كان لي شرف اللقاء بالأديب القره قلباقي الكبير توليب بيرغين كايبيرغينوف في مكتبه باتحاد الكتاب والأدباء القره قلباقيين بالعاصمة القره قلباقية مدينة نوقوس مرتين، الأولى كانت في منتصف ثمانينات القرن الماضي، قدمت له خلالها ترجمة لما نشرته عنه الصحف السورية بمناسبة الزيارة التي قام بها لسورية. والثانية لأهنئه بمناسبة بلوغه سن الـ 70 من عمره المديد إن شاء الله في تسعينات القرن الماضي بعد استقلال جمهورية أوزبكستان التي تتمتع جمهورية قره قباقستان بالحكم الذاتي داخلها، وكنت حينها مدعو لإلقاء سلسلة من المحاضرات أمام طلاب قسم الصحافة بجامعة نوقوس الحكومية. وهكذا قارب تعارفنا عقوداً ثلاثة كنت خلالها أتابع نشاطاته الإبداعية عبر وسائل الإعلام ولكن هذه المرة لاحظت اهتمام خاص من وسائل الإعلام المحلية بمناسبة بلوغه سن الـ 80 وتقديمها للكثير من المواد التي تتحدث عن حياته الإبداعية واخترت منها للترجمة من أجل قراء المنتديات ما نشرته عنه وكالة الأنباء الأوزبكستانية الرسمية UZA بهده المناسبة وما أتمناه أن تعجبهم…. أ.د. محمد البخاري.
“من أهداف الأدب الإبداعي تربية الأحاسيس الأخلاقية الرفيعة والطيبة عند الناس، وتوفير الفرص لنموهم المعنوي. وفي هذا المجال يلعب إبداع المثقفين والمربين والكتاب والشعراء دور غير محدود من أجل تطوير النظرة القومية، وتوجيه الأجيال الصاعدة نحو القيم القومية والإنسانية.
وتوليب بيرغين كايبيرغينوف هو احد الكتاب الذين شغلوا مكانة لائقة في الأدبين الأوزبكي، والقره قلبياقي بما يملكه من مقدرات إبداعية كبيرة. وتمتد نشاطاته الأدبية لأكثر من نصف قرن، وتتمتع أعماله بقيم فنية عالية جاءت نتيجة حقيقية لأعماله الدءوبة.
وجاءت النشاطات الواسعة الموجهة نحو زيادة فاعلية النشاطات المعنوية والتربوية، والدعوة الواسعة للقيم والعادات القومية خلال سنوات الاستقلال والجارية بمبادرة من قائد الدولة والمعروفة للجميع لتحقق نتائج ملموسة منها رعاية الدولة لإبداعات المثقفين من أجل إلزامهم في أعمالهم بالعطاء والمبادرة أكثر.
ومن الأمثلة على الاهتمام الكبير الموجه نحو الأدباء الاحتفالات الواسعة الجارية في البلاد بمناسبة مرور 80 عاماً على ميلاد توليب بيرغين كايبيرغينوف الحائز على لقب بطل أوزبكستان، ولقب الكاتب الشعبي. وهو الذي بدأ مسيرته الإبداعية في الأدب والشعر، وبعدها كتابة القصة والرواية ليؤسس من خلالها مدرسته الإبداعية الخاصة في الأدب القره قلباقي. وقصصه ومقالاته الأدبية دخلت قلوب الكثيرين من معاصريه، ولو أن الكاتب كان دائماً يتوجه بالنقد الذاتي لأعماله الإبداعية، ولم يكن راض عنها بالكامل. مظهراً عمق واتساع أفكاره وبلوغها القمة الفنية والأدبية بالكامل في مؤلفاته الأخيرة التي ضمت روايات تحكي عن البطولة: “شكراً أيها المعلم”، و”أمين السر”، و”المعركة الأخيرة”، و”ابنة قره قلباقستان”، وحظيت كلها بشهرة واسعة في أوساط القراء. كما واشتهرت رواياته الإبداعية “سهر الليالي”، و”القطرة الباردة”، لأنها تعكس مولد اتجاه إبداعي روائي سيكولوجي في أدب القصة والرواية القره قلباقية. وهو ما أثار اهتمام أحد أبرز الأدباء الأوزبك عبد الله قهار الذي ترجم مع غائب يعقوبوف رواية توليب بيرغين كايبيرغينوف “القطرة الباردة” إلى اللغة الأوزبكية.
وجاءت النجاحات الإبداعية التي ألهمت الأديب نتيجة لتجواله في العالم، وزيارته للمتاحف، ومراكز التوثيق التاريخية، ليتعرف على ما تحويه من مصادر تتحدث عن ماضي شعبة، ومن خلال حواراته مع المؤرخين. وكان دائماً ملتزماً بمبدأ الدراسة المعمقة والايجابية لتاريخ الشعب الذي ينتمي إليه وإسهاماته في الثقافة العالمية. ونتيجة لأعماله الدءوبة ألف رواياته “حكايات مامان بيه”، و”متعثر الحظ”، و”غير المفهوم”، وثلاثيته “داستان عن القره قلباق” التي صدرت باللغتين الأوزبكية والروسية.
ولأن الشعب القره قلباقي تمكن بفضل استقلاله من العناية بماضيه، وجذوره التاريخية، وقيمه القومية. ولأن الدور الكبير في هذا قام به المثقفين والمبدعين أمثال توليب بيرغين كايبيرغينوف. ونجاحات الأديب انعكست ليس في تصويرها الإيجابي للحقائق التاريخية فقط، بل وفي مهارته في عرض شخصياته التاريخية. التي لم تقتصر على الروايات التاريخية فقط بل وشملت دائماً نظرته من الواقع المعاش اليومي والمواضيع المعاصرة المرتبطة بالتبدلات الحاصلة في العالم المحيط به. ومنها الدراما التراجيدية التي شغلت أعماق الأديب وهي كارثة بحر الأورال الذي أخذ بالانحسار أمام أنظار الناس، وما نتج عنها من مشاكل تتطلب جهوداً لإنقاذه وكان يتحدث عنها من على مختلف المنابر.
وقبلها وفي المبنى الذي كانت تشغله هيئة تحرير صحيفة “جيتكينشيك” خلال سبعينات القرن الماضي التقى توليب بيرغين أوغا بممثلي الكتاب الشباب القره قلباق الذين بدؤوا للتو عملهم الإبداعي. وقال لهم حينها الكثير من الكلمات الدافئة عن القصص التي أبدعوها وتمنى لهم النجاح والاستمرار في الإبداع. وحصلوا منه عن الروايات والقصص التي كتبوها خلال ثمانينات القرن الماضي على سطور مشجعة. وما هذا إلا انعكاس لاهتمامه بمستقبل ومواهب الكتاب الشباب وتمنياته لهم. وهو الذي أهداهم في أعماله الأخيرة التي كتبها خلال السنوات الأخيرة ” أنا قره قلباقي، أنا أخاطر ” و” كتاب عن روحي ” وبشكل إبداعي كل ملاحظاته الحياتية.
وبقي أن نقول أن الفترة الممتدة بين صدور الكتاب الأول للأديب فبل نصف قرن، ليبلغ أعماله التي صدرت حتى اليوم باللغات القره قلباقية، والأوزبكية، والروسية، وغيرها من اللغات نحو المائة. ونحن على ثقة من أن الأديب الكبير سيتحف قراءه بمؤلفات جديدة.
توليب بيرغين كايبيرغينوف بلغ الـ 80 من عمره. طشقند: وكالة أنباء UZA، 1/5/2009





اترك رد