يتبازّ الناس دوماً حول أصل شجرة الزيتون وزراعتها، من مشرق المتوسّط حتى مغربه وما بين شماله وجنوبه، لكنّ المهمّ أنّ أهلها قدّسوها وقدّسوا زيتها لكثرة دورها في حياتهم اليومية. فزيت الزيتون في الغذاء والدواء والتجميل والتنظيف وحتى في فانوس يضيء عتمة اللّيل. وقد لا تعلم أنّ أرياف مدينة إدلب وحدها في سوريا تضمّ ثلاثة ملايين شجرة زيتون، وأسماها الرحّالة قديماً “موطن الزيتون” بمختلف اللّغات التي دوّنت لها.

زيت الزيتون في حياة العرب
سكب كهنة مصر القديمة زيت الزيتون النقيّ على تماثيل الآلهة في المعابد المصرية القديمة، فمنحوها رونقاً مقدّساً في شعائر العبادة اليومية. ومع تكرار هذه الشعائر صارت رائحة زيت الزيتون هي الرائحة التي تستقبل الداخل إلى المعبد… تخيّل نفسك تمشي صاعداً على درجات المعبد، ثمّ ما إن تصل عتباته حتّى تغمرك رائحة الزيتون مع مشاعر الرهبة والتبجيل. هذا الشعور نفسه صار يتكرّر في عواطف النفس، كلّما فتح الناس قارورة زيت زيتون في البيت.
عن المعابد الفينيقية والكنعانية، تحدّثت النقوش الأثرية عن استخدام زيت الزيتون في مراسم تطهير الكهنة والمتعبّدين قبل أداء الشعائر الدينية. وفي المعابد القرطاجية؛ التي هي فينيقية بالطبع، استعمل الكهنة زيت الزيتون المعطّر بالبخور والمرّ لمسح جباه المحاربين قبل خروجهم للمعارك، طلباً للبركة والنصر.
دهن المصريون القدماء موتاهم بزيت الزيتون المقدس، معتقدين بقدرته على حفظ الجسد وحماية الروح في رحلتها للعالم الآخر. وعلى جدران المقابر، صوّرت النقوش مشاهد تقديم قرابين الزيتون وزيته للآلهة، مصحوبة بتراتيل وابتهالات خاصّة. وفي نصوص البرديات الطبّية، وصف قدامى المصريّون زيت الزيتون كدواء مقدّس، فخلطوه بالأعشاب لعلاج الأمراض وتخفيف الآلام.
في العهد الفينيقي رشّ العرب زيت الزيتون على عتبات منازلهم في الاحتفالات الموسمية، اعتقاداً منهم بقدرته على طرد الأرواح الشريرة وجلب الخير والبركة. والأرواح الشرّيرة هنا هي الأمراض. وعلى سواحل بلاد الشام، مزج العرب زيت الزيتون بالأعشاب العطرية لصناعة زيوت التدليك المقدّسة، التي استخدموها في شعائر الزواج والولادة. في المراسم الجنائزية، وبعد التحوّل من الحرق وإطعام النسور إلى الدفن، وضع الناس أواني زيت الزيتون في القبور، ليرافق موتاهم في حياتهم الأخرى.

في المناطق القرطاجية صنع العرب من ثمار الزيتون وأوراقه أكاليل زيّنوا بها رؤوس عرائسهم، رمزاً للخصب والنماء. وفي احتفالات الحصاد، رقص الفلّاحون بين أشجار الزيتون، مردّدين أناشيد قديمة تمجّد بركة هذه الشجرة المقدسة. وعلى شواطئ شمال أفريقيا، دهن الصيّادون قواربهم بزيت الزيتون، متضرّعين للآلهة البحرية بموسم صيد وفير.
عرف سكان سواحل البحر المتوسط في التاريخ القديم ألف استعمال واستعمال لزيت الزيتون في حياتهم اليومية.
