تعال أقصّ عليك حكاية أوّل محاولة لتنظيم اعتصام سلمي في دمشق
تردّدت كثيراً قبل نشر هذه التدوينة، ولم أزل في حيرة بين صحّة أو خطأ قراري… لكن رؤية صور احتفالات الناس في دمشق في الأمس أدمعتني، وذكّرتني بما حبسته طيلة ١٣ سنة، وسكتّ عن البوح به.
بعد تصاعد الأحداث في درعا ووصول الأخبار عن تقاتل الفرقتين الثالثة والرابعة حول الجامع العمري، ما أوحى بانقسام الجيش… فكّرت مجموعة من المثقّفين السوريّين بالدعوة لاعتصام كبير في ساحة الأمويّين بدمشق… لأنّها عاصمة سوريا.
كانت أهداف الاعتصام هي إجبار نظام الأسد، وبشكل سلمي، على قبول إجراء إصلاحات ديمقراطية في نظام الحكم السوري، وإيقاف ربطه بآل الأسد، وإيقاف كلّ العمليّات العسكرية في وجه الشعب… وعلى هذا، وقف العمليّات العسكرية في حمص ودرعا.
أذكر أنّ من قاد المبادرة في تلك الأيّام المفكّر الرائع {جمال جمال الدين} صاحب مجموعة من أجمل الكتب العربية المعاصرة في مجال إدارة العقل والتفكير العلمي. الأستاذ جمال، من حسن نواياه، تواصل مع الجهات الأمنية لتطمينها إلى أنّ الاعتصام سلمي تماماً، ولن ينادي بإسقاط النظام. لكن، له مطالب محقّة ويريد من الحكومة سماعها ومناقشتها.
من المهمّ أن نذكر أنّ هتاف إسقاط النظام لم يخرج في مظاهرات الانتفاضة السورية باكراً، بل تأخّر عدّة أشهر، لإيمان البعض (عن براءة) بحرص جيش الوطن على الشعب أكثر من آل الأسد. وبأنّ التغيير ممكن بشكل جزئي دون هدم النظام بالكامل.
قرّرنا أن يكون الاعتصام في ١٧ نيسان ٢٠١١، وحددنا موقعه ساحة الأمويين، ونالت الفكرة الدعم من بعض الأثرياء الذين وعدوا بتأمين الماء والغذاء والكهرباء وأكياس النوم والخيام للمعتصمين.
سلّمتني المجموعة مهمّة جذب الرأي العام باستعمال وام (وسائل الإعلام المجتمعي) وتنظيم الدعوة للاعتصام بواسطتها. والآخرون تفرّغوا لمهمّات غيرها. وفعلاً، بدأنا الدعوة، وصنعت event الاعتصام على فيٓسبوك، وانجذب الآلاف… وكانت الدعوة والمشاركات علنية، ليس فيها سرّية بالمطلق. لننزع (كما اعتقدنا) مخاوف الأجهزة الأمنية من الحراك… وما كنّا نظنّ أنّ في الحراك نفسه كفر بالأسد، حسب مبادئ عناصر هذه الأجهزة الأمنية.

قبل موعد بدء الاعتصام بأربع أيام نشرت قوّات الأمن السورية سيارات زرهول (فهد) مصرية صفراء في أرجاء الشوارع المحيطة والنافذة إلى ساحة الأمويّين. (وقال البعض أنّها عربات VBTP Urutu/Fuchs وليست فهد).
ثمّ قبل موعد الاعتصام بيومين بدأت اتصالات التهديدات. وأخيراً جاء اتّصال من رأس فرع الأمن السياسي، وقال للأستاذ جمال بالحرف {إذا بتنزلو ع الأمويين والله لترجع الناس تلمّكم من ع الساحة شقف} وصار يهدّد بالمدرّعات ذات البرج المتحرّك المسلّح برشّاشات.
اتّصل بي الأستاذ جمال بصوت قلق يرتجف، وطلب منّي حذف الـ event من على فيٓسبوك وإخبار كلّ الناس بأنّ الاعتصام مُلغى والتوقيت غير مناسب. وكان كل همّه هو أرواح الناس التي دعونا للمشاركة. لكنّ بعض الرافضين للإلغاء انتقلوا بالفكرة إلى مدينة دوما قرب دمشق، وعُقد فيها اعتصام استمرّ أسابيع، ودعمه التجّار فعلاً بالغذاء، وانتهى بقتل وتهجير أغلب من شاركوا فيه.

