في صبيحة أحد الأيام سمعت صوت طرق على الباب، وكنت وقتها جديد عهد في الحياة الزوجية، فتوجهت ونظرت عبر المرآة السحرية وإذا بإمرأة في الثلاثينات من عمرها ففتحت الباب مستفسرا عما تريد، عرفت من ملامحها أنها امرأة من الغجر ، تحمل بيدها حقيبة النساء المعتادة، نظرت إلي وقالت بنوع من الجدية
- لقت جئتك مخصصة لأمر يهمك كثيراً فاستغربت وقبل أن اسألها ما تريد جاءت زوجتي من الداخل ركضا وكأنها سمعت تلك اللكنة الغريبة الخاصة بهم وقالت مستغربة:
- لا تدخلها البيت! دعها تنصرف !
فقالت لها الغجرية :
- لماذا تطرديني وقد جئت اساعدكما وازيل عنكما العمل الضار والسحر الأسود؟ هل هذا جزائي يابنتي؟
بقيت زوجتي مصرة على رأيها ولم تؤثر فيها تلك العبارات ، أما أنا فكنت لا أؤمن بمثل هذه الأمور من الأساس، إلا أني كنت فضوليا أريد أن أرى ماذا ستفعل فسمحت لها بالدخول ولكن بشرط أن تجلس على كرسي عند باب الشقة فقط .
قالت هذه المرة بوضوح أكبر أن أحد الأعداء قد عمل لنا سحرا أو ربطا حتى لا ننجب وأن هذا العمل مدفون في إحدى المقابر، كنت أرى زوجتي تتأثر قليلا بتلك الكلمات المخيفة أما أنا فمنتظر أريد أن أرى ماذا ستفعل هذه الغجرية لتلغي مفعول ذلك المدفون.
بعد أن جلست على الكرسي طلبت منا إبرة وخيط ومقص، وأعتقد أنها لم تطلب تلك الأغراض إلا لعلمها أنها متوفرة في كل بيت،
أحضرت زوجتي ما طلبته تنظر الي بنظرات السخط، وقبل أن تقوم هذه الزائرة بعروضها السحرية، قلت لها:” وما المقابل الذي تطلبينه؟” فقالت: “كيفما تجود به نفسك!” فقلت:”حسنا” ..
أخذت الغجرية قطعة من الخيط قد يصل طولها إلى الثلاثين سم وقصتها ومن ثم قصت قطعة أخرى مماثلة، ثم أخذت الإبرة وبصقت في رأسها المدبب وغرزتها في ياقة زوجتي. أخذت القطعة الأولى من الخيط وبدأت تقصها قطع صغار، تقريبا كل قطعة ٢سم وقالت لي: “خذ هذه القطع وضعها داخل اذنك اليمنى، ثم أخذت قطعة الخيط الثانية وبدأت تعقدها عقد حتى أصبحت كانها كتلة واحدة وأمرت زوجتي أن تضعها في أذنها اليسرى، فكانت الغجرية تقوم بهذه الأعمال باحتراف وثقة نفس بينما أنا مستمع لهذا العرض الصباحي.
بدأت بعدها الغجرية بالتمتة بقراءة كلمات غير مفهومة تتخلها بعض الكلمات من قبيل “هيا اخرج! هيا انصرف من هذا البيت!”
ثم نظرت إلي وقالت بنبرة حادة :
- هيا اعطني مافي اذنك!!
طبعا طوال ما ذكر كنت أضع اصبعي السبابة على اذني ضاغطا على تلك القطع المقصوصة من الخيط ، مدت يدها واخرجت القطع وإذا هي قطعة خيط كاملة لم تقص ، ثم توجهت إلى زوجتي وبنفس تلك النبرة المليئة بالثقة طلبت منها أن تخرج الخيط المعقود وإذا هو محلول كأنه لم يعقد قط!
هنا انتابتني الدهشة والإعجاب فقلت مندهشا:
- كيف فعلت هذا؟كيف؟ هيا اعيديها مرة أخرى!