في الحقبة الفينيقية؛ وكما هم عرب المتوسّط اليوم، طبخت النساء بزيت الزيتون النقي، فأضفى نكهة مميّزة على المخبوزات والمشويّات والأسماك. مع اللّحوم المطبوخة على النار، سكبن زيت الزيتون الطازج فوق الشُربة الساخنة والمَرَق المتبّل بالأعشاب البرّية. وفي موائد الطعام اليومية، غمس الآكلون الخبز الرقيق في أوعية زيت الزيتون المعطّر بالثوم والزعتر البري.
داوى قدامى أطبّاء المصريّين مرضاهم بزيت الزيتون المخلوط بالأعشاب الطبّية، فعالجوا به الحروق والجروح والالتهابات. وعلى ضفاف النيل، صنع العطّارون من زيت الزيتون مراهم وكمّادات لتسكين الآلام وتخفيف أوجاع المفاصل. وفي المنازل القرطاجية، خلطت النساء زيت الزيتون بالعسل والبزورات المطحونة لتقوية أجسام الأطفال وتعزيز مناعتهم.
دهنت نساء الطبقة الراقية في مصر القديمة أجسادهن بزيت الزيتون المعطّر بالورود والياسمين، فأكسبهنّ رائحة زكيّة ونعومة فائقة، وهذه عادة ورثتها مناطق البحر الأحمر حتّى اليوم. وعلى شواطئ بلاد الشام، غسلت النساء شعورهن بزيت الزيتون الدافئ، فزاد لمعانها وطولها وكثافتها، وهي عادة ممارسة كذلك حتّى اليوم. وفي حمّامات قرطاج العامّة، فرك المستحمّون أجسادهم بزيت الزيتون المخلوط بالرمل الناعم لتنظيف البشرة وتنعيمها.

قبل آلاف السنين أضاءت مصابيح زيت الزيتون منازل المصريّين، فبددت ظلمة الليل وأنارت مجالس السمر والحكايات، ونشرت عطرة زيت الزيتون المحروق في أجواء المنازل ليلاً، ما أعاد في عواطفهم مشاعر رهبة قداسة المعابد. وفي المناطق الفينيقية، على رفوف المطابخ، حفظت ربّات البيوت المؤن في جرار مدهونة بزيت الزيتون ومغطّاة كذلك بطبقة رقيقة من الزيت لحمايتها من التلف والعفن. وفي مشاغل النجّارين، دهن الصنّاع الأخشاب بزيت الزيتون لحمايتها من التشقق والتسوس، فصارت رائحة الزيتون هي السمة المميّزة للمشتغلين في النجارة.
نظّفت النساء في المنازل المصرية القديمة الأواني النحاسية والفخّارية بزيت الزيتون، فأعاد إليها بريقها ولمعانها، وحفظها من البكتيريا الضارّة. وعلى موانئ البحر المتوسط، دهن البحّارة الفينيقيّون سفنهم بزيت الزيتون لحمايتها من ملوحة المياه وأمواج البحر. وفي ورش الدبّاغين، عالج الحرفيّون الجلود بزيت الزيتون، فأكسبها ليونة ومتانة.
عند ظهور المسيحيّة، ارتبط زيت الزيتون بشعائر التعميد والمسح المقدّس، فاستعمله رجال الدين في تكريس الكنائس وتقديس الأواني الليتورچية. وداخل الكنائس البيزنطية، أضاءت قناديل زيت الزيتون المحاريب والأيقونات، فأضفت جوّاً روحانياً على الصلوات والقداديس. وهو استمرار للعهود المتوسّطية القديمة ما قبل المسيحيّة.
مع انتشار التعاليم المسلمة، استمرّ تقديس شجرة الزيتون وزيتها، فورد ذكرها في القرآن الكريم والأحاديث النبوية. عند موائد الإفطار في رمضان، تصدّر زيت الزيتون والزيتون المخلّل صدر المائدة، فارتبط بالعبادة والتقوى. وفي مساجد المغرب العربي، أنارت مصابيح زيت الزيتون ساحات الصلاة وأروقة المدارس الدينية، فبقيت رائحة الزيتون هي السمة الأوضح لأماكن العبادة والدراسة الدينية.

