رسمة أمس السبت عن صورة كنت التقطتها لبرلين، هذه المنطقة في المشهد كانت الوسط الحكومي والتجاري لبرلين الشرقية، قبل الوحدة، في حين باتت أحد أهمّ المناطق السياحية البرلينية بعد الوحدة.

على تلك الخطوط الحديدية يسار الرسمة كانت تعبر الناس ما بين غرب وشرق برلين من طريق نقطة حدودية. وكما عبرت الناس يومياً ما بين حياة وحياة عبر هذا المعبر، اقتنعت بانتهائي من هذه الرسمة المعقّدة نسبياً؛ أنّني أخيراً عبرت وعدت إلى الرسم.
في سوريا وقبل اشتهاري بالتصوير الفوتوگرافي كنت أرسم، درست الفنون وأقمت عدّة معارض فنيّة في مراكز ثقافيّة. لكنّ لوحاتي التي بقيت في دمشق ذهبت احتراقاً مع بيت أهلي؛ الّذي تمّ تدميره مع تدمير الحي بالمجمل في داريّا غرب دمشق.
قبل احتراق وخراب لوحاتي فقدت قدرتي على الرسم منذ سنة 2011. في ذلك العام تعرّضت للمساءلة والتحقيق في أفرع تخصّ أمن النظام الحاكم عدّة مرّات بسبب نشاطي المدنيّ خدمة لثورة الكرامة. في إحدى هذه المرات غُرست إلكترودات صغيرة في رؤوس أصابع يدي اليمنى تحت الأظافر، وتمّ تمرير الكهرباء فيها عدّة مرات ما سبّب ألماً مبرّحاً لا أنساه، يؤلمني عظم يدي من الداخل في كلّ مرّة أتذكّر الموضوع. هذا التعذيب سبّب لي ألما مستمرّاً ودائماً في معصم يدي لن يذهب مع الوقت، أي أنّه عاهة دائمة، وهذا الألم يزداد وتيرة إن استخدمت يدي للكتابة أو الرسم.
قبل 2017 حاولت الرسم عدة مرّات فرسمت ثلاث رُسُوم خلال السنوات الخمس التي سبقتها، عانيت ليلة أو ليلتين من الألم المبرّح بعد كلّ واحدة منها. باختصار، شعرت أنّني فقدت قدرتي على استخدام يدي اليمنى لأيّ نشاط يحتاج تركيزاً، كالكتابة والرسم وعزف الموسيقى، أيقنت أنّني خسرت ما كان مصدر البهجة في حياتي ومنذ طفولتي.
حين وصلت إلى الأردن هارباً من سوريا كانت حال يدي شديدة الإزراء. لم أستطع حتى ثني أصابعي، وكانت يدي متورّمة ملتهبة، وأقلّ لمسة تسبّب لي ألماً يدفعني للصراخ. عولجتُ في عمّان، وتمّ إنقاذ يدي. كنت وحيداً شديد الخوف آنذاك فلم أخبر أحداً، ولم أخبر الطبيب بمسبّب الإصابة على الرغْم من جهده بالاستفسار عنها، كان آب/رمضان 2011 وكانت قلّة من الناس تعرف ماذا يحدث في سوريا.
أُنقذتْ يدي، لكنّي خسرت متعة لا يزنها أغلبكم اليوم، خسرت متعة قلم الرصاص ونقر أوتار الگيتار؛ ومتعة إسناد رأسي بيدي اليمنى، ببساطة. خسرت ممارسة ما درسته من الفنّ فاكتفيت بالتصوير الفوتوگرافي بدلاً عن التصوير بالألوان والأحبار والأقلام. وخسرت الكتابة بالقلم على ورقٍ فعوّضت خسارتي باستخدام الأجهزة المعاصرة للكتابة… وأنا باحث كاتب رفيقي القلم.
سنة 2017 تغيّرت قناعاتي، وتعلّق بي إصرار على العودة إلى الرسم من جديد، فبدأت رحلة العلاج الذاتي والتدريب. كلّ أسبوع أبحث على يوتيوب عن أفلام العلاج الفيزيائي لمعصمي وأمارسها كلّها، ثمّ أحاول رسم رسمة واحدة على الأقل بقلم رصاص آپل. ولتشجيع ذاتي افتتحت صفحة على إنستگرام باسم وهمي لتك الرسومات، التي تسجّل الركاكة منذ الخطّ الأول، حتى مرحلة رُسُوم اليوم.
تحمّلت الألم وارتجاف اليد، أُقنع نفسي أنّها لطالما ارتبطت سعادتها بالرسم قبل أن أتعلّم الكتابة، فلا بدّ أن أستعيد هذه السعادة بنفسي، ولن يعينني أحد. اليوم ومع انقضاء الشهر الأول من 2020، أشعر مع هذا الرسم أنّ مهاراتي بدأت فعلاً تعود من جديد.
ثلاث سنوات انقضت وأنا أقنع نفسي بالصبر على الألم، وأشجّعها بواسطة النشر لكلّ الناس في كلّ مكان. التعليقات المادحة شجّعتني والتعليقات المنتقدة حرّضتني تتحدّاني للاستمرار. وسأستمرّ مثابراً على استعادة كلّ مهاراتي من جديد، والطريق ليس بالقصير. لكنّ الأهم أنّ ما ظننته عاهة دائمة، ظهر اليوم هزيلاً هشّاً لا يقاوم العناد.





اترك رد