رسمة أمس السبت لمشهد بديع (من وجهة نظري على الأقل) لجامع ”لب الحوز“، أحد أكبر وأهمّ المواقع الأثرية في مدينة بخارى، ولهذا المكان أهميّة لا على المستوى الفنّي والمعماري وحسب، بل وكذلك أهمية تاريخية على المستوى الميثولوجي، لما فيه من أدلّة على مجتمع متنوّع وحرّ لا يعرفه العالم اليوم عن المسلم التركستاني.

هذه تدوينة أطول من المعتاد، لكنّ ما فيها من معلومات ممتعة يستحقّ صرف الوقت فيها، وقد أحببت أخذك في نزهة إلى بلاد أهلي أوزبكستان. أمّا إن كنت مستعجلاً فاعتبره منشوراً برسمة وحسب، وانتقد مستواها الفنّي الركيك لا بأس.
هذا المكان خرّج أهمّ وأشهر علماء القرون الوسطى من المسلمين، وصلّى اليهود في جنباً إلى جنب مع المسلمين، وتطوّرت بين جدرانه أهمّ المدارس الصوفية الآسيوية وأكثرها تأثيراً في العالم. وتُعتبر جامعة ”لب الحوز“ إلى جانب جامعة ”ریگستان“ في سمرقند، أهمّ جامعات القرون الوسطى في آسيا على الإطلاق.
ما تراه في الرسمة هو في الواقع غرف دراسة، إذ وكما تحتوي جامعات اليوم على غرف دراسة تحجزها مجموعات الطلبة يتدارسون فيها معاً، تحتوي كذلك جميع الجامعات التركستانية القديمة على العشرات في كلّ منها. هذه الشرفات المفتوحة من جهة واحدة، كي تكون غرفاً للدراسة ينفرد فيها الطلّاب عن العالم. وطالما أنّ موقع الجامعة في وسط جنائن معزولة عن ازدحام المدن، تكون جميع هذه الشرفات على إطلالة خلّابة تنعش الفكر في عقل الطالب.
بدأ بناء منشأة ”لب الحوز“ Labihovuz ansambli منتصف القرن 16 بإنشاء مدرسة قُقِلدَش. وقُقِلدَش Kukeldash تعني في اللّغة التركية البخارية حرفياً ”الأخ الحاضن للأمير“ إذ كان من عادة أمراء الترك أن يتبنّى الأمير صبيّاً من الأشراف يرافق ابنه الأمير في كلّ مراحل حياته كظلّه، ثمّ يكون معه في الحكم ناصحاً ومهذِّباً وحامياً. تِكرار لمفهوم القرين في الثقافة التركية. وهي عادة تكرّرت كذلك مع المولودات الإناث فكانت للأميرة مرافقة من الأشراف يتبنّاها الملك لتكون وصيفة لابنته، غير المربية. والأشراف هنا في تلك الفترة هم العرب.
وكان لجدّي عبد الستّار باي أوگلو قُقِلدَش كذلك اسمه اسكندر، لم يفارق جدّي رحمه الله حتّى توفّي، وحتى بعد نزوحه إلى دمشق والإقامة فيها، رفض الققلدش اسكندر طلب جدّي التسريح والافتراق من بعد زوال مُلك بخارى ومعه ثراء جدي، فأقام في صالحية دمشق جاراً ورفيقاً لأميره الحبيب.
سنة 1568 أمر ”گُلبله ققلدش“ ببناء مدرسة على الضفّة الشمالية للحوز، والمدرسة في الأعراف التركستانية تتخصّص بالتعليم العالي، وهي في أعرافنا اليوم الكلّية أو المعهد العالي. وكان في مدينة بخارى عدد كبير من الأحواز (الأحواض) الاصطناعية المخصّصة لحاجات أهل المدينة من المياه، وهي خزّانات مياه مفتوحة تجمع مياه الأمطار، كما تملأها أقنية يحفرها الأهالي ما بين الأنهار والأحواز. ثمّ اعتاد الناس بناء المساجد إلى جانب الأحواز في العصرين الزرادشتي والإسلامي بسبب حاجة العبادات إلى مياه نظيفة باستمرار، فصار اسمها حوزات؛ الحوزة أيّ المسجد والمدرسة وحوز الماء (الحوض).