ولادة زراعة الزيتون
في الواقع، بدأت الناس بزراعة النسخة المعاصرة من شجرة الزيتون في منطقة إدلب في سوريا، في فترة تعود إلى ٨٠٠٠ سنة مضت وانتشرت خلال ألفي سنة تالية على طول الساحل شرق المتوسط. لكن، سبق النوع المعاصر أنواع أخرى كانت تُزرع في تونس والمغرب وكذلك في جزائر المتوسّط جميعاً. لكن، وقد ساد النوع المعاصر بات يمكننا تبسيط القول أنّ زراعة الزيتون بدأت في منطقة إدلب شمال غرب سوريا. وأوّل من شرع بتجارتها وتحويلها إلى تجارة دولية كانت الحضارة المينوية في قْريته (جزيرة كريت) التي قام اقتصادها كاملاً على الزيتون ومنتجاته.

خلال حياة الممالك العربية الكنعانية اعتمدت تجارتهم على تصدير زيت الزيتون من منطقة إدلب، فكانت جِرار أرمناز الزجاجية تُطوّر خصّيصاً في مصانع الزجاج الكنعاني ثمّ تنقل إلى مستودعات مدينة المعرّة لحمل زيت الزيتون والنبيذ والعطور. ثمّ تنطلق بعدها على السفن الكنعانية حول المتوسط وعبر أنهار أوروپا، وكذلك حول بحر العرب والمحيط الهندي.
مع اعتماد سكّان منطقة إدلب لحياتهم على اقتصاد زيت الزيتون صارت مكانته مقدّسة أكثر فأكثر، حتّى عدّته بعض الناس عرق الملائكة، فيه شفاء من كلّ داء، وانتشرت العادات والممارسات كما أسلفت… ومن جهتي أحبّ زيت الزيتون الإدلبي طالما نشأت عليه، وأشتاق جدّاً للاستمتاع بحبّات زيتون إدلب السوداء بالبركة، كما أشعرها؛ سواء أكانت مباركة حقيقة أم خيال.

في تاريخ إدلب
قد لا تعلم أنّ إدلب وحدها تضمّ ثلاثة ملايين شجرة زيتون، وأسماها الرحّالة قديماً “موطن الزيتون” بمختلف اللّغات التي دوّنت عنها. وهذه المدينة حقيقةً ورغم كلّ ما يقال في تاريخها القديم، لم توجد قبل القرن السابع عشر، إذ بناها العثمانيّون، واستعاروا لها اسماً من مدينتين كانت تقعان قريباً من موقعها المعاصر، هما إدليب الكبرى وإدليب الصغرى.
في اسم إدلب
تظهر في نصوص إبلا التاريخية (٢٣٥٠ ق.م) مدينة قديمة على بعد ٢٢ كيلومتراً من إدلب المعاصرة. وتكشف النقوش المسمارية عن تسمية المدينة برموز 𒁺𒄷𒆷𒇥𒌝 بصياغة “دُ-حُ-لَ-بُ-أُم”. ويتّضح من قراءة هذه الرموز المسمارية تفصيح الاسم إلى {دُحُلَبُم}، في دلالة على الحُلَبيّين أصحاب البشرة البيضاء.
تبرز في تركيب الاسم المسماري عناصره اللّغوية: {ذو (بمعنى أصحاب) + حُ + لب + م} (أداة التعريف في اللغات العروبيّة القديمة). وتنكشف في هذا التحليل اللغوي علاقة وثيقة بين اسمي إدلب وحلب القديمين، فكلاهما يشتق من الجذر {لب} مع إضافة أداة التعريف المختلفة.
تتجلّى في النقوش المصرية العائدة لعهد تحوتموس الثالث إشارة إلى المدينة باسم {وُتحپ} 𓃹𓏏𓎛𓄜𓊪، ممّا يؤكد استمرارية التسمية عبر العصور القديمة. وتتطابق هذه الإشارات التاريخية مع موقع إدلب الحالية في الشمال السوري، على مسافة قريبة من موقع المدينة القديمة. يتألّف الاسم من مقطعين مصريّين قديمين: {وُت} 𓃹𓏏 وتعني “الأبيض”، و{حپ} 𓎛𓄜𓊪 وتعني معبد في العروبيّة القديمة. تكشف المقارنة اللّغوية تطابقاً معجمياً بين التسميتين المصرية والمسمارية، فكلاهما يشيران إلى معنى البياض أو اللّون الأبيض.
