معجم المآكل العربية

معجم المآكل العربية

في تطوّر المطجّنات: وصفات الطّواجن العربيّة

يحبّ العرب الطّواجن، ولطالما أثبتت القرون العشرين الماضية (على الأقل) تعشّق المطجّنات في طبائخ العرب وعادات مآكلهم. وكانت نشأت فكرة أطباق المطجّنات في الطّواجن في جوهرها استجابةً لحاجة الإنسان إلى ترويض الحرارة وتوظيفها بذكاء لاستخلاص أعمق النّكهات الممكنة من المكوّنات المتنوّعة.

ويتلخّص الهدف الأساسيّ من تصميم هذه الأطباق وتكوينها بمختلف أشكالها، سواء أكانت قدوراً فخّاريّةً مغلقةً أم أوعيةً معدنيّةً مكشوفةً، في بناء نظام فيزيائيّ وحراريّ يتيح التّحكّم الدّقيق في تبخّر السّوائل وتوزيع الحرارة. وتسعى هذه الهندسة المطبخيّة إلى تحويل قساوة الأنسجة العضليّة والألياف النّباتيّة إلى قوام طريّ ومتجانس، عبر دمجها بالأوساط الدّهنيّة الّتي تغلّف المكوّنات وتحبس عصارتها الدّاخليّة.

يضمن هذا التّصميم الذّكيّ للأوعية تفاعل الأحماض المطرّية مع الپروتينات بسلاسة، ويحفّز سلسلة من التّفاعلات الكيميائيّة المعقّدة الّتي تتوّج بتفاعل مايار Maillard reaction على الأسطح المعرّضة للحرارة الجافّة، ليمنح الطّبق لوناً متورّداً ومذاقاً غنيّاً.

تتبّع مسار المطجّنات والطّواجن العربيّة يأخذنا في رحلة طهي متجذّرة بدأت من التّقنيّات القديمة ما قبل الإسلام، مروراً ببغداد، لتتفرّع وتشمل الشّام ومصر والمغرب العربيّ. وفي هذا الاستقصاء التّحليليّ لمسار المطجّنات، الممتدّ من بغداد العبّاسيّة إلى الشّام ومصر والمغرب العربيّ، دليلٌ ملموس على سعي الطّهاة الدّائم لتطويع المادّة والحرارة، بغية إنتاج أطباق تتجاوز غاية الإشباع لتصل إلى ذروة التّعقيد اللّونيّ والعطريّ والمذاقيّ.

الفصل الأوّل: الجذور التّاريخيّة وتقنيّات الطّبخ العربيّ في العهدين الرّومانيّ والسّاسانيّ

ترجع أصول الطّبخ في الأوعية الفخّاريّة بالمشرق إلى أزمنة غابرة تسبق المسيحية والإسلام بقرون مديدة. إذ طوّر العرب الّذين عاشوا تحت الحكم السّاسانيّ والرّومانيّ مطبخاً غنيّاً دمج بين بساطة المكوّنات المحلّيّة وتطوّر التّقنيّات الوافدة. واعتادت القبائل وسكّان الحواضر في تلك الحقبة استعمال قدور الخزف والفخّار لإنضاج اللّحوم على مهل، بغية استغلال طبيعة الطّين المحروق القادرة على كتم الحرارة وتوزيعها باعتدال، لحفظ عصارة اللّحم ونكهته.

تطوّرت في ذلك الزّمان وصفات عربيّة عريقة طُبخت في الفخّار، مهّدت لظهور المطجّنات البغداديّة لاحقاً. ونذكر منها وصفة اللّحم بالخلّ والتّمر، وهي وصفة عربيّة أصيلة تعتمد على تقطيع لحم الضّأن إلى قطع متوسّطة، وإضافتها إلى قِدْر فخّاريّ مسطّح يُسمّى البُرمة. ثمّ يُضاف إلى اللّحم مقدار من الخلّ المحلّيّ لكسر قساوة الألياف، ومقدار من التّمر المجفّف لمنح الحلاوة المتوازنة، مع رشّة من الكُسْفَرَة الجافّة والكمّون. ثمّ يُغلق القِدْر الفخّاريّ بإحكام باستعمال طينة رطبة تُطلى على حوافه لئلّا يتسرّب البخار، ويُدفن في رماد حارّ ساعات عديدة حتّى يذوب اللّحم تماماً وتتسبّك عصارة الخلّ والتّمر مع دهن الضّأن.

عُرفت أيضاً وصفات الطّبخ بالفخّار المفتوح داخل التنانير أفران الطابون التّقليديّة الّتي تعمل بالحطب. فاستعمل العرب أوعية طينيّة مجوّفة لتحضير المُرُق البسيطة، كطبخ شرائح اللّحم الأحمر مع البصل المكرمل ودهن الأُلْيَة، مضافاً إليها الأعشاب البرّيّة، لتُمرق ببطء وتكتسب نكهة التّحميص المتداخلة مع الثّمار المحلّيّة وتتشرّب طعم الطّين المحروق.

مثّل هذا التّراكم المعرفيّ والتّقنيّ في استعمال الفخّار، والمزج بين الأبازير المعقّدة والمكوّنات العربيّة المحلّيّة، البنية التّحتيّة الصّلبة الّتي بنى عليها المطبخ العبّاسيّ لاحقاً أمجاده. وتحوّلت هذه التّقنيّة من أداة طبخ بسيطة تسدّ الجوع، إلى فنّ متكامل يحمل اسماً خاصّاً، لتولد بذلك فكرة الطّاجن والمطجّن الّتي ستتفرّع منها شجرة الطّواجن العربيّة في كافّة الأرجاء.

الفصل الثّاني: كتاب الطّبيخ البغداديّ وتطوّر الوصفة الأمّ

يوثّق كتاب الطّبيخ البغداديّ الانطلاقة الفعليّة لتاريخ المطجّنات العربيّة من بغداد، لكنّ النّصوص التّاريخيّة تفرّق بوضوح بين حقبتين زمنيّتين، لتبدأ الوصفات التّأسيسيّة في القرن 10 م \ 4 هـ وتتطوّر لاحقاً بنسخ موسّعة في القرن 13 م \ 7 هـ لتشكّل الأساس الشّامل للطّواجن والمطجّنات. وصلتنا وصفات الحقبة الأولى في {كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات}الذي ألّفه ابن سيار الوَرَّاق عام 940م جامعاً أكثر من عشرين كتاب سبقته من القرنين 8 و9 م \ 1 و3 هـ. أمّا وصفات الحقبة الثانية فوصلت في {كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيّبات الأطعمة المصنوعات ممّا استُخرج من كتب الطبّ وألفاظ الطهاة} الّذي ألّفه محمّد بن الحسن بن محمّد البغداديّ عام 1240 م \ 637 هـ.

أوّلاً: المطجّنات البغداديّة في القرن 10 م \ 4 هـ

تفرّعت المطجّنات الأولى في ذلك القرن إلى 7 وصفات تاريخيّة رئيسة. تبدأ بـ {المطجّنة} الأولى الّتي يُغلى فيها الزّيت وتُطرح 4 فراريج مفضّلة لتُقلى مع ملح أندرانيّ مسحوق. يُصبّ عليها خلّ خمر وماء حتّى تصير مزّة، ويُرشّ مُرّيّ وتُطرح طاقات سذاب، وتُبزّر بكزبرة وكمّون، وعند الغرف يُجعل فيها لباب خبز مفتوت وسذاب طريّ.

تليها {مطجّنة المأمون} الّتي تُقطّع فيها فراخ أعضاءً وتُقلى بالزّيت المغسول، ويُذرّ عليها مُرّيّ وخلّ وفلفل وكزبرة وفستق مسحوق وسكّر مدقوق، ويُقطّع عليها سذاب. أمّا {مطجّنة صدور الدّجاج} فتُشرّح صغاراً وتُقلى بالزّيت، ويُلقى عليها فلفل وكزبرة رطبة، ويُرشّ خلّ ومُرّيّ، ويُذرّ لوز مسحوق.

وتظهر في ذلك العهد {المطجّنة الواثقيّة}، وفيها يُستخرج شحم فرّوج كشكريّ أو فرختين ليُعمل منه جردق، ويُطبخ مع 133 غراماً من البصل و 17 غراماً من الكزبرة الرّطبة و 200 ملّيلتر من الماء و 133 ملّيلتراً من الزّيت العذب. تُضاف الكمأة المصلحة المقطّعة، وتُبزّر، ثُمّ تُفقص 15 بيضة مضروبة بكزبرة ونعنع وتُصبّ في القدر. يُشابهها {اللّون الإبراهيميّ} مضافاً إليه 200 ملّيلتر من الخلّ المداف بـ 3 غرامات من الزّعفران، و 100 ملّيلتر من المُرّيّ الرّازيّ.

