قد تبدو لك هذه كحارات دمشق القديمة… نعم دمشق تشبه الكثير من مدن العالم القديم، والعديد من مدن المتوسّط تشبهها.
رسمة أمس السبت لواحد من الأزقّة القديمة، عن صورة كنت التقطّتها في واحدة من القرى المحيطة بمدينة فلورنس في منطقة تُسكاني الإيطالية… مع الأسف لا أذكر اسم القرية، لكن الباحث عن دمشقاته في تُسكاني لن يعجز البحث، فحتّى أصغر القرى هناك بملامح دمشقية، كما هي دمشق القديمة بملامح رومانيّة.

كيف لا تتشابه دمشق القديمة مع الآلاف من المدن الإيطالية والمتوسّطيّة؟
بُنيت مدينة دمشق القديمة بنمط معماري كنعاني (فنيقي) يسمّى في عصرنا الراهن بالتخطيط الحضري العضوي، حيث تُبنى المباني وفقاً لحاجاتها وشروطها ومن ثمّ تخطّط وتُنشأ الشوارع لتلائمها وتخدمها. والمتجوّل في القسم القديم من دمشق سيلاحظ الأزقّة النامية كالعروق في جسد المدينة، ثمّ سيرى انشطارها بالشوارع الرومانيّة المبنيّة بالتخطيط الحضري المتعمّد كما لو أنّ مشرطاً قد قصّها، أو مبضع جرّاح.
في الواقع، دمشق صارت مستعمرة رومانية قبل نزول سوريا والشام تحت الحكم الروماني بعقود، إذ حين انفرطت مملكة السلوقيّين ونشأت ممالك صغيرة على ساحل المتوسّط الشرقي، طلبت هذه الممالك الحماية الرومانية خوفاً من نزولها تحت الحكم الأشكاني المتوسّع من الشرق. وكانت كبرى هذه الممالك على المشرق ثلاث: مملكة حماة، ومملكة حمص، وتحالف ممالك اليطوريّين. وكلّها ممالك عربيّة.
سنة 64 ق.م، انضمّت مملكة حماة إلى الجمهورية الرومانية بانقلاب عسكري محلّي، وصارت فصائل الجيش الحمويّ من فرق النخبة في القوات الرومانية، ونزلت القوّات الحموية تحت عدّة فرق عسكرية كمثل فرقة ”ساچيتاريا حميورُم كورس پريما“ أي ”الفرقة الأساسية لرماة السهام الحمويّين“ التي ذاع صيتها في أوروپا بسبب دورها في حكم بريطانيا لمصلحة الرومان اعتباراً من سنة 122 بعد الميلاد.
سنة 46 ق.م وبعد عقدين من انضمام الحموية إلى روما، تحالفت مملكة حمص مع الرومان باتّفاقية دفاع مشترك، ثمّ تفاهمت مع روما على منحها مدينة دمشق مستوطنة رومانية خاصة، وقفت ما بين الحماصنة وإمارات اليطوريّين جنوباً. في لبنان وحوران وفلسطين. ومذّاك أدار الرومان دمشق كمدينة رومانية، وأعادوا تنظيمها وهيكلتها، وتحوّل معبدها إلى معبد لجوپيتر الروماني، واستوطن الرومان حيّ العمارة الجوّانية وخطّوا سوق الشارع المستقيم نحو الباب الشرقي.
ما فعله الرومان بدمشق آنذاك هو تحويل تخطيطها إلى ما نسمّيه بالتخطيط الحضري المتعَمّد بعد أن كانت ولقرون كثيرة مبنية على التخطيط الحضري العضوي. كما هي جميع المدن الفنيقية. مع ذلك، لم يبدأ الرومان فكرة التخطيط الحضري المتعَمّد في الشرق الأوسط، إذ نجده في أنماط العمارة البابلية والأكّدية وكذلك اليمنيّة القديمة، تلك التي تقوم على خطوط شديدة التنظيم والتوازي، كأنّها مرتّبة بالمساطر.
بدأ التخطيط الحضري العضوي بالظهور في منطقة المتوسّط قبل خمسة-ستة آلاف سنة، ونراه في مدن الحضارة الموينية (المينوسية) والكنعانية (الفنيقية) وفي الحضارات المصريّة القديمة. ونراه كذلك في مدن المكسيك القديمة. غير أنّ العاصمة المكسيكيّة القديمة تنوختِتلان كانت قد بنيت على نمط هجين ما بين العضوي والمتعمّد، يشبه المدن المصرية والعراقية القديمة المبنيّة قبل 3000 سنة.
أمّا التخطيط الحضري المتعَمّد فقد بدأ بالظهور في منطقة وادي السند قبل 4500 سنة، خصوصاً في مدن هرپّه، لوتهَل، وموئن جو دَرو. ثمّ وصل مع المعماري هِپّودامُس Hippodamus إلى ممالك الإغريقي خلال القرن الخامس قبل الميلاد بإعادة تخطيط مدينة أثينة ومينائها. ثمّ انتشر عبر المتوسط في العصر الهيليني ثمّ مع الامبراطورية الرومانية التي ورثت المدرسة المتعمّدة عن الحضارة الإترُسكانية السالفة في إيطاليا، والتي كانت على علاقة ثقافية وثيقة بالدول الهيلينية بعد انحسار الحضارة الفنيقية.
كدمشق، تعاقبت تغيّرات أنماط العمارة على مدن المنطقة الإترُسكانيّة الدافئة بجمالها، وبُنيت فيها مراحل المدن على بعضها، كلّ يحاول “تصحيح” صنيع سلفه دون إزالته. حتّى صارت هذه المدن والبلدات العتيقة جميعاً على نمط هجين، ما بين التخطيطين الحضريّين العضوي والمتعَمّد. فصار للساكن فيهنّ متنفّس… إذا ملّ واحداً قطع شارعاً ليلجأ في الآخر. فيختبئ بين حنايا الزواريب العضوية ثمّ إذا سكنت نفسه رتّب أفكاره بمنظر تنظيمات الشوارع المستقيمة.





اترك رد