لتحليل دقيق لكلمة حپ أو حمپ 𓎛𓄜𓊪 (ميم صامتة) نفكّكها، حيث:
- رمز 𓎛 (حوت أو حتب) ويمثّل هذا الرمز معنى “هدوء” أو “سلام” أو يشير إلى “رضى”.
- رمز 𓄜 يُستخدم لتمثيل حرف الـميم أو كرمز مرتبط بالماء أو شيء مشابه.
- 𓊪 (پُ أو پو): غالباً ما يُستخدم كحرف الـپاء.
تظهر في النقوش المصرية العائدة لعهد تحوتموس الثالث (١٤٧٩-١٤٢٥ ق.م) تسجيلات متعدّدة لهذا الاسم ضمن قوائم المدن الخاضعة للنفوذ المصري في بلاد الشام. وتبرز أهمية هذا التوثيق المصري في تأكيد استمرارية التسمية القديمة للمدينة عبر فترة زمنية طويلة، من عصر مملكة إبلا في الألف الثالث قبل الميلاد وحتى عصر الدولة المصرية الحديثة في الألف الثاني قبل الميلاد.
تؤكّد المقارنة بين التسمية المسمارية 𒁺𒄷𒆷𒇥𒌝 والتسمية المصرية 𓃹𓏏𓎛𓄜𓊪 استمرارية تراث لغوي عروبي قديم في المنطقة، مع تنوّع في أشكال الكتابة وطرق التعبير عن المعنى نفسه. وتعكس هذه الاستمرارية اللّغوية عمق الروابط الحضارية بين شعوب المنطقة في العصور القديمة.
عموماً، تعتبر مدينة إدلب سوق تجارية يشتغل أغلب أهلها بالتجارة، تسيطر على تجارة الزيتون وزيته وتحدّد أسعاره، كما تصدّر الصابون والتين والعنب والقمح والشعير والقطن والبقوليّات والعطور والبزور. وهذه كانت أهمّ ما يستورده الرومان من منطقة إدلب لصناعة التوبل الرومانية الشهيرة، ما بين القرنين الثاني ق.م والرابع الميلادي.
يقول الباحث والمؤرّخ فايز قوصرة عن نشوء مدينة إدلب (صحّحت إملاء أسماء المواقع والشخصيّات التاريخية):
{إنّ حال مدينة إدلب كحال الكثير من البلدان والقرى التي نشأت حول المعبد الديني، فقرية «لوبان» 𒌓𒁍𒀀𒉡، وهي التسمية الإبلائية لإدلب، تكوّنت في حدود منتصف الألف الثالث قبل الميلاد حول معبد «نِدَكُل» 𒉡𒀀𒁀𒆪𒉡 الإبلائي، وهذا المعبد كان يقوم في موقع جامع «العمري» الذي هٌدم في عام ١٩٨٨، وتذكر نصوص إبلا بأنّ ملك «كِش» 𒆧𒀾𒄑 وبعد زواجه من أخت ملك إبلا المعروف «إپريُم» 𒅆𒁉𒀀𒋙، أرسل أخته «زَنِپ دُلُم» 𒍝𒉊𒀀𒁉𒄑𒄯، لتصبح كاهنة في هذا المعبد، وهذا يبرز أهمّية هذا المعبد في هذه المنطقة تاريخياً.
وفي منتصف القرن السادس الميلادي، تحوّل المعبد الوثني إلى دير سرياني حمل اسم «دير دْلبين» ܕܝܪܐ ܕܠܒܝܢ، وحول هذا الدير تكوّنت القرية في حي «الصليبة» الذي لا يزال يعرف بهذا الاسم حتى اليوم في هذه المدينة. وثبت اسم هذا الدير عند العرب المسلمين باسم «دير لِبْ»، تحريفا للاسم السرياني القديم. وفي فترة الفتوحات الإسلامية، لم يذكر عن واقع هذا الدير، أوهذه القرية شيئاً. فأبناؤها أيّدوا العرب المسلمين لتخليصهم من جور بيزنطة، واضطهادها المذهبي لهم. ونتيجة الضغوط الكبيرة التي تعّرضت لها الكنيسة السريانية المنوفيزية، من قبل الروم؛ لكي تتبع كنيستهم اللاتينية، هاجر الكثير منهم إلى مصر والعراق ولبنان، حيث أنّ هناك الكنيسة الأقرب إلى مذهبهم. وأمّا من بقي منهم فقد أسلم بعد خروج الروم.