وحوز الماء (حاووظ) Hovuz هو السبب بتسمية المنشأة التعليمية بتسمية ”لب الحوز“ التي تعني حرفياً ”إلى جانب الحوض“، وكتبتها الناس في البخارية القديمة ”لب حۉز“ وفي الفارسية ”لب حوض“، وكانت الفارسية هي لغة الدولة الرسمية قبل قيام المملكة الشيبانية سنة 1428. واستمرّ وجود الأحواز في عموم تركستان تستخدمها الناس حتى العهد السوڤييتي، حين ردم الروس جميع أحواز المدينة وهدموا مساجدها، ما عدا الجامع الأكبر؛ بسبب المنشآت الأثرية المهمّة من حوله. وكان أن ردم الروس أحواز المدينة خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين متحجّجين بنشرها للأمراض والقذراة، وهي القذارة التي تسبّب بها السوڤييت أنفسهم حين استخدموا هذه الأحواز لرمي النفايات والقاذورات.
بعد أن أنشأ القُقِلدَش گُلبله مدرسة على شمال الحوز لتأهيل نخبة سياسية للبلد، أنشأ أفرعاً لها في جميع المدن المهمّة في تركستان وبذات التسمية. ثمّ سنة 1619 أمر الوزير ”البيغ ناظر الديوان“ ببناء ”خانِقه“ صوفية إلى جانب مدرسة الققلدش. والخانِقه هي التسمية البخارية لبيت الصوفيّين، ينزل فيه الصوفيّون الجوّالون، وهي عادة شاعت في القرون الوسطى، حين يتّخذ الصوفيّ الترحال نمطاً لحياته، فلا يَملك ولا يُمتلك، ويصرف حياته في جمع المعرفة من مخالطة الناس.
تسمية الخانِقه في البخارية عن ”خان نقاه“ أي مُستجمّ الخان (الملك) وهي ذاتها في التراث العربي؛ الخلوة والرِباط والزاوية والتكية والخانكاه والسبيل والمصلّى. مكان ينزل فيه ”السالك“ sālik في أثناء سعيه في السُلوك sulūk أي الطُرق نحو الحقيقة، سارياً على الشريعة الصحيحة. وهو أسلوب حياة درج عليه الصوفية من وحي الآية 69 من سورة النحل من القرآن ”ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ“.
الوزير ”البيغ ناظر الديوان“ Nadir Divan-Beghi (بيغ هي بيك في البخارية القديمة) كان على قرابة بالإمام قُلي ”امامقلی خان“ والأخير كان جورجيّاً اشتغل حاكماً على إقليم فارس واللّر والبحرين، لمصلحة الشاه عبّاس الأول صفوي في أصفهان. وفي ذات الوقت، كان الإمام قُلي من منظّري الصوفية وذو صوت مسموع في الأوساط الإسلامية في آسيا. والإمام قُلي هو من وطّد ومدّ العلاقات سنة 1621 ما بين شركة الهند الشرقية الإنگليزية والحكومة الصفوية، إذ أنّ قُلي نجح بإقناع EIC بالتحالف مع الصفويين في وجه الپرتغاليين والعمل معاً على طردهم عن الخليج العربي.
نعود إلى جامع لب الحوز، سنة 1622 أنشأ الوزير ناظر الديوان كذلك مدرسة (كلية) تقوم بتدريس علوم الحياة على الطريقة الصوفية، وبنى لها مبنين على الجهتين الشرقية والغربية للحوز، وبُني إلى جانبها لاحقاً مدرسة ”الكيلاني قزي نصرالدين“ لكن؛ هدمها الروس خلال الحكم السوڤييتي ولا نعرف شيئاً عنها.
بحلول سنة 1623 صار جامع ”لب الحوز“ أكبر جامعة في مدينة بخارى، وكلمة ”جامع“ في اللغة التركية البخارية تعني في الأساس جامعة تعليمية ولا تشير إلى مكان للعبادة، لأنها تجمع منشآت التعليم بشكل متكامل: مدرسة وتكية ومطعم ومستشفى وسكن للطلاب.