دوّن التّاريخ أيضاً {مطجّنة أبي سمين للواثق} الّتي تُقلى فيها أعضاء فرّوجين في 100 ملّيلتر من الزّيت مع كفّ حمّص وماء، ليُصبّ 200 ملّيلتر من الخلّ وتُطرح كزبرة رطبة ويابسة وباقة نعنع و 66 غراماً من المطبوخ. أخيراً، مطجّنة الرّشيد الّتي اشتهاها على مسرور، وتُقلى فيها 4 فراريج طريّة و 4 أفراخ سمان في 400 ملّيلتر من الزّيت، ويُنضح عليها 200 ملّيلتر من خلّ خمر، وتُسقى فلفلاً وكزبرة ومغرفة مُرّيّ نبطيّ، وتُلقى باقة سذاب وكرفس ولبّ خيارة مبلولة بمطبوخ.

ثانياً: تطوّر المطجّنات في القرن 13 الميلاديّ

تطوّرت الوصفات البغداديّة في القرن 13 الميلاديّ لتشمل أصنافاً جديدة ومختلفة تُحضّر وفق الخطوات التّالية:

{المُطجّن} و {المُطجّن النّاشف}: يُنظّف جدي رضيع ويُغسل جيّداً، ثُمّ يُقطّع من المفاصل. يُسلق في الخلّ، ويُجفّف بعد سلقه ليُقلى في الشّيرج الطّازج، وتُضاف إليه كزبرة يابسة وكمّون وقرفة مسحوقة ناعماً. يُرفع من المقلاة ويوضع في المرّيّ العتيق، ثُمّ تُنثر عليه الكزبرة والقرفة، ويُعصر فوقه عصير اللّيمون الطّازج ويُقدّم. أمّا لتحضير النّسخة النّاشفة، يُسلق اللّحم بالماء بدلاً من الخلّ ويُقلى في الشّيرج مع البهارات المذكورة.

{المصوص}: يُنظّف جدي رضيع، ويُقطّع من المفاصل، ويُسلق نصف سلقة في الماء. يُسخّن الشّيرج الطّازج في القدر، وتُفرَم أوراق الكرفس وتُضاف إليه، ثُمّ يوضع الجدي ويُغمر بالخلّ الجيّد. ويُلوّن المزيج بالزّعفران، ويُترك على النّار حتّى يهدأ، وتُضاف إليه المستكة، ثُمّ يُرفع.

{المفرّكة} و {البزماورد}: تُسلق كبدة الدّجاج وقوانصها في ماء وملح، وتُقطّع قطعاً صغيرة لتُخلط بصفار البيض والبهارات وتُقلى في الشّيرج وتُحمّض بعصير اللّيمون. ويُحضّر {البزماورد} من اللّحم المشويّ الدّافئ المقطّع والممزوج بالنّعناع وخلّ العنب واللّيمون المملّح ولبّ الجوز. يُرشّ بماء الورد ويُفرم ناعماً، ويُسقى بالخلّ، ليُحشى في خبز سميد فاخر مفرّغ من اللّبّ ومقطّع بشكل مستطيل. وتُعبّأ القطع في وعاء فخّاريّ مبلّل ومرشوش بماء الورد والنّعناع الطّازج وتُترك ساعة.

{مطجّنات البيض}: يُقشّر البيض المسلوق، ويُقلى في الشّيرج، وتُنثر عليه الكزبرة والقرفة والكمّون ليوضع في المرّيّ العتيق. ويُمكن قَلْيُه عيوناً دون سلق مع البهارات والمرّيّ. ولتحضير {بيض مصوّص}، يُسخّن الشّيرج، ويُضاف الكرفس، وتُذرّ الكزبرة والكمّون والقرفة والمستكة. ويُسكب الخلّ والزّعفران، ويُكسر البيض عيوناً حتّى يتماسك وينضج.

وإذا نظرنا في هذه الوصفات وحلّلنا تفاصيلها، ندرك فهماً عميقاً لتحوّلات كيمياء الطّهو في المطبخ البغداديّ، مع ضرورة التّفريق الدّقيق بين المطجّنات الأصيلة، والأطباق المرافقة لها في الباب ذاته مثل المصوّص والمقلوبة ومقلوبة الشّواء والسّمبوسك بنوعيه. تكشف هذه المقارنة المدروسة عن تغيّرات جذريّة في الأوساط الدّهنيّة، والأحماض المطرّية، ومصادر الپروتين، ممّا يبرهن على تطوّر الذّائقة وهندسة النّكهات عبر 3 قرون.

يُظهر التّحليل الفيزيائيّ تبايناً صريحاً في الأوساط الدّهنيّة المستعملة لنقل الحرارة وتشكيل قشرة النّكهة. إذ مالت وصفات القرن 10 م \ 4 هـ إلى استعمال الزّيت، ولا سيّما الزّيت المغسول والعذب، في قلي الدّجاج والفراريج. أسّس هذا الوسط الدّهنيّ لتفاعلات كيميائيّة تمنح نكهة فاكهيّة، وتحمّل درجات حرارة متوسّطة. لكن، تبدّل هذا النّهج تماماً في وصفات القرن 13 م \ 7 هـ بانتقال المطبخ إلى استعمال الشّيرج، أي زيت السّمسم. ويمتلك الشّيرج نقطة تدخين مختلفة، ويُضفي نكهة جوزيّة غنيّة تتفاعل بانسجام تامّ مع اللّحوم الحمراء مثل الجدي الرّضيع في المطجّنات، مسرّعاً من تفاعل مايار على أسطح قطع اللّحم لإكسابها لوناً متورّداً ونكهة معقّدة.

تكشف دراسة الأحماض ومصادر النّكهة اللّاحميّة تبايناً ملموساً بين الحقبتين في طرق تطرية الأنسجة. إذ اعتمد طهاة القرن 10 م \ 4 هـ بكثافة على خلّ الخمر عامل حموضة أساسيّ في مطجّناتهم، ودمجوه مع المرّيّ، وهو سائل مخمّر غنيّ بالگلوتامات، لبناء نكهة معقّدة تجمع الحموضة والملوحة العميقة. ثمّ ظهرت مكوّنات حامضيّة جديدة في مطبخ القرن 13 م \ 7 هـ، لتشمل ماء اللّيمو الطّريّ المخصّص للمطجّنات، ومستخلص السّمّاق المغليّ المخصّص لأطباق أخرى كالمقلوبة. هنا، أتاح حمض السّتريك المتوفّر في اللّيمو تفكيك الرّوابط الپروتينيّة في لحوم الجدي الحمراء بفعاليّة تختلف عن تفكيك ألياف الدّواجن، ممّا أنتج قواماً أطرى ونكهة أكثر انتعاشاً توازن دسم الشّيرج المخصّص للطّجن، وأدّى حمض التّرتاريك الموجود في السّمّاق دوراً حمضيّاً منفصلاً وخاصّاً بوصفة المقلوبة.

تباينت مصادر الپروتين بين الكتابين تبايناً شديداً أثّر على مدد التّعريض الحراريّ. فهيمنت الدّواجن، كالفراريج الكشكريّة وصغار الفراخ وصدور الدّجاج، على مطجّنات القرن 10 م \ 4 هـ. وفرضت لحوم الدّواجن البيضاء أوقات طهي قصيرة لمنع جفافها، ممّا برّر قليها المباشر في الزّيت. ثمّ توجّهت مطجّنات القرن 13 م \ 7 هـ نحو اللّحوم الحمراء الفتيّة، متجسّدة في الجدي الرّضيع، ورافق ذلك توجّه موازٍ في أطباق منفصلة مثل المقلوبة والسّمبوسك نحو اللّحم الأحمر المقطّع سيوراً أو المدقوق ناعماً. واستوجب هذا التّغيير تعديل تقنيّات الطّهو في المطجّنات لتتضمّن السّلق المسبق بالخلّ أو الماء قبل القلي، لضمان ذوبان الكولاجين القاسي في اللّحوم الحمراء وتطريتها قبل تحميرها.

تطوّرت آليّات ربط القوام وهندسة المكوّنات العطريّة ملحوظاً لتعزيز قوام المرق وتكثيفه. فاستعمل طهاة الحقبة الأولى لباب الخبز المفتوت والكمّيّة الكبيرة من البيض، مثل إضافة 15 بيضة تُخفق وتُضاف بعيداً عن النّار المباشرة، بصفتها عوامل استحلاب لتكثيف المرق، والتّركيز على عشبة السّذاب ذات النّكهة المرّة واللّاذعة. ثمّ تخلّى طهاة الحقبة اللّاحقة عن السّذاب في المطجّنات لمصلحة المصطكى والدّارصيني لتوفير نكهة صمغيّة ودافئة، واستعملوا جريش الجوز عنصر تكثيف في أقراص المقلوبة لحبس العصارات داخل اللّحم المدقوق. وغابت الحلواء واللّوز والسّكّر الممزوج باللّحم في اليخنات شيئاً فشيئاً لتستقلّ في وصفات خاصّة مثل السّمبوسك المكلّل، ممّا يبرهن على نضوج تقنيّات الفصل بين المذاقات المالح والحلو في مسار فنّ الطّهو التّاريخيّ.