وفي العهد المملوكي انتهت حياة هذا الدير. وتحوّلت كنيسته إلى مسجد دعي بالعمري. وهذا الاسم كان شائعاً في تلك العهود، فلغتنا الشعبية المحكيّة فيها العديد من الكلمات السريانية، حيث كان السريان يسمّون الدير بالعُمْر (لأنّ زيارته عُمرة). ومع الزمن تحوّل موقع الجامع إلى قرية تدعى {إدليب الصغرى} بالياء، وأحيانا {إذليب الصغرى}. ويذكر الشيخ {عبد الرحمن ربوع} ابن إدلب في مذكّراته، بأنّ بناء إدلب الصغرى تمّ في عام ١٥١٢م.
ويمكننا أن نلخّص نشوء مدينة إدلب بالمراحل التالية: معبد وثني، ثم دير سرياني، فجامع في قرية «دير ليب»، وفي النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي أصبحت تسمى قرية «إدليب الصغرى»، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انتهت «إدلب الكبرى» الشمالية، بعد أن هاجر سكّانها إلى «إدلب الصغرى» الحالية، ومنذ حوالي مائة وخمسين عاماً اقتصرت التسمية رسمياً على «إدلب»}.

الحرمين ومولد إدلب الحديثة
دُحُلَبُم القديمة، أو وُتحپ، صارت لاحقاً مدينة اسمها إدليب. وفي العصور الوسطى، انتشرت روايات شفهية متوارثة أنّ إدليب صارت مدينة كبيرة ومزدهرة. ثمّ على مرّ القرون، تعرّضت لكارثة عظيمة؛ ربّما كانت حرباً أو وباءً، أدّت إلى تدميرها وانقراض معظم سكانها. ثمّ بقيت من ضواحيها منطقتين منفصلتين، عُرفتا لاحقاً باسم إدليب الكبرى وإدليب الصغرى. لكن الدراسات الأثرية الحديثة لم تقدّم حتى الآن أدلّة قاطعة تؤكد صحة هذه الرواية التاريخية.
لكنّ المحقّق تاريخيّاً أنّ مدينة إدلب المعاصرة لم توجد قبل القرن السابع عشر، إذ بناها العثمانيّون، واستعاروا لها اسماً من المدينتين اللّتين كانتا تقعان قريباً من موقعها المعاصر: إدليب الكبرى (قرية دارسة المعاصرة) وإدليب الصغرى (قرية العامرة المعاصرة). وتحوّرت إدليب إلى إدلب.
في نهاية عصر السلاطين الأمهات (الوالدات) سنة ١٦٥٦ تولّى صدارة السلطنة العثمانية الپاشا الألباني {محمّد كپرولی}؛ وهو الذي بدأ الحقبة الكوپريلية على رأس السلطنة، بإبعاد السلطان إلى مدينة أدرنة وإلهائه بالسفر في البلقان وبهواية الصيد، بعد تمكّنه من إقناع السلطانة والدة السلطان محمّد الرابع بالتنازل عن صلاحيّاتها والانسحاب من المشهد السياسي تماماً.

احتاج الصدر الأعظم كپرولی پاشا إلى وقف لتمويل الحرمين الشريفين في الحجاز. فأسّس مدينة إدلب وأعفاها من الضرائب ورسوم التجارة الخارجية وكرّس مواردها للإنفاق على الحرمين، ثمّ أمر المهندسين فخطّطوها بناء على هوا الپاشا وإشرافه، بما يتوافق مع أحدث تقنيات زمنه. فأنشأ فيها الخانات ووصلها بالأسواق ورصفها بالحجر، وكان خصّص لكل حرفة سوقاً خاصة بها. خطّط كپرولی پاشا مدينة إدلب على نواة بيضاوية اكتظّت بالسكان، وانتشرت حولها الأحياء المنظّمة حلقات تخترقها شوارع عريضة مستقيمة غير محدودة بأبواب.