هذه الراية كلّفتني يدي اليمنى ولها حكاية أقصّها عليك.
وقبل أن تستبق الأحداث، لا أدّعي أنّني اخترعت هذه الراية ولا ساهمت في وجودها. لكن، في صيف ٢٠١١ اجتمعنا في بيتي ثلّة من شباب تنسيقيّات عدّة من دمشق وريفها، وكان موضوع الاجتماع تغيير راية سوريا واختيار راية للثورة. وبدأنا بطرح تصاميم، بعضنا يرسم وبعضنا يبحث وأنا على گرافيك الكمپيوتر وأطبع، ونتناقش ونتجادل، دون الوصول إلى إجماع.
أخيراً، طرح شابّ من تنسقية معضّمية الشام فكرة العودة إلى راية سوريا قبل راية جمال عبد الناصر. وفعلاً نال هذا الرأي إجماع، إلّا واحد اعترض؛ هو الصحفي محمود الزيبق، الذي قام وخرج من بيتي بعد أن نهرني أنّني بخاري لا عربي ولا سوري، ولا يجوز أن يكون لي رأي في هذه المسألة. ومانَع فكرة تغيير العلم. وفعلاً، في الجمعة التالية خرجت أوّل مظاهرة رفعت هذه الراية في معضّمية الشام، وتتالت بعدها السبحة في سوريا كلّها.
تعرّضت للمساءلة والتحقيق في أفرع أمنيّة عدّة مرّات، والمطلوب أسماء حضور هذا الاجتماع، وحبستها. وفي إحدى هذه المرّات غُرست إلكترودات صغيرة في رؤوس أصابع يدي اليمنى تحت الأظافر، مع تمرير الكهرباء فيها عدّة مرات، ما سبّب ألماً مبرّحاً لا أنساه. هذا التعذيب سبّب لي ألما مستمرّاً ودائماً في معصم يدي لن يذهب مع الوقت، أي عاهة دائمة. ولو أنّ يدي عولجت لاحقاً في عمّان وأُنقذت. لكنّ الألم باق ومستمرّ، واعتدت وجوده. وأصبر عليه، كما صبرنا ١٣ سنة لنرى رايتنا راية رسمية تمثّل سوريا.
لي، هذه الراية لا تمثّل حزباً ولا فكراً ولا شخصاً ولا أيديولوجيا. بل إنّ هذه الراية تمثّل سوريا… هكذا بتجرّد. ولا يجب عليها غير هذا. نجماتها الثلاث؛ دمشق وحلب وديرالزور
لي، في رفع هذه الراية دَين أراه يسدَّد لمن رحل من أولاءك الشباب، أوّل المبادرين. ورفرفة فخر ترفع اسم كلّ شهيد من شهداء ثورة الكرامة. لا سيّما الذين رحلوا في عهد السلمية، حين افتدوا كرامتنا جميعاً بصدورهم. وبتقديم أرواحهم لنا، لنحيا كما نحبّ.

هذا العلم السوري صممته سنة ١٩٣٦ الكتلة الوطنية. وهو حزب سياسي أسّسه سنة ١٩٢٨ من كانوا مع الشريف الحسين. ومن كانوا مع الملك فيصل سنة ١٩١٨. ومن كانوا في المؤتمر السوري العالم سنة ١٩١٩. فأخذوا الراية الهاشمية واستبدلوا المثلّث الأحمر (رمز الهوية العربية) بنجمات حمراء.


أبرز أعضاء الكتلة الوطنية كانوا: هاشم الأتاسي وجميل مردم بيك وسعد الله الجابري ومحمد الرفاعي ونسيب البكري وإبراهيم هنانون وفخري الباردوي وفارس الخوري ومحمد الأشمر وأحمد الكيالي ولطفي الحفار وشكري القوتلي. وانقسمت الكتلة الوطنية لاحقاً إلى حزب الشعب والحزب الوطني… الذي لعن حافظ الأسد ميراثه كلّه، وأمعن في إذلاله.
انسرقت ثورتي!
من سنة ٢٠١٥ وبعض مواطني جمهورية نقّستان في سوريا يتحدّثون بـ «سرقة» الثورة و «سرقة منجزات» الثورة. واليوم علا صوتهم. وكل هذا بسبب فيلم وثائقي صنعته قناة العالم الإيرانية، واستضافت فيه بعض المتسلّقين من يدّعون أنّهم نشطاء لثورة الكرامة. وصحفية أنتجت الفيلم واخترعت مصطلح «انسرقت ثورتي».
الآن وقد نجحت، لنقُلْها بشكل واضح:
نحن لم نخرج في ثورة طمعاً في سلطة. لم نخرج في ثورة الكرامة لأنّنا نريد مكان الأسد. خرجنا لأنّ كرامتنا انتُهكت، وهتفنا «الشعب السوري ما بينذل» … هل تذكرون هذا الهتاف؟ كان أوّل هتافات الثورة السورية على الإطلاق. يوم كانت كلمة الشعب المنتفض كلّه واحدة.
الثورة ما كانت تقاتلاً على السلطة. الثورة قامت لإزالة احتكار السلطة.
الثورة قامت لإسقاط نظام الأسد الاستبدادي وتفعيل صندوق الاقتراع.
الثورة ما قامت لاختيار الحاكم… هذه تجري وفق الانتخابات الديمقراطية فقط، ولا تقوم بالسلاح، ولا تصنعها الثورات.
الثورات لا تُسرق. الثورات تنجح أو تفشل.
الآن، نجحت الثورة وأسقطت استبداد الأسد، وانتهت مهمّتها. وصارت المرحلة التالية على عاتق السياسيّين ومؤسّسات الدولة والعاملين فيها، والشعب.
الثورة لا تقود الشعب، ولا تدير الشعب، ولا تحكم الشعب. الثورة ثورة، انتفاضة تقوم لمنع الاستبداد بالشعب، ولمنحه القدرة على تحقيق حقّ اختيار إدارته بكلّ حرّية. الثورة تقوم لإسقاط نظام الحكم وهدمه. ولا تختار نظام الحكم ولا تبنيه. والشعب السوري تأهّل، وصار ذو خبرة وتجربة، وسيُسقط من جديد كلّ من ينوي الاستفراد بالسلطة.
تريد النقّ على نتيجة «الانتخابات» و «المؤتمرات» و «الاتّفاقات»، هذه إدارتها مهمّتك أنت المواطن سوري، وليست نتيجة ثورة. خائف من استبداد آخر بالسلطة؟ خائف من حكم من لا يجاري هواك؟ شارك في العملية السياسية، وساهم باختيار السلطة… وحاج تنقّ.






اترك رد