الفصل الثّالث: الكواج الشّاميّ وامتداد التّأثير العثمانيّ

انتقلت تقنيّة الطّبخ البغداديّة وتطوّرت عبر العصور، لتتقاطع مع التّأثيرات العثمانيّة وتنتج طبق الكواج الشّاميّ. وبرغم أنّ الجذور اللّغويّة لاسم طبق الكواج الشّاميّ تعود إلى اللّغة التّركيّة، وتحديداً إلى كلمة گُوڤيچ Güveç، غير أنّها كلمة تشير أساساً إلى الوعاء الفخّاريّ الّذي تُطبخ فيه المكوّنات، لتنسحب التّسمية لاحقاً على الطّبق ذاته.

يشبه وعاء گُوڤيچ Güveç التّركيّ في تصميمه واستعماله البُرمة العربيّة التّاريخيّة أكثر بكثير من الطّاجن البغداديّ القديم. ولفهم هذا التّطابق، تجب المقارنة بين الهياكل الهندسيّة والوظائف الحراريّة الخاصّة بكلّ وعاء.

البُرمة قِدْر فخّاريّ عميق ومجوّف، ذي فوهة أضيق من قاعدته، صُمّم لاحتواء السّوائل الكثيفة واليخنات، ليُدفن في الرّماد الحارّ أو يوضع في التّنّور لأغراض الطّبخ البطيء جدّاً. ويطابق هذا التّصميم الهندسيّ وعاء گُوڤيچ التّركيّ الّذي يأتي على شكل زبديّة عميقة أو قِدْر فخّاريّ ذي غطاء، ويُخصّص لطبخ اللّحوم والخضار ببطء متناهٍ داخل الأفران لضمان احتباس البخار والسّوائل لفترات طويلة.

على النّقيض من ذلك، اختلف الطّاجن البغداديّ القديم، والمسمّى أيضاً بالمقلى أو المطجّن، في شكله ووظيفته اختلافاً جذريّاً. إذ كان الطّاجن في العهد العبّاسيّ وعاءً مسطّحاً وقليل العمق، يُصنع من الفخّار أو من معادن صلبة مثل النّحاس والحديد، وخُصّص حصراً للقَلْي المباشر في الشّيْرَج أو الزّيت على نار مكشوفة وعالية. وتطلّبت تقنيّة التطجين تقليباً مستمرّاً للمكوّنات وتبخيراً سريعاً للسّوائل لبناء قشرة النّكهة، وهذا التّفاعل يتناقض تماماً مع آليّة الطّبخ البطيء والمكتوم في الأوعية العميقة كالبُرمة.

بناءً على ذلك، يمثّل طبق الكواج الشّاميّ، المطبوخ في صوانٍ عميقة أو قدور فخّاريّة مغلقة، امتداداً لتقنيّة البُرمة العربيّة ووعاء گُوڤيچ التّركيّ، مبتعداً عن التّقنيّة البغداديّة الأصليّة لتطجين المطجّنات المعتمدة على الأوعية المسطّحة والقَلْي السّريع.

التّطوّر الصّوتيّ والوصفة التّركيّة التّاريخيّة

خضعت الكلمة التّركيّة {گُوڤيچ} Güveç لتطوّر صوتيّ محوّلة حرف {گ} إلى {ك} لتقارب مخرج الحرفين وسهولة استبدالهما، وحرف {ڤ} إلى {و} لغياب صوت الڤاء الصّريح في العربيّة، وحرف {چ} إلى {ج} لانتقال الصّوت إلى الجيم الشاميّة الصّريحة، لتصبح الكلمة في النّهاية {كواج}. ويمتلك المطبخ التّركيّ الأناضولي اثنين من الأصناف الشّهيرة: {إتلي گُوڤيچ} Etli güveç المكوّن من اللّحم، و {تورلو گُوڤيچ} Türlü güveç النباتي المُحضّر من خليط الخضار الموسميّة.

تتطلّب وصفة {إتلي گُوڤيچ} Etli güveç التّراثيّة الأصليّة 500 غرام لحم غنم طازج مقطّع إلى مكعّبات، 2 حبّة باذنجان مقشّر ومقطّع ومتوسّط الحجم منقوع في ماء مالح مدّة 20 دقيقة، 3 حبّات بندورة مفرومة ناعماً، 2 حبّة فليفلة خضراء حلوة، 1 حبّة بصل أبيض أو أحمر كبيرة، 4 فصوص ثوم مهروس، 1 ملعقة كبيرة ربّ بندورة، 2 ملعقة كبيرة زبدة أو سمنة حيوانيّة، 1 كوب ماء ساخن، وملح وفلفل أسود وزعتر برّيّ. يُحمّص اللّحم في الوعاء الفخّاريّ مع السّمنة لتُغلق مسامّه، ويُرصّ فوقه البصل والثّوم والباذنجان والفليفلة والبندورة، وتُسكب فوقه الصّلصة ليُخبز في فرن مسخّن على حرارة 190°C مدّة تتراوح بين 90 و 120 دقيقة.

تُثبت المدوّنات التّاريخيّة غياب البندورة والفليفلة عن المطبخ العثمانيّ قبل أواخر القرن 18 الميلاديّ 12 الهجريّ، إبّان وصولها من المكسيك. فاعتمدت الوصفات التّاريخيّة لطبق گُوڤيچ Güveç آنذاك على الفواكه المجفّفة والطّازجة مثل السّفرجل والبرقوق والتّفّاح والمشمش لمنح حلاوة وحموضة، والحصرم وعصيره أو الخلّ لتطرية اللّحم، والخضار الجذريّة مثل الجزر واللّفت والبصل لتكثيف المرق، والباذنجان والقرع، والزّعفران والسّماق لتلوين المرق.

تتفرّع وصفة الكواج الشّاميّ إلى تنويعات محلّيّة دقيقة، تقف في طليعتها الوصفة الدّمشقيّة التّقليديّة الشائعة في مدينة دمشق وغوطتها، الّتي تدمج اللّحم المفروم ناعماً مع الخضار دمجاً تامّاً، ويندر فيها ترتيب المكوّنات في طبقات منفصلة، مع أنّ فقدان هذا الترتيب أفقد الوصفة صفة الكواج فعلاً. وتتطلّب هذه الوصفة الدّمشقيّة 500 غرام من اللّحم المفروم ناعماً، 2 حبّة بطاطا كبيرة مقشّرة ومقطّعة مكعّبات، 2 حبّة كوسا مقطّعة مكعّبات، 2 حبّة باذنجان مقطّع مكعّبات، حبّة بصل كبيرة مقطّعة شرائح، 2 حبّة فليفلة أخضر وأحمر مفروم شرائح، و 8 حبّات بندورة طازجة مقشّرة ومفرومة.

تُخلط جميع هذه المكوّنات في وعاء كبير، وتُتبّل بـ 2 ملعقة صغيرة من الملح، وملعقة كبيرة من الفلفل الأسود، والقرفة، وملعقة كبيرة من تابل سبع بهارات عربيّة. ويُفرد الخليط في صينيّة فرن بالتّساوي، وتُوزّع 200 غرام من دهن الغنم على الوجه، لتدخل الصّينيّة فرناً حرارته 200°C مدّة ساعة و 15 دقيقة، ثُمّ تُنقل إلى الرّفّ العُلويّ مدّة 15 دقيقة لتحمير السّطح. وتخلو هذه النّسخة الدّمشقيّة تماماً من السّمنة وربّ البندورة ودبس الرّمّان.

يختلف هذا التّحضير الدّمشقيّ عن الوصفة الشّاميّة المنتشرة خارج دمشق في جنوب سوريا ولبنان، والّتي تعتمد على الباذنجان والبطاطا والبندورة واللّحم المفروم والسّمنة. يُتبّل الكواج الشّاميّ العامّ بـ 3 توابل أساسيّة تشمل الفلفل الأسود والسّبع بهارات العربية أو البهار الحلو والملح، مع إضافة رشّة قرفة أحياناً. ويُعزّز هذا الطّبق بـ 2 ملعقة من ربّ البندورة وقليل من دبس الرّمّان لمنح حموضة لاذعة، ويطبّق أحياناً في طبقات متتالية بناءً على سعة وعاء الطّبخ المستخدم. يُخبز هذا النّوع في صينيّة على حرارة 180°C مدّة 45 إلى 60 دقيقة، أو يُطبخ ببطء على حرارة 93°C.

يوضّح هذا السّرد التّباين الواضح بين التّقنيّة الدّمشقيّة الّتي تمزج المكوّنات ببعضها وتُخبز في الصّواني مع دهن الغنم، والتّقنيّة الشّاميّة الأعم الّتي تتيح ترتيب الطّبقات وتستعمل السّمنة والمحمّضات، والتّقنيّة الأناضوليّة التّاريخيّة لطبق گُوڤيچ الّتي ترصّ الخضار فوق قطع اللّحم الكبيرة داخل الفخّار.