نقل كپرولی مصطفى پاشا سكّاناً مُضريّين من قنّسرين، فشكّلوا مع سكّان إدليب الكبرى والصغرى النواة الأولى لإدلب الجديدة عام ١٦٧٨. جلب بعدها مجموعة كبيرة من التجّار والحرفيّين من مدينة آمد (ديار بكر) بعد إغرائهم بامتيازات ضريبية وتجارية. ثمّ سكن في المدينة بعدها فوج من الحرفيّين الأرمن المسلمين القادمين من مرعش وعينتاب، فأسّسوا ورشاً للنسيج والصباغة والحدادة. انضمّ إليهم عدد من العائلات التركمانية المهاجرة من منطقة أضنة، فاشتهروا بتربية الماشية وصناعة الألبان. واستقرّ في المدينة أخيراً تجّار من حلب ودمشق، فأسّسوا شبكات تجارية مع المدن المجاورة.

عمل كپرولی مصطفى پاشا على تنظيم هؤلاء السكان في أحياء متجاورة متكاملة. بنى لهم المساجد والمدارس والحمّامات والأسواق. وزّع عليهم قطع الأراضي حَسَبَ مهنهم وحرفهم. منح التجّار والصناع امتيازات خاصة لتشجيع الإنتاج والتبادل التجاري. أشرف على تأسيس نظام إداري متكامل للمدينة. ونجح هذا التنوّع السكّاني في تحويل إدلب إلى مركز تجاري مزدهر. وتراكمت خبرات السكّان في مجالات متعدّدة. فتطوّرت الحرف اليدوية والصناعات الخفيفة. وازدهرت التجارة مع المدن المجاورة. وبرزت المدينة كمحطّة مهمّة على طريق القوافل التجارية بين حلب والساحل السوري.
أسّس الصدر الأعظم كپرولی مصطفى پاشا عام ١٦٧٨ وقفاً خيرياً عظيماً لضمان استمرار تدفق الأموال للحرمين الشريفين. وبلغت قيمة هذا الوقف مبالغ طائلة شملت أراضٍ زراعية وعقارات ومَحَالّ تجارية في مختلف أنحاء الدولة العثمانية، وكانت إدلب من هذه العقارات ومركزها.
سعى كپرولی پاشا بواسطة تأسيس هذا الوقف لتحقيق عدّة أهداف مهمّة، منها تثبيت مكانة الدولة العثمانية كحامية للحرمين الشريفين، وتعزيز شرعيّتها السياسية والدينية في العالم المسلم، وضمان استمرار الخدمات المقدّمة للحجّاج والمعتمرين دون انقطاع. وخصّص ريع الوقف لتغطية تكاليف متعدّدة مثل رواتب العاملين في الحرمين من أئمّة ومؤذّنين وخدم، وصيانة المباني والمرافق، وتوفير الطعام والشراب للزوّار، وتأمين قوافل الحج والعمرة. وأظهر هذا العمل الخيري العظيم مدى اهتمام الدولة العثمانية بخدمة الأماكن المقدسة وزوارها.
وكان أسّس كپرولی مصطفى پاشا الوقف لأسباب عميقة تتعلّق بطبيعة النظام السياسي العثماني وتعقيداته. في الأساس، صارت موازنة الدولة العثمانية عرضة للتقلّبات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ممّا دفع الصدر الأعظم للبحث عن مصدر تمويل مستقل ومستدام للحرمين الشريفين. وعلى مستوى السياسة الداخلية، منح الوقف كپرولی پاشا سلطة مباشرة على إدارة شؤون الحرمين بعيداً عن تدخّلات المنافسين السياسيّين والبيروقراطيّين العثمانيّين. وبالأخصّ، أمراء البيت العثماني، وأمراء مماليك مصر، وأمراء العشائر الحجازيّة.