حينها غضبت الغجرية وقالت:
- وهل أنا لاعبة خفة حركة حتى أعيدها لك مرة أخرى ؟! نظرت إلى زوجتي معجبا بما حصل للتو، إلا أنها كانت لاتزال غير راضية من ادخالها الشقة وفي نفس الوقت خائفة ومندهشة مما رأت. تناولت من جيبي ما يساوي الدولارين تقريباً واعطيتها، وكانت وقتها تساوي الكثير ، فنظرت الغجرية باستغراب وقالت بعجرفة:
- أهذا كل ما تقدمه مقابل ما فعلته من أجلكما؟ هل تعلم أن هذا السحر كان مفعوله سبع سنوات لا تنجبان فيها؟”
ثم فتحت حقيبتها اليدوية وإذا بها مليئة بالذهب والأموال وقالت:
- انظر كم يدفعون لي الآخرون ! فقلت لها “:
- لقد اتفقنا من البداية وأنت وافقتي بما تجود به نفسي ولعلمك فأنا لا أؤمن بمثل هذه الخزعبلات ولكني معجب بحركتك السحرية!
قامت الغجرية منفعلة وخرجت قائلة:
- سوف تبحث عني أيها الشاب ووقتها لن تجدني!
أقفلت الباب خلفها متعجبا من خفة يدها والتي لا يحترفها لاعبوا خفة اليد إلا بعد دراسة وتمارين عديدة.
عندما تسير في شوارع المدن الكبيرة في أوزبكستان وخاصة طشقند تلاحظ اختلاف السحنات القومية بين المارة أو بعض من يتسولون في الشوارع والأسواق، تلاحظ سحنة تبدو أقرب الى الملامح الشعوب في الهند وهذا قد يولد في نفسك سؤالا عن هولاء.
تقترب منك فتاة صغيرة تطلب منك شيئا ببراءة وخلفها تجد أمها تستطعفك هي الأخرى بنظرات الرجاء والأمل لعلك تهدي لإبنتها شيئا مما تجود به نفسك بينما باقي السكان يتطلعون إليك بنظرات تحذيرية فالكل يعلم مدى قوة الغجر في الإيحاء والسلب
لا تذكر المصادر التاريخية بالضبط زمن هجرات القبائل الغجرية من راجستان الهندية إلى آسيا الوسطى ويبدو أنها كانت هجرات على فترات متباعدة لعل بسبب شح الموارد وانتشار القحط والجفاف في مناطقهم الأصلية فاتخذوا طريق الهجرة إلى إيران ومن ثم بعض الدول العربية وجزء منها تحولوا شمال الشرق واستقروا حول مدينة بخارى التاريخية، إلا أن شاعر الفرس الكبير الفردوسي يذكر عن القبائل الغجرية في ملحمته الشهيرة”الشاهنامة” حين يصف أن الملك الخامس من ملوك آل ساسان “بهرام غور” قد جلب من الهند إثنا عشر الف من المغنين والعازفين للترفيه عن رعاياه الفقراء وكيف أنهم أصبحوا عبئا بعد ذلك على البلد بعد أن تركوا الزراعة واستهلكوا البذور وغضب الملك الساساني عليهم وأمر بمصادرة آلاتهم الموسيقية وأمرهم بالتجوال والغناء في أرجاء البلاد لكسب لقمة عيشهم ثم اضطروا لمغادرة بلاد فارس بحثا أن رزق ومأوى جديدين[1]
يطلق عليهم السكان المحليين اسم لولي Luli ويبدو أنها تحريف لكلمة لوري كما وصفهم بذلك الفرودسي، وفي افغانستان يطلق عليهم اسم جوكي Jugi ولعلها أسماء لأكبر قبيلتين من الغجر في آسيا الوسطى. لا يعمل الرجال في هذه المجتمعات عادة مع أن القلة اشتهروا بصناعة الخواتم وصياغة الذهب والغالب يعملون على جمع ما يتم تدويره وإعادة انتاجه وخصوصا الحديد والصفائح المعدنية، أما النساء فيقع عليهن مسؤولية توفير لقمة اليوم من خلال التسول والاستجداء واحيانا أخرى بقراءة الحظ والطالع، ولا تنتشر بين نساءهم الرقص والغناء كما هو معروف عنهم في بعض الدول العربية ويتميزن بالحفاظ على الشرف والعار ولم أسمع إلى يومنا الحاضر عن حالات دعارة بينهن وهناك نوع آخر من الغجر كنت أرى نسائهم في بداية التسعينات من القرن الماضي يشترين الذهب أو يتعاملن في صرف العملات الصعبة عند مدخل الأسواق وهولاء يختلفن عن غجر آسيا الوسطى ويبدو عليهن الملامح القوقازية الأوروبية وبشرات فاتحة نسبيا ويعود أصلهن إلى جمهورية مولدافيا ، إلا أنهم يتفقون مع الغجر المحليين في خروج المرأة لكسب العيش وبشتى الطرق.