تنويعات الكواج الإقليميّة

المنطقةالتّسمية المحلّيّةالوصفة التّراثيّة الأقربالمكوّنات المميّزة والتّوابلطريقة التّطبيق والخَبز
مدينة دمشق وغوطتهاكواج شامي دمشقيّالمُطجّنة البغداديّة العبّاسيّة (بسبب خلط المكوّنات والخَبز المكشوف)لحم مفروم، دهن حيوانيّ، تابل 7 بهارات عربيّ، قرفة.تُخلط المكوّنات وتُدمج معاً دون ترتيبها في طبقات، وتُخبز في وعاء عريض مكشوف.
جنوب سوريا ولبنانكواج شاميإتلي گُوڤيچ Etli güveç الأناضوليّة (بسبب التّطبيق الطّبقيّ)لحم مقطّع غير مفروم، سمن، بهار حلو، ربّ البندورة، دبس الرّمّان.تُخلط المكوّنات أو تُرصّ في طبقات، وتُخبز في وعاء عريض مغطّى بورق الألمنيوم.
شمال سورياكواج / 7 دولتورلو گُوڤيچ Türlü güveç الأناضوليّة (بسبب الاعتماد على الخضار المتنوّعة)لحم غنم، 7 أنواع من الخضار، زنجبيل، دبس فليفلة، دبس بندورة، تابل 7 بهارات حلبيّة.تُدمج المكوّنات، وتُخبز في وعاء عريض مغطّى بورق الألمنيوم.
العراقتبسي الباذنجانالمُطجّن النّاشف البغداديّ العبّاسيّ (بسبب السّلق والقَلْي السابقين للخَبز)قطع لحم مسلوقة أو مفرومة، خضار مقليّة، توابل بسيطة جدّاً للتّركيز على نكهة الخضار.تُرصّ المكوّنات، وتُخبز في وعاء عريض حتّى تتكاثف الصّلصة ويتحمّر الوجه العُلويّ.

تخلو دول الخليج العربيّ واليمن من أيّ تنويعات مشابهة، وتستعيض عنها بأطباق الكبسة والهريس والمدفونة في الخليج، والمندي والسّلتة والمطبّق في اليمن.

وإذا نظرنا في هذه الوصفات وحلّلنا تفاصيلها، ندرك تبايناً جذريّاً في هندسة القوام وبناء النّكهة ومعالجة مصادر الپروتين بين الوصفة التّركيّة التّاريخيّة والتّنويعات الشّاميّة والعراقيّة المعاصرة. إذ
تعتمد وصفة {إتلي گُوڤيچ} التّركيّة على البناء الطّبقيّ الهرميّ للمكوّنات داخل الوعاء الفخّاريّ المغلق. ويتيح هذا التّرتيب انتقالاً عموديّاً للحرارة، إذ تستقرّ قطع اللّحم المحمّصة في القاع لتنضج ببطء داخل عصارتها الذّاتيّة، وتتلقّى السّوائل المتساقطة من طبقات البصل والثّوم والباذنجان والفليفلة والبندورة العُلويّة. تولّد هذه التّقنيّة بيئة رطبة ومكتومة تذيب الألياف القاسية.

يختلف هذا النّهج تماماً في وصفة الكواج الدّمشقيّ، الّتي تتخلّى عن التّرتيب الطّبقيّ لمصلحة الدّمج الكامل للمكوّنات. ويؤدّي اللّحم المفروم ناعماً دور الرّابط العضويّ بين مكعّبات البطاطا والكوسا والباذنجان، لينتج نسيجاً متجانساً يتشرّب النّكهات بالتّساوي. ويوسّع خَبز الكواج في صينيّة معدنيّة مكشوفة مساحة التّعريض الحراريّ الجافّ، محفّزاً تفاعل مايار على السّطح العُلويّ لإكسابه قرمشة ولوناً متورّداً بعد نقله للرّفّ العُلويّ للفرن.

يوضّح التّتبّع التّاريخيّ لطبق {گُوڤيچ} Güveç تحوّلاً كيميائيّاً جذريّاً في مصادر النّكهة قبل القرن 19 م \ 13 هـ وبعده. إذ اعتمدت النّسخ التّاريخيّة على سكّريّات الفواكه مثل السّفرجل والتّفّاح، وأحماض الحصرم والخلّ لبناء توازن مركّب، مدعوماً بلون الزّعفران والسّمّاق. ثمّ غيّر دخول البندورة والفليفلة هذه الكيمياء، مستبدلاً الأحماض التّاريخيّة بحمض الگلوتاميك المتوفّر طبيعيّاً في البندورة، لمضاعفة نكهة الأومامي اللّحميّة في النّسخ التّركيّة والشّاميّة المعاصرة.

اليوم، يُستعاد التّوازن الحامضيّ التّاريخيّ المفقود في التّنويعات السوريّة واللّبنانيّة بإضافة دبس الرّمّان الّذي يقدّم حموضة لاذعة تقابل حلاوة الخضار المطبوخة، وتلجأ وصفة كواج سبع دول في شمال سوريا إلى دبس الفليفلة والزّنجبيل لتعزيز العمق اللّونيّ واللّاذع.

تختلف هذه الوصفات اختلافاً واضحاً في طريقة استعمال الدّهون وطبخ اللّحوم. ففي الوصفة الأناضوليّة، تُحمّص قطع اللّحم الكبيرة أوّلاً في ملعقتين كبيرة من الزّبدة أو السّمنة، بغية إغلاق مسامّها وحبس عصارتها الدّاخليّة قبل البدء بالطّبخ البطيء. أمّا الوصفة الشاميّة فتستغني عن خطوة التّحميص التّمهيديّة، وتعتمد على الدّهن المتوفّر طبيعيّاً في اللّحم المفروم الّذي يُمزج نيّئاً مع الخضار، مع توزيع السّمنة على وجه الصّينيّة. وتذوب هذه السّمنة تدريجيّاً في الفرن على حرارة 200°C لتتخلّل الخضار وتطبخها ببطء، ممّا يمنح طبق الكواج قواماً غنيّاً ودسماً. ويتميّز طبق التّبسي العراقيّ بأسلوب مختلف، يعتمد على قلي شرائح الخضار مسبقاً وبشكل منفصل لتحافظ على قوامها المتماسك، وتُشكّل اللّحمة المفرومة على هيئة أقراص كفتة، لتُجمع المكوّنات أخيراً في صينيّة وتُخبز في الفرن حتّى تتجانس نكهاتها وتتسبّك.

الفصل الرّابع: الشّموليّة الاستثنائية للطّواجن المصريّة

تضمّ مصر أكثر من 60 تنويعاً موثّقاً للطّواجن، وتعتمد في تحضيرها أساساً على الطّاجن الفخّاريّ أو صينيّة البيركس، وتُبنى النّكهة بتشويح البصل في السّمن أو الزّيت، واستعمال عصير البندورة ومعجون البندورة المتبّل بالكمّون والكاري والفلفل الأسود والبابريكا والكزبرة الجافّة، وتُطهى المكوّنات على نار هادئة ثُمّ تُخبز في فرن 180°C مدّة 20 إلى 40 دقيقة لتحمير الوجه.

وتُقسّم هذه التشكيلة الواسعة إلى فئات متنوّعة. تشمل طواجن اللّحوم الأساسيّة مثل طاجن النّيفا المحضّر من لحم الضّأن المتبّل، وطاجن اللّحمة بالبصل الّذي يتكوّن من كيلو لحم، 3 بصيلات كبيرة، 2 ملعقة كبيرة سمن، 2 ملعقة كبيرة زيت، 1 ملعقة صغيرة ثوم مفروم، ملعقة كبيرة صلصة بندورة، كوب عصير بندورة، مع الملح والفلفل والكمّون والقرفة، ليُسلق اللّحم، ويُكرمل البصل، وتُسبّك الصّلصة وتُخبز في 180°C مدّة 30 إلى 40 دقيقة.

وتتضمّن هذه الفئة أيضاً طاجن العكاوي أو ذيل البقر بالبابيلون، وطاجن الكوارع، وطاجن الفيليه المكوّن من كيلو لحم فيليه وبصل مفروم وثوم وصلصة وبهارات تُطبخ وتُخبز 20 دقيقة، إضافة إلى طاجن اللّحمة بمكعّبات بطاطا، وطاجن ورق اللّحمة بريش البتلو وورق العنب، وطاجن كبد وقوانص، وطاجن لحمة رأس، وطاجن رول الضّاني.

وتتنوّع طواجن الدّجاج لتشمل طاجن الدّجاج المصريّ التّقليديّ، وطاجن بطاطا بالفراخ المكوّن من دجاجة مقطّعة وكيلو بطاطا شرائح مع 3 بصيلات وثوم وبصل أخضر وزنجبيل وقرفة وهيل وقرنفل وغار وبابريكا وكركم وكاري وزبادي وعسل وشطّة، تُغلّف بالألمنيوم وتُخبز 45 دقيقة. وتُحضّر كذلك طواجن الدّجاج بالبصل، والدّجاج بالخضار، والدّجاج والبطاطا، والرّزّ المعمّر بالدّجاج، ولسان عصفور بالدّجاج، والمعمّر بالحمام، والدّيك الرّوميّ المحشيّ، والمعمّر بالبطّ.