ساعد نظام الوقف على تحصين موارد الحرمين الشريفين من الصراعات السياسية والتنافس بين مراكز القوى المختلفة داخل الدولة العثمانية. ومع الوقت، تطوّر الوقف ليصبح مؤسّسة مستقلّة ماليّاً وإداريّاً تضمن استمرار الخدمات المقدّمة للحجّاج والمعتمرين بغض النظر عن التغيرات السياسية والاقتصادية.
عزّز هذا النظام مكانة عائلة كپرولی السياسية والاجتماعية باعتبارهم رعاة للحرمين الشريفين. بالإضافة إلى ذلك، خدم نظام الوقف أيضاً هدفاً استراتيجيّاً مهمّاً بتعزيز الشرعية الدينية للدولة العثمانية أمام منافسيها من القوى المسلمة الأخرى، خاصّة الدولة الصفوية. فعندما يرتبط تمويل الحرمين بمؤسّسة وقفية مستقلّة، يصعب على المنافسين استغلال أي تقصير محتمل في خدمة الأماكن المقدسة للتشكيك في شرعية الحكم العثماني.
سنة ١٨٩٠ أحصت الدولة في إدلب ٩٠ مدرسة و١٤ مسجد، وكانت أوّل المناطق التي تتمرّد على سلطات الاحتلال الفرنسي بعد حوران، فقصفها الفرنسيّون بالمدفعية سنة ١٩٢٠ واعتقلوا معظم رجالها، فتشرّدت نساؤها وأطفالهن في البراري تحت أشجار الزيتون. ثمّ عادوا إليها بالقوّة بعد تنظيم {هنانو} للمقاومة وبقيت تناهض الاحتلال الفرنسي بعناد حتى مطلع سنة ١٩٤٥ حين رحلت عنها القوّات الفرنسية قبل بقية سوريا بأربعة أشهر.
سنة ١٩٥٨ فصل جمال عبد الناصر محافظة لإدلب وقطعها عن حلب بغاية تكريس تجارتها الزراعية في خدمة القاهرة، ولإنشاء منطقة عازلة عن الداخل السوري في مواجهة تركيا.

المراجع
- قوصرة، فايز. “من إيبلا إلى إدلب.” مكتبة إدلب الجديدة، 2004.
- الحموي، ياقوت. “معجم البلدان.” دار صادر، بيروت، 1977.
- العظم، خالد. “تاريخ إدلب وآثارها.” منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1969.
- رافق، عبد الكريم. “العرب والعثمانيون 1516-1916.” دمشق: جامعة دمشق، 1974.
- Besnard, Guillaume, et al. “The Complex History of the Olive Tree: From Late Quaternary Diversification of Mediterranean Lineages to Primary Domestication in the Northern Levant.” Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences, vol. 280, no. 1756, 2013.
- Marcus, Joyce. “The Archaeological Evidence for Social Evolution.” Annual Review of Anthropology, vol. 37, 2008, pp. 251-266.
- Newton, Claire, et al. “On the Origins and Spread of Olea europaea L. (Olive) Domestication: Evidence for Shape Variation of Olive Stones at Ugarit, Late Bronze Age, Syria.” Vegetation History and Archaeobotany, vol. 23, no. 5, 2014, pp. 567-575.
- Masters, Bruce. “The Origins of Western Economic Dominance in the Middle East: Mercantilism and the Islamic Economy in Aleppo, 1600-1750.” New York University Press, 1988.
- Pamuk, Şevket. “The Ottoman Empire and European Capitalism, 1820-1913: Trade, Investment and Production.” Cambridge University Press, 1987.
- Raymond, André. “Arab Cities in the Ottoman Period: Cairo, Syria and the Maghreb.” Ashgate/Variorum, 2002.
- Suraiya, Faroqhi. “The Ottoman Empire and the World Around It.” I.B. Tauris, 2004.
- Zohary, Daniel, and Maria Hopf. “Domestication of Plants in the Old World: The Origin and Spread of Cultivated Plants in West Asia, Europe and the Nile Valley.” Oxford University Press, 2000.





اترك رد