أنا لست مشتاقاً للشام، لا شوق في قلبي لدمشق، ولا لأحيائها ولا حاراتها.
أُشبع قلبي كلّ صباح بهذه الكلمات وأتابع يومي… ثمّ يجرّني إصبعي وقد تخامدتُ في السرير فأفتح گوگل إيرث، ويسحبه الإصبع يساراً سريعاً فما أريد التفحّص فيه يقيم على اليمين، هناك على الشرق من بقعتي الزرقاء. أحذف الحدود من الصورة وأبدأ بالتأمّل “هذه المنطقة جنّة إذا بُني هنا سد”… “طريق سريع ما بين هاتين ضرورة”… “قطار ما بين تِنك يخلق فرصة لولادة مدينة جديدة هنا”… “هذه الصحراء ما بين جسديّ سوريا والعراق تختفي لو صنعوا بحيرة هنا على ارتفاع 300 متر”… وتستمرّ أحلام ما قبل اليقظة وتنمو وتتراكم على كتفي إلى أن أغطّ في النوم.
لم يخطر في بالي يوماً الحلم لأوروپا، لا أتقن نسج الأحلام في خواطري لألمانيا، لا أعرف كيف أحلم لغير ذلك البلد… فخاطري، كغيري من أبناء المنطقة، خبير بجروح بنت المشرق، أعرف تلالها وجبالها والأخاديد ما بين سطورها، لكنّني غير قادر على الاكتراث لتضاريس هذي الملساء هنا… لا شوق في صدري للشام ولا لمدنها ولا لقراها. لكنّني لم أزرع أحلاماً في غير أرضها، لم أدرس خارطة العالم إلا لاستيضاح طرقاتها. وأنا في ألمانيا حيث الكثير جدّاً يُمكن. يبق عصيٌّ على قلبي الإحساس بغير مستقبل ذاك البلد. فما يُزرع في ألمانيا لألمانيا ولا أحد.
رسمة أمس السبت رسمتها بألواني الخاصّة وقد تظنّها رسمة تجريديّة، لكنّها في الواقع تصوير شديد الواقعيّة مع لمسة انطباعيّة لقطعة من أراضي بادية الشام عن صورة التقطتها أقمار ناسا من الفضاء لمنطقة تلول الصفا البركانية شرق حوران. وكانت ناسا قد التقطت الصورة الأصل باستخدام القمر الصنعي لاندسات 7 وبواسطة المستشعر ETM+ المحسّن المتخصّص برسم الخرائط.

والصورة الأصل موجودة على هذا الرابط go.monis.net/qACD3M
بين وادي نهر الفرات الخصب والأراضي المزروعة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، تغطّي بادية الشام أجزاء من سوريا والعراق والأردن والمملكة العربيّة السعوديّة. وهي مساحة شاسعة تغطّي نحو نصف مليون كيلومتر مربّع. وبادية الشام اليوم هي 85٪ من مساحة الأردن، و55٪ من مساحة سوريا.
بادية الشام. يسمّيها العرب من سكّانها صحراء السماوة، وتقتصر هذه التسمية أحياناً على نصفها الشمالي ليأخذ نصفها الجنوبي اسم صحراء الحمّاد. وهي لم تكن على الدوام صحراء. إذ سبق في تاريخها عشرات الآلاف من السنين حين كانت رطبة باستمرار إلى درجة استغطائها بالغابات… غابات عمّرت وكوّنت شجرات عملاقة خدمت حياة الحيوانات والناس.
بدأ تغيّر مناخ بادية الشام قبل نحو 11 ألف سنة، واستمرّت مراحل التجفاف عدّة ألفيّات؛ بدأت بزوال الغابات وتراجعها نحو الشمال، وتحوّل الأراضي من بعدها إلى سهول رطبة خضراء بالتدريج، إلى أن زال الغطاء النباتي تماماً مع زوال الأنهار والبحيرات، وجفّت الأرض فصارت صحراء بادية قبل 5500 سنة، ثمّ ختمت المرحلة قبل 3500 سنة براكين حوران الهائلة التي أبادت عدداً كبيراً من سكّان المنطقة.
خلال هذه المرحلة تطوّر في المنطقة سكّانها من رعاة المواشي، من أطلق عليهم السومريّون مارتُ وأطلق عليهم الأگّديّون أمُرّوم، وازداد تدخّلهم في ثقافات المنطقة ودولها إلى أن سيطروا عليها جميعاً، فأسّسوا بابل وديانتها ولغتها، التي أطلق عليها كتاب التوراة تسمية الآراميّة، وهي نفسها التي وضعت بين أيدينا اليوم اللّغة العربيّة، إذ تطوّر الأمُرّوم ليصبحوا اليوم عرباً.
مارتُ، أمُرّوم، عَرْبان، عرب… كلّها كلمات لها ذات المعنى تماماً، كلّها تعني أهل الغرب. المغاربة. وكلّها منسوبة إلى تطوّرات اسم جهة الغرب. وأنا ابن واحدة من حواضر هذا الغرب العربيّ، دمشق. تلك المدينة الجسر ما بين بادية الشام وساحل الشام. والسوق التي لطالما جمعت قصص التمازج وحكايات العشق الجميلة ما بين أهل البوادي، وغزالات الجبل.





اترك رد