أمّا طواجن الخضار باللّحمة فتضمّ البامية باللّحمة، وكوسا بالبندورة المحضّرة من كيلو كوسا مفرّغة و 2 ملعقة زبدة وبصلة وعصير وصلصة بندورة تُخبز 45 دقيقة، والكوسا باللّحمة المفرومة، والمسقعة باللّحمة المكوّنة من 2 باذنجان روميّ شرائح بسماكة 1 سم و 4 بطاطا متوسّطة أصابع 1 سم و 2 ملعقة زيت وبصل وثوم وفليفلة حلبيّة ومعجون وصلصة بندورة و 0.5 كوب لحم مفروم معصّج و 0.5 كوب ماء.

وتتوفّر أصناف أخرى مثل قرنبيط باللّحمة المحضّر من رأس قرنبيط مسلوق 5 دقائق و 500 غرام لحم مفروم وبصلة وثوم وبندورة تُخبز 20 إلى 25 دقيقة، وبخلة باللّحمة، وبامية ويكا، وبقلة، وقلقاس، وملوخيّة بالأرانب، وسبانخ باللّحمة المفرومة، وفاصوليا خضراء. وتُضاف إليها طواجن اللّوبيا باللّحمة بمقادير 0.25 كيلو لوبيا و 0.5 كيلو لحم حمراء وبصلتين مفرومين و 0.5 قرن فليفلة حارّة وملعقة ثوم و 2 قرن فليفلة حمراء و 2 ورق لورا و 2 حبّهان و 7 حبّات عصير بندورة و 2 بندورة مقشّرة و 2 ملعقة سمن وزيت، إلى جانب بسلّة باللّحمة المفرومة، ولوبيا باللّحمة المفرومة، وتورلي، وخضار باللّحم البتلو، وخضار بالبشاميل، وقرنبيط بالصّلصة.

وتُقدّم طواجن المعكرونة بأشكال متعدّدة، منها معكرونة باللّحمة الّتي تُكبس فيها اللّحمة المعصّجة أو الدّجاج المتبّل ببطاطا مهروسة والمكرونة النّيّئة وعصير البندورة وتُخبز 40 دقيقة، ومعكرونة بشاميل المؤلّفة من كيس مكرونة مسلوق 8 دقائق و 0.5 كوب دقيق و 2 كوب لبن و 2 بيضة و 0.5 كوب لحم معصّج وموتزاريلا تُخبز 25 إلى 30 دقيقة، ومكرونة بالسّجق، وسجق إسكندرانيّ، وكبدة إسكندرانيّ، ومكرونة بالكبدة والفراخ واللّحمة.

وتشتمل المأكولات البحريّة والخاصّة على أصناف كالعكاوي، وسبيط إسكندرانيّ، وجمبري، وكاليماري، وسلمون مصريّ، وسمك بلطي بالصّلصة، وسي فود مصريّ. وتتضمّن الأصناف الفاخرة والخاصّة حماماً بالفريك، ولحم النّعام بالحمام، وموزة، وفريك باللّحمة، وكفتة بالبرغل، وكفتة الرّزّ بالبندورة، وشيش طاووق، وقشر بياض، وباذنجان بالبشاميل، وعدس بجبّة بصلصة، وبطارخ، وسيبا محشيّ بورسعيديّ، وجنشان بورسعيديّ، وتقليّة صعيديّ، وفول بالقشطة.

وإذا حلّلنا هذه المنظومة الواسعة من الطّواجن المصريّة من منظور كيمياء الطّبخ، ندرك الاعتماد المطلق على تقنيّة التّسبيك لبناء قاعدة النّكهة. إذ يدمج التّسبيك الكرملة البطيئة للبصل في الأوساط الدّهنيّة كالسّمن، والتّركيز الحراريّ لعصارة البندورة. ويُنتج هذا التّفاعل تركيزاً عالياً لحمض الگلوتاميك المتوفّر طبيعيّاً في البندورة، ليُشكّل أرضيّة أومامي غنيّة تغلّف المكوّنات. وتُسهم إضافة التّوابل التّرابيّة، كالكمّون والكزبرة الجافّة، في استخلاص الزّيوت العطريّة عبر تذويبها في السّمن السّاخن قبل سكب السّوائل، لتتوزّع النّكهات بانتظام تامّ داخل المرق.

ويُظهر استعمال الطّاجن الفخّاريّ وصواني الپيركس فهماً متقدّماً للدّيناميكيّة الحراريّة. إذ يختزن الفخّار الحرارة ويبثّها ببطء شديد، وهو شرط أساسيّ لتفكيك الأنسجة القاسية في قطع اللّحم المعقّدة كالعكاوي والكوارع ولحمة الرّأس. ويسمح التّعريض الحراريّ الممتدّ بتحويل الكولاجين القاسي إلى جيلاتين رخو، ليربط قوام المرق ويزيد كثافته دون حاجة لعوامل ربط خارجيّة. ويسهم خبز الطّواجن في الفرن على حرارة 180°C في تجفيف السّطح العُلويّ، محفّزاً تفاعل مايار Maillard لتشكيل قشرة محمّرة تزيد تعقيد المذاق النّهائيّ.

وتبرهن طواجن المعكرونة والرّزّ المعمّر والفريك على هندسة دقيقة لامتصاص السّوائل. إذ تعتمد تقنيّة كبس المكرونة النّيّئة مع اللّحم وعصير البندورة على ظاهرة جلتنة النّشا المباشرة داخل وعاء الطّبخ. وتمتصّ حبّات النّشا سوائل اللّحم والبندورة واللّبن في أثناء تمدّدها الحراريّ، لتحتبس جزيئات النّكهة داخل هيكل النّشويّات، وتمنع تبخّر العصارات. وتُشكّل طبقات البشاميل أو القشطة في الرّزّ المعمّر عازلاً دهنيّاً حراريّاً يكتم البخار في الأسفل، ويحمي المكوّنات من الجفاف، ليخرج الطّبق بقوام متماسك ونسيج رطب.

الفصل الخامس: التّباين التّقنيّ في دول المغرب العربيّ

تتفرّع طرق تحضير الطّواجن في دول المغرب العربيّ إلى ممرّين تقنيّين مختلفين تماماً: الطّبخ البطيء في الإناء الفخّاريّ المخروطيّ المألوف في المغرب والجزائر وجزئيّاً في تونس، وأسلوب خلط المكوّنات بالبيض وخبزها في الفرن (عجّة أو فريتاتا) في تونس وليبيا، والطبخ العاديّ بالقدر في موريتانيا. ويُقدّر المجموع الإجماليّ التّوثيقيّ بـ 28 تنويعة إقليميّة، منها حوالي 22 تنويعاً مخبوزاً في الفخّار البطيء.

المملكة المغربيّة: التّقنيّة الفخّاريّة البطيئة

تتصدّر المملكة المغربيّة قائمة الطّواجن الفخّاريّة بأكثر من 10 تنويعات تعتمد على النّار الهادئة لـساعتين أو أكثر، والتّبريد التّدريجيّ لوعاء الفخّار المُجهّز بالنّقع مدّة 24 ساعة والدّهن بزيت الزّيتون.

  1. طاجين اللّحم بالبرقوق المعسّل (المروزيّة): يُتبّل 500 إلى 750 غرام لحم بملح، فلفل أسود، زنجبيل، كركم، قرفة، مسكة، بقدونس مجفّف، وثوم مدّة 30 دقيقة على الأقل إلى ليلة، ويُحمّر في 3 ملاعق زيت زيتون و 2 ملعقة زيت نباتيّ. يُضاف 2 بصلات، 150 غرام برقوق مجفّف معسّل، واللّوز المسلوق والمحمّر، ويُطهى 2 ساعة إلى 2.5 ساعة.
  2. الدّجاج باللّيمون المخلّل والزّيتون: يُتبّل الدّجاج بالكمّون، الزّنجبيل، الكركم، والزّعفران. يُحمّر، ثُمّ يُضاف 2 بصلات، 4 ليمونات مخلّلة، و 200 غرام زيتون أخضر ويُطهى ساعة إلى 1.5 ساعة.
  3. اللّحم بالخرشوف والبسلّة: يدمج 500 غرام لحم مع 3 خرشوفات و 200 غرام بسلّة، ويُطهى 2 ساعة.
  4. الدّجاج بالقوق والجلبانة: يجمع الدّجاج المتبّل بـ 300 غرام جلبانة طازجة وقوق وزعفران، ليُطهى 1.5 ساعة.
  5. طاجين السّمك السّاحليّ: يُتبّل 1 كغ سمك طازج، يُرصّ مع 3 بندورة، 2 بصلات، وفلفل أخضر وليمونة مخلّلة، ويُطهى 30 إلى 40 دقيقة بلا ماء كثير.
  6. الخضروات النّباتيّ: يُرصّ البطاطا والجزر في القاعدة فوق البصل المحمّر، وتُضاف البندورة والزّعفران ليُطهى 45 دقيقة.
  7. اللّحم بالبطاطا والزّيتون: يُخبز 750 غرام لحم مكعّبات مع 3 بطاطات، 250 غرام زيتون، و 4 أكواب مرق في الفرن 180°C أو على النّار الهادئة.
  8. اللّحم بالبندورة والبصل: نصف كغ لحم، 3 بندورة، 3 جزرات، 3 بطاطات، يُطهى حتّى النّضج التّامّ.
  9. اللّحم بالسّوسيّة: يُضاف الفلفل الحارّ والزّبيب لمنح حلاوة لللّحم البقريّ.
  10. الطّاجين الحلو: دجاج يُطهى مع زبيب مجفّف ولوز وقرفة ساعتين.
  11. تنويعات فرعيّة أخرى: طاجين اللّحم بالخضر، طاجين اللّحم بالباذنجان المقليّ بعد نقعه، طاجين الكفتة بالبندورة، وطاجين البيض أو طاجين العزّاب المعتمد على طهي البيض في صلصة متسبّكة.