لغتهم هي التاجيكية إلا أن البعض يدعي وجود لغة خاصة بهم ، وكمثيلاتها من الإثنيات القليلة في وسط من الأكثرية تدور حولهم الكثير من الشائعات والاعتقادات التي لم تثبت صحتها إلى الآن، فمن الاعتقادات ألا تدخلهم بيتك وكم سمعت من القصص التي تدور عن سلبهم لكل حاجيات البيت الثمينة بعد أن تقوم السمراء الغجرية بتنويم صاحب البيت مغناطيسيا ويقوم هو وبمحض ارادته بإحضار مجوهرات زوجته الثمينة ويسلمها لها، كما أسمع البعض عندما يدور الحديث حول هولاء ينصحون بعدم التواصل النظري معهن والإكتفاء بردهن، إلا أن الكثير ممن يسيرون إلى الجوامع في أيام الجمع يتصدق عليهن بعض المال غير مبال لتلك التحذيرات والشائعات.
من المستحيل وجود حالات مصاهرة بينهم وبين السكان من الأوزبك أو التاجيك، وأكثر ما يميزهم هي حياة الارتحال والتنقل وخاصة في المواسم والأعياد حيث يقصدون المدن الكبيرة مثل طشقند وبخارى وفرغانة فيمضون الأيام والليالي ومن ثم العودة إلى ديارهم حاملين بعض الملبس والمأكل و غالباً الكثير من المال، ولا تختلف ملابسهم عن السكان الأصليين ويكاد التعليم العالي عندهم يكون معدوما نظرا لأسلوب حياتهم ونظرتهم للواقع، ولكن هناك بعض الحالات التي سجلت وجودهم في السلك الأمني أو التجاري حتى ، يتزوجون في سن مبكرة وتكون كل فتاة مقرونة بفتى منذ أن تبلغ الحادية عشرة من عمرها وعندما تصل إلى سن الثامنة عشرة يقوم الأهل بإقامة حفل زفافها والذي يقترن عادة بالتبذير والإسراف ، بالنسبة لمساكنهم فهم يعيشون خارج المدن والقرى المحلية في شكل تجمعات في بيوت قديمة وشوارع قذرة أو في خيام مؤقتة وتتميز أحيائهم ومناطقهم بإهمال التشجير والبساتين على عكس السكان الأوزبك والتاجيك.
من عاداتهم السير والتجوال في الأحياء وبين المباني السكنية خصوصاً في أيام عطلة نهاية الأسبوع ، فتسمع تلك الغجرية تترنم بصوت جميل وجهوري حتى أنه يصل إلى أصحاب الأدوار العليا ومخالط بنوع من نبرات الحزن ومشاعر المعاناة وهي تتغني بقصائد الشاعر المتصوف الأوزبكي “بابا رحيم مشرب ” الذي عاش في القرن السابع عشر وخاصة ذلك البيت الذي يصف فيه الدنيا وقد ترك ملذاتها حيث لا بيت ولا ولد، هائم يبحث عن العرفان والرقي للوصول إلى الله ، وبتلك الكلمات المؤثرة ومع ذلك الإلقاء الحزين من قبلها والتي تكون عادة تصاحب ابنتها ذات الخمس أو ست سنوات يتأثر البعض ويطل عليها من النافذة ويصيح عليها فتنظر إليه بينما لا تزال تتغنى ثم تشير لإبنتها إلى الدور حتى تصعد وتأخذ الصدقة أو الإحسان، وعندما تنزل الطفلة وتناول ما جلبته، تتوقف هي عن النشيد وتنظر إلى صاحب الصدقة وهو لازال ينظر إليها من الأعلى وتبدأ بالدعاء في حقه بصوت جميل ومؤثر.
يقول الغجر في آسيا الوسطى عن أنفسهم أنهم مسلمون يتبعون المذهب الحنفي، إلا أن البعض يشكك في ذلك ويدعي وجود دين خاص بهم وأنهم لا يدفنون موتاهم ولا توجد مقابر خاصة بهم ، وبما أن الأمور تجري على الظواهر والله يتولى السرائر، تبقى تلك الأقاويل مجرد تكهنات واشاعات بينما يبقوا هم بشر مثلنا في الإنسانية!
[1] الغجر ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب – جمال حيدر





اترك رد