لطالما تساءلت فيّ وفي نفسي،
ما هو معنى أن تهدينا الحياة الحُبّ الحقيقيّ؟
ما هي أهمّيّة هذا الحالة في مراحل الحياة المختلفة؟
وبينما أبحث في كتابات من رحلوا وتحدّثوا في هذه التجربة العميقة، لحظت أنّ أكثر من كتبوا فيها؛ ما عاشوها في الواقع. إذ، وبينما أقرأ عن المئات أقوالهم في وصف ما يصلهم وما يعود عليهم من الحِبّ بالحُبّ الحقيقيّ، أجدهم غافلين عن أنّ الحُبّ الحقيقي منبعٌ منّا نحن، لا حصيدة من الآخرين. الحُبّ الحقيقيّ هو ما نمنحه نحن للآخرين، هو ما نعطيه للحِبّ الخليل، ولفلذة الكبد، وللناس أجمعين. نحن الحقيقة هنا، لا الرجاء من الآخرين. ومع ذلك، فإنّ الحُبّ الحقيقيّ فعلاً هو أن تمنح لغيرك نفسك، ثمّ يعود عليك الآخر بنفس المقدار من الحُبّ وأكثر… ويستمرّ التنافس أيّنا يحُبّ أكثر.

قبل مئة عام قال فيلسوف دنماركي اسمه كيركيگارد: “الحياة ليست مشكلة تحتاج إلى حل، ولكنّها حقيقةٌ تحتاج إلى تجرِبة.” وهذه أقرأها أنا أنّ الحبّ الحقيقيّ، مثل الحياة نفسها، هو شيء يجب علينا أن نعيشه ونجرّبه بأنفسنا وبقرار منّا. فالحُبّ الحقيقيّ موجود وحقيقة معروفة، لا يمكن إنكار وجودها. غير أنّنا نحن من نقرّر الخوض في غمارها، أو البقاء على السطح.
ويدعم نظرتي هذه جان پول سارتر حين قال: “ليست المسألة في أنّ الحياة ليس لها معنى، المسألة هي أنّك يمكنك أن تختار معنى لها.” نعم، هذا هو فعلاً الحُبّ الحقيقيّ، إذ يمكننا اختيار تقديره واحتضانه كجزء من معنى حياتنا. ويمكننا هكذا اختيار شخص وتقديره واحتضانه كجزء من ذاتنا، لا كشخص آخر ننتظر منه، كلّما احتجنا حاجة، طلبناها منه.

ويسمو عن الاثنين الحلّاج، وكم أحبّ الحلّاج، حين قال “أنا في الحبّ، والحبّ فيّ، والحبّ هو أنا”. ففي نظره؛ الحياة اندماج كامل بالحُبّ ومع الحُبّ، وهو، في نظري، مفهوم الحُبّ الحقيقيّ الذي يغمر الحياة، فتخرج منه حقيقيّة.
وهذه مُخرجاتنا الأصليّة لهذا العالم… هذا غرض الحياة. لذلك، دَعمَ ابن حزم الأندلسيّ قول الحلّاج وقال “الحُبّ هو اختيار الروح، وهو أقوى من أيّ قوّة أخرى”. فإن كنت تؤمن بوجود الروح، فإنّ ابن حزم قال أنّ الله جعلها فينا اختياراً، لا قسراً. ونثرنا بذاراً في هذه الدنيا، نبحث عن أرواحنا، فنرتديها، ونضعها فينا بين الضلوع، موضع القلب… لهذا، قال ابن حزم “إذا كنت تحُبّ، فأنت تعيش. والحياة بدون حُبّ ليست حياة.”.
وأذكر في طفولتي أنّ جبران علّمني أنّ: “الحُبّ لا يعطي إلا نفسه ولا يأخذ إلّا من نفسه. الحُبّ لا يَملك ولا يُمتلك”. علّمني جبران أنّ الحُبّ الحقيقيّ هو عطاء غير مشروط.

