رسمة ليلة أمس السبت كما تراها لصديقنا الثعلب، صديق البشرية وطوال عشرات آلاف السنين ودون أن يقبل التدجين أو أن يتحوّل إلى حيوان أليف.

عبر التاريخ، تتشارك حضارات منطقة شمال أفريقيا وأوروپا وحتى شرق آسيا ذات النظرة للثعلب، كرمز للشخصية الماكرة المخادعة، ولكأنّ الإنسانية لم تتّفق مرّة على رمز كما تتفقّ بنظرتها للثعلب.
بدأت النظرة الدينية للثعلب في تراث الدوجون (الدوگون) غرب أفريقيا جنوب الساحل، حيث تنظر الأسطورة للثعلب الشاحب كإله الصحراء المحتال، الذي ينزل بين الناس بأوامر الآلهة؛ حين ترغب هذه الآلهة بعقاب الناس عقاباً يستشيط الفوضى.
الثعلب الشاحب هو نوع من الثعالب الكبيرة الشائعة على طول خط الساحل جنوب الصحراء الكبرى.
عكس هذه النظرة السوداء نجدها جنوب أفريقيا بعيداً عن خط الساحل، حيث يرى الناس الثعلب مثالاً للجدّ والتفاني في العمل، إذ يتبادل الأفارقة جنوباً حكمة تقول “وحده الثعلب المطيّن يعيش” كما نقول في بلادنا لتأكل يجب أن تتلوّث يديك بالطين.
وإذا قفزنا شمالاً نجد الثقافة النوردية تنظر إلى الثعلب نظرة المحتال والمكّار لكنّها لا تعتبر ذلك ضرّاً، بل انتصار للذكاء على القوّة… وهذا يفسّر اقتران مفهوم التجارة بالمكر والدهاء والاحتيال في عموم الثقافات النوردية شمال أوروپا، حيث يصبح الداهية بطلاً ومثالاً يُحتذى للناس. والثقافات النوردية تتوزّع اليوم ما بين روسيا شرقاً حتى هولاندا غرباً.
على العكس تماماً كانت السلت (الكلت) تنظر للثعلب، فتراه مثالاً للدناءة والخبث، وتلك شعوب في عموم أوروپا كانت تكره الكذب. ولم يبق من ثقافة السلت تلك إلا بقايا تعيش بين السكوت في اسكوتلاندا.
أمّا في المشرق وفي بلاد النهرين نجد الثعلب مقترناً بالأساطير الغرب أفريقية القديمة، أحد الحيوانات المقدّسة ورسولاً للربّة الأم “نِن-حَر-ساگ” أي سيدة الجبل المقدّس بالسومرية، وكانت إذا غضبت ننحرساگ على شعب أرسلت الثعلب بينهم كي يقلّب القلوب فيتصادم شركاء الشرّ وتعود الأمور إلى طبيعتها الجيدة بعد إفناء الأشرار بعضهم وأعمالهم.
في ثقافات الشرق الأقصى، وخاصّة في اليابانية والصينية والمنشورية والكورية، نجد الثعلب رمزاً للمكر والأذى، فهي الروح التي تأكل عقول الناس لإشعال الحروب، وتتجسّد دوماً بصورة أنثى جميلة لا تقاوم، تُغري الرجال وتوقع بينهم الكراهة. تماماً كما نجد مفهوم الثعلب في الثقافة الإنگليزية المعاصرة، فالمرأة الثعلب جذّابة بشعر أحمر وساحرة بجاذبيتها الجنسية التي لا تقاوم، لكن الخير عديم من بعدها.
في قارّة أميركا الجنوبية نجد نظرة مشابهة لنظرة منطقة النهرين للثعلب. الناس في الپيرو مثلاً عبدوا الحيوانات قديماً وقدّسوها كما فعل أهل النهرين، وكان الثعلب بينهم رمزاً للمحارب الذكي، الذي ينتصر في معاركه بالذكاء وحده وحتى دون ممارسة القتال والتعارك. لذا صار الثعلب في حضارة الإنكا البائدة رمزاً للقائد الذي يحقن الدماء بالانتصار في الحروب دون منازلة في ساحات الوغى، بل بالدهاء.





اترك رد