الجزائر: التّنوّع ما بين الشّمال والصّحراء

تختصّ الجزائر بـ 5 تنويعات فخّاريّة دقيقة:

  1. الزّيتون بالدّجاج التّقليديّ: تُسلق 250 غرام زيتون لإزالة الملوحة، ويُحمّر الدّجاج، ويُستخدم طحين أو نشاء لتكثيف المرق، ويُطهى ساعة إلى 1.5 ساعة مع الزّنجبيل والكركم وأوراق الورَند.
  2. اللّحم مخضّر بالبندورة: أقدم الطّواجن الجزائريّة؛ 500 غرام لحم غنم مع 4 بندورة و 2 بصلات وجزر وكرفس تُطهى 2 ساعة.
  3. البانافا الصّحراويّة (تيندوفة): تُطهى على الفحم، تقطع كبد الجمل وشحم السّنام والقلب والكلى وتُتبّل بالكرويّة والفلفل والملح، يُذاب الشّحم ثُمّ تُضاف اللّحوم لتنضج خلال 10 إلى 15 دقيقة.
  4. بوزلوف: لحم رأس غنم ولسان مع بندورة وحمّص منقوع يُطهى 2 ساعة.
  5. تنويعات أخرى: طاجين اللّحم بالبرقوق الجزائريّ والسّمك الجزائريّ للمدن السّاحليّة.

تونس وليبيا وموريتانيا: الخبز في الفرن والتّقنيات الحديثة

تدمج تونس تقنيّتين؛ التّقنيّة الفخّاريّة والتّقنيّة الفرنيّة (العجّة). ويشمل طاجين الفخّار التّونسيّ كبدة ولحم خروف يُقلّب في الزّيت 30 دقيقة ثُمّ يُخبز في 180°C مدّة 20 دقيقة، وطاجين الدّجاج، والمعدنوس، والمرقاز، والسّبناخ، والقناريّة، والجلبانة. أمّا تقنيّة الفرن (العجّة التّونسيّة والليبيّة) فتتّسع لتشمل:

  1. طاجين تونسيّ باللّحم: 200 غرام لحم مفروم يُطهى 30 دقيقة، يُضاف إليه 12 بيضة، 100 غرام جبن مالح مرحى، بقدونس، خبز مرحى، ويُخبز 30 دقيقة في 180°C.
  2. طاجين ملسوقة (بسطيلة): دجاج مطبوخ، 12 بيضة، بطاطا، توضع بين 8 إلى 10 أوراق ملسوقة مدهونة بالزّيت وتُخبز.
  3. طاجين مرقاز تونسيّ: نصف لحم مفروم، نصف مكعّبات، مرقاز، 12 بيضة، ولوبيا، ونعناع.
  4. طواجن العجّة الأخرى في تونس: المعدنوس مع 12 بيضة، التّن مع علبة تونة و 12 بيضة وورقة ملسوقة للتّغميس، الكبدة، الفلفل، السّبناخ، القناريّة، المقرونة، الجلبانة، والرّيقوتة.
  5. الطّاجين اللّيبيّ: يتضمّن طاجين العجّة اللّيبيّ الأصليّ 2 بيض مسلوق، بطاطا مقليّة، كبدة دجاج، معجون فليفلة، و 6 بيضات متبقّية تُخبز مع الجبن المبروش؛ إضافة إلى طاجين البطاطا بالمفروم، طاجين الحوت بالكمّون والثّوم والزّعتر، والطّاجين اللّيبيّ بالطّبقات.

وتتفرّد موريتانيا بأسلوب التّحضير في القدر، جامعاً اللّحم الأحمر أو دجاج الدّيوك مع البطاطا والبصل والزّيت مدّة 2 ساعة على النّار حتّى ينضج ويُقدّم ساخناً.

وإذا حلّلنا هذه التّقنيّات المغاربيّة من منظور كيمياء الطّهو والفيزياء الحراريّة، ندرك تفاوتاً جذريّاً في هندسة الأوعية، وآليّات التّعريض الحراريّ، ووظائف الپروتينات. إذ يُظهر ممرّ الطّبخ البطيء في المغرب والجزائر توظيفاً ذكيّاً للتّصميم الهندسيّ للغطاء المخروطيّ الفخّاريّ. يصعد البخار المحمّل بالرّوائح العطريّة لملامسة جدران الغطاء الباردة نسبيّاً، ليتكثّف ويهبط مجدّداً على المكوّنات. وتضمن دورة التّكثيف المستمرّة هذه ترطيباً ذاتيّاً يمنع جفاف اللّحوم، ويسمح للحرارة الهادئة والممتدّة لأكثر من ساعتين بتفكيك الكولاجين القاسي وتحويله إلى جيلاتين رخو، ممّا يمنح المرق قواماً لزجاً وكثيفاً بصورة طبيعيّة.

ويقابل هذا الطّبخ البطيء تناقض حراريّ واضح في الطّاجن الصّحراويّ الجزائريّ، الّذي يستعمل شحم سنام الجمل وسط دهنيّ سريع النّقل للحرارة العالية المباشرة من الفحم. ويُسرّع هذا الوسط الدّهنيّ نضج كبد الجمل ولحومه في مدّة قصيرة تتراوح بين 10 و 15 دقيقة، ليخلق قشرة خارجيّة مقرمشة عبر تفاعل مايار، مع الحفاظ على طراوة الأنسجة الدّاخليّة.

ويكشف الممرّ التّقنيّ الثّاني في تونس وليبيا عن تحوّل كيميائيّ كامل في مفهوم الطّاجن، ليقترب من هيكليّة الفريتاتا أو الكيش المخبوز. حيث تستبدل هذه التّقنيّة دورة التّكثيف الفخّاريّة بآليّة التّخثّر الپروتينيّ للبيض. ويؤدّي خفق كمّيّات كبيرة من البيض، تبلغ 12 بيضة غالباً، ودمجها مع اللّحوم والأجبان، إلى بناء شبكة پروتينيّة ثلاثيّة الأبعاد. فتتصلّب هذه الشّبكة عند التّعريض لدرجات حرارة الفرن البالغة 180°C، لتحبس العصارات والدّهون وجزيئات الهواء داخلها، منتجة قواماً إسفنجيّاً متماسكاً. وتُضيف التّنويعات المغلّفة بأوراق الملسوقة، كالبسطيلة، تبايناً نسيجيّاً واضحاً، فالخبز يجفّف الكربوهيدرات في العجين الرّقيق ليمنحه قرمشة خارجيّة تغلّف الحشوة الرّطبة.

أمّا في مجال هندسة النّكهات، فتدمج التّقنيّة المغربيّة سكّريّات الفواكه المجفّفة كالبرقوق والزّبيب مع الأحماض الأمينيّة للّحوم، لبناء توازن معقّد بين الحلاوة والملوحة، ويدعمه توظيف ليمون مخلّل لإضافة حموضة لاذعة تكسر دسامة الدّهون. وفي المقابل، تميل التّقنيّة التّونسيّة واللّيبيّة إلى تعزيز نكهة الأومامي اللّاحميّة عبر تكثيف الأجبان المالحة وإضافة معجون الفليفلة الحارّة والمرقاز، لتشكيل طعم لاذع وغنيّ يتناسب مع القوام الپروتينيّ المخبوز.

الفصل السّادس: التّحليل الفيزيائيّ والكيميائيّ المطبخيّ لمسار المطجّنات التّاريخيّ والمعاصر

وفي ختام هذه الدراسة المفصّلة، نجد أنّ من واجبنا الشروع بالتّحليل الدّقيق لفيزياء وكيمياء الطّهي بمقارنة عميقة بين الوصفات البغداديّة التّأسيسيّة وتنويعاتها الجغرافيّة المعاصرة في الشّام ومصر والمغرب العربيّ. ويوضّح هذا المسار تغيّر أدوات تطرية اللّحوم، وتفاعلات التّحميص، وهندسة الأوعية الحراريّة عبر العصور المختلفة الّتي مرّت بها هذه الأطباق.