“أن تهدينا الحياة الحُبّ الحقيقيّ” هي الفرصة التي تقدّمها الحياة لنا لنختار بقرار منّا، تجرِبة الحُبّ الحقيقّي، والعميق، والنقيّ. هذا النوع من الحُبّ وعلى الرغم من كونه الأمثل بشكل الحُبّ الرومانسي، غير أنّه يشمل كذلك حُبّ الأسرة، وحُبّ الأصدقاء، وحُبّ الإنسانيّة كلّها…
وهذا الحُبّ الحقيقيّ يضيف الكثير إلى حياتنا. فنحن حين نحبّ ونكون محبوبين بالمقابل، نتعلّم وننمو كأشخاص. نتعلّم كيف نشارك ونثق ونتعاطف مع الآخرين. والحبّ الحقيقي يزرع السعادة والرضا في حياتنا. فيكون مصدراً للأمان والراحة. والحبّ الحقيقيّ يعطي حياتنا معنى وغرض. فيجعلنا نشعر أنّنا جزء من شيء أكبر من أنفسنا. والحبّ الحقيقيّ يؤدّي إلى تكوين روابط قويّة وعميقة مع الآخرين. هذه الروابط ترفع من جودة حياتنا، وتعطيها المعنى.

إنّ منْحنا أنفسنا والآخرين هذا الحُبّ النقيّ، يُثري حياتنا بالكثير، فنتعلّم وننمو، ونشعر بالسعادة والأمان، وتكتسب حياتنا معنى أعمق. فهي فرصة فريدة لخلق روابط قويّة ودائمة مع من حولنا، روابط ترتقي بنوعيّة حياتنا وتعطيها غاية سامية. فلنغتنم إذن فرصة الحُبّ التي تهدينا إيّاها الحياة، ولنفتح قلوبنا لنجرّب هذا الحُبّ الصافي الذي يثري الروح ويمنح الحياة معناها. لنتّخذ قرار تجرِبة الحُبّ الحقيقي.

للمتابعة أقترح عليك قائمة ببعض الكتب التي تتناول موضوع الحبّ من منظور فلسفي وعميق، والتي يمكن أن تُعمّق فهمنا لمفاهيم الحبّ الحقيقي:
1. الحبّ الحقيقي: أسرار الحبّ الدائم تأليف: د. غاري تشابمان. يقدم الكتاب وصفًا دقيقًا لمكونات الحبّ الحقيقيّ، ويُساعد القارئ على اكتشاف لغة الحبّ التي تناسبه.
2. الحبّ: معنى الحرية تأليف: إريك فروم. يُعرّف الكتاب الحبّ كقوّة إيجابية تُحرّر الإنسان من الأنانية، وتُساعده على تحقيق التكامل الشخصيّ.
3. فنّ الحبّ تأليف: إريك فروم. يُقدّم الكتاب مجموعة من الأفكار حول كيفية تنمية الحبّ الحقيقيّ، وكيفية التغلب على العقبات التي تواجهه.
4. الحبّ الحقيقيّ: رحلة نحو التكامل تأليف: د. جيمس دوبسون. يُقدّم الكتاب نظرة شاملة للحبّ الحقيقيّ، من منظور نفسيّ وروحيّ.
5. الحبّ في زمن الكوليرا تأليف: غابرييل غارسيا ماركيز. رواية تُجسّد الحبّ الحقيقيّ كقوّة قاهرة تتحدى الزمن والمجتمع.
6. مذكرات فتاة شابّة تأليف: آن فرانك. مذكرات تُظهر قدرة الحبّ على التغلب على أصعب الظروف.
7. روميو وجولييت تأليف: وليم شكسبير. مسرحية تُجسّد الحبّ المأساويّ الذي يُفضي إلى النهايات المأساوية.
8. أناشيد الحبّ تأليف: جبران خليل جبران. مجموعة من القصائد تُعبّر عن مختلف جوانب الحبّ.
9. الحبّ الحقيقيّ: رحلة نحو الوعي تأليف: د. جون غراي. يُقدّم الكتاب نظرة جديدة للحبّ الحقيقيّ كوسيلة لتحقيق الوعي الروحيّ.
10. الحبّ في الإسلام تأليف: د. يُوسُف القرضاوي. يُقدّم الكتاب نظرة إسلامية للحبّ، مع التركيز على أهمّيته في بناء الأسرة والمجتمع.





اترك رد