في فترة لاحقة من القرن 17 تمّ إنشاء مسجد بالقرب من المدارس في ساحة سوقٍ للعطّارين ”ميدان البذور“ bozor maydoni تقع خلف المدرسة، وكانت الساحة وسط حيّ لليهود. أطلقت الناس على المسجد اسم ”مسجد عطّارة ماغوگ“ Magʻoki attori masjidi وانضمّ المسجد إدارياً واقتصادياً إلى وقف كتلة ”لب الحوز“ التعليمية وصار مسجداً لطلّاب المدارس من حوله.
ومكان المسجد في الأساس كان لمعبد لعبادة القمر ”موخ“ كان اسمه ”ماگوخ“ أي ”معبد الجورة“ لكونه منخفضاً عن ساحة السوق، وكان قد تحلّق باعة البهارت ”العطّارين“ حول المعبد لارتباط شعائر عبادة القمر بالتعطّر ومهنة العطارة. لاحقاً تحوّل المعبد عن عبادة القمر إلى عبادة ميثرا (الشمس) على الديانة الزرادشتية، ثمّ أُغلق في القرن التاسع مع الفتح العربي ليعاد افتتاحه في القرن العاشر كمسجد للمسلمين؛ ثمّ منحه المسلمون لليهود للصلاة فيه، ثمّ دمّره المغول (المونگول) خلال الفتح المغولي ثمّ أعادوا بناءه خلال القرن 12، ثمّ أضاف له الناس إيواناً في القرن 15 وأعادوا السماح لليهود بالصلاة فيه، ثمّ ضربه زلزال وأُهمِل.
بقي المسجد مُهملاً حتّى القرن 17 حين أعيد بناؤه على نمط يشبه عمارة جامعة ”لب الحوز“ واستمرّ المسلمون واليهود يصلّون فيه معاً. ورغم كلّ تلك الأحداث حافظ المكان على اسمه القديم ”مسجد عطّارة ماغوگ“ (ماگوخ).
الملفت والمثير للاهتمام في عمارة منشآت جامع ”لب الحوز“ هو وجود رموز على واجهاته لا تنتمي في الواقع للإسلام. فعلى مدخل مدرسة ناظر الديوان مثلاً نرى عدّة رسومٍ للعنقاء (طائر الفينيق) يحلّق ما بين النجوم صوب شمس ”ميثرا“ بوجه أنثى، تماماً كما كانت الرسومات على المعابد الزرادشتية والميثرانية القديمة. العنقاء المرسومة على المدخل مرسومة بأسلوب يشابه شكل طائر الصلاة الصيني ”الطاووس“ وبلون أزرق مخضر يخالف العادة في رسم العنقاء بلون قرمزي أحمر. وهو النمط الميثراني الحموي تماماً وليس الشيرازي، ما يخالف الزرادشتية.
المجمّع بالكامل ”لب الحوز“ موجود في وسط مدينة بخارى القديمة، وفي قلب حيّ اليهود ”محلّة كُمه“ Mahalli Kuma حيث كانوا يقيمون قبل الفتح العربي للمدينة وحيث استمرّوا بالحياة حتى ابتلاء البلد بالاحتلال الروسي فتركوا المدينة إلى نيويورك. و”لب الحوز“ هو أكبر مساجد بخارى وأكبر مؤسّساتها التعليمية حتى القرن العشرين، وكان اسمه الشائع بين الناس ”حاووظ البزور“ Hovuz-i bozor بسبب وجود سوق العطارين اليهود ”البزورية“ إلى جانبه.
خلال الحقبة السوڤييتية أغلقت السلطات المساجد ومنعت الصلاة فيها، واليوم قامت السلطات الأوزبكية بتحويل المسجد إلى متحف للسجّاد، في حين فتحت منشآت الجامعة للسيّاح، والموقع محميّ عالمياً ومسجّل على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي.





اترك رد