليا وجلت فيها ولم أعثر على مسرح بروعته وجماله. وأذكر اللّحظة التي وقفت فيها أوّل مرّة على أعلى المدرّجات ونظرت إلى قلب المسرح في الأسفل… منظر مهيب يُظهر حجم العمل الجبّار الذي استُجهد لإنجازه، والعناية الفائقة في أدقّ تفاصيل تنفيذه.





اترك رد