وقبل الخوض في تفاصيل هذه التّفاعلات، تلفت النّظر ظاهرة فريدة في خارطة انتشار المطجّنات، تتجلّى في الازدهار الهائل لتنوّع الطّواجن في مصر الّتي ابتكرت أكثر من 60 تنويعاً موثّقاً، مقابل انحسار ملحوظ في بقيّة البلدان العربيّة، وتحديداً في العراق بلد المنشأ الّذي حافظ على تنويعات قليلة محصورة في أطباق التّبسي. ولربّما يرجع هذا النّجاح المصريّ الكاسح إلى التّوظيف الذّكيّ لوفرة المحاصيل المحلّيّة في وادي النّيل، ودمجها بعبقريّة مع تقنيّة التّسبيك وخصائص الفخّار الحراريّة. إذ وظّف المصريّون الطّاجن توظيفاً شاملاً أخرجه من دائرة اللّحوم الضّيّقة، ليتّسع ويشمل الخضار والدّواجن والمأكولات البحريّة وحتّى المعكرونة، جاعلين من المطبخ المصريّ الحاضنة الأكبر والأكثر إبداعاً للإرث البغداديّ في هذا المجال.

ولا بدّ أن نشير إلى وسائل الطّبخ المصريّة الّتي سهّلت استعمال الطّاجن بكلفة طبخ أقلّ تاريخيّاً من بقيّة البلدان. إذ يستوجب الطّاجن بطبيعته خَبزاً ممتدّاً، وقبل شيوع الغاز والكهرباء الحديثة لزم طهيه داخل فرن حطب عالي الحرارة. فتغلّب المصريّون على ندرة الأخشاب وغلاء الحطب بابتكار الأفران الطّينيّة المحلّيّة، الّتي تعتمد في إيقادها على المخلّفات الزّراعيّة الجافّة المتوفّرة بكثرة ومجّاناً في أرجاء وادي النّيل. وأتاح هذا التّكيّف الاقتصاديّ والبيئيّ للأهالي ممارسة تقنيّة الطّبخ البطيء والمكتوم مدّة تتجاوز ساعتين دون تكبّد أعباء ماليّة مرهقة، ممّا رسّخ مكانة الطّاجن في يوميّات الطّهي المصريّ وجعله وعاءً شعبيّاً بامتياز يكسر احتكار النّخب لتقنيّات الطّبخ البطيء.

أوّلاً: كيمياء تطرية اللّحوم وبناء النّكهة الحامضيّة

اعتمدت الوصفة البغداديّة الأولى على غمر اللّحوم في محاليل شديدة الحموضة، باستعمال الخلّ النّقيّ لسلق جدي رضيع، ثُمّ نقعه في المُرّيِّ العتيق (محلول ملحي معتّق) وعصر ماء اللّيمو الطّريّ فوقه. تفتّت هذه الأحماض القويّة الرّوابط الپروتينيّة بشدّة بالغة وتسرّع نضجها.

لجأ المطبخ العثمانيّ التّاريخيّ (وهو المطبخ المؤسس على كتب الطبيخ العبّاسيّة) إلى بدائل حامضيّة تعتمد على الفواكه، فاستعمل التّفّاح والسّفرجل والبرقوق والحصرم في وعاء گُوڤيچ Güveç التّركيّ. ثمّ شكّل القرن 19 م \ 13 هـ نقطة تحوّل جذريّة بدخول البندورة القادمة من المكسيك. فتخلّى الكواج الشّاميّ والطّواجن المصريّة عن الخلّ التّاريخيّ لمصلحة حمض الگلوتاميك المتوفّر طبيعيّاً في البندورة. وهنا يظهر التّباين المحلّيّ جليّاً، فنجد الوصفة الدّمشقيّة تكتفي بعصارة البندورة الحورانيّة الطّازجة مدمجة بدهن الغنم لتشكيل قاعدة النّكهة، ويُستعاد التّوازن الحامضيّ التّاريخيّ المفقود في التّنويعات الشّاميّة الأعمّ عبر إضافة ربّ البندورة ودبس الرّمّان. كما احتفظ الطّاجن المغربيّ بالتّقنيّة التّاريخيّة جزئيّاً باستعمال اللّيمون المخلّل لإعطاء حموضة متوازنة تذيب ألياف الدّجاج واللّحوم القاسية.

ثانياً: هندسة التّفاعلات الحراريّة وتفاعل مايار

تطلّب بناء قشرة النّكهة في الوصفة البغداديّة تجفيف اللّحم بعد سلقه وقَلْيه في الشّيْرَج الطّريّ، لترسيخ تفاعل مايار Maillard reaction بسرعة فائقة تحت تأثير النّار المباشرة. وتختلف التّقنيّات المعاصرة باختلاف الجغرافيا والأوعية المستعملة.

  • يطبّق الطّاجن المغربيّ والجزائريّ هذا التّفاعل ببطء شديد أسفل الإناء الفخّاريّ المخروطيّ الملامس لحرارة الفحم الهادئة مدّة تتجاوز ساعتين.
  • يطبّق المطبخ المصريّ تقنيّة مزدوجة، تبدأ بتسبيك البصل في السّمن والزّيت على نار مباشرة، وتكتمل بخبز المكوّنات في فرن مضبوط على حرارة 180°C مدّة 20 إلى 40 دقيقة لتحمير الوجه العُلويّ.
  • يوسّع خَبز الكواج الدّمشقيّ في صينيّة معدنيّة مكشوفة مساحة التّعريض الحراريّ الجافّ، ليُحفّز تفاعل مايار على السّطح العُلويّ لإكسابه قرمشة ولوناً متورّداً، على النّقيض من الكواج الشّاميّ العامّ الّذي يُخبز مغطّىً بورق الألمنيوم على حرارة 180°C أو يُطبخ ببطء شديد للاحتفاظ بالعصارة الدّاخليّة.

ثالثاً: فيزياء الأوعية وتكثيف المرق

تتباين التّقنيّات الفيزيائيّة لإدارة السّوائل وتكثيف المرق بين الطّبخ التّاريخيّ والمعاصر. إذ اعتمدت المقلوبة البغداديّة على سلق اللّحم المدقوق في ماء السُّمّاق حتّى يتشرّبه بالكامل، واستعملت جريش الجوز عنصراً رابطاً لتكثيف النّسيج. في حين يعتمد الطّاجن المغربيّ المعاصر هندسة ديناميكيّة حراريّة فريدة بفضل الغطاء الفخّاريّ المخروطيّ، فيصعد البخار المملوء بالعصارات ليصطدم بقمّة الغطاء الباردة، ليتكاثف ويعود نازلاً فوق الخضار واللّحوم، ليتيح الطّهي بكمّيّة ماء قليلة جدّاً.

يضيف المطبخ الجزائريّ الطّحين أو النّشاء لتكثيف المرق في طاجن الزّيتون. وتختلف التّقنيّة جذريّاً في تونس وليبيا، فبدلاً من تكثيف المرق، يُمزج اللّحم والخضار مع 6 إلى 12 بيضة لتشكيل شبكة پروتينيّة صلبة تُخبز في الفرن حتّى تتصلّب وتتماسك، في محاكاة بعيدة لوصفة المُفَرّكة البغداديّة الّتي خلطت كبود الدّجاج بمحّ البيض وقَلَتها بالشّيْرَج.

الخاتمة: مفارقة التّسمية التّركيّة والاحتفاظ بالتّقنيّة البغداديّة

يطرح مسار تطوّر الكواج الشّاميّ مفارقة لغويّة وتقنيّة تثير الاستغراب بشدّة. إذ استعارت الوصفات الدّمشقيّة والشّاميّة اسم الكواج من الكلمة التّركيّة {گُوڤيچ} Güveç، وهي تسمية تشير أصلاً إلى وعاء فخّاريّ عميق يطابق البُرمة العربيّة التّقليديّة في شكلها ووظيفتها. لكنّ التّطبيق الشّاميّ تخلّى تماماً عن هذا الوعاء الفخّاريّ وعن آليّة الطّبخ البطيء المكتوم المرتبطة به. واحتفظت التّقنيّة الشّاميّة في جوهرها بالآليّة البغداديّة الأصليّة للمطجّنات، المعتمدة على صينيّة معدنيّة واسعة ومكشوفة تتيح تبخيراً سريعاً وتحميراً مباشراً للمكوّنات.

ويُقابل هذا التّمسّك التّقنيّ في الشّام مسار موازٍ في العراق، الّذي حافظ على التّقنيّة البغداديّة ذاتها باستعمال الطاجن (المقلى) لكنّه أطلق عليها اسماً فارسيّاً هو {تبسي}. ويُعرّف التّبسي بأنّه صينيّة عميقة أو طاجن ذو حوافّ مرتفعة، يُصنع من الفخّار أو المعدن، ويُستعمل لطهي الأطباق في الفرن على نار هادئة. وهي ذاتها مواصفات ما استعمله العبّاسيّون في عمليّة التّطجين: وعاءً مسطّحاً وقليل العمق عُرف تاريخيّاً باسم الطّاجن (أو الطّاجن البغداديّ)، وأُطلق عليه أيضاً اسم المقلى أو المطجّن.

صُنع هذا الوعاء من الفخّار أو من معادن صلبة مثل النّحاس والحديد، وخُصّص حصراً للقَلْي المباشر والسّريع في الشّيرج أو الزّيت على نار مكشوفة وعالية، لتسهيل التّقليب المستمرّ للمكوّنات والتّبخير السّريع للسّوائل، بغية بناء قشرة النّكهة، في تناقض تامّ مع آليّة الطّبخ البطيء والمكتوم الخاصّة بالأوعية العميقة مثل البُرمة. واليوم نضعه في الفرن ونقوله عنه صينية أو تبسي.

وتتجلّى هذه التّقنيّة الأصيلة في وصفة تبسي الباذنجان العراقيّة، الّتي تبدأ بتقطيع الباذنجان وتمليحه مدّة 30 دقيقة ليخرج ماءه، ثُمّ قَلْيه لتقليل امتصاص الزّيت. ويُسلق اللّحم على حدة، ليُشوّح لاحقاً مع البصل، وتُشوّح البندورة ومعجون البندورة. وتُرصّ المكوّنات في طبقات متعاقبة داخل التّبسي، ويُضاف خليط المعجون والماء، ليُخبز في الفرن حتّى تتداخل النّكهات وتكتسب الطّبقات العُلويّة لوناً ذهبيّاً متماسكاً. وينتج عن هذه التّقنيّة طبق دسم غنيّ بالدّهون، يجمع حلاوة الخضار المكرملة بملوحة اللّحم ونكهة التّحميص.

وتتطلّب الإجابة عن هذه المفارقة المزدوجة فهماً لآليّات التّبادل اللّغويّ والاجتماعيّ في الحواضر العربيّة. إذ تسرّبت تسمية {گُوڤيچ} إلى الشّام بصورة طبيعيّة نتيجة الاحتكاك اليوميّ مع الموظّفين والطهاة العثمانيّين، وحركة التّجارة في الأسواق، ولربّما تأثّر النّخب المحلّيّة بموائد الأرستقراطية العثمانية، وبمصطلحات مدارس الطهي العثمانية.

استبدل الأتراك اسم الأكلة باسم الطبق الذي تُحضّر فيه، ثمّ استعار عرب الشام لفظة {گُوڤيچ} بتحويرها إلى {كواج} اسماً للوصفة بغضّ النظر عن شكل طبقها الأصلي، وانتقلت بتشابه المكوّنات لتستبدل مفردة {صينية} أو {طاجن} اسماً للأكلة، ربّما بسبب مكوّنات جديدة وصلت من الأناضول في العهد العثماني.

تبنّى المطبخ الدّمشقيّ هذا الاسم لجاذبيّته وشيوعه، وأطلقه على أطباق الخضار واللّحوم المحلّيّة المشابهة. لكنّ البنية التّحتيّة للمدن الشّاميّة، المعتمدة على الأفران الواسعة والصّواني المعدنيّة الضّخمة المخصّصة للخَبز الجماعيّ، دفعت الطّهاة إلى استبعاد التّقنيّة الفخّاريّة البطيئة. وفضّل الطّهاة الشّاميّون الاستمرار باستعمال الصّينيّة المعدنيّة البغداديّة لأنّها أسرع، وتُحقّق تفاعل مايار بنجاح أكبر وأوسع نطاقاً.

وأدّى القرب الجغرافيّ والتّاريخيّ للعراق من إيران إلى استعارة كلمة {تبسي} الفارسيّة لوصف الوعاء ذاته وتقنيّة الطّهي التّقليديّة. وهكذا، ألبس الشّاميّون تقنيّتهم البغداديّة العريقة اسماً تركيّاً لا يمتّ لوعائهم بصلة، وألبسها العراقيّون اسماً فارسيّاً، لتبقى روح المطجّن العبّاسيّ حيّة تنبض في الصّواني المعدنيّة تحت هويّات لغويّة مستعارة، ممّا يبرهن على انتصار التّقنيّة المطبخيّة العمليّة على التّغيّرات اللّغويّة والسّياسيّة.

مصادر ومراجع

  1. Nawal Nasrallah, Annals of the Caliphs’ Kitchens: Ibn Sayyār al-Warrāq’s Tenth-Century Baghdadi Cookbook https://brill.com/display/title/13234
  2. Charles Perry, “Kitab al-Tabikh” (translation and studies on al-Baghdadi cookbook) https://www.la.utexas.edu/users/hcleaver/330T/350kPEEry.html
  3. Maxime Rodinson, Medieval Arab Cookery https://www.academia.edu/3637130/Medieval_Arab_Cookery
  4. Ken Albala, Food in Early Modern Europe (يتناول تطور تقنيات الطبخ والتبادل الغذائي) https://www.routledge.com/Food-in-Early-Modern-Europe/Albala/p/book/9780313339652
  5. Harold McGee, On Food and Cooking: The Science and Lore of the Kitchen https://www.simonandschuster.com/books/On-Food-and-Cooking/Harold-McGee/9780684800010
  6. Hervé This, Molecular Gastronomy: Exploring the Science of Flavor https://cup.columbia.edu/book/molecular-gastronomy/9780231133127
  7. Alan Davidson, The Oxford Companion to Food https://global.oup.com/academic/product/the-oxford-companion-to-food-9780199677336
  8. Priscilla Mary Işın, Ottoman Cuisine: A Rich Culinary Tradition https://www.ibtauris.com/en-gb/book/9781848857536/ottoman-cuisine
  9. Suraiya Faroqhi, Subjects of the Sultan: Culture and Daily Life in the Ottoman Empire https://www.ibtauris.com/en-gb/book/9781850437603/subjects-of-the-sultan
  10. Sami Zubaida & Richard Tapper, A Taste of Thyme: Culinary Cultures of the Middle East https://www.tauris.com/books/a-taste-of-thyme
  11. Jessica Harris, Food and Culture in the Middle East (ضمن دراسات أوسع عن انتقال الأغذية) https://www.jstor.org/stable/10.7312/harr11890
  12. McGee, Harold – Maillard reaction explanation (مرجع علمي أساسي للتفاعل) https://www.sciencedirect.com/topics/food-science/maillard-reaction
  13. Peter Freedman (ed.), Food: The History of Taste https://www.ucpress.edu/book/9780520277518/food
  14. Encyclopaedia Iranica – “Tabikh” and culinary traditions https://iranicaonline.org
  15. Metropolitan Museum of Art – Food and cooking in the Islamic world https://www.metmuseum.org/toah/hd/food/hd_food.htm
  16. British Museum – Daily life in Mesopotamia and cooking practices https://www.britishmuseum.org
  17. Smithsonian Magazine – History of tomatoes in global cuisine https://www.smithsonianmag.com/history/why-the-tomato-was-feared-in-europe-for-more-than-200-years-863735/
  18. BBC Food – History of tagine and North African cooking https://www.bbc.co.uk/food/articles/tagine_history
  19. BBC Travel – Ottoman and Middle Eastern food history https://www.bbc.com/travel/article/20190217-the-surprising-origins-of-middle-eastern-food
  20. National Geographic – Columbian Exchange (انتقال الطماطم والفليفلة) https://www.nationalgeographic.org/article/columbian-exchange/
  21. Serious Eats (مقالات علمية مبنية على مصادر حول الطهي والتفاعلات) https://www.seriouseats.com/maillard-reaction-what-it-is
  22. Oxford Research Encyclopedia of Food Studies – Middle Eastern food history https://oxfordre.com/food
  23. FAO (Food and Agriculture Organization) – Traditional foods in Near East & North Africa https://www.fao.org

ملاحظات تحقّق مهمّة

  • وجود كتابي ابن سيّار الورّاق (القرن 10م) والبغدادي (القرن 13م) موثّق أكاديمياً ومترجم جزئياً، وهو أساس علمي حقيقي لما ورد في المقال.
  • انتقال الطماطم والفليفلة من الأمريكيتين إلى العالم القديم في القرن 16–18 موثّق بقوة ضمن دراسات “Columbian Exchange”.
  • تفاعل مايار، وتفكك الكولاجين، ودور الأحماض في تطرية اللحم كلها مثبتة في مراجع كيمياء الغذاء القياسية (McGee وHervé This).
  • مصطلح Güveç التركي مثبت لغوياً وتاريخياً كاسم للوعاء قبل أن يصبح اسم طبق.
  • تقنيات الطاجين المغربي (الغطاء المخروطي ودورة التكاثف) موثقة في دراسات أنثروبولوجيا الغذاء.

تاريخ النشر

آخر تحرير

عودة إلى …

اترك رد

مدوّنة البخاري تُدار بقدرة شخص واحد، دون مورد مالي عائد منها. لذلك فإنّ دعمنا بالتبرّع هو رافد عظيم لمنحنا القدرة على الاستمرار.

اكتشاف المزيد من مدوّنة البخاري

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading